3- ثغرة الدفرسوار
في كل الحروب، تظهر دائما الهجمات المضادة كجزء طبيعي من مسار الصراع. بعد الانتصار التكتيكي العظيم الذي حققته مصر بعبور قناة السويس المذهل في أكتوبر 1973، واستعادة شريط يبلغ حوالي 15 كيلومترا شرق القناة، واتخاذ موقف دفاعي قوي لصد أي هجمات مضادة محتملة، بدأت إسرائيل في تحليل الوضع بعناية. وكعادتها، تفضل إسرائيل دائمًا ضرب الجيوش من الجانبين أو العبور إلى مؤخراتها لإحداث الفوضى. لكن قواتنا المسلحة كانت منتشرة على طول القناة البالغ حوالي 180 كيلومترا، من بورسعيد شمالا إلى السويس جنوبا، مما جعل الهجوم من الأجناب صعبا بسبب العوائق المائية: البحر المتوسط شمالا والبحر الأحمر جنوبا. لذا، لم يتبق أمام إسرائيل سوى خيار الاختراق المباشر في نقطة تبدو ضعيفة نسبيا أمام قواتنا، بهدف النفاذ إلى غرب القناة وإثارة الارتباك.
من المبادئ الاستراتيجية الثابتة، والمتكررة في كل كتب الحرب، أن ضربات الاختراق والتطويق تكون أكثر تأثيرا عندما توجه نحو "المفصل" بين قوتين على الخط الدفاعي. هذه النقطة تكون عادة الأضعف، خاصة في المراحل الأولى من العمليات، ولذلك يُخصص لتأمينها احتياطات وإجراءات خاصة.
كانت إسرائيل تفكر في خطة اختراق منذ زمن طويل، تحسبا لنجاح مصر في عبور القناة. وضعت هذه الخطة، التي أُطلق عليها اسم "الغزالة"، في عهد أرييل شارون عندما كان قائدا للجبهة الجنوبية في سيناء قبل الحرب بفترة. كانت الخطة تقوم على فتح ثغرة محدودة، وعبور قوات صغيرة إلى غرب القناة، وتدمير جزء من حائط الصواريخ المصري ليتمكن الطيران الإسرائيلي من العمل بحرية، ثم العودة السريعة قبل الوقوع في الفخ. سميت "الغزالة" لأنها عملية خفيفة ورشيقة، كالغزال الذي يهرب بسرعة. والأدهى أن المكان المحدد مسبقا كان منطقة الدفرسوار جنوب الإسماعيلية؛ فقد خفض الإسرائيليون الساتر الترابي هناك، ووضعوا علامة من الطوب الأحمر لتكون واضحة، ومهد سلاح المهندسين الطرق لتكون مرابض للدبابات والمدرعات.
الأمر المثير للدهشة أكثر أنه، أثناء إعداد خطة العبور المصرية، كان الجميع يتوقع ثلاث نقاط محتملة للهجوم المضاد الإسرائيلي، وكان الترجيح الأكبر لمنطقة الدفرسوار تحديدا. بنيت خطة الصد على وجود الفرقتين المدرعتين 21 و4 في غرب القناة لحماية مؤخرات الجيشين الثاني والثالث الميدانيين. لكن، للأسف البالغ، تم الزج بهاتين الفرقتين شرقا لدعم تطوير الهجوم في 14 أكتوبر 1973، والذي لم ينجح، ولم يتم إعادتهما إلى مواقعهما الأصلية غربا رغم اعتراض الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان، الذي لم يُستمع إليه.
بسبب طول الجبهة (180 كيلومترا)، لم تتمكن قواتنا من تغطيتها بالكامل، فنشأ فراغ يقدر بعشرة كيلومترات تقريبا بين الجيش الثاني الميداني (من بورسعيد إلى الإسماعيلية) والجيش الثالث (من جنوب الإسماعيلية إلى السويس). هذا الفراغ، في منطقة الدفرسوار بالضبط، لاحظته إسرائيل واعتبرته فرصة ذهبية؛ إذ أصبح "المفصل" الاستراتيجي موجودا الآن بين الجيشين دون دعم كاف، فاستغلته للبدء في الاختراق والعبور غربا.
في 13 أكتوبر 1973، قامت طائرة استطلاع أمريكية بتصوير المنطقة بالكامل دون أن تسقطها دفاعاتنا الجوية، ثم عادت الكرة في 15 أكتوبر ونقلت الصور مباشرة إلى إسرائيل، كاشفة عن أمرين خطيرين: خلو غرب القناة من القوات المدرعة، ووجود الفراغ بين الجيشين الثاني والثالث في الدفرسوار.
من سوء الحظ أيضا، أصيب اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني بأزمة قلبية في 14 أكتوبر بعد فشل تطوير الهجوم، ونُقل إلى مستشفى المعادي. عُين اللواء تيسير العقاد بديلا في اليوم نفسه، ثم استُبدل باللواء عبد المنعم خليل في 16 أكتوبر.
في صباح 16 أكتوبر، وصلت إشارة إلى القيادة العامة تفيد بنجاح جماعات صغيرة من العدو في العبور غربًا، وأن الجيش يتخذ الإجراءات اللازمة دون قلق. لكن تبين لاحقا أن هذه "الجماعات الصغيرة" كانت لواء مشاة كاملا مع كتيبة دبابات تضم 30 دبابة.
ما حدث فعليا أنه مساء 15 أكتوبر، اندلعت معركة عنيفة شرق الدفرسوار، حيث هاجمت إسرائيل الجناح الأيمن للجيش الثاني بشدة لإجباره على التحرك شمالا وفتح الطريق للعبور. تصدت الفرقة 16 مشاة بقيادة اللواء عبد رب النبي حافظ ببسالة، ودمرت العديد من الدبابات الإسرائيلية. ومن المعارك الشهيرة هناك "المزرعة الصينية" التي قادتها الكتيبة 16 مشاة تحت قيادة المشير (فيما بعد) محمد حسين طنطاوي، مخلفة خسائر فادحة في صفوف العدو. وسط هذا الاشتعال، استغل شارون انشغال القوات، وعبر بالقوة المذكورة غربا.
توالت الأخبار يوم 16 أكتوبر على القيادة بتدمير العدو لبعض قواعد الصواريخ غربا ثم اختفائه وظهوره في مكان آخر. في اجتماع ظهر ذلك اليوم، اقترح الشاذلي على المشير أحمد إسماعيل توجيه ضربة قاصمة من الغرب بسحب الفرقة الرابعة ولواء 25 المدرع من الشرق. رفض إسماعيل سحب أي قوات شرقا، خوفا من انخفاض الروح المعنوية وفقدان المكتسبات، واقترح ضربة من الشرق باستخدام الفرقة 21 واللواء 25. اتفقا على ضرورة الضربة، لكنهما اختلفا في الاتجاه: الشاذلي يفضل من الغرب، وإسماعيل من الشرق. والحقيقة أن معظم القادة العسكريين رأوا خطة الشاذلي أكثر فعالية، بما فيهم قائد الجيش الثالث اللواء عبد المنعم واصل كما دون في مذكراته.
حضر الرئيس السادات عصر يوم 16 أكتوبر للاطمئنان، استمع للخطتين، ورفض خطة الشاذلي بعنف قائلا: "لا أريد سماع اقتراح سحب قوات من الشرق مرة أخرى، وإلا حاكمتك". كان السادات يستعد لخطاب النصر في مجلس الشعب في ذلك اليوم، ولم يرد أي شائبة على صورة العبور الناصعة. في اليوم نفسه، ألقت جولدا مائير خطابا قالت فيه: "قواتنا تحارب الآن في أفريقيا"، في إشارة واضحة للعبور غربا.
نُفذت خطة إسماعيل في 17 أكتوبر، لكنها فشلت فشلا ذريعا؛ دُمر اللواء 25 في كمين إسرائيلي، وظل الطريق إلى الثغرة مفتوحا.
في 18 أكتوبر، بنى العدو كوبري في الدفرسوار، وعبرت قوات كبيرة حتى بلغت أربعة ألوية مدرعة ولواء مشاة غربا، مقابل لواء الحرس الجمهوري فقط من الجانب المصري. أدرك السادات وإسماعيل الخطأ، فسُحبت الفرقة الرابعة غربا في 19 أكتوبر، لكن الوقت كان قد فات؛ فما كان ممكنا في 16 أكتوبر أصبح صعبا مع تزايد قوات العدو.
ذهب الشاذلي إلى الجبهة في 18 أكتوبر بأمر السادات، وعند عودته مساء 20 أكتوبر، كانت لديه خطة واحدة: سحب أربعة ألوية مدرعة من الشرق ليصبح الإجمالي سبعة ألوية غربا، قادرة على تدمير الثغرة. كان العدو قد وصل إلى خمسة ألوية مدرعة ولواء مظلي ومشاة، مقسمة على فرقتي شارون (تضغط على الجيش الثاني) وبيرن (تضغط على الثالث).
في اجتماع حاسم مساء 20 أكتوبر، اختلى السادات بإسماعيل ساعة، ثم توجه إلى القادة (الشاذلي، الجمسي، مبارك، محمد على فهمى، سعيد الماحى، فؤاد نصار)، واستمع إليهم، لكنه تجاوز الشاذلي ولم يعطه الفرصة للحديث، وأعلن قرارا مباشرا: "لن نسحب جنديا واحدا من الشرق"
في 21 أكتوبر، عبرت فرقة مدرعة كاملة بقيادة ماجن، ليصبح الإجمالي ثمانية ألوية. حاول شارون تطويق الإسماعيلية شمالاً، لكنه فشل أمام بسالة اللواء المظلي 150 والفرقة الرابعة بقيادة اللواء عبد العزيز قابيل. أما بيرن وماجن فتقدما جنوبًا وغربًا بدعم جوي، مقابل قوات مصرية قليلة.
رغم الصعوبات، لم يحقق العدو نصرا استراتيجيا حاسما في طوال أيام الحرب 20، 21، 22 أكتوبر، حتى صدر قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار مساء 22 أكتوبر.
لكن العدو، بغدره المعتاد، لم يلتزم، واستغل إرهاق قواتنا غربا التي قاتلت ببطولة نادرة، فتقدم في 23 و24 أكتوبر جنوبا، مطوقا الجيش الثالث ومدينة السويس، مخالفا لقرار وقف إطلاق النار، محاصرا 45 ألف جندي و20 ألف مدني، ليحسن موقفه التفاوضي المقبل. ولقصة تلك المفاوضات حكاية أخرى تستحق أن تُروى لوحدها.
أسعد سليم
في كل الحروب، تظهر دائما الهجمات المضادة كجزء طبيعي من مسار الصراع. بعد الانتصار التكتيكي العظيم الذي حققته مصر بعبور قناة السويس المذهل في أكتوبر 1973، واستعادة شريط يبلغ حوالي 15 كيلومترا شرق القناة، واتخاذ موقف دفاعي قوي لصد أي هجمات مضادة محتملة، بدأت إسرائيل في تحليل الوضع بعناية. وكعادتها، تفضل إسرائيل دائمًا ضرب الجيوش من الجانبين أو العبور إلى مؤخراتها لإحداث الفوضى. لكن قواتنا المسلحة كانت منتشرة على طول القناة البالغ حوالي 180 كيلومترا، من بورسعيد شمالا إلى السويس جنوبا، مما جعل الهجوم من الأجناب صعبا بسبب العوائق المائية: البحر المتوسط شمالا والبحر الأحمر جنوبا. لذا، لم يتبق أمام إسرائيل سوى خيار الاختراق المباشر في نقطة تبدو ضعيفة نسبيا أمام قواتنا، بهدف النفاذ إلى غرب القناة وإثارة الارتباك.
من المبادئ الاستراتيجية الثابتة، والمتكررة في كل كتب الحرب، أن ضربات الاختراق والتطويق تكون أكثر تأثيرا عندما توجه نحو "المفصل" بين قوتين على الخط الدفاعي. هذه النقطة تكون عادة الأضعف، خاصة في المراحل الأولى من العمليات، ولذلك يُخصص لتأمينها احتياطات وإجراءات خاصة.
كانت إسرائيل تفكر في خطة اختراق منذ زمن طويل، تحسبا لنجاح مصر في عبور القناة. وضعت هذه الخطة، التي أُطلق عليها اسم "الغزالة"، في عهد أرييل شارون عندما كان قائدا للجبهة الجنوبية في سيناء قبل الحرب بفترة. كانت الخطة تقوم على فتح ثغرة محدودة، وعبور قوات صغيرة إلى غرب القناة، وتدمير جزء من حائط الصواريخ المصري ليتمكن الطيران الإسرائيلي من العمل بحرية، ثم العودة السريعة قبل الوقوع في الفخ. سميت "الغزالة" لأنها عملية خفيفة ورشيقة، كالغزال الذي يهرب بسرعة. والأدهى أن المكان المحدد مسبقا كان منطقة الدفرسوار جنوب الإسماعيلية؛ فقد خفض الإسرائيليون الساتر الترابي هناك، ووضعوا علامة من الطوب الأحمر لتكون واضحة، ومهد سلاح المهندسين الطرق لتكون مرابض للدبابات والمدرعات.
الأمر المثير للدهشة أكثر أنه، أثناء إعداد خطة العبور المصرية، كان الجميع يتوقع ثلاث نقاط محتملة للهجوم المضاد الإسرائيلي، وكان الترجيح الأكبر لمنطقة الدفرسوار تحديدا. بنيت خطة الصد على وجود الفرقتين المدرعتين 21 و4 في غرب القناة لحماية مؤخرات الجيشين الثاني والثالث الميدانيين. لكن، للأسف البالغ، تم الزج بهاتين الفرقتين شرقا لدعم تطوير الهجوم في 14 أكتوبر 1973، والذي لم ينجح، ولم يتم إعادتهما إلى مواقعهما الأصلية غربا رغم اعتراض الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان، الذي لم يُستمع إليه.
بسبب طول الجبهة (180 كيلومترا)، لم تتمكن قواتنا من تغطيتها بالكامل، فنشأ فراغ يقدر بعشرة كيلومترات تقريبا بين الجيش الثاني الميداني (من بورسعيد إلى الإسماعيلية) والجيش الثالث (من جنوب الإسماعيلية إلى السويس). هذا الفراغ، في منطقة الدفرسوار بالضبط، لاحظته إسرائيل واعتبرته فرصة ذهبية؛ إذ أصبح "المفصل" الاستراتيجي موجودا الآن بين الجيشين دون دعم كاف، فاستغلته للبدء في الاختراق والعبور غربا.
في 13 أكتوبر 1973، قامت طائرة استطلاع أمريكية بتصوير المنطقة بالكامل دون أن تسقطها دفاعاتنا الجوية، ثم عادت الكرة في 15 أكتوبر ونقلت الصور مباشرة إلى إسرائيل، كاشفة عن أمرين خطيرين: خلو غرب القناة من القوات المدرعة، ووجود الفراغ بين الجيشين الثاني والثالث في الدفرسوار.
من سوء الحظ أيضا، أصيب اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني بأزمة قلبية في 14 أكتوبر بعد فشل تطوير الهجوم، ونُقل إلى مستشفى المعادي. عُين اللواء تيسير العقاد بديلا في اليوم نفسه، ثم استُبدل باللواء عبد المنعم خليل في 16 أكتوبر.
في صباح 16 أكتوبر، وصلت إشارة إلى القيادة العامة تفيد بنجاح جماعات صغيرة من العدو في العبور غربًا، وأن الجيش يتخذ الإجراءات اللازمة دون قلق. لكن تبين لاحقا أن هذه "الجماعات الصغيرة" كانت لواء مشاة كاملا مع كتيبة دبابات تضم 30 دبابة.
ما حدث فعليا أنه مساء 15 أكتوبر، اندلعت معركة عنيفة شرق الدفرسوار، حيث هاجمت إسرائيل الجناح الأيمن للجيش الثاني بشدة لإجباره على التحرك شمالا وفتح الطريق للعبور. تصدت الفرقة 16 مشاة بقيادة اللواء عبد رب النبي حافظ ببسالة، ودمرت العديد من الدبابات الإسرائيلية. ومن المعارك الشهيرة هناك "المزرعة الصينية" التي قادتها الكتيبة 16 مشاة تحت قيادة المشير (فيما بعد) محمد حسين طنطاوي، مخلفة خسائر فادحة في صفوف العدو. وسط هذا الاشتعال، استغل شارون انشغال القوات، وعبر بالقوة المذكورة غربا.
توالت الأخبار يوم 16 أكتوبر على القيادة بتدمير العدو لبعض قواعد الصواريخ غربا ثم اختفائه وظهوره في مكان آخر. في اجتماع ظهر ذلك اليوم، اقترح الشاذلي على المشير أحمد إسماعيل توجيه ضربة قاصمة من الغرب بسحب الفرقة الرابعة ولواء 25 المدرع من الشرق. رفض إسماعيل سحب أي قوات شرقا، خوفا من انخفاض الروح المعنوية وفقدان المكتسبات، واقترح ضربة من الشرق باستخدام الفرقة 21 واللواء 25. اتفقا على ضرورة الضربة، لكنهما اختلفا في الاتجاه: الشاذلي يفضل من الغرب، وإسماعيل من الشرق. والحقيقة أن معظم القادة العسكريين رأوا خطة الشاذلي أكثر فعالية، بما فيهم قائد الجيش الثالث اللواء عبد المنعم واصل كما دون في مذكراته.
حضر الرئيس السادات عصر يوم 16 أكتوبر للاطمئنان، استمع للخطتين، ورفض خطة الشاذلي بعنف قائلا: "لا أريد سماع اقتراح سحب قوات من الشرق مرة أخرى، وإلا حاكمتك". كان السادات يستعد لخطاب النصر في مجلس الشعب في ذلك اليوم، ولم يرد أي شائبة على صورة العبور الناصعة. في اليوم نفسه، ألقت جولدا مائير خطابا قالت فيه: "قواتنا تحارب الآن في أفريقيا"، في إشارة واضحة للعبور غربا.
نُفذت خطة إسماعيل في 17 أكتوبر، لكنها فشلت فشلا ذريعا؛ دُمر اللواء 25 في كمين إسرائيلي، وظل الطريق إلى الثغرة مفتوحا.
في 18 أكتوبر، بنى العدو كوبري في الدفرسوار، وعبرت قوات كبيرة حتى بلغت أربعة ألوية مدرعة ولواء مشاة غربا، مقابل لواء الحرس الجمهوري فقط من الجانب المصري. أدرك السادات وإسماعيل الخطأ، فسُحبت الفرقة الرابعة غربا في 19 أكتوبر، لكن الوقت كان قد فات؛ فما كان ممكنا في 16 أكتوبر أصبح صعبا مع تزايد قوات العدو.
ذهب الشاذلي إلى الجبهة في 18 أكتوبر بأمر السادات، وعند عودته مساء 20 أكتوبر، كانت لديه خطة واحدة: سحب أربعة ألوية مدرعة من الشرق ليصبح الإجمالي سبعة ألوية غربا، قادرة على تدمير الثغرة. كان العدو قد وصل إلى خمسة ألوية مدرعة ولواء مظلي ومشاة، مقسمة على فرقتي شارون (تضغط على الجيش الثاني) وبيرن (تضغط على الثالث).
في اجتماع حاسم مساء 20 أكتوبر، اختلى السادات بإسماعيل ساعة، ثم توجه إلى القادة (الشاذلي، الجمسي، مبارك، محمد على فهمى، سعيد الماحى، فؤاد نصار)، واستمع إليهم، لكنه تجاوز الشاذلي ولم يعطه الفرصة للحديث، وأعلن قرارا مباشرا: "لن نسحب جنديا واحدا من الشرق"
في 21 أكتوبر، عبرت فرقة مدرعة كاملة بقيادة ماجن، ليصبح الإجمالي ثمانية ألوية. حاول شارون تطويق الإسماعيلية شمالاً، لكنه فشل أمام بسالة اللواء المظلي 150 والفرقة الرابعة بقيادة اللواء عبد العزيز قابيل. أما بيرن وماجن فتقدما جنوبًا وغربًا بدعم جوي، مقابل قوات مصرية قليلة.
رغم الصعوبات، لم يحقق العدو نصرا استراتيجيا حاسما في طوال أيام الحرب 20، 21، 22 أكتوبر، حتى صدر قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار مساء 22 أكتوبر.
لكن العدو، بغدره المعتاد، لم يلتزم، واستغل إرهاق قواتنا غربا التي قاتلت ببطولة نادرة، فتقدم في 23 و24 أكتوبر جنوبا، مطوقا الجيش الثالث ومدينة السويس، مخالفا لقرار وقف إطلاق النار، محاصرا 45 ألف جندي و20 ألف مدني، ليحسن موقفه التفاوضي المقبل. ولقصة تلك المفاوضات حكاية أخرى تستحق أن تُروى لوحدها.
أسعد سليم