أ. د. عادل الأسطة - قراءات في كتب دراسات ومقالات / القسم الثاني

[HEADING=2] القسم الثاني[/HEADING]


1
محمود شقير " المشهد الروائي الفلسطيني " :
[ المشهد الروائي الفلسطيني: قراءات" عنوان الكتاب الصادر حديثا للكاتب محمود شقير عن منشورات مكتبة كل شيء في حيفا ] :
يقع الكتاب في ٣٢٦ صفحة من القطع المتوسط ويتناول فيه ثمانيا وخمسين رواية لحوالي تسعة وأربعين روائيا وروائية ، فهناك روائيون تناول لهم أكثر من عمل مثل باسم الخندقجي وإبراهيم نصرالله وجميل السلحوت ، ويضم الكتاب تمهيدا وشهادة لمؤلفه عن تجربته الروائية ومداخلتين عن " المخيم في الرواية " و " تجليات المكان والذاكرة في الرواية الفلسطينية " ومقالة قصيرة عنوانها " نحن والرواية البوليسية " بالإضافة إلى رسائل وملاحظات كان كتبها في روايات قرأها مخطوطة وأبدى فيها رأيه . الكتاب المتناولة أعمالهم فلسطينيون يقيم قسم منهم في فلسطين وقسم آخر في خارجها ، وهو بذلك لا يدرس رواية الداخل أو رواية المنفى وحسب .
لا يدعي الكاتب أنه غطى في قراءاته " كل المشهد الروائي الفلسطيني " الذي قد يكتمل بما كتبه نقاد آخرون ، وكان في كتاب سابق له صدر عن دار نور في ألمانيا في العام ٢٠١٧ نشر قراءات سابقة لم يعد نشرها في كتابه الجديد.
تتفاوت القراءات في حجمها ، فبعضها يقع في سطور عدة في حين أن بعضها الآخر يقع في صفحات ، ويعود السبب إلى المكان الذي نشر قراءاته فيه: الصحيفة أو المجلة أو الفيس بوك ، وكان يراعي رغبة القراء في الإقبال على النصوص المختصرة . ولكنه تعاطى مع الروايات بالتقدير نفسه وبالاحترام ذاته " بغض النظر عن السطور التي خصصها لكل كتاب " .
في الشهادة " أنا والرواية " يكتب عن علاقته بالفن الروائي منذ ستينيات القرن العشرين إلى الآن ، وفي كتابته " عن المخيم في الرواية " يكتب لمحات سريعة جدا عابرة جدا عن المخيم دون اعتماد منهجية معينة ؛ تعاقبية مثلا أو علاقة الروائي بالمخيم . ولا يختلف الأمر فيما كتبه تحت عنوان " تجليات المكان والذاكرة ... " . ويخيل إلى أنه حين أعد الورقة للمشاركة في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية المنعقد في رام الله في العام ٢٠١٧ ، أعدها متكئا على الذاكرة ؛ ذاكرته في قراءة روايات في فترات سابقة على مدار ثلاثين أربعين عاما . طبعا علينا الا ننسى أن كتابه ليس كتابا أكاديميا منهجيا . إنه كما ورد في صفحة الغلاف " قراءات " لا أكثر ، وهي قراءات انطباعية تتكيء على خبرته كاتبا قصصيا قارئا للرواية ، وسرعان ما يتوصل المرء إلى هذا ، فما كتبه كله يخلو من التنظير النقدي ولا يعتمد على كتب أركان الرواية القديمة والجديدة منها .
اليوم أعدت قراءة الصفحات الستين الأولى من الكتاب وأما بقيته فكنت قرأته في مكان نشره الأول.
شكرا للمحامي الحيفاوي حسن عبادي الذي وفر لي نسخة من الكتاب وشكرا للكاتب محمود شقير أيضا .
هناك عدة ملاحظات أود أن أبديها وهي :
الملاحظة الأولى:
لا أعرف سبب تكرار بعض الفقرات فيما كتب تحت عنوان " عن المخيم في الرواية "
الفقرة الثانية في صفحة ٢٣ تتكرر في صفحة ٢٤ ، والفقرة الرابعة تتكرر في صفحة ٢٥ . أيعود الأمر إلى المنتجة ؟
( الفقرة الأولى عن رواية غريب عسقلاني " ليالي الأشهر القمرية " والفقرة الثانية عن رواية صافي اسماعيل صافي " الباطن " .
الملاحظة الثانية :
تخص روايات الكاتب عزام أبو السعود " وكتب عزام أبو السعود رباعية روائية هي " صبري ، حمام العين ، الستيفادور ، وسبيريترما " ( صفحة ٤٢ ) . ما أعرفه هو أن أبو السعود أصدر أولا ثلاثية صبري وحمام العين وسوق العطارين ، وسوق العطارين كلها عن القدس ( لم أقرأ له الستيفادور و سبيريترما فلم أحصل عليهما بعد ) .
الملاحظة الثالثة :
تخص الروائي أحمد حرب . كان شقير قرأ الرواية مخطوطة وأبدى في صفحة ٢٩٩ ملاحظات حولها وحول عنوانها " يسير " واقترح على حرب أن يغير العنوان ففعل وصار عنوانها " الصعود إلى المئذنة " وفي صفحة ٤٦ يذكر الرواية ، وهو يكتب عن المكان والذاكرة في الرواية الفلسطينية ،؛ ويورد عنوانها الجديد ، ما يعني أن حرب أخذ بالاقتراح . وهذه معلومة جديدة .
الملاحظة الرابعة :
تبدو في كتابته عن رواية أحمد رفيق عوض " العذراء والقرية " واشارته إلى الجيوش العربية بخاصة الجيش العراقي :
في صفحة ٢٢٥ نقرأ :
كذلك يتعاطى الكاتب مع هزيمة عام ١٩٦٧ بالطريقة ذاتها وعبر حوارات لا تخلو من السخرية ، حيث تتم الهزيمة في مثل سرعة البرق ، ويدخل اليهود يعبد على الأقدام في حين لم يكن هناك جيش ، وفي حين ما زال الناس يعتقدون بوهم قدوم الجيش العراقي للمشاركة في الحرب ، وفي ذلك ايحاء بموقف الجيش العراقي المعروف " ماكو أوامر " أيام النكبة الأولى " .
وللأمانة فإن الجيش العراقي في النكبة الأولى هو من حرر مدينة جنين بعد احتلال العصابات الصهيونية لها ، وكل من عاش في حينه يشهد له بذلك .
الملاحظة الخامسة ؛
تكمن في أن الكاتب كان يكثر من إصدار أحكام قيمة تخص نتاجات بعينها من ذلك ما كتبه عن روايات باسم الخندقجي ورواية إبراهيم نصرالله " طفولتي حتى الآن " . ( صفحة ١١٢ و ٢٠٧ و ٢٠١٣ وغيرها كثير ) .
الملاحظة السادسة :
"غياب غزة"
أعترف بأنني منذ العام ١٩٩٣ تقريبا لم أتابع المشهد الروائي في قطاع غزة ، على الرغم من بروز أسماء روائية عديدة .
عندما أصدر غريب عسقلاني / إبراهيم الزنط في العام ١٩٧٩ روايته الأولى " الطوق " كتبت عنها ، وعندما أصدر محمد أيوب في العام ١٩٩٠ تقريبا روايته " الكف تلاطم المخرز " كتبت أيضا عنها . وكتبت أكثر عن القصة القصيرة هناك ، فهي الفن الذي ازدهر أكثر من الرواية ، بل ومن الشعر .
بدأت الرواية في قطاع غزة تكثر كتابتها منذ العام ١٩٩٣ ، ولقد انصرف إليها أكثر كتاب القصة القصيرة إلا ما ندر ، وللأسف فقد انقطعت عن متابعة ما يصدر هناك ، حتى قرأت عاطف ابوسيف فكتبت عن خمس روايات من رواياته العشرة ، وربما أكون من خلال تناولي لرواياته غطيت جزءا من المشهد الروائي الفلسطيني في الداخل وفي الخارج ، واشك في أن ناقدا واحدا يمكن أن يغطي المشهد الروائي الفلسطيني كله .
عندما أمعنت النظر في عنوان كتاب الكاتب محمود شقير نظرت في الفهرست ، وتمنيت لو كان العنوان " في المشهد الروائي الفلسطيني " ، ذلك أن أسماء روائية عديدة لها إسهاماتها لم يؤت عليها ولم يكتب عن رواية واحدة من رواياتها .
لم يكتب عن سحر خليفة أو رشاد أبو شاور أو محمد الأسعد أو ... ولم يكتب عن أي كاتب من كتاب قطاع غزة إلا عاطف ابوسيف الذي خصت روايته " الحاجة كريستينا " بصفحة واحدة .
روائيون كثيرون يتشوقون للحصول على نسخة من الكتاب ، ولكنهم ما إن ينظروا في الفهرست حتى يشعروا بالإحباط ويصابوا بخيبة الأمل .
ولعل ما يقلل من إمكانية مهاجمة الكاتب أنه أضاف إلى العنوان الرئيس مفردة " قراءات " .
الكتاب كما كتبت من قبل ليس دراسة أكاديمية منهجية ، ولم يعتمد خطة تتكيء على الاختيار ومبرراته - أي الاختيار .
سألني الكاتب محمد زحايكة Mohammad Zahaikah إن كانت الكتابة النقدية يجب أن تقتصر على النقاد ، فأجبته : لا . إنني أتمنى أن يكتب الروائيون عن نتاجات بعضهم ، فهذا يثري المشهد الروائي ، وأغلب الظن أن محمود شقير رمى حجرا في بئر الرواية ، وأغلب الظن أن الروائيين سيدلون بدلوهم مبدين آراءهم في الكتاب .رأي في عالم أدب الأسرى الروائي
الملاحظة السابعة :
" من متابعاتي لما أنتجه باسم خندقجي من روايات ، وبما أنتجه غيره من الأسرى من قصص وروايات ، فقد لاحظت ان قلة من هؤلاء الأسرى هم الذين تعرضوا للكتابة عن المعاناة داخل السجون (وليد دقة/ حسام كناعنة / سائد سلامة ) ... ...فيما تطرق أسرى آخرون للكتابة عن ظواهر مجتمعية ووطنية تقع خارج أسوار السجون ..( حسام شاهين / عصمت منصور / وطبعا باسم ) ( صفحة ١٩٣ ) .
ترى ما مدى دقة هذا الحكم ؟
إنه حكم صدر عن اطلاع الكاتب على ما تيسر له من قصص وروايات قرأها ، وللتأكد من مدى صوابه يجدر قراءة نتاج الأسرى كله ووضعه في خانتين ؛ خانة ما كتبه أسرى لم يتناولوا فيه تجربة السجن ، وخانة ما كتبه أسرى تناولوا فيه عالم السجن وتجاربهم فيه .
شخصيا أرى أن تجربة باسم الخندقجي وحسام شاهين تكاد تكون استثناء ، فأغلب السجناء كتبوا عن تجاربهم في السجن وما عاشوه فيه .
حتى عصمت منصور الذي ورد اسمه في أنه كتب رواية عن عالم الأنفاق ، حتى عصمت كنب عن السجن " سجن السجن " .
كتب هشام عبد الرازق رواية " الشمس في معتقل النقب " تجري أحداثها كلها في السجن ، وكتب كميل أبو حنيش أكثر من رواية عن السجن وكتب وليد الهودلي أيضا الكثير عن عالم السجن وكتب وكتب ، وأظن أن تجربة باسم الخندقجي استثناء .
يمكن للمحامي حسن عبادي Hassan Abbadi أن يبدي رأيه في الموضوع فهو قرأ الكثير من أعمال السجناء ، وكذلك الناقد فراس حاج محمد والدكتور حسن عبدالله .
ان العديد من الآراء التي أبداها صديقنا أبو خالد تحتاج إلى تمحيص ، وكما ذكرت فإن نقده نقد انطباعي وقراءاته قراءات أنجزت عن روايات قرأها تيسرت له ، لا قراءات شمولية تتابع كل ما صدر ، والقراءات الأخيرة هي مهمة الدارس الأكاديمي لا مهمة القاريء الانتقائي أو حتى القاريء النهم . ويخيل إلي أن غزارة الإنتاج الروائي في العقود الثلاثة الأخيرة لا تصعب مهمة القاريء الانتقائي وحسب ، بل تصعب حتى مهمة الدارس الأكاديمي نفسه .
الملاحظة الثامنة
الكاتب والمكان :
عندما كتب الروائي ربعي المدهون روايته " مصائر " كتب عن مدن عديدة منها عكا ولندن والقدس ، وكان زار المدينتين الفلسطينيتين غير مرة .
وعندما قرأ ناقد فلسطيني الرواية كتب عن أخطاء معرفية وقع فيها الروائي ، فلم يكن ملما بالقدس إلماما كافيا .
ولأنه شاع عن الناقد أنه يضخم الأخطاء ، فقد عرضت الرواية على مواطن مقدسي ليبدي رأيه فيكون الكلام الفصل ، فاكتشف أخطاء أخرى غير التي كتب عنها الناقد ، ولكنه اضطر ألا يعلنها ، فقد كانت الرواية حصلت على جائزة الرواية العربية / بوكر أو في طريقها للحصول عليها .
الروائي وليد الشرفا له رواية يأتي في صفحات منها على حيفا المدينة التي ربما يكون زارها زيارة عابرة .
عندما قرأ أبناء المدينة الرواية دونوا عليها ملاحظات ، فيما يخص حيفا ، تظهر أن الروائي لم يحط بالمدينة إحاطة تامة . كما لو أنهم ساروا على درب إميل حبيبي في تتبعه المكان في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ولكثرة كتابتي عن هذا الجانب صار الرأي شائعا .
الروائي محمود شقير في كتابه " المشهد الروائي الفلسطيني : قراءات " يكتب صفحتين عن رواية " وارث الشواهد " يأتي فيهما على المكان فيها . يكتب شقير :
" .... معلنا انحياز بطل روايته إلى المكان الفلسطيني المنهوب ، حيث الوصف المتقن للأمكنة ولما فيها من تفاصيل تحفظها الذاكرة ... "
علام اعتمد الكاتب حين أصدر هذا الرأي اليقيني " الوصف المتقن للأمكنة .. " .
في كتابه " فن القصة " يكتب محمد يوسف نجم عن البيئة في الرواية ، ويقدم للروائيين نصيحة هي أن يلتزموا في كتابتهم بالبيئة التي يعرفونها . لقد لاحظ نجم أن محمود تيمور كتب في إحدى قصصه عن لبنان ، ولم يكن زارها ، ومما كتبه أن فيها صحارى ... .
١١ / ٥ / ٢٠٢٥
2 - محمد حور :
«تجليات القدس في الشعر العربي»
«تجليات القدس في الشعر العربي» عنوان كتاب الأستاذ محمد حور، وهو فلسطيني يدرّس في الجامعات الأردنية، وكان أصدر عدة كتب تتناول موضوعات «السجن في الشعر المعاصر»، و»فلسطين في الشعر المعاصر بمنطقة الخليج»، و»فلسطين في شعر الجواهري».
قبل أن ينجز المؤلف كتابه الجديد، رصد الكتب والدراسات التي تناولت موضوع القدس في بحث خاص نشره في ٢٠١٨، وإن لم يكن الرصد تاماً، وفي كتابه عرض بإيجاز لها ليقول: إن دراسته مختلفة عنها في المنهج. إنه يقرّ بأن شعر القدس حظي باهتمام الباحثين، ولكن دراسته تأتي «وهي تزعم أنها أحاطت بكل هذا، وأنها اتبعت منهجاً ندّ عن المناهج السابقة، وكان ألصق بالمادة المدروسة «الشعر المعاصر في القدس» (ص٧)، ويكرر هذا في الخاتمة «بنيت الدراسة على منهج مغاير للمناهج التي اتبعها الباحثون السابقون». (ص ٢٥٧)
وكنت أتمنى لو أنه لم يصدر مثل هذين الحكمَين تاركاً للقراء استنتاجهما، فهما أقرب إلى مديح الذات منهما إلى الحكم الموضوعي، ولو كانا صدرا عن غيره لكانا أكثر إقناعاً.
الكتاب الذي يقع في أربعة فصول، هي عبقرية المكان وسورة الغضب والقدس في الوجدان ونشيد القدس، يضم أيضاً ملحقاً بقصائد لـ ١٨ شاعراً وشاعرة، كان النصيب الأكبر منها للذكور. وعنوانان من العناوين مأخوذان من دراستين سابقتين رصدهما وهما «عبقرية المكان» و»القدس في الوجدان». الأول مستوحى من دراسة إبراهيم السعافين «القدس في الشعر العربي الحديث في نماذج مختارة»، والثاني من كتاب إبراهيم حلمي «القدس في الشعر العربي» الذي تشكل أكثره من الكتابة تحت عنوان «القدس في شعر العاطفة الوجدانية»، ويمكن القول: إن الفصل الرابع «نشيد القدس» الذي يمكن أن يعد فصلاً جديداً، لم يكتب عنه الدارسون من قبل، مستوحى من التفات فاروق مواسي إلى نشيد الأخوين رحباني في كتابه «القدس في الشعر الفلسطيني» ١٩٩٥.
وإذا ما أمعن المرء النظر في فقرتَي الدارس عن منهجه الذي، كما زعم، ندّ عن الدراسات السابقة، فإنه يعرف أن المنهج هو «المنهج النصي»، ولا أرى أن كثيراً من الدراسات السابقة التي ذكرها ابتعدت عنه. لقد استخرج قسمٌ من الدارسين صورة للقدس من القصائد، وقسم درس هذه الصورة معتمداً على التمييز بين الأجناس الأدبية، وعلى رصد تطور ما كتب عن القدس فيها (عبد الله الخباص وفاروق مواسي)، وقسم آخر درسها اعتماداً على تبيان مكانة القدس لدى الشاعر في ضوء علاقته بالمدينة بشكل عام (أنا شخصياً)، وقسم درس صورتها في ضوء صورتها في الشعر العبري (نهال مهيدات) ولم يشر الدارس إلى كتابها وإلى كتاب إيمان مصاروة أيضاً، وإلى مقالاتي العديدة عن شعراء كتبوا عن القدس مثل تميم البرغوثي وسميح القاسم.
ربما ما أتى به هو أنه توسّع في الكتابة ودرس شعراء لم يدرسوا من قبل معاً، أو لم يلتفت إليهم كما التفت إلى شعراء شكّلوا نقطة ارتكاز في أغلب الدراسات. مثلاً حظيت قصائد محمود درويش وتميم البرغوثي بما لم تحظَ به قصائد آخرين مثل المتوكل طه، وإن كان آخرون أسبق من الدارس التفتوا إليه.
ومع أن الدارس أشاد بدراستي «القدس في الشعر العربي الحديث»، إلا أنه لم يلتفت فيها إلى جانب غاب عن دراسته، وهو فيما أرى أهم جانب، ويتمثل في تحديد علاقة الشاعر بالقدس والكتابة عنها من الداخل أو الخارج. وكنت أتمنى لو عرّف بالشعراء وذكر مكان إقامتهم ليكتب لنا عن طبيعة علاقتهم بالمدينة: أهي علاقة حياتية أم روحية، دنيوية أم دينية، وطنية أم قومية أم إسلامية؟
تماماً كما لم يناقش سؤال قصيدة القدس: مَن من هؤلاء الشعراء الذين درسهم كتب قصيدة قدس حقاً؟ وكنت كتبت سلسلة مقالات تحت عنوان استفهامي هو «هل كتب فلان قصيدة قدس؟»، إذ ليست كل قصيدة ذكرت القدس تعد قصيدة قدس.
من الآراء اللافتة التي يتبناها الدارس:
«ولم أعن بقصائد خرجت على هذا الذوق الذي يتخذ من السبّ والشتم والإقذاع وسيلة للتعبير عن غضبه»، وحجته أن شرف الموضوع الذي هو بصدده يفرض عليه أن يبتعد عمّا يشينه لغة أو ذوقاً أو فناً «وإن هذا المنهج سرت عليه في هذا الكتاب وفي كل كتبي». (ص ١٥٩)
وهكذا يستبعد مقاطع شعرية عدّت أشهر ما كتب في القدس، مثل مقطع مظفر النواب «القدس عروس عروبتكم».
الطريف أن الدارس يدرس قصائد شبيهة لفوزي البكري، والطريف أن شاعراً مثل أمل دنقل لم يشتم ولكن قصائده لم تدرس لموقف سياسي من نظام حكم.
بقيت إشارة وهي تتعلق بالباحث والمحرمات. إن من أبرز سمات البحث العلمي أنه لا يعرف المحرمات، وبالتالي فقد وجب عليه أن يدرس ما استثناه وناقل الشتيمة ليس صاحبها.
١٩ / ٢ / ٢٠٢٣ الأيام الفلسطينية
3 -
تقنيات النص السردي في أعمال جبرا
رسالة ماجستير لعدوان نمر عدوان
د. عادل الأسطة
يواصل طلبة جامعة النجاح الوطنية إنجاز دراساتهم حول الأدب الفلسطيني ، ولقد أنجز هؤلاء ، حتى الآن ، العديد من الرسائل التي تأتي على ظواهر أدبية وقضايا نقدية ، وعلى أعلام بارزين لم يدرسوا ، حتى اللحظة ، دراسة أكاديمية ، إلا أقلهم .
لقد أنجز الطلبة دراسات تتناول الشخصية في الرواية الفلسطينية ، والسخرية في الشعر الفلسطيني ، والرواية في الضفة والقطاع ما بين 67 و 1993 ، وتقنيات النص السردي في أعمال جبرا إبراهيم جبرا ، كما أنجز طلبة آخرون دراسات تمس أعمال كتاب بعينهم مثل يحيى يخلف وفدوى طوقان ، وهناك دراسات قيد الإنجاز تتناول أعمال حنا إبراهيم وتوفيق فياض والمتوكل طه وأكرم هنية وعبد اللطيف عقل وحنا أبو حنا وسميح القاسم .
ولا شك أن هذه الدراسات ، وأخرى غيرها ، ستضع حداً للشكوى التي تصدر عن أدبائنا ، وهي شكوى مفادها أن نصوصهم لا تدرس ، وأن أساتذة الجامعات يتعالون على الأدب المحلي .
من الرسائل التي أنجزت مؤخراً رسالة الطالب عدوان نمر عدوان ، وعنوانها "تقنيات النص السردي في أعمال جبرا إبراهيم جبرا الروائية" ، وقد أشرف عليها الدكتور عادل أبو عمشة ، وناقشها الدكتور مهدي عرار من جامعة بيرزيت وأنا من جامعة النجاح الوطنية .
تكونت الدراسة من مقدمة ، وتمهيد أتى فيه الدارس على مصطلحات النقد الروائي : السرد والزمن والفضاء ، ومن ثلاثة فصول ؛ الأول عنوانه تلاعبات السرد في رواية "السفينة"ورواية "يوميات سراب عفان" ، والثاني عنوانه الزمن في "السفينة" وفي رواية "البحث عن وليد مسعود" ، والثالث عنوانه بنية المكان في السفينة وفي رواية "الغرف الأخرى" ، وأنهى الدارس دراسته بخاتمة موجزة .
يعرض الدارس في المقدمة اختلاف المنهج الذي اختاره ، وهو المنهج البنيوي ، عن المناهج الأخرى التي تعالج الأدب اعتماداً مع معطيات أخرى خارجية . ويعلن عن النصوص التي سيعالجها وتلك التي يستبعدها ، وقد استبعد "صراخ في ليل طويل" و "صيادون في شارع ضيق" و "عالم بلا خرائط" ، لأن جبرا كتب الأولى والثانية بالإنجليزية ، والثالثة بالاشتراك مع عبد الرحمن منيف . ولئن كان استبعاد الثالثة مقنعاً فإن استبعاد الأولى والثانية يبدو غير مقنع ، فالدارس لم يعالج اللغة ليميز بين لغة المؤلف ولغة المترجم ، وإنما عالج السرد والزمن والمكان ، وهذه كلها خاصة بالمؤلف لا بالمترجم .
ويأتي الدارس في المقدمة على النصوص التي يعتمدها للدراسة ، فيختار "السفينة" نصاً محورياً ليدرس فيه السرد والزمن والمكان ، وليتخذ من "يوميات سراب عفان" نصاً آخر يعالج فيه السرد أيضاً ، ومن "البحث عن وليد مسعود" نصاً آخر يعالج فيه الزمن ، ومن "الغرف الأخرى" نصاً آخر يعالج فيه المكان . وأرى أن الكاتب لم يكن موفقاً في اعتماد النص ، فيوميات سراب عفان مثلاً تسرد من ساردين اثنين ، تماماً كما أن السفينة تسرد أكثر فصولها ، باستثناء فصل واحد ، من ساردين اثنين ، وكان يفضل لو اعتمد الدارس نصاً آخر لجبرا يسرد بطريقة مختلفة حتى يبين لنا اختلاف اللعبة السردية في نصوصه ، وكان سيكون أكثر توفيقاً لو أنه اختار "صيادون في شارع ضيق" لأن بنيتها السردية تختلف عن البنية السردية للسفينة .
وتعاني المقدمة أيضاً من خلل آخر يتمثل في تنويه الدارس إلى بعض المصادر والمراجع التي اعتمد عليها . يأتي الدارس على مصادر ومراجع ويغفل أخرى أهم ، ولئن كان كتاب سعيد يقطين وحميد الحمداني مهمين ، فإن الإشارة إلى دراسة السعافين وعبد الحميد محادين وإغفال الإشارة إلى كتاب يمنى العيد "تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي" يبدو أمراً محيراً ، وكان الدارس اعتمد على دراسة يمنى العيد ، إذ كيف يغفل الدارس الإشارة إلى مصدر ويأتي على ذكر مرجع . إن معالجة العيد تختلف عن معالجة السعافين ومحادين ، فهي تنظّر للمنهج ، خلافاً للآخرين اللذين اعتمدا تارة عليه دون التنظير إليه ، كما هو في دراسة محادين ، أو اعتمدا على مناهج أخرى ، كما هو الحال في دراسة السعافين .
وثمة خطأ فادح وقع فيه الدارس في المقدمة أيضاً ، وذلك حين كتب عنواناً فرعياً هو "بعض الدراسات التي عالجت موضوع البحث" ، فالدراسات التي ذكرها لم تعالج ما يعالجه هو ، وإلا لما كان هناك مبرر لبحثه . لقد عالجت الدراسات أدب جبرا من زوايا مغايرة واعتماداً على مناهج مختلفة . وكنت شخصياً طلبت منه أن يستعيض عن التمهيد الذي يتكرر في المتن بالوقوف أمام الدراسات السابقة وعرضها حتى يبين اختلاف دراسته عنها ، ليظهر للآخرين مبرر هذه الدراسة وأهميتها ، ويبدو أن السرعة هي التي أوقعته في هذا المطب ، كما أوقعته في خطأ الاختيار . لقد اختار دراسات وأهمل أخرى ، وبعض الدراسات التي أهملها أهم من تلك التي عالجها . لقد أغفل مثلاً دراسة فاروق وادي "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية" وأتى على دراسة عمر شاهين ودراسة خليل الشيخ ، وتعد دراسة وادي أكثر شمولية من هاتين .
وأما التمهيد الذي يقع في أربع عشرة صفحة فقد عرف فيه المصطلحات التي وظفها في دراسته ، وهي مصطلحات يعثر المرء على أكثرها في كتب يمنى العيد "تقنيات النص السردي" وحميد الحمداني" بنية النص السردي" وعبد الملك مرتاض "في نظرية الرواية" وفي دراسات أخرى كدراسة عبد العالي بوطيب في فصول (1993) . ولئن كان الدارس أعاد كتابة هذه المصطلحات ، فإنه لم يعتمد على أصول وحسب ، لقد اعتمد أيضاً على مراجع ثانوية تعتمد على هذه الأصول ، ولعله أراد أن يظهر للآخرين مدى إحاطته بالدراسات الحديثة التي أتت على تقنيات السرد ، وهكذا لم يحسن استخدام المصادر والمراجع ، وفي عدم توظيف هذه توظيفاً جيداً وقع في الدراسة في أخطاء كان يمكن تلافيها ، من ذلك مثلاً أنه يوظف مصطلحات لها تسميات مختلفة ولكنها تؤدي المعنى نفسه . حقاً إنه يشير في التمهيد إلى هذا ، وهو ما يبدو في ص18 حيث يكتب "القفزة أو القطع أو الحذف "إلا أنه لا يقرّ على قرار واحد – أعني أنه لم يحدد مسبقاً أية تسمية سيختار ، علماً بأنه أشار في المقدمة ، وتحديداً في ص5 ، أشار إلى اختلاف الدارسين العرب في تعريب المصطلحات التي نقلت إلى العربية من لغات أوروبية عديدة ، وأتى بأمثلة على ذلك .
يمتد الفصل الأول الخاص بالسرد من ص23 إلى ص55 ويأتي فيه على الفصول التي يسردها كل من عصام السلمان ووديع عساف و(إميليا فرنيزي) في السفينة ، وكل من سراب عفان ونائل عمران في يوميات سراب عفان . ويعرض لهوية هؤلاء وطريقة سردهم وطرق حكي الأقوال – هنا نلاحظ مثلاً في ص49 أن الدارس يعتمد على كتاب عبد الحميد محادين "التقنيات السردية في أعمال عبد الرحمن منيف" ولا يعتمد على كتاب يمنى العيد ، وكتابها أسبق وأكثر صلة بالمنهج من ناحية نظرية - .
ويكتفي الدارس ، وهو يتناول جانب السرد ، بجانب واحد إلا ما ندر ، من جوانب السرد . إنه لا يأتي على جانب آخر مهم هو المسرود له ، تماماً كما أنه لا يلتفت إلى البنية السردية للنص . لكأن السرد يخص السارد فقط ، علماً بأن الدراسات الحديثة التفتت إلى المروي عليه / المسرود له ، وهنا يمكن أن نشير إلى دراسة (جبرالد برنس) : "مقدمة لدراسة المروي عليه" ، وهي دراسة نقلت إلى العربية ونشرت في مجلة فصول في العام 1993 . ولما كان الدارس أشار إلى أنه سيعتمد على المنهج البنيوي ، فإنه لم يقف أمام جانب مهم من جوانب هذا المنهج ، وهو جانب بنية النص والعلاقة بين فصول الروايات ، أهي علاقة تواز أم إتمام أم عكس ؟ . في كتابه "بنية النص السردي" ، وهو كتاب اعتمد عليه الدارس ، يناقش حميد الحمداني موضوع السرد ، ويرى أنه يتكون من راو ومروي عليه ومن القصة : "وأن السرد هو الكيفية التي تروى بها القصة عن طريق هذه القناة نفسها ، وما تخضع له من مؤثرات، بعضها يتعلق بالراوي والمروي عليه ، والبعض الآخر متعلق بالقصة ذاتها" (ص45 من ط1993/ بيروت) .
وما كان يجدر أن يقف أمامه الدارس هو توضيح طبيعة سارد جبرا : أهو كلي المعرفة أم جزئيها ؟ أهو سارد مشارك دائماً أم غير مشارك أحياناً ؟ أهو سارد حيادي أم غير حيادي؟ وكنت أتمنى لو أنه ربط بين المنهج البنيوي والبنيوي التكويني ، ليفسر لنا لماذا غلب على جبرا نوع معين من الساردين . لقد ذهبت ، شخصياً ، في أثناء كتابتي عن السارد في نماذج روائية فلسطينية إلى أن سارد جبرا في السفينة سارد يتقبل آراء الغير ، ولا يرى في ذاته الصواب المطلق، وربطت هذا بطبيعة جبرا المثقف الليبرالي (حول ذلك انظر مجلة كنعان (رام الله / الطيبة) ، ع93 ، تشرين ثان من العام 1993 . ص59 وما بعدها) . وكنت أفضل لو أن الدارس نظر في روايات حبرا كلها ، وتحدث عن طبيعة السارد فيها كلها مبيناً الاختلاف بين الساردين ليوضح لنا أن روايات جبرا لا تتبع طريقة واحدة في السرد ، وأسلوباً واحداً في طريقة العرض هو أسلوب وجهات النظر .
يمتد الفصل الثاني الذي يعالج فيه الزمن من ص57 إلى ص95 . يأتي الدارس على الزمن في السفينة ويعالج الزمن الداخلي : الزمن الروائي وزمن القص ، ويتوقف أمام تقنية الاسترجاع وتقنية الاستباق ، وأمام الديمومة والتواتر . يتوقف الدارس أمام المصطلحات ويحاول أن يأتي بأمثلة يدلل عليها ؟ وما يبدو مربكاً هنا أن الدارس أغفل في الفهرس وفي المتن أيضاً ذكر أولاً فيما ذكر ثانياً وثالثاً . لقد أورد الديمومة تحت ثانياً والتواتر تحت ثالثاً ، ويحار المرء أين تكون أولاً . أتكون أمام "تقنيتا المفارقة السردية" أم أمام عبارة أخرى غيرها ؟ وحين يأتي على زمن القص – أي زمن السرد – يعتمد على معطيات خارجية لتحديده ، وهو ما يبدو في هامش رقم 6 ، في ص59 : صرح جبرا بأن الزمن في السفينة محدد بأسبوع واحد" ، وقد رأى الدارس أنه محدد بسفر السفينة من بيروت في أوائل حزيران حتى رسوها في نابولي بعد عدة أيام. ويعرف هذا الزمن ، بعد تحديده ، اعتماداً على تعريف سعيد يقطين له في كتابه "تحليل الخطاب الروائي" . وكان الدارس قد عرفه في الصفحة السادسة عشرة – أي في التمهيد . ويلاحظ اختلاف التعريفين ، وذلك عائد إلى اعتماده على أكثر من مرجع . في ص16 يعتمد على كتاب حميد الحمداني "بنية النص السردي" وعليه يورد تحت زمن السرد : "أما زمن السرد أو القض فهو زمن الحاضر الروائي أو الزمن الذي ينهض فيه السرد" . فيما يورد في ص59 : "وزمن القص في الرواية (السفينة) هو حاضر التكلم أو الدرجة الصفر الذي يتيح إمكانية تحديد اللاحاضر سواء كان ذلك من قبل أو من بعد" .
ويتناول الدارس بعد ذلك رواية "البحث عن وليد مسعود" ؛ يتناولها فصلاً فصلاً ليظهر بنية الزمن فيها : الزمن المروي وطريقة السرد اعتماداً على الزمن : الاسترجاع ، كم الاسترجاع ، الاستشراف … الخ . وهكذا يلحظ أن الدارس اكتفى بالوصف وبمتابعة سير الزمن الداخلي ، ولم يلتفت إلى الأزمنة الخارجية : زمن الكتابة وزمن النشر الأول ، ولم يعالج صلة هذه الأزمنة بالأزمنة الداخلية ، وكان قبل إخراج الدراسة في شكلها النهائي قد أتى على ذلك وتساءل عما ينجم عن عدم مطابقة الزمنين : زمن الكتابة وزمن السرد معاً . ويبدو أن الجدل الذي أثير في النقاش جعله يغض الطرف عن سؤاله الذي كان أثاره : ما الذي ينتج عن عدم مطابقة الزمنين ؟ وعدم الالتفات إلى هذا السؤال جعله أكثر التزاماً بالمنهج الذي اختطه لنفسه ، وإن كنت أود لو أنه جمع بين المنهج البنيوي والمنهج البنيوي التكويني هنا ، ليبقي على السؤال وليجيب عنه إجابة واضحة مقنعة . حقاً ما الذي ينتج عن عدم مطابقة الزمنين ؟ ما الذي ينتج عن كتابة نص في زمن ما ، يعالج – أي النص – زمناً غير زمن الكتابة ؟ أيستطيع مسترجع ذلك الزمن أن يتمثله كما كان ؟ أيستطيع أن يكون دقيقاً في الكتابة عنه أم أنه يقع أسير زمن الكتابة ؟ لقد استرجع جبرا ، في نصوصه التي كتبها منذ الستينات ، أحداث عام 1948 ، وكانت المسافة بين الزمنين ؛ زمن الكتابة وزمن تلك الأحداث تمتد من اثنتي عشرة سنة ، كما في صيادون ، إلى سبعة وعشرين عاماً ، كما في البحث عن وليد مسعود ، وكان جبرا يقيم في بغداد أو في غيرها من المدن ، فكيف كتب عن تلك السنوات ؟
يمتد الفصل الثالث من ص97 – ص129 ، ويعالج فيه المكان في السفينة وفي الغرف الأخرى . يفتتح الدارس هذا الفصل بعبارة "إن لون الماء هو لون الوعاء الذي فيه " وينسب العبارة إلى "الجنيد" دون ان يفصح عن هوية "الجنيد"هذا . ويوضح علاقة المكان بالمرجعي ، ويعالج المكان في النصين المذكورين. هنا نجد الدارس يستخدم عبارات تحتاج إلى توضيح وإعادة نظر فيها ، من ذلك حين يربط بين الزمان والمكان ، وتحديداً حين يتحدث عن زمن القص وزمن المغامرة ويرى أن "زمن القص يختلف عن زمن المغامرة" وهو حكم قابل لأن يُساءل . هل يختلف دائماً زمن القص عن زمن المغامرة ؟ ماذا مثلاً حين أقص الآن عن شيء يجري الآن ؟ ألا يتطابق واللحظة التي أنا فيها وعليها . قد يختلف زمن الكتابة عن زمن القص ، وهذا ما يحدث غالباً ، حيث نكتب عما جرى بعد الانتهاء منه ، إلا في الشعر الذي يستجيب لحدث لحظي في تلك اللحظة ، خلافاً للقصة أو الرواية التي غالباً ما تنجز على الورق بعد الانتهاء من الحدث ، اللهم إلا إذا أخذنا نكتب عما يجري وقت جريان الحدث . هنا تصبح الكتابة سرداً ، وهنا يتطابق الزمنان أيضاً ، بل الأزمنة الثلاثة ، زمن الكتابة وزمن السرد وزمن الوقائع ، ويصبح الزمنان الأول والثاني زمناً واحداً أصلاً لتداخل الكتابة بالسرد ، خلافاً للكتابة التي تنجز فيما بعد زمن السرد الذي قد يكون حدث في زمن سابق ، هذا حين يختلف السارد عن الكاتب وينجز كل فعله في زمن مغاير .
يربط الدارس بين المكان والشخوص ، ويحتل المكان قيمته من علاقته بصاحبه ، وبما أن الشخوص في "السفينة" ينتمون إلى أمكنة مختلفة ، وبما أن المكان تارة حر وطوراً مغتصب ، فإن الذات التي ترتبط بمكان حر لا ترى في المكان ما تراه الذات التي اغتصب مكانها . إن فلسطين لوديع عساف الفلسطيني تعني الكثير في نظره ، وتظل محط أنظاره أينما حل وارتحل وتشغل ذهنه ، ولئن كانت العراق مهمة لعصام السلمان وللدكتور فالح ، فإنها ، لأنها غير مغتصبة ، تبقى طوع البنان . وارتباط وديع عساف بمنطقة بيت لحم والخليل غير ارتباط صديقته الدكتورة التي يرغب في الزواج منها ، فهي ، خلافاً له ، لم تنشأ في تلك المنطقة التي نشأ هو فيها .
وإذا كانت مرجعية المكان في السفينة محددة ، وإذا كانت الأسماء معروفة ، فهي ليست كذلك في الغرف الأخرى . وربما كان اختيار الدارس للغرف الأخرى اختياراً موفقاً .
في هذا الفصل ، كما في الفصول السابقة ، يعتمد الدارس على مراجع ثانوية ، ولا يعتمد على الأصول . ويخيل إليّ أحياناً أنه يكتب عبارات دون أن يعيها جيداً ، وأنه يقلد كتّاباً آخرين في أحكامهم دون أن يفصح عن ذلك في نصه المدروس . في ص107 يكتب : "تعبر الكويت عن ظاهرة اجتماعية حصلت بعد احتلال اليهود للأراضي الفلسطينية ، وهي اغتراب الفلسطينيين بحثاً عن المال في رحاب البترول ، خلافاً لبيروت التي كان الاغتراب فيها لأجل الدراسة أو البحوث" وهذه العبارة تقليد لما كتبه محمد عبد المطلب في دراسته التي نشرها في مجلة فصول ، وعنوان الدراسة "تدخلات الرؤية والسرد والمكان في رواية هالة البدري "منتهى" (فصول ، ربيع 1998 ، ص303) . ما كتبه الدارس آنفاً هو محاكاة لما كتبه محمد عبد المطلب :
"أما الأماكن العربية : السعودية والكويت ، فإنها تمثل مؤشرات على ظاهرة اجتماعية استفاضت بعد ذلك ، هي اغتراب المصريين بحثاً عن المال في رحاب البترول ، على عكس الاغتراب في أوروبا الذي كان طلباً للثقافة والمعرفة ، وهذا وذاك يمثل إضافة إلى الواقع المكاني لمنتهى" .
وأرى أن كثيراً من عبارات الدارس كانت قياساً أو اقتباساَ دون تمثل كامل .
في ص 113 من الدراسة يتحدث الدارس عن الفضاء النصي رواية السفينة ، ويورد عشرة أسطر عن تشكل الرواية على الورق ، مبيناً صفحات كل فصل ، ويعود في ص114 ليرسمَ مربعاً يحتوي على عشرة مستطيلات يورد في كل مستطيل رقم الفصل ومكوناته من الصفحات ، وهذا لا ضرورة له .
وتتكون الخاتمة من ثلاث صفحات يأتي فيها على ما أتى عليه في الفصول ، ولا يستطيع الدارس الذي ذكر أنه سيوظف المنهج البنيوي ، لا يستطيع إلا أن يبدي إعجابه بنصوص جبرا ، وهكذا يصدر أحكام قيمة تتنافى وهذا المنهج الذي يدعو إلى الحياد ، لأنه يريد أن يجعل من النقد علماً . يكتب الدارس :
"تعرض روايات جبرا خطابها الشيق بأساليب سردية متنوعة مقدمة عن طريق ساردين يوليهم جبرا أهمية عظيمة …" .
ويكتب أيضاً :
"من كل ذلك يمكن ملاحظة عناصر الجمال في العمل الروائي من سرد ومكان وزمان وقد تشابكت لتشكل لوحات فنية سردية في غاية الجمال والروعة وتستعصي على القراءة التقليدية ، إن الرواية عند جبرا عالم آخر مجهول يكشف لك عند كل قراءة جديدة عن جسد روائي عذري تنتحر الكلمات عند لمس مفاتنه .." .
يكتب هذا وكأنه يقول : ليست ثمة قراءة نهائية لنصوص جبرا ، مؤكداً بذلك مقولة التفكيكيين .
3/ 3/ 2001
4 -
سميح القاسم : شاعر الغضب النبوئي: دراسات وقصائد مختارة
الكاتبأ. د. عادل الأسطة تاريخ الإنشاءJan 23, 2025
( نص المداخلة ليوم ١٢ أيلول ٢٠٢٢ في متحف محمود درويش لمناقشة كتب الدكتور نبيل طنوس الثلاثة)
صدر كتاب الدكتور نبيل طنوس " سميح القاسم : شاعر الغضب النبوئي ، دراسات وقصائد مختارة " عن دار الرعاة في رام الله وجسور في الأردن .
يقع الكتاب في ١٩٨ صفحة المائة صفحة الأولى للمقدمة القصيرة / توطئة وللدراسات الأربعة والثمانية والتسعون صفحة الباقية للقصائد المختارة ولقائمة المراجع .
وإذا ما توقفنا أمام العنوان فإن ما يلفت نظرنا فيه هو " شاعر الغضب النبوئي " وهي عبارة أوضحها الدارس في توطئته من خلال قوله عن سميح " شاعر يجمع بين ضدين كإرداف خلفي ( Oxymoron ) وهو تعبير بين لفظين متناقضين ظاهريا مما يمنحهما معنى جديدا... " ، والوصفان " غضب " و " نبوءة " كان الشاعر نعت بهما منفردين في دراسات سابقة تعود إلى سبعينيات القرن العشرين ، ومن ينظر مثلا في مجلد ٧ من الأعمال الكاملة " في دائرة النقد" يقرأ العناوين الآتية :
-" الفلسطيني هو نبي العصر الحاضر " نبيه القاسم .
- الصحراء مرثية مطولة ونبوءة جديدة " نعيم عرايدي
- " مراثي سميح القاسم : نموذج لنبي جديد " حاتم الصكر .
- حماسة سميح القاسم والقصيدة العربية : مرحلة النبوءة في الحماسة " عادل الأسطة .
وفي نظرة على قائمة المراجع يلحظ الناظر أن الدكتور نبيل لم يعتمد أيا من الدراسات والمقالات المذكورة ، وعدم الاعتماد هذا وعدم الإشارة يمكن عزوه إلى عدم تنبهه لها أو عدم جديتها أو أنه قرر منذ البدء أن يقدم قراءته الخاصة به دون الاعتماد على قراءات الآخرين ، علما بأن دراساته كانت تتكيء على بعض الدراسات السابقة عن سميح القاسم . وعندما نتم قراءة توطئة الكتاب نعرف أن الدارس اعتمد على قائمة " دراسات ومقالات وأطروحات أكاديمية تناولت إنتاجه - أي سميح - " لا على الدراسات والمقالات والأطروحات كلها .
يعرض الدارس في التوطئة لفصول كتابه الأربعة بإيجاز ، ففي الفصل الأول درس الانتماء في شعر الشاعر " لأن الانتماء هو الأساس الذي يشكل باعثا لكل شاعر في إنتاجه " ، وفي الفصل الثاني يدرس سيرورة الإبداع في شعر الشاعر بعد النكسة ، ويستخدم دال النكسة مع أن الشاعر استخدم كلمة الهزيمة ، ويحلل الدارس في الفصل الثالث قصيدة " تعالي لنرسم معا قوس قزح " نموذجا لدراسة " الألم والأمل وما بينهما عند سميح " ، ويخصص الدراسة الرابعة لدراسة " الأساليب الفنية في قصيدة الانتفاضة :" تفدموا " " ، وأنا هنا أستخدم دال " دراسة " ، ويبدو أنني وقعت أسير ما ورد في العنوان " دراسات وقصائد مختارة " لا أسير ما ورد في التوطئة ، ففيها استخدم الدارس دال " المقال " وهنا أشير إلى أن الدارس نفسه في المتن استخدم تارة دال " الدراسة " ص ١٩ " ، ص ٤٨ " دراسة " وطورا دال المقالة ص ٢١ .
ويرى الدارس أن المقالات الثلاثة الأولى تكون " في دوائر متوازية من الخارج إلى الداخل " فالمقال الأول " يعالج الدائرة الخارجية ، وفي داخلها الدائرة الوسطى التي يعالجها المقال الثاني ، وفي داخلها الدائرة الصغرى التي يعالجها المقال الثالث " أما المقال الرابع فيكون بمثابة وتر يقطع الدوائر الثلاثة " لأنه في رأي الدارس " يمثل أسلوبا فنيا لشعر سميح القاسم " .
لا يأتي الدكتور على المنهج النقدي الذي سارت عليه كل دراسة من الدراسات ، ويبدو أنه ترك هذا ليستنجه الدارسون المهتمون .
ولا أعرف إن كان كتاب غسان كنفاني " الأدب الفلسطيني المقاوم " حضر في ذهن الدارس أو لا .
لماذا أذكر كتاب غسان كنفاني ؟
إن الدوائر الثلاثة التي رأى الدارس أن كل دراسة من دراساته تشكل حلقة من ثلاث تقع ضمن بعضها يذكرني بالفصل الخاص في كتاب غسان " أدب المقاومة ، أبعاد ومواقف " ففيه يدرس شعر المقاومة الفلسطينية في الأرض المحتلة ويرى أنه يركز على أبعاد ثلاثة ؛ البعد الوطني والاجتماعي ، والبعد القومي ، والبعد الإنساني .
إن شعراء المقاومة ومنهم سميح كتبوا أدبا وطنيا ذا توجه قومي وتوجه إنساني ، وأتى غسان على كل بعد منها بأمثلة .
وأعود إلى المنهج الذي لم يحدد في التوطئة ، وجل ما يقوله القاريء بهذا الخصوص فهو ما يستنتجه من الدراسات نفسها والمصطلحات النقدية التي وظفها الدارس وهي :
- الانتماء
- الثنائيات الضدية
- الألم والأمل ، في علم النفس .
- الأسلوب الفني " الأساليب الفنية في قصيدة الانتفاضة "/ التكرار والجناس .
وهي مصطلحات لم يوظفها الدارس في كل دراسة على حدة ، ففي دراسة يستخدم مصطلح " الانتماء " وفي ثانية " الثنائيات الضدية " وفي ثالثة " الثنائيات والجناس " وفي رابعة الأساليب الفنية والتكرار .
والمصطلحات السابقة تستخدم في مناهج مختلفة ؛ الاجتماعي والبنيوي الشكلاني والأسلوبية ، فهل انطلق الدارس من مقولة يؤمن بها جورج طرابيشي " إن أسوأ أنواع النقاد هم أولئك النقاد الذين يملكون منهجا واحدا يطبقونه على جميع النصوص " وبالتالي انطلق في دراسة قصيدة اعتمادا على مقولة نقدية تقتضيها القصيدة وفي أخرى على مقولة نقدية أخرى تناسبها أكثر ؟
وهنا أود أن أقف أمام الدراسة الرابعة التي تناول فيها قصيدة الانتفاضة " تقدموا " وأشير إلى جانبين :
- الأول توزيع القصيدة
- والثاني إغفال الدراسات السابقة التي تناولتها .
يجتهد الدارس فيكتب القصيدة بتوزيع جديد مختلف عنها في مكان نشرها كما ظهرت أول مرة وفي طبعات دواوين الشاعر . يرى الدارس أن هناك أصواتا متعددة في القصيدة هي :
- صوت القائد " دور الشاعر المتكلم "
- صوت جنود القائد " دور الجوقة " وهم جنود القائد .
- صوت الشعب " دور الحضور " .وهم شعب القائد .
وبخصوص الدراسات السابقة التي تناولت القصيدة ، وهي كثيرة " يتكيء الدارس فقط على ما نشر حولها في جريدة " البناء " ٢٠٢١ " قراءة في قصيدة الانتفاضة للقاسم " ، علما بأن هناك دراسات أخرى منها دراسة المثنى الشيخ عطية التي صدرت عن دار الأسوار " قصيدتان لمحمود درويش ولسميح القاسم " عابرون " و " تقدموا " ودراسة الدكتور اليمني عبد العزيز المقالح في كتابه " صدمة الحجارة " ، واللافت هو أن المثنى والمقالح حللا القصيدة فنيا ، ولو اطلع عليهما الدارس لربما أفاد منهما وأبان لنا اختلاف دراسته عنهما وأتمنى أن ينجز الدارس أو دارس آخر هذا فيكتب لنا دراسة أو مقالة عنوانها " تلقي قصيدة سميح القاسم " تقدموا : رسالة إلى غزاة لا يقرأون " نقديا " وأن يدرس الدراسات والمقالات دراسة تعاقبية .
هنا أشير إلى قصيدة كان سميح القاسم كتبها ونشرها في ديوان الحماسة يبدو فيها الشاعر ذا حس تحريضي نبوئي متأثرا بالفلسفة الماركسية التي نعت أصحابها بأنهم أنبياء العصر . عنوان القصيدة " ضوء جديد لقصر عتيق " وفيها حث الشاعر الفقراء على الثورة والتمرد وتشابه صوته فيها مع صوت بعض الأنبياء الذين حرضوا الفقراء على تغيير واقعهم . هل كان سميح يوم كتبها ينطلق مما ذهب إليه صلاح عبد الصبور في كتابه " حياتي في الشعر " حيث ربط بين الشاعر والنبي والفيلسوف . يرى عبد الصبور أن هناك صلة بين الدين والشعر والفلسفة " إن شهوة " إصلاح العالم " هي القوة الدافعة في حياة الفيلسوف والنبي والشاعر ، لأن كلا منهم يرى النقص ، فلا يحاول أن يخدع نفسه . بل يجهد في أن يرى وسيلة لإصلاحه ... وكثيرا ما أدرك الأنبياء والفلاسفة ذلك ( التعبير بالصورة الذي يلجأ إليه الشعراء ) فاصطنعوا منهج الشعراء ، ففي آثار كل نبي عظيم أو فيلسوف كبير قبس من الشعر "
ويتابع :
" إن الفلاسفة والأنبياء والشعراء ينظرون إلى الحياة في وجهها ، لا في قفاها ... وكثيرا ما تثقل وطأة هذه النظرة الكاشفة الثاقبة على نفوسهم ، وينتابهم الشك في إمكان الإصلاح ، ولذلك فإن في حياة كل شاعر أو نبي أو فيلسوف لحظات من اليأس المرير أو الاستيشاع للواقع والطبيعة ." .
وهنا يمكن العودة إلى توطئة الكتاب وقراءة ما كتبه الدارس عن لفظتي " الغضب " و " النبوئي " . يبدو سميح في قصيدة الانتفاضة غاضبا فيخاطب الجنود :
" تقدموا
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم
تقدموا
تقدموا "
ولكنه في قصيدة ثانية يقول :
" في الكون متسع لأهل الكون من صفر إلى بيض ومن حمر
إلى سمر وسود "
وقوله الثاني يحتوي على النظرة الإيجابية للبشرية أجمع ، المحبة هي المحبة ، والعطاء هو العطاء .
سميح في سيرته الذاتية :
" ولك أن تعترف ، ولا تثريب عليك ، دار في خلدك أنه ليس من الاعتباطية إمكانية المؤاخاة ، وفي صيغة عليا ، بين جوهر الماركسية وخلاصة الدين . واصطخبت في عمقك تفاعلات نووية هائلة تجمح نحو حالة ينخرط فيها النبي المسكون بالحلم ، بالثائر المطوق بمعطيات الواقع الصلبة ، ولطالما رفضت القطيعة الشائعة بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي . بهرتك الأعمدة الشعرية الكلاسيكية لكنها لم تحجب عن ناظري هاجسك الإبداعي آفاق الحداثة حتى أقصى أقاصيها .. وحين دونت وصيتك للأسرتين الصغيرة والكبيرة، في كتاب " الإدراك "، فقد كنت محموما بمحبة غامرة لكل ما خلق الله ، وكنت مفعما بإحساس غير غامض على الإطلاق ، بأنك مكلف من لدن الله سبحانه وتعالى ، بالبحث عن رسالة جديدة تجمع ولا تفرق توحد ولا تبدد... "( صفحة ١٨٤) .
.
السبت ٣ / ٩ / ٢٠٢٢
5- جهينة الخطيب : الرواية العربية في فلسطين 2012( هو عنوان كتاب للباحثة الدارسة جهينة عمر الخطيب، والكتاب أطروحة دكتوراة أنجزت
في جامعة اليرموك، وقد أشرف عليها الصديق األستاذ الدكتور خليل
الشيخ، الذي أثنى على الدراسة، فكتب لها كلمة جاء فيها: تكشف
الدراسة الجادة التي أعدتها الباحثة عن مجموعة من السمات المهمة
التي تضفي عليها على الدراسة قيمة علمية ونقدية.. وال شك أن
هذه الدراسة تأسيسية بكل ما في الكلمة من معنى، بمعنى أنها تضع
القواعد لدراسات نقدية قادمة تقوم بقراءة المنجز الروائي، وتتبع ما
ينطوي عليه من مظاهر كثيرة تتصل بالهوية والصراع على سرديتين،
وغير ذلك من المسائل. وينبغي أن أشير إلى الحضور الواضح لشخصية
الدارسة الذي يتجلى في هذا البناء الدقيق للعمل، وفي القراءة الجادة
للنصوص التي تسد فراغًا في المكتبة العربية.
وعهدي بالدكتور خليل أنه جاد وال يجامل، وقد يكون ما رآه وذهب إليه
صحيحا، فهو ملم إلمامًا جيدًا باألدب العربي الحديث.
طبعا هناك دراسات تأسيسية للرواية الفلسطينية، أنجزت كرسائل
دكتوراة وكدراسات نقدية أيضًا، ويذكر المرء في هذا المجال دراسة
الدكتوراة التي أعدها د. أحمد أبو مطر، »الرواية في األدب الفلسطيني«
) ،)1(د ودراسة الناقد فاروق وادي »ثلاث علامات في الرواية
الفلسطينية« )1985(، ولا تنسى دراسات شكري عزيز الماضي ومحمد
البوجي ومحمود غنايم وآخرين كثر.
وإن كان ثمة اختلاف بين الدراسات السابقة وهذه، فهو يكمن في
أنها رصدت حركة الرواية في فلسطين المحتلة في العام 194 لم تأت
على الرواية في مناطق االحتل الثاني، فدرست أسماء قديمة مثل اميل حبيبي، وهو اسم معروف جيدًا في العالم العربي، ومثل سميح القاسم،
كما درست اسماء جديدة معروفة داخل فلسطين، ولكنها لم تعرف بما
فيه الكفاية خارجها مثل سهيل كيوان وعطا الله منصور وشوقية عروق
وحنا ابراهيم و.. و.. و،.. وبما أن الكتاب أنجز في جامعة عربية، وصدر
عن دار نشر معروفة في بيروت وعمان هي المؤسسة العربية للدراسات
والنشر )،)20(ف ف شك أنه سيكون مرجعًا لدارسين لاحقين يدرسون الرواية الفلسطينية، ولا شك أن هؤلاء الدارسين، إذا ما درسوا النصوص وحياة مؤلفيها وآراءهم في الفن الروائي، لا شك في أنهم سيفيدون
من هذا الكتاب الذي جمع بين دفتيه أسماء أكثر الروائيين، إن لم يكن
كلهم، والذي درس أكثر النصوص، إن لم يكن كلها، وألحق، في خاتمته، مقابلات أجريت مع الكتاب الذين أبرزوا آراءهم في الرواية والذات والآخر و.. و.. و،.. ولما كان كل عمل دراسي لا يكتمل، ولما كان الدارسون القراء ، فإنهم يرصدون النقص وقد لا يشيدون
يريدون لكل عمل أن يكون كام
ّهم يرمون من وراء ذلك أن يلفتوا نظر الدارسين إلى ما
باإليجابيات، ولعل
اعتور دراسته من شوائب، عله يلتفت إليها ويؤخذ بها الحقًا إذا ما أعاد
طباعة كتابه. وأرى أن على صاحب الكتاب أال يرى فيما يسجل على كتابه
دراستها الكتاب:
يلحظ قارئ الكتاب، حين يدلف إليه وينعم النظر في نصوصه، أن
ثمة مفارقة بين العنوان والمتن، فالعنوان يوحي للقارئ بأن الدراسة
ستقتصر في دراستها على دراسة جنس الرواية، والمتن يقول له إنها
درست الرواية والسير الذاتية أيضًا، من ذلك سيرة حنا أبو حنا وسيرة حنا ابراهيم أيضًا.
وسيلحظ قارئ الدراسة أيضًا، أحيانًا، عدم دقة في قراءة النصوص،
وسيختلف هنا مع ما ذهب اليه أ. د. خليل الشيخ في تصديره للكتاب.
ولعل المثال البارز الواضح على هذا هو ما ورد في أثناء كتابتها عن
حكاية سميح القاسم الألوبيوغرافية »إلى الجحيم أيها الليلك«.
تخلط الدراسة بين سمير وسميح. إن أنا السارد في الحكاية هو سمي
(يحتاج المقال إلى مراجعة )
6 -
حسن خضر ومقالات درويش في "اليوم السابع"
عادل الأسطة12/12/2019
محمود درويش
خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة
"محمود درويش: مقالات ’اليوم السابع‘" (2019)، هو الإصدار الجديد للكاتب حسن خضر، صدر أخيرًا عن "مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة" في بيروت ورام الله، ويحتوي على مقدّمة من سبع صفحات، كتب فيها حسن عن زمن نشر المقالات ومكانه، معرِّفًا بالمجلّة وشارحًا في الوقت نفسه الترتيب الّذي اعتمده في إخراج المقالات، لافتًا النظر إلى أنّه لم ينشر كلّ ما كتبه الشاعر في المجلّة؛ فقد انتقى منها قسمها الأكبر، ويرى أنّ المقالات، عدا أنّها نثر بديع وذات لغة لا يخبو بريقها بالتقادم، يرى أنّها تُشكّل شهادة على "فترة بالغة الحساسيّة في تاريخ الفلسطينيّين، وهموم محمود درويش ومشاغله الشعريّة والسياسيّة والمعيشيّة أيضًا".
يقسم حسن خضر كتابه ثلاثة أقسام، هي: "فضاء الآخر" و"كتاب المراثي" و"سهم في الخاصرة"، ويوضّح أنّه في نشرها لم يتقيّد بتسلسلها الزمنيّ على صفحات "اليوم السابع"، وحجّته أنّ عددًا منها يُكمل بعضه بعضًا "وإنْ بعدت المسافة الزمنيّة بينها"، لكنّه حرص على تثبيت التاريخ الأصليّ للنصوص، وفوق ذلك قام بـ "تصحيح أخطاء طباعيّة وردت في النصّ المنشور، وتعديلات طفيفة في التنقيط وتقطيع الأسطر"، فـ "نشر نصّ على صفحة كتاب، يختلف عن نشره مقالةً على صفحة تتكوّن من أربعة أعمدة في ‘اليوم السابع‘".
لماذا مقالات "اليوم السابع"؟
يتوقّف حسن في تقديمه أمام قضايا مهمّة، تمسّ المقالات الّتي تنتمي إلى وسائل تعبيريّة مختلفة، هي "المقالة والقصيدة والمذكّرات والتعليقات السريعة، ومداخلات قدّمها في مناسبات معيّنة، وأعاد نشرها في ‘اليوم السابع‘، كما فعل مع بعض افتتاحيّات ‘الكرمل‘".
ولا أريد هنا أن أعيد كتابة ما ورد في التقديم؛ فالأصل أن يقرأه القارئ هناك، لكنّي أرغب في الإشارة إلى نقطتين دفعتا صاحب الإصدار إلى إنجاز ما أنجزه، هما:
- أوّلًا: مكانة محمود درويش لدى الشعب الفلسطينيّ؛ فهو "الصوت الأكثر تعبيرًا ونفوذًا في صوغ معنى حضور شعبه في الزمان والمكان، وأحد مهندسي الهويّة وصنّاع الخطاب العامّ.
- ثانيًا: إنّ المقالات تكاد تكون مجهولة بالنسبة إلى كثيرين، وهو يقدّمها أيضًا للجيل الشابّ الّذي لم يتابع هذه المقالات، ولم يعرف الكثير عن تلك الفترة الحسّاسة؛ وهذا ما جعل حسن خضر يُعيد نشر المقالات، ويُجري على قسم منها تعديلات طفيفة تخصّ الأخطاء الطباعيّة والتنقيط والتقسيم، وممّا جعله أيضًا يعمد إلى كتابة هوامش وتذييلات عديدة تُعرِّف القارئ بأحداث وشخصيّات وتواريخ مهمّة.
عودةً إلى كتب درويش النثريّة
جهود حسن خضر جهود يُشكر عليها، لا شكّ في ذلك، ولكن بعض ما ورد في التقديم يستحقّ حقًّا الوقوف أمامه. كتب حسن الآتي حول إصدار المقالات :"وقد استثنينا كلّ ما أعاد محمود درويش نشره في مجموعات شعريّة، وكتب نثريّة، وما نشر في ‘الكرمل‘، من إعادة النشر في هذا الكتاب، مع استثناءات قليلة غالبًا أعاد البعض نشرها، أو نشر مقاطع منها، بأخطاء طباعيّة كثيرة، ومن غير التزام المصدر الأصليّ والتاريخ، ولا التنويه بسياقها السياسيّ والثقافيّ العامّ"
حين عدت إلى كتاب "عابرون في كلام عابر"، وكتاب "في وصف حالتنا"، وهما كتابان طُبعا طباعة جيّدة، لاحظت أنّ نحو تسع وعشرين مقالة من الكتاب الّذي أصدره حسن خضر، موجودة فيهما، وما يختلف هو الترتيب فقط.
ولعلّ قارئ محمود درويش ومتابع أعماله، يتوقّف أمام الفقرة السابقة جيّدًا لكي يُسائِلها؛ فهل كلام حسن فيها دقيق؟
تتطلّب الإجابة العودة إلى كتب درويش النثريّة، الّتي أصدرها أو الّتي صدرت عن دور نشر معروفة، مثل "دار العودة" و"دار رياض الريّس"، وقد أصدرت له هاتان الداران العديد من الكتب النثريّة، وهي: "شيء عن الوطن"، و"يوميّات الحزن العاديّ"، و"وداعًا أيّتها الحرب، وداعًا أيّها السلم"، و"في وصف حالتنا"، و"ذاكرة للنسيان"، و"عابرون في كلام عابر"، و"الرسائل"، و"حيرة العائد"، و"في حضرة الغياب". والكتب الّتي صدرت في فترة كتابة المقالات هي: "في وصف حالتنا"، و"ذاكرة للنسيان"، والكتاب الّذي تلا صدور هذين الكتابين هو كتاب "عابرون في كلام عابر". وقد صدرت هذه الكتب في غير طبعة - أستثني هنا طبعًا كتاب "في انتظار البرابرة"، الّذي صدر عن "وكالة أبو عرفة" في القدس، ولا أعتقد أنّ درويش كان على اطّلاع عليه؛ فلا أظنّه يوافق على نشر كتاب له بالشكل الّذي ظهر عليه.
حين عدت إلى كتاب "عابرون في كلام عابر"، وكتاب "في وصف حالتنا"، وهما كتابان طُبعا طباعة جيّدة، لاحظت أنّ نحو تسع وعشرين مقالة من الكتاب الّذي أصدره حسن خضر، موجودة فيهما، وما يختلف هو الترتيب فقط.
إهمال جهود بنّيس
ربّما السؤال المهمّ الّذي يُثار هنا هو: هل كان نشر كتابَي "عابرون في كلام عابر" و"في وصف حالتنا"، عن "دار العودة"، بموافقة الشاعر؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما رأي حسن خضر في ما أورده في تقديمه؟
لقد أشرف الناقد المغربيّ محمّد بنّيس على نشر كتاب "عابرون في كلام عابر"، وكتب له مقدّمة، ولا أعتقد أنّ الشاعر اعترض على بنّيس؛ فحين جادلت الشاعر مرّة في سبب عدم إدراجه قصيدة "عابرون في كلام عابر" في أعماله الشعريّة، أجابني بأنّها ظهرت في كتاب خاصّ يحمل عنوانها.
وفي ما يخصّ الدقّة، فما أعرفه أنّ عبارة "خطاب الدكتاتور الموزون"، وردت "خطب الدكتاتور الموزونة"، وأنّ بعض القصائد لم يظهر في "مأساة النرجس وملهاة الفضّة"؛ فليس ثَمّة كتاب للشاعر بالعنوان الأخير، إنّما عنوان قصيدة ظهرت في ديوان "أرى ما أريد".
ما سبق يقودنا إلى اجتهاد حسن في ترتيب المقالات الّذي يختلف عن ترتيب بنّيس. أيّهما كان موفّقًا أكثر؟
ولا أريد الإجابة هنا عن السؤال؛ فهذا يتطلّب التفكير العميق في مضمون المقالات، وفي اجتهادات صاحبَي الإصدار، ولكن أما وجب أن يُشير حسن إلى كتاب "عابرون في كلام عابر" الّذي أصدره بنّيس؟
لا أريد أن أنتقص بهذه الملاحظات من قيمة الكتاب وجهد القائم عليه، لكنّي كنت أتمنّى لو نظر في الكتب السابقة، واستثنى ما نُشر فيها كلّيًّا، بعد الإشارة إليه، ومن ثَمّ نشر ما لم يُنشر من مقالات درويش في "اليوم السابع"؛ فلربّما أفادنا هذا أكثر في قراءة نتاج درويش، الّذي ظلّ في بطون الصحف والمجلّات.
نصّ واحد... ثلاثة أقسام!
ثمّة ملاحظات أخرى أودّ الإشارة إليها، وردت في قول حسن "لذا؛ يمكن قراءة هذه النصوص بصفتها نصًّا واحدًا، يقوم على قناعات ومرافعات وهموم شعريّة وسياسيّة، ويُستمدّ منها، ويتجلّى فيها، وتجد تعبيرها حينًا في ’التحليل السياسيّ‘، وحينًا آخر في ’تمارين شعريّة‘، لم يُعِد نشرها، كما في ’خطاب الدكتاتور الموزون‘، وفي قصائد نشرها في ’اليوم السابع‘، وأعاد نشرها في ديوان ’ورد أقلّ‘، وفي ’مأساة النرجس وملهاة الفضّة‘، وفي فصول ظهرت في المجلّة، وأعاد نشرها في ’ذاكرة للنسيان‘...". والسؤال هو: إذا كان بالإمكان قراءة هذه المقالات باعتبارها نصًّا واحدًا، فلماذا اللجوء إلى تقسيمها ثلاثة أقسام؟
وفي ما يخصّ الدقّة، فما أعرفه أنّ عبارة "خطاب الدكتاتور الموزون"، وردت "خطب الدكتاتور الموزونة"، وأنّ بعض القصائد لم يظهر في "مأساة النرجس وملهاة الفضّة"؛ فليس ثَمّة كتاب للشاعر بالعنوان الأخير، إنّما عنوان قصيدة ظهرت في ديوان "أرى ما أريد".
وكنت أتمنّى لو أوضح لنا حسن مناسبة قصيدة "يأس الليلك"، الّتي تصدّرت قسم "كتاب المراثي" وفيمَنْ كُتبت، وأرجّح أنّها كُتبت لمناسبة مرور سنوات على استشهاد ماجد أبو شرار، فأجواؤها الداخليّة قريبة من أجواء قصيدة درويش في رثاء ماجد "اللقاء الأخير في روما"
إنّ القصيدة الّتي كتبها درويش في رثاء معين بسيسو "خرج الطريق (في وداع معين بسيسو)"، لم تظهر في أعمال الشاعر. هنا، قدّم لنا حسن خدمة، تتمثّل بجمعه - في مكان واحد - ما كتبه درويش شعرًا ونثرًا في رثاء معين بسيسو، وفي ذكرى رحيله.
وكنت أتمنّى لو أوضح لنا حسن مناسبة قصيدة "يأس الليلك"، الّتي تصدّرت قسم "كتاب المراثي" وفيمَنْ كُتبت، وأرجّح أنّها كُتبت لمناسبة مرور سنوات على استشهاد ماجد أبو شرار، فأجواؤها الداخليّة قريبة من أجواء قصيدة درويش في رثاء ماجد "اللقاء الأخير في روما"، عدا أنّها نُشرت في شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) عام 1987؛ وهو الشهر الّذي استشهد فيه ماجد، لكن عام 1981.
درويش ودور النشر
وعمومًا، يجب التحقّق من صلة درويش بدور النشر، وموافقته أو عدمها على نشر كتابَيه "عابرون في كلام عابر" و"في وصف حالتنا"؛ لأنّ التأكّد من هذا قد يؤكّد ما ذهبت إليه، أو يدفعني إلى قليل من التعديل فيه، وإن كنت لم أقرأ اعتراضات من الشاعر على طباعة الكتابين في حياته.
إنّ المقدّمة الّتي كتبها حسن وجب أن تحفل بإشارات أخرى، تُبصر القارئ بالمزيد قبل أن يُقدم على اقتناء الكتاب الّذي فيه مقالات جديدة ومقالات أخرى كثيرة، صدرت في كتب لم نسمع من الشاعر اعتراضات جوهريّة عليها.
7 -
في ذكرى رحيل إدوارد سعيد ال ١٩ :
عادل الأسطة
عادل الاسطة Adel Osta l
ربما هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها في ذكرى رحيل الناقد والدارس الفلسطيني إدوارد سعيد الذي ملأ نتاجه المكتبات وشغل المفكرين وأساتذة الجامعات وقسما من السياسيين في الشرق والغرب ، فترجمت بعض كتبه ومقالاته إلى العديد من اللغات الحية .
عندما كان يطلب مني وأنا أحاضر في الجامعة أن أشارك في ندوة عنه كنت أحيل المشرفين عليها إلى طالبي وليد الشرفا الذي أعد أطروحة الدكتوراه الخاصة عنه ، ومع أنني قرأت لسعيد " الاستشراق " و" الثقافة والإمبريالية " و " صور المثقف " و " خارج المكان " ومقالاته في اتفاق غزة وأريحا إلا أنني لم أدرسه دراسة متعمقة تمكنني من الحديث عنه بطلاقة . كما لو أنني اكتفيت بقراءته وقراءة ما يكتبه مريدوه ، مثل الصديق فخري صالح ، عنه .
في الشهر الماضي اقتنيت كتاب " إدوارد سعيد : أماكن الفكر " الصادر عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت ( آذار ٢٠٢٢ عدد ٤٩٢ ) ل ( تمثي برنن ) من ترجمة محمد عصفور ، وأخذت أقرأ فصولا منه وسرعان ما عدت ثانية إلى " خارج المكان " سيرة إدوارد الذاتية ، لأرى الاختلاف بينها وبين كتاب ( برنن ) الذي اعتمد عليها في أماكن كثيرة ، وفي الوقت نفسه اعتمد على عشرات الكتب والدراسات والمقالات والمفابلات في تأليف كتابه الذي يبدو أقرب إلى سيرة غيرية لسعيد .
الأمور والأفكار والموضوعات التي لفتت نظري فيما قرأته من فصول الكتاب عديدة وأولها الجهد المبذول في التأليف الذي غالبا ما لا نجد شبيها له في معظم كتب الدراسات المكتوبة بالعربية ، وهو جهد جعلني أتمنى أن يكتب دارس عربي سيرة غيرية لمحمود درويش يحيط كاتبها بكل ما كتبه درويش وأنجز عنه ، وكنت في العام ١٩٩٢ ترجمت كتيبا عن حياة غسان كنفاني لدارس ألماني ( استيفان فيلد ) ( ١٩٧٥ ) أعده كمحاضرة لتقديم نفسه في جامعة هولندية ، محاضرة عنوانها " غسان كنفاني : حياة فلسطيني " وبذل صاحب الكتيب فيه جهدا كبيرا في الإحاطة بكل ما كتب عن كنفاني .
مما لفت نظري في الكتاب مثلا قصة إدوارد سعيد مع الجامعة الأميركية في بيروت في ٧٠ القرن ٢٠ حين أبدى استعداده للعمل فيها ولكن أعضاء قسم اللغة العربية فيها حالوا دون توظيفه وتجاهلوا عرضه لتدريس إحدى المواد من دون أجر ، بل ووضعوا " العراقيل التي لا معنى لها أمام حصوله على شيء يبلغ من البساطة ما يبلغه الحصول على بطاقة تخوله استعارة الكتب من المكتبة " ، وسبب استياء أعضاء القسم منه " جاء نتيجة شهرته المتنامية وصلاته بالآيفي ليغ (؟) " ( ص ١٨٥) ، ورأى سعيد في الجامعة مكانا " شديد الأذى " ولذلك فإنه حفاظا على سلامة عقله قرر أن لا تكون له صلة به " ليس هنالك من أحد ، لا أحد حرفيا ، يفعل شيئا يثير الاهتمام ... كل من فيه خير - على رغم أن حليم [بركات] المسكين [ كاتب الرواية السوري ] رجل وديع بالمقارنة مع صادق العظم - يوضع على الرف ، يخصى أو يرمى بعيدا ، يفعلون به كل ما يمكن فعله بمنتهى الرخص " والكلام لسعيد في رسالة إلى صديق بالقاهرة عبر فيها عن شعوره بالإحباط .( ص ١٧٦) .
مما لفت نظري في الكتاب أيضا أن سعيد كتب الشعر ، والقصة القصيرة ونشرها ، وشرع يكتب الرواية . كان سعيد قارئا للروايات ودارسا لها ، فقد أعد أطروحة الدكتور عن الروائي ( جوزيف كونراد ) ، وغالبا ما كان يطعم بعض مقالاته بروايات عالمية مشهورة مؤولا ومفسرا ومجتهدا في ضوء دراسته الاستشراق الإنجليزي والفرنسي .
لقد شرع سعيد بالفعل بكتابة الرواية ولكنه انصرف عن إتمام رواية ليكتب سيرته المعروفة " خارج المكان " التي تحفل بتفاصيل مذهلة تصف طفولته ، ما يدل على قدرته الفائقة في الوصف ، وهذا عنصر أساسي من عناصر الرواية ومكوناتها .
ما لفت نظري أيضا هو حضور سعيد كشخصية روائية ، وكنت وأنا أدرس رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " قد توقفت أمام حضوره فيها وفي روايات أخرى لخوري ، ومن الروايات رواية العراقي علي بدر " مصابيح أورشليم ؛ رواية عن ادوارد سعيد " ، وعدت إلى الموضوع نفسه وأنا أكتب عن صورة الفلسطيني في الرواية العربية ، فتوقفت مجددا أمام شخصيات فلسطينية حقيقية منها كنفاني ودرويش وسعيد وبسيسو وكمال ناصر وعرفات وآخرين . في كتاب ( تمثي برنن ) المذكور يكتب عن حضور إدوارد سعيد في الرواية العالمية فيعدد أسماء روائيين ويذكر رواياتهم : أهداف سويف في " خارطة للحب " ، حيث يظهر سعيد تحت اسم عمر الغمراوي ، و ( دومنيك إده ) في " الطائرة الورقية " حيث يظهر تحت اسم فريد مالك المهاجر السوري إلى الإسكندرية " وهو ناشط لامع يسعى إلى تغيير العالم " ، وفي رواية ( ر . ف . جورجي ) " قصة حب فلسطينية إسرائيلية " حيث يظهر باسمه الحقيقي " بوصفه البوصلة الأخلاقية الكامنة خلف " آفي " رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي تعلم من سعيد عندما كان يدرس في جامعة كولومبيا أن يعترف بآلام الفلسطينيين ." .
ما لم أتوقف أمامه من قبل هو صورة سعيد في الشعر العربي والسينما العربية وقد توقف ( برنن ) أمام هذا في الشعر العالمي والسينما العالمية .
في ذكرى إدوارد سعيد ال ١٩ يرحل الناقد والروائي وكاتب المقالة المميزة فاروق وادي ولعلني أكتب عنه في الأسبوع القادم .
المساحة محدودة والكتابة تطول .
الاثنين ١٩ / ٩ / ٢٠٢٢
عادل الأسطة
أستاذ جامعيّ وباحث. حاصل على الدكتوراه من جامعة BAMBERG في ألمانيا عام 1991. يكتب المقالة في الصحافة الفلسطينيّة والعربيّة. أصدر العديد من الكتب، منها: 'جداريّة محمود درويش وصلتها بأشعاره'، و'الصوت والصدى: مظفّر النوّاب وحضوره في الأرض المحتلّة'. يكتب القصّة القصيرة والرواية ويهتمّ بدراستهما.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...