سمير اليوسف - دروس قصيرة في نيتشه (2) الفلسفة، الجسد والحركة .

(2)
الفلسفة، الجسد والحركة
.
كان التفكير الفلسفي والكتابة عند نيتشه نشاطيّن متساوقيّن مع الحركة خاصة المشي الذي كان يمارسه بشكل يوميّ ولساعات عديدة. بل وحتى في السنوات الأخيرة من حياته، بعد أن استبدّ به العجز الجسماني، حيث لم يعد قادراً على الحركة دون الاستعانة بكرسيٍ متحرك، كان من الضروري أن يُنقل تكراراً، على شرفة البيت، من جهةٍ إلى الجهة المعاكسة.
لأسبابٍ صحية، وهو بعد في سن الرابعة والثلاثين، استقال نيتشه من منصبه في جامعة بازل كأستاذ كرسي دراسات فقه اللغة الكلاسيكية. ولعشرة أعوام بعد ذلك عاني الفيلسوف الألماني من أمراض مختلفة، أبرزها الصداع النصفي وضعف في النظر، بلغ من الخطورة حد فقدان القدرة على القراءة. وأمسى راتبه التقاعدي المتواضع مصدر رزقه المادي الوحيد بما اضطره إلى الحياةِ حياة فاقةٍ وشظف.
وبعد عشرة اعوام على ذلك لم تعد معاناته تقتصر على الامراض الجسدية فحسب وانما طاولت قواه العقلية أيضاً. ومن ثم فقد قضى الاعوام الستة الأخيرة مُصاباً بالجنون.
لهذا فإن حياته الفلسفية لم تتجاوز اكثر من عقدٍ واحد أنتج خلاله بعض أهم الأعمال الفلسفية في تاريخ البشرية. وعلى رغم من حياة الفاقة والمرض التي كابدها إلا ان فلسفته كانت، سواء على مستوى التعبير أوالمعنى أوالمنهج، تمجيداً للقوة ضد الضعف، انحيازاً للأمل ضد اليأس، للهجوم ضد التراجع ولتحطيم الأوثان عوضاً عن الخضوع لها. هذا بالإضافة إلى نظريات ومفاهيم وخطيرة شأن "الانسان الأعلى" و"إرادة السلطة" و"العود الأبدي".
لم يتورع نيتشه عن الاحالة على حياته الشخصية. وكتابه الأخير "هذا هو الانسان" بمثابة سيرة ذاتية فكرية مقتضبة من خلال الكلام على مؤلفاته. لكن فلسفة نيتشه لم تكن مجرد ردة فعلّ على ما كابده من ألم جسماني او حاجة مادية. لا فيلسوف من قبله أولى الجسد الانساني الأهمية التي أولاها. ألتأكيد على أولوية الجسد حكم فلسفته في شتى المواضيع التي عالجها، الميتافيزيقيا والاخلاق وعلم الجمال والدين والعلم الحديث. فالجسد بالنسبة لنيتشه لا يقتصر على مركب فيزيولوجي، ولا هو بالكيان المنفصل والمضاد للروح- وحتماً ليس هو الأدني منزلة من الروح. وليس هو أيضاً بالمضاد للعقل أو التفكير. الجسد هو المرساة التي تتعلق بها كافة الحقائق والمزاعم والتصورات المعنية بالروح والعقل والذات والهوية الشخصية واللغة والاحكام والمعتقدات.
الجسد ليس ساكناً. نيتشه كان مشاءً، كما سبق القول. كان يمشي ويكتب. وهو توصّل إلى احدى أهم نظرياته وأشدها غموضاً ،"العود الابدي"، هو يمشي. والكثير مما كتبه دوّنه في دفاتر ملاحظات بينما كان يمشي. أحياناً كان يمشي لما يقل عن خمس ساعات في اليوم الواحد. وحركة الجسد لا تعني الانحدار. كان نيتشه فيلسوف الأعالي بالمعنى الحرفيّ والمجازي على السواء. وأنت لا تبلغ الأعالي، قمم الجبال أو ذروة التفكير الفلسفي، الا بالحركة. بالمشي والوثوب وتسلق الجبال والطيران. فالجسد يعني الخفة والرشاقة والرقص، أي الفن.
كان نيتشه من أهم العقول الفلسفية التي انتجتها البشرية غير أنه كان أيضاً عاشقاً للفن (خصوصاً الموسيقى) وفناناً. وهو صاحب المقولة الشهيرة "لولا الموسيقى لكان الوجود الانساني خطأً كبيرا". ولم يسلم من شرّ نقده أحد الا من تمتع بأسلوب أدبي جميل مثل شكسبير ورالف ايمرسون وهاينرش هينه. كان حريصاً على اتقان اسلوب أدبي يضاهي به اسلوب الادباء أنفسهم وقد أصرّ دائماً انه، الى جانب هينرش هينه، أفضل من كتب النثر باللغة الألمانية.
في الحقيقة نحن حينما نقرأ نيتشه حتى في الترجمة (العربية أو الانكليزية) لن نستطيع تجاهل العناية التي أولاها لطريقة التعبير. ففي عبارة نيتشه ما يشبه مجازات حركة الجسد نفسه، المشي والوثوب وتسلق الأعالي، وعلاوة على كل ذلك، الرقص. وخلف كل تلك المجازات كانت الرغبة في الشعر، بأن يكتب كشاعر ويكون شاعراً. وهذا موضوع الدرس الثالث.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...