د. رشيد هارون - التناص من المفهوم إلى الشكل، قصيدة: "أنا وهي" للشاعر سعد ياسين يوسف تطبيقاً.

المقدّمة.

حين أعنون لدراستي بـ " التناص من المفهوم إلى الشكل، قصيدة أنا وهي تطبيقاً" أو التناص بعدَ عن مفهوم كرستيفا وباختين له؛ الفت الانتباه إلى إنني لا أمارس عملية إزاحة لما تم التوصّل إليه من لدن المشتغلين في هذا المجال، ولا أتقاطع معه، وإنما أبدأ من حيث ما انتهوا إليه، وقد انتهوا إلى التناص الذي يتعامل مع المضمون وكمّه ونوعه، وشكل المضمون، وقد قيل: " إن التناص في مفهومه العام هو تقارب أو تقاطع نص جديد مع نص أو نصوص سابقة، فهو دليل على أن المعرفة الإنسانية هي معرفة تراكمية تثاقفية، حيث تخضع للتأثر والتأثير بالمعارف الإنسانية" والدراسة إذ ستقف اجرائياً للضرورة، وفكّ اللبس على التناص المعروف بوصفه مصطلحاً متداولاً وقاراً، لأنه مقعّد ومؤسس إليه نظريّاً؛ فإنها تطرح رؤية جديدة له، لتضيف إلى فاعليته فاعليةً، ودوره في فتح آفاق النص أفقاً جديداً لا يستدعي( مضموناً ) من أي نص من النصوص التي يمكن أن يتناص معها المتناص، إنما يستدعي شكلاً كتابياً إلى شكل كتابي آخر، والشرط الأهم في هذا الضرب من الاستدعاء الذي استحال تناصاً هو استحضار مجمل تقنيات ذلك الشكل وليس تقنية واحدة كما هو الأمر مع التداخل الأجناسي.

إن فكرة عدم ممارسة إزاحة تصحّ على التداخل الأجناسي، فلم تعن الدراسة بالتداخل الأجناسي في الوقت الذي لا تصدّ عن وجوده، فهو ليس موضوعَها، ذلك أن الكاتب حين يتداخل مع جنس كتابي، أو عدد منها لا يمكن أن يستدعي تقنيات تلك الأجناس، فهو يتداخل إجناسيّاً على طريقة ما يُعرف بالالتفات، فلا يطيل الوقوف.​



الميتافكشن والميتاسرد في التناص الشكلي.

يتراءى كلّ من مصطلحي الميتافكشن والميتاسرد في التناص الشكلي محور الدراسة، ففي كتابه ( قاموس السرديات ) عرّف جيرالد برنس" الميتاسرد بأنه: ما يدور حول السرد، من سرد واصف للسرد"، أما إذا خُضنا في ( الميتافكشن ) الذي ينتمي إلى سرديّات ما بعد الحداثة؛ فسنجد أنه يُعنى بلغة التناقض التي تُحلّ في نهايات السرد عادة، فضلا عن عنايته بالتبديل، والدائرة المقصّرة، والعشوائيّة، والإفراط. وهناك مَن يرى أنّ وظيفة (الميتافكشن) تكمن في السؤال: كيف يعكس البشر خبراتهم بالعالم." وإذا كان الشكل القصصي القصير يكتب على وفق خبرة يمتلكها قاص مبدع، والشكل الشعري يكتب على وفق خبرة يمتلكها شاعر مبدع أيضاً، فبهذا ونحن حين نتحدّث عن التناص الشكلي فإننا نتحدّث عن خبرتين في خبرة، نتحدث عن شكلين كتابيين في شكل، نحن نتحدث على وجه من التحديد عن الميتاشعر تأسيساً على التحليل الاجرائي للقصيدة، وتوصّلات الدراسة النهائية. ولا شكّ بأن هذا التكنيك المركّب في الأشكال الكتابية الذي انتجه الشاعر سعد ياسين يوسف جديد في بابه الأمر الذي دفع بالدراسة إلى تعقّبه، وتعريفه، وتحديد وظيفته لتصل إلى ما عنونت إليه، ولتنقل التناص إلى مرحلة جديدة من المعاينة والدراسة والتداول النقدي.​

أشكال التناص المضموني.

فُطر الإنسان على حبّ الحكايات والقصص، وإذا كانت مرحلة الطفولة تختزن كماً من الحكايات، ستتصادى في مراحل العمر اللاحقة؛ فإن الشعراء يولون عنايتهم للقص، لذا نجدهم يستثمرونه وهم يكتبون القصائد كضرب من استدعاء غير وسيلة محببة للنفس، وكأن روحَ القاصّ تتلبس الشاعرَ في لحظات الكتابة، أو كأن الشاعر ينزع من دون قصد مبيّت لإنجاز قصيدة تجمع بين تكنيكي القص والشعر، القص بما عُرف به من صوت الحاكي الذي يروي الحكاية مستهلاً ومعقّداً الحدث بدرجة وأخرى وصولاً إلى النهايات بضروبها المغلقة والمفتوحة.

إن القاصّ بعلاقته بالمواقف والمشاهد يقصّ ما وقع له وللآخرين على حدّ من السواء، أما الشاعر فهو مصوّر للعلاقات والمواقف التي تترشح عن النفس، فالدائرة على قدر تعلقها بالشعر أضيق، والأداء النفسي في تجليات أكثر، وأوسع، وأعمق، نزولاً عند مقولة :" الشعر الذي يصل إلى المتلقي هو الشعر الذي لا يكتب إلى الملتقي" و" كلما ضاقت الذات على نفسها اتسع التلقي" على نحو تلقائي، وأنا أخوض في قصيدة( أنا وهي ) للشاعر سعد ياسين يوسف سيتساوق هذانِ البعدانِ، وهذان المَطمَحان على نحو من التوازي الثابت في علاقة دائمة مع الخارج والداخل، مع القص والشعر، وإذا كان المتكلم يوجه الكلامَ إعراباً وقصداً فنحن أمام قصيدة، على أن لا يعيينا تناولها على محورين، محور يقف على التكنيك القصصي، وآخر على التكنيك الشعري، لنكون بإزاء تصوّر جديد للتناص أطلقتُ عليه التناص الشكلي الذي ستمر الدراسة على تعريفه ووظيفته، و أودّ الإشارة إلى أن التناص الشكلي الذي نحن بصدده إجراء لغرض الدراسة وليس مصطلحاً وحتى يكتسب بعداً زمنيّاً، وبعداً جماعيّاً في الاستعمال.

خاض النقادُ الغربيين في قضية التناص على حسب تشديد الدراسات العربية الحديثة، وقد قيل: " إن التناص عبارة عن مجموعة من العلاقات التي تتضمن التلميح والاقتباس والإشارة والتضمين، وظهر ذلك عند العلماء الغربيين مثل جوليا كرستيفا وميخائيل باختين الذي عدّ التناص أحد مكونات النص الأساسية التي تحيل على نصوص سابقة، أو معايشة لها" و يرى( سولير) إن " التناص في كل نص من النصوص يتمركز في نصوص كثيرة، بحيث تعد كل قراءة جديدة تشديدًا وتكثيفًا، ويكون التناص عبر طبقات جيولوجية كتابية، وهذه الطبقات تتم عن طريق اكتفاء عدد غير محدد لمواد النص وتكون داخل مكون أيديولوجي شامل". والحقّ إن لمصطلح التناص جذوراً ضاربة في عمق الشعر العربي والتفاتات نقدته، وهو ما عُرف بـ وقع الحافر على الحافر، لكنه_ سوى نتف هنا وهناك_ مصطلح غير مقعّد ومؤسس تأسيساً نظريّاً عند العرب كما شأنه عند الغربيين، فقد عرّفه غير باحث غربي، ووقف على أشكاله، ومنها:

_ تناص تطابقي فيه تطابق بين نصين. والتطابق هنا تطابق مضمون

_ تناص انفصالي، فيه إعلان لموت مضمون النص الأول في النص الثاني. أي ذوبان النص الأول في النص الثاني المتناص معه.

_ تناص نفي موت مضمون النص الأول في مضمون النص الثاني أو قلبه. الأمر الذي يعني أننا لم ننفكّ من التناص المعروف لدى المختصين الذي اقترن بالمضمون، أقول لقد خاض النقاد عرباً وغربيين في التناص في حدود الاستثمار والأخذ من نصوص أخرى تعضيدا وإشارة لفكرة ومضمون ما داخل النص المنشأ بعد النصوص المُستثمَرة، ما أذهب إليه في هذه الدراسة التطبيقية على قصيدة الشاعر سعد ياسين يوسف لا يتعلّق بالأخذ ومضمونه، ولا بنوعه وكمّه وشكله الذي مرّ.

تعريف التناص الشكلي ووظيفتُه.

إن التناص الذي أتحدّث عنه يمكن أن أعرفه بأنه تناص يتصل بأخذ شكل من جنس كتابي( القصة) ليستثمر في جنس وشكل كتابي آخر( القصيدة) يعمد بواسطته الكاتب إلى استحضار مجمل تقنيات ذلك الشكل. وإذا كان لكل مقتَرَح وظيفة؛ فإن وظيفة التناص الشكلي يمكن أن تتناص مع تعريف الميتاسرد ووظيفته، أي: ما يدور حول الشعر، من سرد واصف للشعر" وواصف لحالة الشاعر النفسية التي اقتضته فاستدعته من دون قصد مبيّت، فضلاً أن وظيفة التناص الشكلي تكمن في العمل على توسيع التقنيات الكتابية في نص شعري مبيّت القصد في احالته على الشعر/ من خلال توصيف المجموعة التي ورد فيها بـ" مجموعة شعريّة "/ هذه الوظيفة الجديدة للتناص وظيفة تعايش بين الأشكال، وظيفة تتوازى فيها الأشكال الكتابية ولا تتقاطع، إذ يتراءى السرد مضيَّفاً بجميع تقنياته في القصيدة المُضيِّفة.

الإجراء التطبيقي للتناص الشكلي.

لا شكّ بأنّ العقلية التي ترسم المشاهد الجماعية غالباً ما تؤمن وتثق بالآخر لذلك يصبح الآخر جزءاً من مشهدها الذي ترسم، من هنا تبدو أهمية موضوع قصيدة سعد ياسين يوسف، لأن كل ما هو جماعي هو منتج مديني بالضرورة، فالقصة والرواية والمسرح منتج مديني تنتجه العقلية المدينية، وكأن شاعرنا يظهر الوجه الآخر لطريقة تفكيره من خلال التناص مع الشكل المديني وهو ينتج قصيدة منشؤها نفسي شخصي فردي، وكأن الشاعر مرة أخرى يخلق مشهداً جماعيّاً ويرويه من وجهة نظر نفسية، وهو بذلك يرّكب الأشكال ثم يعرضها على نحو مشاهد منفردة، مشاهد قابلة للإفراد والتثنية والجمع على قيد من السواء، والسواد والبياض، السواد بمضمون النهاية المحزنة، والبياض بطريقة العرض المتناصة شكلاً مع العلاقات والروح الجماعية مبعث عناية القاص.

ولا شكّ أيضاً_ تأسيساً على ما مرّ وتقدّم من أفكار_ بأننا أمام مجموعة مشاهد قصيرة جدّاً كوّنت قصة في قصيدة، أي يمكن في حال الاستغناء عن التناص الشكلي العودة بها إلى الشكل الذي تناصت معه، وهذا الأمر لا يتحقق في الشعر القصصي، لأن الشعر المبني على القص لا يستعين بجميع تقنيات القصّة المعروفة كما فعل سعد ياسين يوسف، ولا يعلّق دور شخصية لتظهر تالياً كما سيرد، ولا يسند أكثر من دور للشخصية الواحدة الأمر الذي تحقق في قصيدة" أنا وهي" ليمكننا القول بالتناص الشكلي الذي تجلّت تقنياته القصصية في القص القصير المبني على عدد من المشاهد، وكما هو آت:

1_ مررتُ بها .../ هي مازالتْ بعينيها الخضراوين/ واقفةً على ناصيةِ الشَّارع/ مذ نقشتُ أولَّ حرفينِ واسمي.

هذا المشهد يحمل بعداً ماضوياً على مستوى الزمن يوحي بأن العلاقة ليست طارئة وذلك من خلال تعبير" مازالتْ بعينيها الخضراوين. بعد هذا المشهد يعلّق الشاعر سعد ياسين يوسف حضوره حتى آخر مشهد مستعيناً بأفعال ماضية" مرّ، مرّت" عوضاً عن الفعل المضارع ليرسّخ وقوع الأحداث التي جاءت مكثفة، ويقنع بسردها.

2_ وهي هناكَ/ مرَّ الطفلُ فرمى الوردةَ/ أسفلَ قَدَميها/ ولوّحَ بالتّوديعِ لقامتِها. في هذا المشهد تأسيس للمشاهد اللاحقة،،،، وقد بدأه بـ" مررتُ، مازالت، واقفةً، ثم" مرّ الطفل" و...

3_ " مرَّ الجنديُّ/ اخرجَ حربتَهُ وانهمكَ بنقشِ اسمهِ/ على رمانتِها، اسماً.../ لم يحملهُ قرصُ الموتِ/ وما أنْ أكملَ رسمَهُ/ انتزعَ القرصَ وقلَّدها حُزنَهُ" في المشهد اللاحق يتسع فضاء المكان أفقيّاً وعموديّاً وهو جزء من عناية القص بالفضاء والمكان، سحبه الشاعر إلى جوّ القصيدة:

4_ " قرصُ الشَّمسِ يعلو في كَبِد الوقتِ

والحافلةُ تُطلقُ آخرَ صوتٍ" !!!

ونلاحظ استعانة الشاعر بالجماد_ قرص الشمس والحافلة_ لفتح المشهد، وإذا كان القاص يشدد على التفاصيل فإن سعد ياسين يوسف لم يُعن كثيراً بتلك التفاصيل ليحافظ على سمت الأداء الشعري، وليؤكّد أنه في خضمّ قصيدة في الوقت نفسِه هو في حالة من اليقظة، وفي سعي دؤوب للمحافظة على الخط الموازي للقصيدة الذي تجلّى في شكل القص القصير.

ويمكن ملاحظة عناية الشاعر بالحركة والأشخاص كضرب من الاقتراب أكثر وأكثر من التناص الشكلي مع القص لخلق مشاهد تستدعي الجو القصصي، في الوقت الذي يعمل الحس الشعري التقاط بعض التفاصيل لإغناء المشهد بالمتحرّك، وعلى نحو:​

5_ هَروَلَ ومضى الجنديُ..

6_ مرَّت طالبةُ الكُلِّيةِ/ مدَّتْ يدَها ... / أخرجتِ الأحمرَ/ رسمتْ نصفَ فم ٍ ِ/

تشتعلُ فيه النَّار ُ../ قلباً ....../ تخشى البوحَ بنبضهِ/ خَشْيةَ أن يمتلئَ الدربُ/ باللَّيلكِ .....

7_ مرَّ المراهقُ، حدّق َ فيها/ في ساقيها / اخرجَ يدهُ من جيبهِ / ذي الثّقبِ السِّري / تحسَّسَها..

رفعَ أطرافَ قميصِ الخُضرةِ/ أطلقَ تنهيدتَهُ المكتومةَ، وأعادَ يدَهُ .... / أغمضَ عينيهِ/ ونامَ أسفلَ قَدَمَيها.

8_ مرَّ البائعُ الجوالُ لبَخورِ الجمعةِ/ أشعَلَ عودا ً/ بخَّرَ أغصانَ ضَفيرتِها/ حتّى فاحتْ منها رائحة ُالرَّعشةِ/ أمّنها كيسَ بضاعتهِ/ وغابَ بنهرِ الشَّارعِ.

....... ........

9_ مرَّتْ امرأةٌ طاعنةٌ بسؤالٍ/ لم تلقَ جوابَهُ/ كانتْ تستغفرُ خالقَها/ إذ داستْ نِصفَ رغيفٍ مرميٍّ،/ رفَعتهُ وبلُطفِ خجولٍ/ قالتْ: قد يحتاجُ إليه / أحدٌ - أيَّتها الواقفةُ الممشوقةُ - / أو قد ينزلُ سِربُ حَمَامٍ/ إذا ما أبرقتِ الغيمةُ.

المشاهد مارة الذكر وهي ثمانية مشاهد إذا ما استثنينا المشهد الأول الذي يتحدّث فيه الشاعر( عنه و عنها ) والذي يعمد الشاعر بعد ذلك إلى تعليق حضوره على نحو من التحديد، ولتبقى هي تظهر في المشاهد هنا وهناك على نحو فاعل مستقطب للشخصيات الأخر لتأخذ دور بطل القصة/ أو الشكل الكتابي المتناص معه.

المرأة_ بوصفها إحدى شخصيات الشكل المتناص معه_ في المشهد قبل الأخير، أسند إليها الشاعر الحكمة والتعقّل في أبسط معانيه، فقد دخلت المرأة المشهدَ مثيرة سؤالاً لم نستنبط فحواه، لكنه سؤال يتصل بالخشية من ارتكاب الأخطاء، سؤال يقيم علاقة مع السماء والأرض في آن معاً" مرَّتْ امرأةٌ طاعنةٌ بسؤالٍ/ لم تلقَ جوابَهُ/ كانتْ تستغفرُ خالقَها/ إذ داستْ نِصفَ رغيفٍ مرميٍّ" فضلاً عن أن المشهد انطوى على حديث نفسي داخلي: " رفَعتهُ وبلُطفِ خجولٍ/ قالتْ:

قد يحتاجُ إليه ِ/ أحدٌ - أيَّتها الواقفةُ الممشوقةُ - / أو قد ينزلُ سِربُ حَمَامٍ/ إذا ما أبرقتِ الغيمةُ" فسؤال المرأة اضطلع بمهمة تهدئة المشاهد بالنظر لما أحاط بها من خوف وتوجس من الخالق في نية مبيتة لتأجيج السرد ثانية، وكسرِ نمطِ سيرِه المتعالي المتوالي، هذا التأثيث الموشّى بالاسترخاء والترقّب، واضفاء الثقافة المناسبة على شخصية المرأة وسؤالها، يعمل في صلب التناص الشكلي الذي جاءت عليه الدراسة، فالتناص الشكلي استدعى تقنيات القص، ومنها فضلاً عما مرّ ضمناً، التأجيل وتعليق حضور شخصية مثلاً، فالشاعر بوصفه شخصية علّق حضوره عن طريق ضمير المتكلّم الذي جاء على نحو استهلال: " مررتُ بها .../ هي مازالتْ بعينيها الخضراوين/ واقفةً على ناصيةِ الشَّارع/ " ليظهر في آخر مشهد معززاً دور تهدئة المرأة للمشاهد، وليسهم في التهدئة يقول: .... ..../ تقرَّبتُ إليها/ وأعدتُ كتابةَ اسمي/ ثانيةً وخَطوتُ/ ملتفتاً أُحدِّقُ في عينيِها"

لتصل المشاهد إلى نهايتها، بعد تكثيفها في إشارات بارقة، وتعليمها بالوصف المناسب للنهاية التي تصلح للخروج، يقول استكمالاً للمشهد الكلي والنهاية:

تنفجرُ اللَّحظةُ/ تتلاشى الرُّؤيةُ / صمتٌ .../ وصفيرٌ لا ينفد/ هسهسةٌ وأنينٌ/ تنكمشُ الخُضرة، / ينقلبُ المَشهدُ، / عصافيرُ الغصنِ الأعلى،/ الأسماءُ،/ يتصاعدُ كيسُ بخورِ الجمعةِ/ رغيفُ الخبزِ/ استيقظتُ أنا وسيِّدتي/ بينَ الأشلاء ِ/ أبحثُ عن عينيِها/ الخضراوين/ وحرفينِ احترقا/ وبقايا أوراقٍ/ لا تحمِلُ اسمي..." يمكن ملاحظة عملية تسريع الأحداث عن طريق صور شعرية مائرة بالحركة: تنفجر اللحظة/ تتلاشى الرؤيةُ/ صمتٌ/ وصفير لا ينفد/ هسهسةٌ وأنينٌ/ تنكمشُ الخُضرة، / ينقلبُ المَشهدُ، / عصافيرُ الغصنِ الأعلى،/ الأسماءُ،/ يتصاعدُ كيسُ بخورِ الجمعةِ/ رغيفُ الخبزِ/ استيقظتُ) فلم يكسر الشاعر وقوع الأحداث المتتالية بالعطف إلا للضرورة النفسية، كما في( صمت وصفير لا ينفد.../ هسهسةٌ وأنين) ليحضر البعد النفسي للشاعر بقوة، الذي تتطلبه القصيدة قبل الخروج منها نهائيّاً.

أخلص إلى أن يمكن لمن يطلع على القصيدة أن يحصي عدداً من الألفاظ الدالة على التوجس والهروب والتلفت، والتساؤل، والغياب إشارة إلى توقع حدوث أمر ما غير محمود، كل هذا، والسعي القائم على التأجيل والحدث المفاجئ تناص شكلي بأداء شعري قائم على رسم الصورة الشعرية التي تتكئ على زوايا نظر نفسية وبصريّة في آن معاً، ليحافظ الشاعر سعد ياسين يوسف على سمت أدائه الشعري في الوقت الذي يتناص مع شكل كتابي آخر على نحو واضح، عن طريق استدعاء تقنيات ذلك الشكل ليتناص معه، ويجيز لنا القول بأن الشاعر دشّن تناصاً، نقلنا فيه من مفهومه المضموني المعروف، إلى مفهوم جديد تجلّى بالشكل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...