مصطفى فودة - قراءة فى رواية أفلام الظهيرة للكاتبة الروائية إنجى همام الكتابة بين الواقع والخيال

"أفلام الظهيرة " تجربة سردية لافتة وجديرة بالاهتمام ، تتخذ الرواية شكل الرسائل (1) مرسلة من طرف واحد الساردة (وجد) إلى الفنان محمد فوزى فى القسم الأول، وإلى صديقتها ليلى فى القسم الثانى وإلى ابنتها نهاوند فى القسم الثالث، مزجت الساردة بين ذكرياتها الشخصية وبين عشقها للفنان محمد فوزى وموضوعات أخرى، كما مزجت الكتابة بين الواقع والحلم، وقد اتخذتها وسيلة للبوح والتجوال فى الزمان والمكان على ما سنرى.
العتبات النصية بالرواية :
تقدمت الرواية عتبات نصية جديرة بالنظر والتأمل، فعلى غلاف الرواية صورة لطفلة تحمل زجاجة دواء وتشير لفيلم مصرى قديم مشهوريتسم بالإثارة هو فيلم حياة أو موت تُسابق فيه الكاميرا لمنع وصول الدواء الخاطئ إلى المريض بعبارة شهيرة "الدواء فيه سم قاتل"، أمَّا عنوان الرواية فهو يشير إلى الأفلام التى كانت تشاهدها الساردة وهى صغيرة بغرفة سينما بفيلا لدى قريبتها (فيافى) أثناء وقت الظهيرة ص 96 ، صُدّرت الرواية بعبارة للكاتب الألمانى هيرمان هيسه تشيد بالعزلة "إن العزلة تعنى الحرية..."، وهى تشير إلى حب الساردة للعزلة فقد ذكرت "غلَّفت حياتى بالعزلة وإن كنتُ بين الناس "ص142 كما كان إهداء الرواية لافتًا حيث أهدتها إلى نفسها "إلىَّ" ويشير إلى سمة الذاتية عند الساردة على ما سنراه فى الرواية وهوسيطرة البوح الذاتى على السرد، كذلك صُدر كل قسم من أقسام الرواية الثلاثة بنص شعري للشاعر الفرنسى بول إيلوار هم على التوالى العاشقة، الحرية وسرور، كما هناك تصدير آخر"كل الطرق تؤدى إليك" وكلها تشير إلى حالة العشق التى تُكنّها الساردة للفنان محمد فوزى، ومن ثم فإن عتبات النص قد أشارت إلى محددات هامة بالرواية يسترشد بها القارئ .
البناء السردى للرواية :
قام البناء السردى للرواية على شكل رسائل من طرف واحد هى الساردة (وجد) فى مائتى وأربع عشرة صفحة وقسمت إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول بعنوان مكاتيب الرضا من الساردة إلى محمد فوزى وتكتبه ميمى غالبا، بثت فيها عشقها له ولفنه وموسيقاه وأفلامه ويكاد أن يكون حبا صوفيا وحلوليا فى الآخر، وقد تناوبت فيه الحكى بين ذاتيتها وبين محمد فوزى، واتخذت من حكى الأفلام التى شاهدتها من كثير من دول العالم مادة فى كثير من الرسائل إليه، والقسم الثانى بعنوان ظل رجل إلى صديقتها ليلى حكت فى أكثرها عن حياة محمد فوزى وعشقه للغناء منذ صغره وهروبه من طنطا إلى القاهرة وعمله مع بعض الفرق والأفراح ثم صعوده إلى أعلى مجد الغناء والتمثيل والإنتاج وما تعرض له من تأميم لشركته حتى مرضه الأخير ووفاته منتقدة إستيلاء الحكومة على مصنعه للأسطوانات وإهماله حيا وميتًا، والقسم الثالث بعنوان بورتوريه ذاتي إلى ابنتها نهاوند (ملاحظة أن الاسم مقام موسيقى شرقى) وقد شغل أكثره الأحداث السياسية فى الفترة من 2002 حتى ما بعد ثورة يناير 2011 وما تعرضت له كصحفية معارضة وزميلاتها الصحفيات من إعتداءات وتحرش البلطجية من رجال ونساء لمعارضتهن تعديل الدستورعند ضريح سعد زغلول ثم على سلم نقابة الصحفيين يوم الاستفتاء على تعديل الدستورعام 2005 ثم أحداث ثورة 25 يناير وأحداث محمد محمود، ورغم تعدد أقسام الرواية فقد كان يجمعها خيط واحد هو ذكريات الساردة وتدوينها فى شكل رسائل .
كان المكان عنصرًا رئيسيا فى الرواية ومصدرًا كبيرًا لإلهامها "الأمكنة من أهم مسببات الإلهام بالنسبة لى، ليست ثمة كتابة بلا أماكن خاصة عندى، ربما أزعم أن المكان يحركنى دوما"ص11، وقد شغفت الساردة بالقاهرة"أعشق ليلها ونهارها، كما شغفت بالمدن الأخرى والتجول فى شوارعها مثل تونس والمغرب والأردن ولبنان، وعقدت مقارنات بينها وبين شوارع القاهرة فشارع الحمراء يشبه شارع سليمان باشا أو طلعت حرب سابقا، عمَّان الاردنية تشبه حى الحسين "كم هى تشبه مدننا " ، كما دُهشت بعلاقة الألوان بالمدن مثل الأبيض والأزرق والأحمرحيث تتميز بعض المدن بلون معين، فى بيروت يسيطر اللون الأحمر على ألوان النوافذ، وكثير من المدن التونسية يسيطر اللون الأزرق أما القاهرة فكانت تتميز باللون الأخضر ولكنها أصبحت مدينة رمادية، وقد شغل عبارات المكان فى كثير من الرسائل مثل وصلت توأ إلى الفندق، عدت توا من الخارج ، جلست بمقهى الأمل، 36 تقاطع شريف مع قصر النيل (مركز الثقافة السينمائية)، مسرح سيد درويش بالهرم، كذا سيطر ميدان التحرير وشارع محمد محمود ونقابة الصحفيين ووسط البلد على القسم الثالث من الرواية .
شغفت الساردة بالفن بأنواعه وخاصة فن السينما المصرية والعالمية والتماهى مع بطلاتها مثل فاتن حمامة ونادية لطفى وشويكار ومديحة يسرى وصباح ونعيمة عاكف وكانت أكثر شغفها بليلى مراد"تلك الروح العذبة ،، كل كيانها فى ذلك الصوت الرقيق أرق خلق الله كما وصفها بديع خيرى ص36، والممثلة البولندية فيرونكا والمخرج كريستوف كيشلوفسكى وأفلامه ثلاثية الألوان ، والممثلة الإيرانية جولشفتى فرحانى "تلك الحياة التى نجملها بالفن لا تصنع أى شئ غير أن يحتويها هو فتصبح جميلة بما يكفى "ص11 ، "من دون الفن ما كنت عرفت العالم، لا أرى الدنيا إلا فى مرآته" إن الإنسان الذى يقدر أن يرقص أو يغنى هو الإنسان الذى يقدرأن يطير يحلق وليس كل إنسان بقادر على الطيران ، إنها منحة وهبة كبرى"ص29 ، كما شغفت بالكتابة والحكايات " كل كتاب العالم شركائى فى الكتابة" .
السمات السردية :
اتسم السرد بعدة سمات أولها المزج بين الذاتية وبين الغيرية (إن صح التعبير) فقد مزجت الساردة بين ذكرياتها الشخصية والعائلية وتجاربها وما تحب وما تكره وبين محمد فوزى وموضوعات أخرى كثيرة ولكن الحكايات الذاتية شغلت أكثر فضاء السرد، "الحكايات يا صديقتى أكثر مخلوق ساندنى فى مواجهة العالم "، وثانى السمات السردية هو التشظى وكان أحد سمات السرد الرئيسية وقد شمل التشظى السرد والزمان والمكان، فقد تنقلت الساردة بين موضوعات كثيرة جدا مثل الحب والفن والكتابة والقراءة والكتب واللوحات والسينما والتمثيل والإخراج، كذلك تنقلت بين الحاضر والماضى وتلاعبت بالزمان الذى لم يكن خطيا بل متداخلا بين الماضى والحاضر، كذلك شمل التشظى المكان حيث تنقلت الساردة بين أماكن كثيرة كما قدمنا فى عنصر المكان، فلم تقف طويلا عند كل فن بل كانت وقفات قصيرة وومضات كاشفة ومضيئة لكل فن خاصة فن السينما من تمثيل وإخراج وأفلام وبطلات فاستدعت الساردة أفلاما عربية وأجنبية وممثلين وممثلات السينما المصرية والعالمية، والانتقال إلى موضوعات كثيرة عن الفن والحياة والموت مثل موت صديقتها وجارتها منى فى أول تجربة لها مع فجيعة الموت، وكذلك حكاية مدرسة الموسيقى التى أنزلتها من على المسرح لانخفاض صوتها فى الكورال المدرسى، وعشرات من الحكايات الفرعية ، وثالث سمة سردية هو عدم وجود حبكة سردية تقليدية، ربما كان لطبيعة الشكل السردى الذى اختارته الكاتبة وهو الرسائل والتى هى بطبيعتها لا تطيل المكوث كثيرا أمام الموضوعات بل تشير إليها وتعبرها إلى غيرها، مما أضفى على الرواية التجديد والتمرد على الأسلوب التقليدي، أما السمة الرابعة للسرد فهو المشهدية فقد اتسمت كثير من مواضع السرد بالحركة والصوت والإيماءات بحيت شكلت مشهدا سينمائيا بامتياز ويعود ذلك إلى شغف الساردة بالسينما ودراستها لها مثل " تتفحصنى المرأة الستينية من أعلى إلى أسفل بعناية، تسألنى بنبرة مستنكرة "وجوزك بقى موافق على شغلك فى السياسة ده؟" اسحب نفسا على مهل من سيجارتى بنكهة النعناع وأنفثه فى الجهة الاخرى وأجيبها بهزة رأس ثم أردف "أمال..ده هو اللى بيشجعنى" تمصص المرأة شفتيها بامتعاض على طريقة مارى منيب" ص196.
تحولت الساردة بين عدة ضمائر فبدأت الرسائل بضمير المخاطب للمرسل إليه، ومزجت فى القسم الأول بين التعبير بضمير المتكلم وضمير المخاطب إلى محمد فوزى حيث حكت عن نفسها وحياتها وهو أنسب الضمائر للتعبيرعن الذاتية، وفى القسم الثانى غلب التعبير بضمير الغائب العليم فى الحكى عن محمد فوزى ورحلة حياته من الفقر إلى النجاح والشهرة ثم مرضه وموته، وفى القسم الثالث غلب التعبير بضمير المتكلم فكان أكثره عن التجارب والأحداث السياسية التى اشتركت فيها الساردة، وبضمير المخاطب إللى ابنتها حيث تبثها نصائح تجربتها.
اللغة والحوار :
كانت اللغة من أكثر عناصر الرواية بروزا وسلاسة وطواعية وجمالا، كان السربالعربية الفصحى اليسيرة واتسمت بالحركة والرشاقة، وقد عبرت الساردة ببعض العبارات العامية الضرورية ووضعتها بين قوسين مثل "طشتها" للملوخية، " أحببته بهما شروة واحدة"ص103 كذلك عملت على تفصيح بعض العبارات العامية فى السرد مثل " قد مصوا دم حلمه، شركته التى وضع ما وراءه وأمامه ليجعلها مثلا "ص141، وقد اتسمت اللغة بالجمال والشاعرية فى مواضع كثيرة من الرواية مثل " كانت تجلس "جولييت" أو البطلة فى الباحة الأمامية للبيت تمرر الشمس على وجهها، تصدح فى روحها موسيقا داخلية خافتة فلوت حاد الصوت، تقلب وجهها على وقع الموسيقى والشمس معًا "ص58.ومن الملامح الجمالية التشبيه والتناص الجميل"كانت تمشى الهوينى كحبيبة الأعشى" وهو تناص مع بيت الأعشى (2) : كأن مشيتها من بيت جارتها / مر السحابة لا ريثٌ ولا عجلُ، وذلك التشبيه حيث وصفت الساردة نفسها "بتُّ كنص أُقتطع من سياقه فأصبح غير مفهوم بالقدر الكافى كلٌ يؤوِله بطريقته بعضهم يراه ملغزًا وبعضهم يراه غير ذى قيمة" .
أما الحوار فقد كان باللغة العربية الفصحى المبسطة، مثل الحوار بين الساردة وابنه الدكتور منير محمد فوزى فى عيادته
- أعد كتابا عن محمد فوزى..لا، بل رواية
- وما الفرق ؟
- الكتاب معلومات والرواية حكايات
يبتسم مندهشا : أعمال فوزى متاحة للجميع على الإنترنت والفضائيات لو شئت أهديتك نسخة منها، أما عن حياته الشخصية، فلا أفهم فى ماذا تهم الجمهور.
ومثال الحوار بالعامية تسألنى بنبرة مستنكرة "وجوزك بقى موافق على شغلك فى السياسة ده؟"
تنتهى الرواية بإيمان الساردة بالفن والكتابة فى مواجهة المرض فى رسالة إلى ابنتها نهاوند(وهو اسم مقام بالموسيقى الشرقية) بها إشارات غامضة يمكن تأويلها أن الساردة مصابة بمرض الاكتئاب وتشكو من ألام شديدة وتتشكك فى مدى فائدة عقاقير الاكتئاب التى قد تدفع المرء للانتحار، ولكنها تصل إلى إيمانها بالعلاج بالكلمات"ابتلع الكلمات كحبات دواء صالحة تزيح أوجاعى مع كل فقرة قراءة..أعالج نفسى بالكتب بالكلمات ..هذه القراءة هى من تحي روحى ..لو كان ممكنا لأنشأت مؤسسة علاجية للعلاج بالقراءة والكتابة والرسم بالموسيقى والتمثيل "ص210 وتذكرنا بنظريات العلاج بالفن فى معالجة الاضطرابات النفسية والجسدية .
نجحت الكاتبة فى كتابة رواية على شكل رسائل فى تجربة سردية لافتة وكتابة مزجت فيها بين الواقع والخيال مستعيدة فيها الفن الجميل ببناء سردى غير تقليدى وبلغة فنية جذابة ورشيقة ومنتصرة فى النهاية للفن والكلمات فى مواجهة الألم والمرض .
_____________________________________________
الهوامش: (1)زخر الأدب العربى بأدب الرسائل، فى العصر القديم والحديث، مثل رسالة الغفران لأبى العلاء المعرى والتى كانت رحلة إلى العالم الآخر، ورسائل الجاحظ الذى كتب فيها خلاصة فكره السياسى والاجتماعى، والتوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسى (رحلة خيالية إلى عالم الجن) وغيرها ، وفى العصر الحديث مثل كتابات نوبة حراسة للروائى عبد الحكيم قاسم(جمع وتقديم الأستاذ محمد شعير)، رسائل بين مى زيادة وجبران خليل جبران فى الشعلة الزرقاء وعلاقة حب فريدة بينهما لمدة عشرين عاما دون أن يلتقيا، ورسائل أنسى الحاج إلى غادة السمان وزهرة العمر لتوفيق الحكيم ورسائل بعنوان ورد ورماد بين الروائيين محمد شكرى ومحمد برادة غير أن الجديد فى رواية (أفلام الظهيرة) أنها ليست مجرد رسائل ولكنها كانت بنية روائية كاملة .
(2) الأعشى الكبير (ميمون بن قيس) شاعر عربى مخضرم(جاهلى أدرك الإسلام) لقب بذلك لأنه كان لا يرى ليلا كما لقب بصناجة العرب (الذى يطرب شعره)، والبيت الشعرى محل التناص من قصيدة مطلعها ودع هريرة إن الركب مرتحل، وهى إحدى المعلقات المشهورة فى تاريخ الشعر العربى .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...