سمير اليوسف - دروس قصيرة في نيتشه [3] الشعر، الحقيقة والغياب .

اعتبر الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر أن مستقبل الفلسفة- والفلسفة عنده هي التفكير والفكر- يقع في الشعر. المفكر الجديد هو الشاعر شأن هولدرن الذي تكلم على "الإقامة شعريّاً" والإقامة هنا تعني التفكير. ولكن التعويل على الشعر باعتباره السبيل الذي يتوخاه الفيلسوف لم يكن جديداً. نيتشه اعتبر نفسه شاعراً. وهو كتب العديد من القصائد. ويا ليته لم يفعل! ولكنه مع ذلك يستحق أن يُقرا شاعراً أو على الأقل المفكر-الشاعر بحسب هيدغر.
أراد نيتشه أن يكتب الفلسفة على الطريقة التي كتبها فلاسفة البدايات- ما قبل سقراط وأفلاطون ومن جاء بعدهما من فلاسفة، حتى معلّمه السابق شوبنهور وعدوه اللدود هيغل. أي الكتابة كما كانت عليه في عهد اجتماع الحكمة والموسيقى إجتماعاً طبيعياً وطيداً في النص الذي يُسمّى قصيدة أو شعراً. أراد نيتشه أن يُرغم أفلاطون على أن يفتح باب "الجمهورية" للشعراء. وهو مارس الفلسفة بطريقة الشعراء. قال الحقيقة دون الإلتزام بأية شروط دينية أو سياسية أو أخلاقية، وعلاوة على ذلك، خلافاً لما يُمليه المنطق والجدل المنطقي. وكل ذلك لما دون أي غرضٍ محدد ولا خدمةٍ لنظامٍ أو عقيدة صالحة كانت أم فاسدة.
لننظر إلى هذه الشذرة-القصيدة الفلسفية:
"لا تقع ضحية المثالية المفرطة وتعتقد بأن قول الحقيقة سوف يقرّبك من الناس ، الناس تحبّ وتكافئ من يستطيع تخديرها بالأوهام.
منذ القدم والبشر لا تعاقب إلاّ من يقول الحقيقة ، إذا أردت البقاء مع الناس شاركها أوهامها ،
الحقيقة يقولها من يرغب في الرحيل"
هناك ثلاثة مزاعم في هذه "القصيدة":
الأول، الناس تحبّ وتكافئ من يستطيع تخديرها بالأوهام.
الثاني، منذ القدم والبشر لا تعاقب إلاّ من يقول الحقيقة.
الثالث، الحقيقة يقولها فقط من يرغب في الرحيل.
هذه ليست أحكاماً مطلقة يبرهن المنطق على صحتها، ولا تُصادق الخبرة عليها أيضاً. بل وليس المقصود أن تكون كذلك. هذه مجرد اتهامات إستفزازية وصرخات احتجاج وإعلان تضامنٍ مع كل من قال الحقيقة ودفع ثمن قول الحقيقة. الشعر وسيلة للإحتجاج والتحريض والتضامن. والشعر يتجلى خير ما يتجلى فيه حينما يخلص نيتشه إلى القول:
"الحقيقة يقولها من يرغب في الرحيل"
المعنى عميق والصورة مُدهشة!
بعد أن تقول الحقيقة، تقول ما لا يرغب الآخرون بسماعه، لن يُسمح لك بالبقاء. ولا أنت ستبقى أصلاً. الحقيقة نفسها تتطلب غياب قائلها لكي يكون لها الأثر الفعّلي. يجب أن يبقى سامعو الحقيقة أمام الحقيقة وحدها، الحقيقة العارية، دون حضور صاحبها وإلا لاتخذوا من حضوره ذريعة لكي يتجاهلوا الحقيقة.
والصورة!
إنها صورة من يفشي الحقيقة ويرحل تاركاً السامعين لكي يواجهونها لوحدهم. إنها صورة الرسول الذي بعد أن يوصل الرسالة يختفي. هذا الطباق للحضور والغياب: تحضر الحقيقة ويغيب صاحبها. وصورة من يرحل، يغادر المكان أو العالم، ولكنه مع ذلك يبقى حاضراً بواسطة الحقيقة الحاضرة.
هذا مجاز لا يسع أي شاعر حقيقيّ التفريط به.
#دروس_في_نيتشه
.
(لا يقول الحقيقة إلا من يرغب في الرحيل!)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...