هايدي فاروق - قراءة في رواية "أفلام الظهيرة" للكاتبة إنجي همام .. التمرد والعزلة: هربًا من آلام الانكسار..

تأخذنا الكاتبة والروائية إنجي همام في روايتها الأخيرة «أفلام الظهيرة»، الصادرة عن بيت الحكمة، إلى عوالم تتشابك فيها الذاكرة بالفقد، والحلم بالانكسار، حيث تتعلّق الأرواح بخيوط واهية بحثًا عن خلاص مؤجل.
تتصدر الرواية إهداء مقتضب جاء في كلمة واحدة: «إلَىّ»، كإعلان مبكر بأن النص محاولة لمداواة الذات، وأن الكتابة هنا فعل مقاومة وترميم لنفس مجروحة. لكن السؤال يظل معلقًا: هل نُشفى بالكتابة وحدها؟





تعتمد إنجي همام على تقنية الرسائل القائمة على التداعي الحر، فتتكشف الحكايات تدريجيًا في نسيج سردي هادئ، لا يتكئ على الحدث بقدر ما يراهن على العمق النفسي والفلسفي. تنسج الكاتبة نصها على مهل، موظِّفة أدواتها بدقة، ليظهر عمل يمتلك حساسية خاصة ومذاقًا فنيًا خالصًا.
تبدأ الرواية بخطابات موجَّهة إلى محمد — أو «ميمي»، حيث تتولى وجد السرد. عبر رسائلها، ننتقل بين بيروت وتونس والجزائر، مدن تمنح النص ألوانًا دافئة، مقابل القاهرة التي تحضر بلون رمادي مثقل بالغبار والضغوط.
تلعب وجد مع محمد ومع القارئ لعبة السينما؛ تستهل كل رسالة بحكاية فيلم، ثم تنزلق بسلاسة إلى عالمها الداخلي، حيث يمتزج السرد السينمائي بالعاطفي، في تأمل فلسفي للحياة والموت بوصفهما محورين للنص، وتخلق عالمًا موازياً كمحاولة للهروب.




جاءت لغة إنجي همام ثرية، شفافة، موحية، متعددة الطبقات، تفيض صدقًا وحساسية.
في أحد خطابات وجد لميمي تقول:
"صباح الخير يا سيدي.
أعلم أنه ليس الصباح، على الأقل عندي الآن، ولكن صباحي يجيء عندما ألتقيك. نصنعه معًا، نغزل شمسنا، نفتح النوافذ لنسائم أرواحنا، نصبّ النور فوق رأس العالم المظلم، ندفع بالحياة للحياة. تعرف كم أحب الصباح؛ لذا أقرر كل يوم ألا ألتقيه إلا معك. صباح جميل كعينيك، كأنفاسك، كضمّاتك الحنونات."
ثم تتبدّل طاقة الحب في الخطابات إلى انكسار، حين تصف حال الشباب عقب يناير 2011، فتقول:
"نجلس على كل أرصفة الدنيا، نطلب حق من ذهبوا…
نطلبه من الأرض والسماء…
وكل مرة نعود بعدد أقل وحِملٍ أثقل…
نحن الذين حلمنا حلمًا مجنونًا، كان لزامًا أن ندفع ثمنه…
لو أننا حلمنا حلمًا عاديًا، قابلًا للتبديل، لارتحنا…
لكننا حلمنا بالثورة، ودخلنا الحلم بأقدام ثابتة…
لنعود محمّلين بالفقد."
تطرح الرواية أسئلة كبرى عن العدل والحرية، الثورة والهزيمة، لكن بطلتها — مثل ثورتها — لا تنجو.
وجد تجسيد لجرح غائر؛ تحمل صخرة سيزيف وتصعد بها، رغم يقينها بالسقوط. تقبل التكرار بلا ملل، في إيمان عبثي بالاستمرار. إنها شخصية تعيش في الماضي أكثر مما تنتمي للحاضر، تعاني اغترابًا عن الذات والزمان والمكان، وتعرّف نفسها بأنها «نص اقتُطع من سياقه».
تحمل لغة الرواية رائحة الوطن: صور عائلية بالأبيض والأسود، رائحة النفثالين، طعام يُطهى في «طنجرة»، ولهجات بلاد الشام التي تتسلل إلى السرد بعذوبة وصدق.
رغم اعتماد النص على تقنية الرسائل، التي قد تُفقده بطبيعتها الحركة وتواتر الحدث — وهو رهان محفوف بالمخاطر — فإن إنجي همام تنجح في كسب هذا الرهان بفضل مصداقيتها الفنية العالية.
يلفت الغلاف الانتباه بوصفه عتبة دلالية مهمة؛ إذ يحمل صورة الطفلة ضحى أمير من فيلم «حياة أو موت»، أحد أبرز أفلام الظهيرة في ذاكرة جيل الثمانينيات وما قبله. اختيار يستحضر حلمًا قديمًا بعالم أكثر نقاءً، حيث الشرطة في خدمة المواطن، والطبيب صاحب ضمير حي، والوفاء قيمة مركزية. إنها يوتوبيا تستوطن الذاكرة، وتشكّل جزءًا من عالم الرواية.
وكما تقول وجد لابنتها المتخيّلة نهاوند:
"السينما هي الحب يا صغيرتي، في أول مواجهة له مع العالم… عينًا في عين."
سأمنح إنجي همام لقب «سقراطَة»، كما جاء في نصها، فهي تغرقنا عبر الرواية في بحر من التأملات الفلسفية العميقة.
فهي تتابع مشهد «الضرتين» — أم برقوق وخيرات — والبنات يلعبن أمامهما، فتقول بنبرة فلسفية:
"هؤلاء وحدهم يدفعون الحياة كل يوم نحو المستقبل. يمنحون العالم كل صباح يومًا جديدًا مكتملًا.
أما أمثالي، فلو أمسكوا بدفة الحياة لتعطّلت."
لتأتي النهاية كجرح مفتوح، حيث تُختتم الرواية بسؤال مرير يكشف حجم الفقد وخيبة الأمل وانكسار الروح:
"هي الثورة منين؟!"
كمحاولة يائسة للفهم.
وفي الأخير، أقول: منذ زمن لم أقرأ نصًا بهذه الدرجة من الصدق، ذلك الصدق الذي افتقدته… بقدر افتقادي لأفلام الظهيرة ذاتها.
تجدر الإشارة إلى أن للروائية إنجي همام ثلاثة أعمال روائية سابقة، هي:
«موت الجدة مليكة»
«بالقرب من الحياة»
«في الليل على فراشي»


هايدي فاروق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...