قصيدة «قصة التمثال من آشور» ليست سردًا أثريًا عن حجر صامت، بل هي اعتراف كونيّ للكائن الذي نجا من الزمن ليشهد سقوط الأزمنة. محمود البريكان لا يمنح التمثال صوتًا فحسب، بل يمنحه ذاكرة العالم، كأن التاريخ ذاته انحشر في هذا الجسد الحجري، فصار هو التاريخ وهو ضحيته في آنٍ واحد. إننا لا نقرأ تمثالًا، بل نقرأ الوجود وهو يتأمل نفسه من خلال مادة لا تفنى، لكنها تُهان وتُجرَّد وتُستباح.
القصيدة تنطلق من غرفة الزجاج، هذا الرحم الحديث للآثار، حيث يُحفظ الماضي معزولًا عن الحياة، كما يُحفظ الموتى خلف ألواح الشفافية. هنا يتحول المتحف إلى رمز حضاري مزدوج: هو حماية واغتراب في الوقت نفسه. فالغرفة التي تمنع اللمس وتكتم الصوت ليست إلا استعارة لقطيعة الإنسان الحديث مع جوهر التاريخ، مع الألم الذي لا يُرى، ومع المعنى الذي لم يعد يُسمع.
التمثال في القصيدة ليس حجرًا، بل ذات متعالية، شاهدة، نبوية، تشبه أنبياء العذاب في الأدب العالمي، من تمثال أوزيماندياس عند شيلي، الذي بقي من مجده سوى ساقين محطمين في الصحراء، إلى تماثيل نيرودا التي تحفظ وجوه القارة اللاتينية في صمتٍ كثيف. غير أن تمثال البريكان يتجاوز فكرة السقوط الإمبراطوري ليصير ذاكرة العنف ذاته، ذاكرة الدم، الرماح، الخدور، زفّات الموت، وارتجاف المدن وهي تُطفئ شموسها تحت وطأة الغزو والخراب.
القصيدة تكتب التاريخ لا بوصفه تسلسل أحداث، بل بوصفه صدمة متكررة، دورة وباء، شهوة تحطيم، وإرادة قوة لا تشبع. هنا يتجاور الشعر مع الفلسفة، ويتجاور نيتشه مع المزامير، حيث تتحول إرادة القوة إلى لعنة، ويتحوّل المجد إلى أثرٍ مهجور، ويتحوّل الإله إلى تمثال مسلوب العينين، منزوع الذؤابات، مكسور الحواجب، مفتوح الصدر على دائرة الفراغ.
ما يبدع فيه البريكان هو هذا الانتقال السلس بين العظمة والانكسار، بين المعبد والمتحف، بين الطقس المقدس ولعبة الأطفال. الأطفال الذين يضحكون لأن الأذن سقطت والحاجب مكسور، ليسوا سوى مرآة بريئة لقسوة العالم، حيث يتحول الرعب إلى فرجة، والمقدس إلى مادة للضحك، والذاكرة إلى مشهد معروض خلف الزجاج. هنا يلامس الشاعر عمق التراجيديا الإنسانية كما فعل كافكا حين جعل القانون بابًا مغلقًا، وكما فعل بيكيت حين جعل الانتظار حياة، وكما فعل بورخيس حين جعل الذاكرة متاهة بلا مخرج.
اللغة في القصيدة مشحونة بطاقة تصويرية كثيفة، لكنها لا تتوقف عند الوصف، بل تتحول إلى بنية فلسفية. فالتكرار «يعترف الزمن بهذه الذاكرة» ليس لازمة إيقاعية فحسب، بل هو تأكيد على أن الزمن ذاته خاضع للشهادة، وأن الوجود لا ينجو إلا بما يُتذكّر، وأن ما لا يُروى يُمحى مرتين: مرة في الواقع ومرة في الوعي.
التمثال في نهاية القصيدة يقف وحيدًا، جثة منتصبة، وهذه المفارقة المدهشة بين الانتصاب والجثة تُلخّص مأساة الحضارة: بقاء الشكل وموت المعنى. إنه قائم بلا حياة، حاضر بلا صوت، محفوظ بلا روح. وكأن البريكان يقول إن ما بقي من الإنسان ليس إنسانيته، بل قشرته، لا روحه بل ظله، لا صوته بل صورته.
القصيدة، في بعدها العالمي، تضع نفسها ضمن تقليد إنساني كبير يرى في الأثر المادي مرآة لفشل المشروع الحضاري، كما في كتابات شبنغلر عن أفول الغرب، أو في رؤى إليوت في «الأرض اليباب»، حيث الخراب ليس حادثًا، بل حالة وجودية. غير أن البريكان لا يستسلم للعدمية؛ فهو يمنح التمثال وعيًا، ويمنح الذاكرة سلطة، ويمنح الصمت كثافة دلالية. فالصمت هنا ليس فراغًا، بل امتلاء مُرّ بالحقيقة.
إبداع القصيدة يكمن في قدرتها على تحويل الجماد إلى كائن مفكر، والتاريخ إلى جسد مجروح، والمتحف إلى قبر مضاء، والزمن إلى شاهد لا قاضٍ. كما يكمن في لغتها المتوهجة التي تجمع بين النبرة الأسطورية واللمسة المعاصرة، بين الرهبة القديمة وبرودة العرض الحديث، بين صوت المعبد وهمس الزجاج.
إن محمود البريكان في هذه القصيدة لا يرثي تمثالًا، بل يرثي الإنسان حين يفقد صلته بجذوره، ويرثي الحضارة حين تحفظ ماضيها كجثة لا ككائن حي، ويرثي الزمن حين يتحول إلى مخزن للخرائب لا إلى أفق للمعنى. لكنه، في الوقت نفسه، يمنحنا أملًا خفيًا: ما دام الحجر يتذكر، فالإنسان ما زال قادرًا على أن يتعلم، وما دام الصمت ينطق، فالكلمة لم تمت، وما دام التمثال قائمًا، ولو جثة، فهناك دائمًا من يمكنه أن يوقظه في النص، في الوعي، في القصيدة.
محمد بسام العمري
القصيدة تنطلق من غرفة الزجاج، هذا الرحم الحديث للآثار، حيث يُحفظ الماضي معزولًا عن الحياة، كما يُحفظ الموتى خلف ألواح الشفافية. هنا يتحول المتحف إلى رمز حضاري مزدوج: هو حماية واغتراب في الوقت نفسه. فالغرفة التي تمنع اللمس وتكتم الصوت ليست إلا استعارة لقطيعة الإنسان الحديث مع جوهر التاريخ، مع الألم الذي لا يُرى، ومع المعنى الذي لم يعد يُسمع.
التمثال في القصيدة ليس حجرًا، بل ذات متعالية، شاهدة، نبوية، تشبه أنبياء العذاب في الأدب العالمي، من تمثال أوزيماندياس عند شيلي، الذي بقي من مجده سوى ساقين محطمين في الصحراء، إلى تماثيل نيرودا التي تحفظ وجوه القارة اللاتينية في صمتٍ كثيف. غير أن تمثال البريكان يتجاوز فكرة السقوط الإمبراطوري ليصير ذاكرة العنف ذاته، ذاكرة الدم، الرماح، الخدور، زفّات الموت، وارتجاف المدن وهي تُطفئ شموسها تحت وطأة الغزو والخراب.
القصيدة تكتب التاريخ لا بوصفه تسلسل أحداث، بل بوصفه صدمة متكررة، دورة وباء، شهوة تحطيم، وإرادة قوة لا تشبع. هنا يتجاور الشعر مع الفلسفة، ويتجاور نيتشه مع المزامير، حيث تتحول إرادة القوة إلى لعنة، ويتحوّل المجد إلى أثرٍ مهجور، ويتحوّل الإله إلى تمثال مسلوب العينين، منزوع الذؤابات، مكسور الحواجب، مفتوح الصدر على دائرة الفراغ.
ما يبدع فيه البريكان هو هذا الانتقال السلس بين العظمة والانكسار، بين المعبد والمتحف، بين الطقس المقدس ولعبة الأطفال. الأطفال الذين يضحكون لأن الأذن سقطت والحاجب مكسور، ليسوا سوى مرآة بريئة لقسوة العالم، حيث يتحول الرعب إلى فرجة، والمقدس إلى مادة للضحك، والذاكرة إلى مشهد معروض خلف الزجاج. هنا يلامس الشاعر عمق التراجيديا الإنسانية كما فعل كافكا حين جعل القانون بابًا مغلقًا، وكما فعل بيكيت حين جعل الانتظار حياة، وكما فعل بورخيس حين جعل الذاكرة متاهة بلا مخرج.
اللغة في القصيدة مشحونة بطاقة تصويرية كثيفة، لكنها لا تتوقف عند الوصف، بل تتحول إلى بنية فلسفية. فالتكرار «يعترف الزمن بهذه الذاكرة» ليس لازمة إيقاعية فحسب، بل هو تأكيد على أن الزمن ذاته خاضع للشهادة، وأن الوجود لا ينجو إلا بما يُتذكّر، وأن ما لا يُروى يُمحى مرتين: مرة في الواقع ومرة في الوعي.
التمثال في نهاية القصيدة يقف وحيدًا، جثة منتصبة، وهذه المفارقة المدهشة بين الانتصاب والجثة تُلخّص مأساة الحضارة: بقاء الشكل وموت المعنى. إنه قائم بلا حياة، حاضر بلا صوت، محفوظ بلا روح. وكأن البريكان يقول إن ما بقي من الإنسان ليس إنسانيته، بل قشرته، لا روحه بل ظله، لا صوته بل صورته.
القصيدة، في بعدها العالمي، تضع نفسها ضمن تقليد إنساني كبير يرى في الأثر المادي مرآة لفشل المشروع الحضاري، كما في كتابات شبنغلر عن أفول الغرب، أو في رؤى إليوت في «الأرض اليباب»، حيث الخراب ليس حادثًا، بل حالة وجودية. غير أن البريكان لا يستسلم للعدمية؛ فهو يمنح التمثال وعيًا، ويمنح الذاكرة سلطة، ويمنح الصمت كثافة دلالية. فالصمت هنا ليس فراغًا، بل امتلاء مُرّ بالحقيقة.
إبداع القصيدة يكمن في قدرتها على تحويل الجماد إلى كائن مفكر، والتاريخ إلى جسد مجروح، والمتحف إلى قبر مضاء، والزمن إلى شاهد لا قاضٍ. كما يكمن في لغتها المتوهجة التي تجمع بين النبرة الأسطورية واللمسة المعاصرة، بين الرهبة القديمة وبرودة العرض الحديث، بين صوت المعبد وهمس الزجاج.
إن محمود البريكان في هذه القصيدة لا يرثي تمثالًا، بل يرثي الإنسان حين يفقد صلته بجذوره، ويرثي الحضارة حين تحفظ ماضيها كجثة لا ككائن حي، ويرثي الزمن حين يتحول إلى مخزن للخرائب لا إلى أفق للمعنى. لكنه، في الوقت نفسه، يمنحنا أملًا خفيًا: ما دام الحجر يتذكر، فالإنسان ما زال قادرًا على أن يتعلم، وما دام الصمت ينطق، فالكلمة لم تمت، وما دام التمثال قائمًا، ولو جثة، فهناك دائمًا من يمكنه أن يوقظه في النص، في الوعي، في القصيدة.
محمد بسام العمري