عادل الاسطة : النقد العربي الراهن فسيفساء من القديم والمعاصر...

عادل الاسطة : النقد العربي الراهن فسيفساء من القديم والمعاصر...
حاوره: عمر أبو الهيجاء / الدستور الأردنية

يرى الناقد الفلسطيني د. عادل الأسطة أن بعض النقاد العرب يبالغون أحيانا ويزعمون أن النظريات الغربية لها بذور في النقد العربي القديم. ود. الاسطة يدرس في جامع النجاح الوطنية بنابلس ، وله العديد من الكتب النقدية مثل: دراسات نقدية ، الأدب الفلسطيني والأدب الصهيوني ، ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية ، أدب المقاومة.. من تفاؤل البدايات الى خيبة النهايات ، الصوت والصدى.. مظفر النواب وحضوره في الأرض المحتلة ، في مرآة الآخر: استقبال الأدب الفلسطيني في ألمانيا ، وأرض القصيدة: جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره.

- لك العديد من الدراسات النقدية ، كيف تقرأ الخطاب النقدي العربي في اللحظة الراهنة؟
- لا أزعم أنني اطلعت على الدراسات النقدية العربية كلها حتى أصدر حكما اطمئن إليه. هناك نقاد عرب كثر في المشرق والمغرب ، ولهم اجتهاداتهم ، وغالبا ما تجد الرأي والرأي المغاير ، فليس ثمة اتفاق في قضايا نقدية عديدة أو حول منهج نقدي معين ، وهذا أمر طبيعي ، فالمشارب التي شرب منها هؤلاء النقاد متعددة ومختلفة ، بل ومتناقضة أحيانا كثيرة. هناك نقاد عرب درسوا في فرنسا ، وآخرون في ألمانيا ، وهناك نقاد عرب درسوا في أمريكا وبريطانيا ، هذا عدا النقاد العرب الذين انطلقوا من منطلق تراثي ، إذ قرأوا تراثنا النقدي واعتمدوا عليه. إن المشهد النقدي العربي المعاصر هو فسيفساء من مدارس نقدية عديدة ، معاصرة وقديمة. ثم إنه ليس مشهدا راكدا ، فهو متحرك يتأثر بكل ما يستجد على الساحة النقدية العالمية.
هل أبالغ حين أذهب إلى أن الناقد فينا ، بخاصة الجيل الجديد ، جيل التسعينيات ، هو ثمرة المناهج النقدية المعاصرة كلها. ربما أتحدث عن أدواتي النقدية. أنا قرأت المناهج القديمة والجديدة ، قرأت المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي ، وقرأت البنيوية والتفكيكية ونظرية التلقي ، وأفيد في كتاباتي النقدية منها كلها. إنني لا ألتزم بمنهج واحد أطبقه دائما.
وأنا أتابع المشهد النقدي العربي في المغرب وفي المشرق ، ألاحظ مدى إفادة الجيل الجديد من الحركة النقدية العالمية المعاصرة ، ترجمة وتأليفا ، لدرجة أن هناك كتبا نقدية كثيرة غدت تتحدث عن الشيء نفسه ، ما أوقع أصحابها في التكرار. وما ألاحظه أيضا أن هناك غير وجهة نظر حول المنهج النقدي نفسه ، ففلان يزعم أنه بنيوي ، ويطبق هذا المنهج في دراساته ، ولكن ناقدا آخر يأتي وينقض فهم الناقد السابق.

- النقد العربي معظمه ينطلق أو يعتمد على النظريات الغربية في النقد ، هل ثمة مفهوم نقدي عربي يمكن البناء عليه؟
- أوافقك الرأي ، ولكن هناك نقادا عربا يبالغون أحيانا ويزعمون أن النظريات الغربية لها بذور في النقد العربي القديم ، وهكذا تجد من يتحدث عن بنيوية عربية ، بل وتقرأ كتبا عن أصول التلقي في النقد العربي القديم. الطريف واللافت أن هؤلاء الذين يتحدثون عن هذا ما اكتشفوا هذا من قبل ، وهذا هو مقتلهم. لماذا فعلا لم يتحدثوا عن بنيوية عربية قبل أن يتحدث (بارت) عنها؟ ولماذا لم يخوضوا في تلقي النصوص قبل (هانز روبرت ياوس) و(فولفجانج ايزر)؟ ولماذا لم يكتبوا نظريا عن الراوي والمروي عليه وينظروا له قبل قراءة (جيرالد برنس)؟ الآن تجد دراسات عديدة عن المروي والمروي عليه في المقامات وفي الإمتاع والمؤانسة ، ولكنها كلها أنجزت بعد قراءة (برنس). على أية حال ، واعتمادا على مقولات نظرية التناص ، ومقولات (ميخائيل باختين) ، فليس هناك كلام بريء ، كلام أنشأه صاحبه دون أن يتأثر بسابق. وبتواضع يمكن القول: أن النقد العربي المعاصر هو فسيفساء من النقد القديم والمعاصر ، العربي وغير العربي. هناك نقاد ينطلقون من التراث ، وهناك نقاد يعتمدون على النظريات الغربية ، وثمة نقاد يزاوجون. هناك نقد عربي قديم ، ولكنه وحده لا يكفي ، إذ هو أصلا ، في جانب منه ، يعتمد على النقد اليوناني القديم. لقد تأثر النقاد العرب القدامى بما ترجم إلى العربية في العصر العباسي. وما أنجزه ابن سلام في طبقات الشعراء ، قبل حركة الترجمة ، يعد نقدا بسيطا.

- قرأت الأدب الفلسطيني والأدب الصهيوني ، ما الذي خلصت إليه من نتائج في هذه القراءة؟
- لم أقرأ الأدب الصهيوني بلغاته. الأدب الصهيوني كتب بالعبرية وبالإنجليزية وبالألمانية ، وقرأت بعض ما كتب بالأخيرة ، وبعض ما ترجم إليها ، من العبرية والإنجليزية ، وليست قراءاتي منهجية على أية حال. كان غسان كنفاني قرأ الأدب الصهيوني المكتوب بالإنجليزية والمترجم إليها ، ومثله معين بسيسو ، وقد كتبا رادين عليه ، محاولين نقضه. وكانا سباقين في هذا.
وأنا أقرأ الأدب الفلسطيني ، وتحديدا وأنا أقرأ نصوصا لدرويش وطوقان (إبراهيم) وبسيسو وكنفاني ، لاحظت أن نصوصهم لا تخلو من الرد على الأدب الصهيوني الذي قرأوه. وهكذا عدت إلى النصوص التي قرأوها والتي أنجزوها وقارنت بينها ، لأكتشف أن النصوص الصهيونية مُكَوّنّ من مكونات الأدب الفلسطيني. ما ساعدني أيضا قراءاتي بالألمانية لبعض الكتب مثل كتاب (ثيودور هرتسل): أرض قديمة - جديدة ، وقراءاتي للترجمات إلى الألمانية والعربية.
لقد خلصت إلى أن الأدب الفلسطيني ، في جانب منه ، بخاصة لدى أدباء مشهورين ما كان ليكون لولا قراءة أصحابه للفكر الصهيوني ولنصوصه الأدبية وغير الأدبية. لقد كان الأدباء الفلسطينيون يخوضون حربا على الجبهة الثقافية ، في الوقت الذي كان فيه الفدائيون والمقاومون يخوضون الحرب على أرض الواقع. وأعتقد أنني التفت إلى هذا الجانب التفاتا بارزا ، ولو كنت أجيد العبرية لأنجزت الكثير.
غسان كنفاني ومعين بسيسو ومحمود درويش لهم إسهاماتهم في هذا الجانب ، داخل نصوصهم النثرية والشعرية ، وفي بعض كتبهم أيضا. كلنا يذكر كتاب كنفاني: في الأدب الصهيوني ، وكتاب بسيسو: في الرواية الإسرائيلية المعاصرة ، ومحمود درويش في كتابه: يوميات الحزن العادي. صحيح أن الأخير كتاب نثري ، لكن بعض مقالاته ما كانت لتنجز لولا قراءة درويش للأدب العبري. وعلى فكرة هناك مقالات نشرها درويش في مجلة الجديد ، حين كان محررا لها ، كان يرد فيها على الأدباء الصهيونيين ، فقد أجاد العبرية ، وهو بذلك يختلف عن كنفاني وبسيسو ، في أنه قرأ نصوصا عبرية باللغة الأم.

- درست الظواهر السلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية: أين تكمن برأيك هذه الظواهر؟
- نعم ، ولكني درست جوانب أخرى كثيرة في أشعار درويش غير الظواهر السلبية. درست جداريته وأنجزت عنها كتابا كاملا عنوانه: "أرض القصيدة: جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره". وأعدت قراءة قصيدته: رحلة المتنبي إلى مصر ، وتابعت أعماله كلها الصادرة بعد العام 2000 ، ما جعل محمود يبلغني ، كما قال لي بعض الشعراء ، أن كفى كتابة ، ربما مثلا يظن القراء والشعراء أنني من أنصاره. ولا أدري إن كان ما نقله لي هؤلاء صحيحا. عموما أنا تعمقت في أشعار محمود درويش ، ولو قرأته وقرأت غيره في الوقت نفسه ، بالمقدار نفسه ، لكانت قراءاتي عابرة وسطحية ، وتعلمت مما جرى أن هناك ضرورة للناقد أن يتابع شاعرا أو بضعة شعراء ، ويكتب عن نتاجهم حتى يتعمق فيهم ، وحتى لا يغدو عارض كتب ، حين يكتب.وأنا أتتبع أشعار درويش ومواقفه لاحظت أنه كان يتخلى عن قصائد أو مقاطع من قصائد ، ليس لأسباب جمالية فقط ، كما كان يقول ، وإنما لأسباب سياسية أيديولوجية. طبعا كان درويش يقول إن من حقه أن يفعل ذلك ، وأنا قلت أن من حق القراء أن يعرفوا ما هو المحذوف وما هي أسبابه.

- يقال بأن قصيدة المقاومة بدأت متفائلة وكان لها دورها التحريضي. هل ما زالت هذه القصيدة متوهجة أم أنها تراجعت وخفت توهجها؟
- نعم ، بدأت القصيدة متفائلة وكان لها دورها التحريضي ، وكل من يتابع المقاطع الشعرية التي كتبها درويش وزياد والقاسم وآخرون من شعراء المقاومة يلحظ هذا ، وقد توقف أمام هذه الظاهرة غسان كنفاني في كتابه "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة" ودرس أبعاد شعر المقاومة ومواقفه ، ولاحظ أن الشعراء كانوا يؤمنون بأهمية الكلمة ودورها في الكفاح. وكان ذلك يوم كانت الحركة القومية العربية في صعود ، ويوم كان الاتحاد السوفييتي يناصر حركات التحرر ، ويوم انبثقت المقاومة الفلسطينية قوية. لكن إلامَ آل الأمر؟ انهار الاتحاد السوفييتي ، وخسرت الحركة القومية قلاعها ، وضعفت المقاومة ، وامتد العمر بالشعراء. لقد غدوا شيوخا. وأرى أن هذه العوامل تركت أثرها على القصيدة فخفتت وفقدت بريقها وتوهجها ، هذا عدا أن بعض الشعراء غيروا موقفهم من مفهوم أدب المقاومة ، فلم يعودوا ينظرون إليه على أنه ذلك الأدب الذي يحفل بالفعل قاوم وكافح وناضل وبمفردات: فدائي ودبابة ورصاصة ، وقتل. درويش مثلا أخذ يرى في كتابة قصيدة جيدة فعل مقاومة.
عموما لقد تتبعت أشعار درويش والقاسم ودحبور ومريد البرغوثي وعلي الخليلي وآخرين ، وقارنت أولاها بما كتب بعد مدريد وأوسلو ، ولاحظت هذا. لقد كانت البدايات متفائلة ، فيما غدت النهايات تعبر عن خيبة.
وإذا ما نظر المرء في قصائد يكتبها الجيل الجديد من الشعراء ، الجيل الذي نشأ في مرحلة السلام ، فإنه يلحظ قصائد يعبر فيها كاتبوها عن هموم وقضايا ذاتية. حتى قصائد انتفاضة الأقصى المقاومة لم تشكل تيارا شعريا مقاوما ، فسرعان ما خفت توهج الحدث.

- ما هي المؤثرات على المشهد النقدي والإبداعي الفلسطيني في ظل الاحتلال؟
- ربما يكون كسلنا أهم مؤثر. الاحتلال هو الاحتلال منذ أربعين عاما وعام ، وربما زالت الأسباب القديمة التي كانت بالفعل تؤثر سلبيا. كان الاحتلال يترك أثراً سلبيا قبل العام 1994 ، لكنه ما عاد كذلك منذ مجيء السلطة وتحقق ثورة المعلومات ، فالمنع والرقابة وعدم وصول الكتب ، وهي مؤثرات تركت أثرها على المشهد النقدي والإبداعي حتى العام 1994 ما عادت موجودة. الآن نحن نكتب ما نريد ، هنا وهناك ، وما عاد الاحتلال يعتقل ناقدا أو أديبا ، وما عاد يمنع توزيع صحيفة أو طباعة كتاب ، كما كان يفعل من قبل. وأنت في منزلك تتواصل مع العالم كله ، وتكتب ما تريد ، وتنشره في عشرات المواقع.
إن الحديث عن مؤثرات سببها الاحتلال ما عاد ذا طائل. ربما تركت الأوضاع البائسة التي نحياها أثرها على المشهدين النقدي والإبداعي. وهذه الأوضاع تعود إلى عوامل الاحتلال عامل فيها. قد يكون الأساس. تخيل أن بعض الكتاب ، مثل الشاعر باسم النبريص ، قرر ألا يكتب لا لأن الاحتلال هدده ، وإنما لأن منزله قصف بصاروخ بعد 15 ـ 6 ـ 2007 - أي بعد سيطرة حماس على القطاع.
ربما تكون ثقتنا بأنفسنا ما عادت كما كانت. محمود درويش قال بعد 15 ـ 6 ـ 2007 "أنت ، منذ الآن ، غيرك" وقال: من قال إننا استثناء. ثمة نقد ذاتي نمارسه أحيانا ، لأننا مقتنعون أننا نحن مسؤولون عما ألنا إليه أيضا. لا نبرئ أنفسنا. وربما آثر بعض الكتاب والنقاد الصمت والانزواء. على العموم الحركة الثقافية لدينا الآن هادئة لدرجة الضعف ، وقليلة هي الأعمال اللافتة ، وقليلة هي الأسماء التي تواصل الكتابة وتثبت حضورا بشكل مستمر.
لا يعني ما سبق أننا منقطعون في مشهدنا النقدي عن المشهد النقدي العربي المعاصر. هناك تواصل وإطلاع ، لكنه ليس كما يجب.

- العام القادم 2009 عام القدس عاصمة للثقافة العربية ، ماذا بخصوص هذه الاحتفالية ، وما هي تصوراتك لها وخاصة أن القدس تعيش تحت الاحتلال؟
- قبل العام 1987 كانت القدس عاصمة للثقافة الفلسطينية. كانت الجرائد تصدر فيها ، وكانت أهم دور النشر ، مثل دار نشر صلاح الدين ، فيها. وما عاد الأمر كذلك منذ ,1991 غدت القدس محاصرة ، وما عدنا نصل إليها ، ومع مجيء السلطة بدأت الصحف تصدر في رام الله ، وكذلك فقد برزت دور نشر جديدة ، غدا موقعها في رام الله ، وآلت دور النشر القديمة إلى موات. أنا مثلا لم أتجول في شوارع القدس التي كنت أزورها أسبوعيا ، لم أتجول فيها منذ العام ,1992 والآن نتساءل: إذا ما جرت فعاليات القدس عاصمة للثقافة العربية في العام 2009 ، فكيف يمكن أن نصل إليها ، وكيف يمكن أن يصل إليها المثقفون العرب الذين يرفضون التطبيع مع إسرائيل. لا أدري إن كنا فكرنا جيدا في الأمر ، وإن كان الإعداد له كافيا. إذا كانت الفعاليات ستجري في مدن الضفة ومدن الدول العربية تحت يافطة: القدس عاصمة للثقافة العربية ، فهذا شأن آخر ، وربما تنجح الفعاليات ، أما إذا كانت ستجري في القدس نفسها ، فلا أظن أن النجاح سيكتب لها.


عادل الأسطة: معظم مؤلفات النقد العربي مجرد استنساخات
21 - فبراير - 2018

حاوره : نضال القاسم / القدس العربي
يحتل عادل الأسطة مكانة بارزة في المشهد الثقافي العربي كأحد النقاد المعنيين بقضايا الرواية والشعر والنقد الأدبي المعاصر، وهو إلى جانــب اهتمامه بالنقد الأدبي، كاتب صحافي ومحرر أدبي وقاص، صدرت مجموعته القصصية الأولى عام 1979 بعنوان «فصول في توقيع الاتفاقية»، وصدر له العـــديد من الأعمال الإبداعية والنقدية. يعمل أستاذاً جامعياً للأدب العربي الحديث والنقد الأدبي في قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية. وفي حواره مع «القدس العربي» يلقي عادل الأسطة الضوء على تجربته النقدية ..

■ ما هي أبرز المحطات في تجربتك مع عالم النقد الأدبي؟
□ يولد المرء على دفعات، ولا أظنني ولدت مكتملاً. يمكنني القول إن المحطة الأولى امتدت من 1976 حتى 1987. بدأت أكتب النقد الصحافي وعملت محرراً ثقافياً، ولم أكتب في هذه الفترة أدباً يُشار إليه أو يعتد به. كتبت قصصاً قصيرة، وأصدرت مجموعتي الأولى «فصول في توقيع الاتفاقية» في 1979. قصص متواضعة جداً اتكأت فيها على التاريخ للتعبير عن الواقع. كان ذلك نوعاً من التحايل على الرقيب العسكري، ثم ملت إلى القصص الواقعية، وأصدرت مجموعة ثانية، بالاشتراك، عبرت فيها عن معاناتنا تحت الاحتلال، ولم تلفت هذه القصص أنظار النقاد، ربما لطبيعتها، وربما لعدم وجود حركة نقدية، وأفضل ما أنجزته في تلك الفترة هو رسالة الماجستير عن القصة القصيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي 1993، بعد عودتي من ألمانيا، أنجزت نصين قصصين طويلين «ليل الضفة الطويل» و«تداعيات ضمير المخاطب». الأول نص واقعي سياسي بالدرجة الأولى، والثاني رؤية عن تجربتي المرة والقاسية في ألمانيا. لفت النص الأول الأنظار، على الرغم من أنه لم يُنشر، وسبب لي مشاكل عديدة، وما زال. وأما النص الثاني، فعلى الرغم من أسلوبه وبنائه الفني المحكم، إلا أنه ظل يُستقبل استقبالاً عادياً. وفي 1996 كتبت الجزء الثاني من «تداعيات ضمير المُخاطب» وكان بعنوان «الوطن عندما يخون»، وظلت الأعمال كلها تُقرأ إلكترونياً، لا ورقياً، وتُدرج على أنها أدب سياسي، ودهشت مرة إذ رأيت نص «ليل الضفة الطويل» مُدرجاً على موقع روسي، باعتباره من الآداب العالمية. منذ 1996 وبداية 1997، حيث كتبت نصاً تتداخل فيه الأجناس الأدبية «خربشات ضمير المــخاطب» لم أكتــــب ســـوى قصص قصيرة، منها مجموعة عن حصار 2002 واجتياح المدن «فســحة لدعابة ما»، وفي صيف 2016 كتبت ما يشبه السيرة الحزيرانية.
صورت تجربتي ما بين حزيرانين، يونيو/حزيران 1967 ويونيو 1982. وربما يذكر هذا النص برواية إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1974). إنه نص يميل إلى السخرية، ولا أدري كيف سينظر إليه.

■ على ذكر إميل حبيبي، الذي أوصى بأن يُدفن في حيفا ويُكتب على شاهدة قبره (باقٍ في حيفا)، كيف تنظر إلى تجربته الروائية، بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على غيابه؟
□ آميل حبيبي قدّم عملاً روائياً متميزاً هو «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل». صحيح أنه غلب على لغته اللغة التراثية، إلا أنه عبّر عن تجربة مر بها هو وشعبه، وهي تجربة مرة وقاسية. أفاد حبيبي من التراث العالمي والعربي، وهو يكتب نصّه، ولجأ إلى السخرية، وهذه سمة مميزة ونادرة في الرواية الفلسطينية. وأرى أنه ترك أثراً كبيراً في الروايتين، العربية والفلسطينية. أثر في غائب طعمة فرمان وفي رجاء صانع وفي جيل من الروائيين الفلسطينيين، منهم إبراهيم نصر الله في «حارس المدينة الضائعة»، وأنا تأثرت به كثيراً أيضاً، ولا تخلو روايات اللبناني إلياس خوري من تأثر واضح، صريح ومباشر، بروايات آميل، خاصة «المتشائل». هناك جدل واسع حول الرجل، ما زال قائماً إلى يومنا هذا، وقد قيل فيه الكثير. لصالحه ولغير صالحه. إنه ظاهرة.

■ ما هو دافعك لكتابة النقد، فرض للذات، أم الهروب من قيود الإبداع؟
□ أنا ناقد بالدرجة الأولى. كتبت القصة القصيرة كاقتراح نقدي للتحايل على الرقيب الذي دفع بكُتّابها إلى التوقف عن الكتابة، حيث كان يشطب القصص الواقعية، فاقترحت كتابة بديلة: الكتابة من خلال استحضار الماضي.
■ هل نظريات النقد التي بين أيدينا الآن صالحة لكل زمن؟
□ وأنا أحاضر في المذاهب الأدبية: الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والواقعية الاشتراكية ألاحظ أن كل مذهب منها ازدهر فترة ثم خبا. في كل قرن كان يظهر مذهب، ثم يصل إلى نهاياته، ليحل محله مذهب آخر. لكن المذهب الأسبق لا يموت وإن خفت بريقه. من يتحدث الآن عن الواقعية الاشتراكية وأدب الواقعية الاشتراكية، من يمارس النقد الاجتماعي الماركسي/الأيديولوجي، كان ذلك ممكناً حتى انهيار الاتحاد السوفييتي وتلاشي الحكم الشيوعي. أما الآن هناك من يتحدث عن موت البنيوية أيضاً، بل إن أبرز البنيويين، مثل جاك دريدا، تحول إلى التفكيكية وما عاد ناقداً بنيوياً.

■ وهل ألقت الاتجاهات النقدية الحديثة ضوءاً جديداً على النص؟
□ بالتأكيد ألقت أضواء جديدة، لا ضوءاً واحداً فقط. إن ما قاله هانز روبرت ياوس، من أن الانعطافات التاريخية الكبرى تؤثر على قراءة النصوص القديمة هو كلام صحيح مئة في المئة، وإن مقولات نظرية التلقي من أن قراءة نص واحد، من القارئ نفسه، تؤدي إلى قراءتين مختلفتين، هي مقولات صحيحة. عد إلى نص قرأته في شبابك واقرأه الآن، وانظر الفرق. أنا فعلت هذا وأنا أقرأ مظفر النواب. عدت إلى قصائد كتبت عنها في شبابي، وقرأتها بعد عشرين عاماً من القراءة الأولى، وكان الفارق مذهلاً. ثم خذ مقولة التفكيكيين: كل قراءة هي إساءة قراءة. نقرأ أحياناً النص ونظن أن قراءتنا صحيحة، ثم نكتشف خللاً فيها. مرة قرأت مقطعاً من جدارية محمود درويش، ثم عدت إلى المقطع نفسه لأقرأه من جديد، فوجدت أن قراءتي الأولى كانت خاطئة. أحياناً يُصاب المرء بالعمى، وحين يقرأ النص من جديد يرتد إليه بصره. ومن هنا راق لي عنوان كتاب بول دي مان: «العمى والبصيرة».

■ كيف تقيّم النقد الأدبي الفلسطيني المعاصر، وهل استطاع توطيد العلاقة بين المبدع والجمهور؟
□ هناك نقاد كانت لهم إسهاماتهم الكبيرة في التعريف بالنصوص الأدبية الفلسطينية. فيصل دراج وعبد الرحمن ياغي وغيرهما. قدّم هؤلاء خدمة كبيرة لخدمة الأدب الفلسطيني، وما زال بعضهم يقدم. والطلاب الذين أعلمهم في الجامعة تعرفوا على أبرز أدبائنا، من خلال المحاضرات، ومن خلال النقد في الصحيفة. لقد تابعت ما يكتبه النقاد، وكان لكتابتهم دور مهم في التعرف على نصوص الأدباء، من خلال الأخوين ياغي، هاشم وعبد الرحمن، توطدت علاقتي بشعر المفارقة، ومن خلال كتب فيصل دراج تفتح ذهني إلى قضايا نقدية مهمة.

■ ما هي نظرتك إلى وضعية النقد الأدبي اليوم في العالم العربي؟
□ هناك مجهودات كبيرة واضحة، وقد أخذ النقاد يدرسون النصوص الإبداعية اتكاء على نظريات جديدة ومناهج حديثة، وهذا أثرى لا شك تلك النصوص، وأضاءها، بما لم يكن يخطر على بال مؤلفيها. لا ألتفت كثيراً إلى آراء الكتاب الذين يهاجمون النقد والنقاد كثيراً، لأن كل واحد من الكتاب يريد من النقاد كلهم أن يلتفتوا إلى نصوصه، حتى لو لم يكن قدم نصوصاً مميزة، أو حتى لو كرر نفسه في كتاباته، هناك نوع من الأنا المتضخمة لدى بعض المبدعين. ولكن ما أراه في الكتب النقدية الأدبية العربية المعاصرة أن أكثرها يكرر بعضه. أنظر مثلاً إلى ما يكتب عن التناص، أو العتبات في النص، أو إلى كتب نقد الرواية، وستجد أن كثيراً منها لم يأت بجديد، وأستطيع أن أذكر أسماء في هذا. ويفترض أن يسائل الناقد نفسه قبل أن يقدم على تأليف كتاب نقدي نظري: ماذا سأضيف إلى ما نشر من قبل؟ للأسف لا أحد يفعل هذا، ولذلك تجد عشرين أو ثلاثين كتاباً نظرياً في نقد الرواية لا تختلف عن بعضها. ربما لهذا لم أكتب أي كتاب نظري في النقد.

■ كيف ترى واقع الرواية الفلسطينية ومستقبلها؟
□ هناك غزارة في الإنتاج الروائي، لكن من سيشكل علامة مميزة؟ هذا هو السؤال. فيصل دراج قال: هناك روايات فلسطينية وليس هناك روائيون. ربما أصاب القول. إن إصدار حكم عن واقع الرواية الفلسطينية أمر صعب جداً. هذا يتطلب قراءة الروايات كلها، داخل فلسطين وخارجها. هناك نصوص روائية جديدة تثير أسئلة وتقارب الواقع: رام الله الشقراء، كافر سبت، حليب التين، خلسة في كوبنهاغن، حياة معلقة.

■ وما الذي قدّمته فلسطين في رأيك لحركة الشعر الحديث؟
□ محمود درويش. إنه ظاهرة مميزة. وهذا يكفي.
عادل الأسطة: معظم مؤلفات النقد العربي مجرد استنساخات


حوار ـ نضال القاسم:
٣
الأنطولوجيا
أ. د. عادل الأسطة
قيس أبو سمرة - أدب المقاومة ..إطلالة ومطارحات مع (الأسطة)
الكاتبأ. د. عادل الأسطة تاريخ الإنشاءApr 4, 2025
نابلس/خاص/ قيس أبو سمرة

الدكتور والناقد الأستاذ عادل الأسطة، من مواليد 1954، حصل على الثانوية العامة 1972، بكالوريوس اللغة العربية والتربية 1976 من الجامعة الأردنية، ماجستير في الأدب الحديث والنقد 1982 من الجامعة الأردنية، دكتوراة في الأدب والعلوم الإســلامية والتربية 1991 من جامعة بامبرغ. محرر أدبي في جريدة "الشعب" المقدسية بين 79-1982، وبين 86-1987، وفي صيف 1992. مدرس في منطقة نابلس بين 76-1982، ومحاضر في جامعة النجاح منذ 1982 كأستاذ للأدب والنقد، يكتب عمودًا أسبوعيًا في جريدة "الأيام".
حصل على جائزة عبد الحميد شومان في العام 1993، وعلى رتبة أستاذ مشارك في العام 1997، وأستاذ دكتور منذ العام 2002، وعمل رئيس قسم اللغة العربية في العام 2004.
صدر له أربعة عشر كتابًا، هذا عدا عن الكتب التي شارك فيها، و تُرجم له العديد من الكتب، وعديد من الأبحاث الأدبية التي قام بها.
حول أدب المقاومة :أبعاده ومحدداته أفقه وقضاياه كانت لنا هذه المطارحات مع د.عادل الأسطة

هل تسمية أدب المقاومة بهذا الاسم مسألة موضوعية؟
غير مرة أجاب محمود درويش أنه عرف أنه شاعر مقاومة من خلال ما كتبه عنه المرحوم غسان كنفاني، فدرويش كان يكتب الشعر ويعبر عن همومه وهموم أبناء وطنه، وما يمر به من تجارب، والقصائد التي كتبها درست على أنها شعر مقاومة، وهو شخصيًا- ومثله سميح القاسم، وتوفيق زياد، وسالم جبران، وراشد حسين- لم يكتب شعرًا بِناءً على وصفة جاهزة، لقد كتبوا الشعر الذي نعته كنفاني في كتابيه بأنه شعر مقاومة، وربما نتذكر كتابي كنفاني "الشعر المقاوم في فلسطين"، و"شعر المقاومة في فلسطين المحتلة"، هذه التسمية راجت في العالم العربي، وأخذ بها دارسون كُثر، ولكن هناك من الدارسين مَن رفضها دون أن يقلل من قيمة شعر الشعراء المذكورين، ورأى أن هؤلاء شعراء احتجاج لا شعراء مقاومة.
غالي شكري، الناقد المصري المعروف، ذهب إلى هذا في كتابه "أدب المقاومة"، لقد فهم المقاومة على أنها اقتران الفعل بالقول والدعوة إلى ذلك، هذا ما لم يدعُ إليه الحزب الشيوعي الإسرائيلي والشعراء الذين انضووا تحت لوائه، فهؤلاء طالبوا بالعدالة وبالمساواة، ولم ينادوا بحمل السلاح من أجل تدمير "إسرائيل"، وهم على خلاف مع معين بسيسو الذي كان يقيم في المنفى، والذي دعا إلى الكفاح المسلح ضد "إسرائيل"، وهكذا أدرجه غالي شكري ضمن شعراء المقاومة، والطريف أنه أدرج أيضًا فدوى طوقان ضمن شعراء المقاومة، حتى في أشعارها التي كتبتها قبل العام 1967، علمًا أنها لم تكتب القصائد منذ الاحتلال إلا بعد العام 1967، هذا إذا استثنينا بعض قصائد قليلة صورت فيها حياة اللاجئ الفلسطيني الذي تسلل إلى أرضه مندفعًا إليها.
كما علينا ألا ننسى أن هناك من توسع في هذا المصطلح، ورأى في المقاومة أشكالاً عديدة: المقاومة ضد الاحتلال، والمقاومة ضد التخلف، ومقاومة الاستغلال، و..و..، لكن أكثر الذين يستخدمون هذا المصطلح- فيما أرى- يقصرونه على شعراء الأرض المحتلة، وأما شعراء المنفى فيُنعتون بشعراء الثورة، علمًا أنهم أكثر استخدامًا للفعل: قاوم، في أشعارهم، وأظن أن درويش استخدم هذا الفعل في قصائده التي كتبها بعد الخروج من فلسطين، مثل قصيدة أحمد الزعتر، هذه قصيدة مقاومة، ومقاومة أحمد الزعتر هنا ليست موجهة ضد عدو محتل، إنها موجهة ضد عدو داخلي يقف في وجه الفدائي.

متى نشأ هذا الأدب، وما أسباب تراجع أدب المقاومة خلال السنوات الأخيرة؟
هناك أدب مقاومة عالمي، الأدب الذي كتبه شعراء روسيا في الحرب العالمية الثانية، وشعراء فرنسا أيضًا مثل: "لويس أراغون"، و"بول إيلوار"، وكُتّاب مجهولون مثل: "فيركور"، وبعض الدارسين العرب رأوا في شعر ابن القيسراني وابن منير الطرابلسي- وهما شاعران عاشا في زمن نور الدين زنكي أيام الحروب الصليبية- شعر مقاومة، عُدْ إلى كتاب حسني محمود، وقبله أيضًا كتاب غالي شكري، فستجد أنهما يريان أن جذور شعر المقاومة تعود إلى فترات أسبق من الستينيات في القرن العشرين؛ فما كتبه الحكيم وبيرم التونسي- في نظر غالي شكري- شعر مقاومة.
لقد ارتبط شعر المقاومة الفلسطينية بحركة النضال الفلسطيني منذ بدايتها، وهكذا كان هناك شعر مقاومة منذ إبراهيم طوقان، وكانت حركة النضال الفلسطيني تمر بحالات صعود وهبوط، وكان الشعر والأدب يلازمانها، يثور الفلسطينيون في العام 1936، فيكتب أبو سلمى "عبد الكريم الكرمي":
انشرْ على لهبِ القصيد شكوى العبيد إلى العبيد
وتكاد فلسطين تضيع، فنجد من يتحسر عليها ويتذكر الأندلس، وتنهض الثورة في العام1967 - بعد الهزيمة- قوية، فيستمد الشعراء نفسهم من قوتها، وتضعف فيضعفون أيضًا.
ثمة علاقة جدلية- فيما أرى- ما بين الواقع والأدب، وربما هناك عامل آخر يتمثل في أن الشعراء كبروا وغدوا طاعنين في السن، وما عادوا كما كانوا، هذا إذا غضضنا الطرف عن تغير مفهومهم لأدب المقاومة.
غير مرة تحدث محمود شقير، ومحمود درويش، ومريد البرغوثي، أن فهمهم لأدب المقاومة قد تغير، وهذا حدا ببعضهم إلى التخلي عن بعض مقطوعات كتبها؛ لأنه رأى فيها شعارات أكثر مما رأى فيها أدبًا، بل إنه ما عاد معجبًا بشعراء كان معجبًا بهم في بداية مشواره الأدبي، وربما تغير إلى جانب تغير مفهوم المقاومة لديه، تذوقه للأدب، لقد تغيرت الذائقة، لقد قرأت هذا في بعض المقابلات التي أجريت مع محمود درويش، وسمعته شخصيًا من القاص محمود شقير، ولعلِّي في قادم الأيام أُنجز مقالة مطولة في الموضوع.
تصاعدت المقاومة منذ انتفاضة الأقصى، وقد أثّرت على الأدب، هل كان محمود درويش مثلا سيكتب "حالة حصار"(2002) لو لم يعش أحداث الانتفاضة، كان درويش بعد "أوسلو" وبعد عودته إلى رام الله، كتب "سرير الغريبة" (1998)، و"جدارية"(2000)، ومال فيهما إلى موضوعي الحب والموت، وجاءت الانتفاضة ليعود ويكتب قصائد استوحاها منها، قصائد مقاومة- إذا جاز التعبير- ثم إن الشاعر لا يريد أن يكرر نفسه، وأن يظل أسير الموضوع الواحد والمفردات الواحدة، فهو إنسان يحب ويكره ويعشق، على الرغم من كل ما يجري، وربما يجد فرصة- ولو قصيرة- للكتابة في هذه الموضوعات.

وأنا اقرأ ديوان درويش الأخير "كزهر اللوز أو أبعد" (2005)، لاحظت أن هناك روح مقاومة فيه، تتمثل في نقض رواية الآخر الصهيوني، بوعي أو بدون وعي، يرد درويش على ما ورد في رواية (ثيودور هرتسل): "أرض قديمة جديدة".
هل يمتلك هذا الأدب أفقًا واعدًا ؟
ربما، من يدري؟ ونحن- حتى اللحظة- ندرس وندّرس أدب الحروب الصليبية، وطالما كان هناك احتلال، وطالما لم يكن هناك حل عادل للقضية الفلسطينية- وهذا أمر بعيد المنال- فسيظل هناك أفق لهذا الأدب، سنجد من يكتب قصائد المقاومة وقصصها وروايتها، طالما بقي هناك ظلم، فستقرأ لأدباء يرفضونه ويقاومونه، وأرى أن هذا اللون من الأدب هو الذي يجد إقبالاً عليه، أدب القضية هو الأمتع على أي حال.

هل محدودية ميدانه بسبب ضيق مجالاته الإبداعية ؟
إذا كان هناك أدباء موهوبون، فأظن أن مخيلتهم ستبدع ما لا يخطر لنا على بال، وقد كنت ذكرت أن ديوان درويش الأخير لم يخل من نفس المقاومة، لم يستخدم الشاعر مفردات مثل: "أقاوم، وقاوم، وقاتل، وكافح، وناضل"، لكنه يرد بهدوء على الرواية الصهيونية التي تسلب أرض فلسطين من أبنائها.
محمود شقير أبدى إعجابه برواية "صمت البحر" لـ(فيركور)، على الرغم من أنها لا تدعو إلى المقاومة بأسلوب مباشر، ورأى فيها، وقبله غيره، نموذجًا لأدب المقاومة، هكذا يمكن أن يكتب الروائيون والقصاصون نصوصًا تعبر عن مقاومة تشبه المقاومة التي أبدتها الفتاة الفرنسية للنازية، ممثلة في الضابط الذي حاول إقناع الفتاة بأنه ليس نازيًا.
كما ذكرت فإن بعض النقاد لا يقصرون مفهوم المقاومة على المقاومة العسكرية، على مقاومة المحتل، هناك مقاومة للفساد وللتخلف...إلخ.
كيف نقارن بين الأدب "الإسرائيلي" بقوته واستمراريته وعدم تأثره بالمستجدات السياسية، وبين أدب المقاومة الفلسطيني؟
قرأت رأيًا لأدباء يهود يذهب-أي الرأي- إلى أنهم أيضًا منذ نشأة الدولة غدوا ذوي أفق ضيق، حيث أخذ تفكيرهم ينصب في جانب واحد، هو جانب عسكرة الدولة.
لم يعد اليهود في هذا الأدب- والرأي لدارس يهودي- يكتبون في موضوعات كثيرة يخوضون فيها، لقد أثارتني رؤيته هذه، وكتبت مقالة تحت عنوان: "صاروا أقل ذكاء"، أشرت فيها إلى أنهم يعانون مما نعاني منه، أي غدوا مثلنا، أسرى الفكرة الواحدة، الموضوع الواحد.
محمود درويش كتب في أثناء الحصار في العام (2002) بأننا نحن أيضًا صرنا أقل ذكاء، لأننا لم نلتفت إلا لشيء واحد: متى نتخلص من الاحتلال ؟ "صرنا أقل ذكاء" يكتب محمود درويش.

هل ساهمت اتفاقية "أوسلو" وسنوات السلام- إن صح التعبير- في تجسيد هذا النوع من الأدب، والمساهمة في توليد أدب يماشي التطبيع حينًا، ويبتعد حينًا آخر؟
أود أن أقول: إنه منذ العام 1984، كان هناك أدب يوظف لخدمة السلطات الإسرائيلية ومشروعاتها، قبل العام 1967 كان أدباء الحزب الشيوعي الإسرائيلي ينظرون إلى الأدباء الذين ساروا في ركاب الأحزاب الحاكمة على أنهم أدباء سلطة، كان هؤلاء الأدباء في نصوصهم يدعون إلى التعايش العربي اليهودي، وأنا قرأت نصوصهم وأبرزهم محمود عباسي، ومصطفى مرار، لقد ألقى هؤلاء مسئولية ما ألم بالشعب الفلسطيني، ومسئولية الصراع العربي- اليهودي، على الإنجليز.
ولم أقرأ نصوصًا أدبية بعد (أوسلو) يدعو أصحابها فيها إلى طي الماضي وتجاهله، والقبول بالوضع الراهن كما هو، أكثر الأدباء الذين كانوا يدرجون ضمن أدباء المقاومة وأدباء الثورة عبرت نصوصهم عن خيبة أملهم من اتفاقيات السلام، من أميل حبيبي، ومحمود درويش، وسميح القاسم، إلى أحمد دحبور، وعلي الخليلي.
أنا أنجزت العديد من المقالات حول هذه النصوص، وقارنتها بتلك التي كتبوها يوم كانت الثورة قوية، ولاحظت خيبة أمل الأدباء مما يجري، ولذلك كان العنوان الذي اخترته لكتابي "أدب المقاومة" هو "أدب السلم...أدب الخيبة"، صحيح أن الكتّاب ما عادوا يكتبون نصوصًا تحريضية، كتلك التي كتبوها في أواخر الستينيات وعقد السبعينيات، وفي فترة حصار بيروت والانتفاضة الأولى، لكنهم لم يروا في اتفاقيات السلام بارقة أمل، "إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار" قالها محمود درويش، وكتب أحمد دحبور بعد عودته إلى غزة إثر اتفاقيات أوسلو: وصلت حيفا ولم أعد إليها، ومثلهما يحيى يخلف في روايته "نهر يستحم في البحيرة" (1997)، ثمة محاولة تدجين لفئة قليلة من الشعب الفلسطيني، ولكن

ماذا عن الأكثرية ؟ ماذا عن اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن؟ ماذا عن سكان المخيمات في الضفة والقطاع؟ ماذا عن حق العودة لمن يريد؟
لم يتغير الواقع الفلسطيني إثر اتفاقيات السلام كثيرًا، ولم تنجب المعاهدات سلامًا قدر ما أنجبت حربًا ممثلة في انتفاضة الأقصى، هذه التي أعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل 1993، ولربما إلى أسوأ مما كانت عليه؟
آلاف القتلى وعشرات آلاف الجرحى، آلاف السجناء والأسر المشردة، ولم يلتئم شمل سكان فلسطين، على العكس لقد ازدادت الأمور سوءًا، نحن الآن لا نستطيع الوصول إلى القدس ولا نزور عكا وحيفا ويافا مجرد زيارة- كانت الأمور متوفرة قبل 1991
فكيف نكتب أدب تطبيع؟
ربما حاول بعض الشعراء بعد العام 1995 أن يكتبوا شعرًا ذاتيًا، ربما ولكن لا أظن أن هناك التفاتًا إلى هذا اللون من الشعر، لا من القرّاء، وإنما أيضًا من النقاد، ودرويش في "سرير الغريبة" و"جدارية" حالة استثنائية لا يقاس عليها، بسبب شاعريته، أنا واحد من قراء الشعر لم ألتفت إلى نصوص شعرية لأصدقاء لي لأنها مسرفة في الذاتية، وبعيدة عن الهم العام.

هل أصيب الأديب الفلسطيني بهزيمة ذاتية حوّلته إلى شخص عاجز عن إنتاج أدب ثوري إيجابي؟
ما من شك أن ما حدث في فلسطين وفي العراق أيضًا ترك أثره سلبًا على الأديب الفلسطيني، لم يكن هؤلاء الشعراء والأدباء الذي كان حلمهم كبيرًا بحجم شعارات الثورة في بداياتها، ليرضوا بسلطة محاصرة، أقل بكثير من دولة مستقلة على الأقل، كان حلمهم العودة إلى حيفا ويافا وعكا واللد والرملة، لا كأفراد فحسب، وإنما كأفراد في شعب يحلم بالعودة،

وماذا كانت النتيجة ؟
العودة تحت علم إسرائيلي بتصريح، ومن خلال موافقة جندي قد يكون ساديًا، كم مرة اعترف محمود درويش بالمذلة التي يتعرض لها وهو يسافر عبر الجسر!
أدباء المقاومة الذين كانت أحلامهم كبيرة، وكانوا شبابًا في عالم يبشر بالكثير، غدوا في الخمسينيات من أعمارهم في عالم القطب الواحد، في زمن وافقت فيه القيادات الفلسطينية على حل ما كان يرضى به أحد في نهاية الستينيات، مرة قال سميح القاسم: إنه لن يقول الشعر، كان هذا في العام 1990- على ما أظن- لماذا؟ لأن حلمه القومي والوطني انهار، حين أخفقت هذه المشاريع، ثمة هزائم كبيرة، وثمة هزائم على المستوى الشخصي.

هل اتجه الأديب الفلسطيني إلى التعبير عن همومه الشخصية، وتراجعت الكتابة عن الهم العام؟
اسمع ما كتبه محمود درويش في حالة حصار: "كتبت عن الحب عشرين سطرًا... فخيل لي...أن هذا الحصار.. تراجع عشرين مترًا"، ما هي العشرون سطرًا التي كتبها عن الحب؟ إنها ديوان سرير الغريبة، وما هي العشرون مترًا التي تراجع عنها الحصار؟ إنها الفترة ما بين 1995-2000، ثم عادت الأمور إلى ما كانت عليه، الفكرة نفسها كانت برزت من قبل في مجموعة أكرم هنية القصصية "أسرار الدوري"، بطل قصة "سحر الحب" يريد أن يكتب قصة يؤنسن الفلسطيني، يجعله يحب ويكره ويموت موتًا عاديًا، لكن هل يستطيع؟ لقد كانت الانتفاضة، وكان أنه لم يستطيع.
ربما قرأنا قصائد لمريد البرغوثي وأحمد دحبور وآخرين لم نعثر فيها على همٍّ عام، أنا رأيت في بعض كتابات مريد الأخيرة ما لم أقرأ له من قبل شبيهًا، كنت أقرأ له قصائد يبدو فيها الهم العام بارزًا، لكن بعض أشعاره الأخيرة لا تبدو كذلك- هكذا أرى- ربما أنا قارئ غير جيد، وربما مريد يريد الخروج من معطفه، لأنه بلِيَ ورثّ، ربما.
وكما ذكرت هناك شعراء شباب لا أفهم ماذا يريدون، ولكن لا بد من أن أشير إلى أن هناك شعراء- عن قصد- يكتبون في موضوعات أخرى لا تمت لحالة الحصار بصلة، باسم النبريص مثلاً يكتب عن همومه، وهي هموم إنسانية على أية حال، ويدافع عما يكتبه، هذا شاعر جيد لم يُنْصف- فيما أرى.

ماهي أكثر أشكال الأدب، قصة ورواية وشعرًا، تأثيرًا وتراجعًا في مجال الكتابة عن المقاومة؟
هناك فرق بين كتابة قصة ورواية وقصيدة يتناول فيها صاحبها الراهن، القصيدة تكتب بسهولة بعد الحدث، وليس كذلك القصة والرواية، لكن اللافت للنظر أن هناك جيلاً من كتاب القصة القصيرة ما عادوا يكتبونها، جيل السبعينيات تحديدًا: زكي العيلة، وغريب عسقلاني، ومحمد أيوب، ولا أدري إذا ما كانوا كتبوا شيئًا ولم ينشروه، أنا أنجزت قصصًا قصيرة كثيرة نشرتها على الإنترنت، وكتبت نثرًا أيضًا، ويخيل إليّ أن أكثر الكتاب ابتعدوا عن عالم الكتابة الإبداعية، منهم من لم يعد يكتب، ومنهم من غدا أكاديميًا، منهم من سحرته المقالة السياسية والنقدية الأدبية، والذين أخلصوا لفن واحد- مثل محمود درويش- قلة قليلة، مات عزت الغزاوي، ولم ينشر أحمد حرب بعد العام 1996أية رواية، ولم يكتب أكرم هنية بعد أسرار الدوري (2001)، أو لم ينشر على الأقل.
وربما احتاجت الإجابة إلى دراسة علمية، أي الأشكال تراجع؟ هذا يتطلب أن نعرف كم ديوان شعر صدر ؟ كم رواية صدرت ؟ كم مجموعة قصصية صدرت؟ وأنا لم أنجز هذه الدراسة العلمية.

هل تراجع مستوى الاهتمام بالأدب عامة وبكافة أشكاله عند الفلسطينيين ؟ وهل لذلك انعكاس على أدب المقاومة؟
قبل أسابيع قرأت مقالة للشاعر علي الخليلي في زاويته "أبجديات" في صحيفة "الأيام" يقول فيها إنه التقى في الشارع بشخص عرفه منذ زمن بعيد، وسأله هذا إن كان علي يكتب شعرًا، ففوجئ عليٌّ بسؤاله في هذا الزمن قائلاً: من الذي يسأل في هذه الأيام عن الشعر؟
وربما يلحظ من يتابع الملاحق الأدبية في الجرائد تراجع الاهتمام بالأدب منذ بداية الانتفاضة، بل إن بعض المجلات تعثرت وبعضها قد يتوقف، أنا أنجزت دراسة نشرتها في آب 2005 في الدستور الأردنية عن الحركة الأدبية في فترة الانتفاضة، وذهبت فيها إلى تراجُع الحركة الأدبية، اعتمادًا على متابعة الملاحق الأدبية في الأيام والحياة الجديدة، وفي المجلات المذكورة.
وما من شك أن الحياة الأدبية في حالة تراجع، ما يعني تراجع اهتمام أهل فلسطين بالأدب، ولكن هناك من يواصل الكتابة والنشر، وإن كانت النسبة قليلة، وقليلة جدًا.
وأظن أن هناك من يكتب أدب مقاومة وبشكل جمالي مميز، يكفي أن لدينا شاعرًا مثل محمود درويش الذي يؤرقه الموضوع والشكل الفني، هل نحن بحاجة إلى مائة شاعر عاديين، أم إلى شاعر متميز يوصل صوتنا إلى نهايات العالم؟

تعليقات

ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...