الزجل المغربي: هل نقرأه بميزان القصيدة الفصيحة فنُطفئ روحه؟ حوار مع الدكتورة نعيمة الواجيدي أستاذة البلاغة وتحليل الخطاب حاورها: الإعلامي والسيناريست

تقديم: من التصفيق إلى المساءلة

هل نقرأ الزجل المغربي بأدواتٍ لم تُخلق له أصلًا؟
هل نقيس إيقاعه بميزان القصيدة الفصيحة فنظلمه؟
هل اختنق الزجل حين أُخضع للعَروض، وضاعت روحه حين قيس بمنطق الشعر العربي؟
وهل الزجل شعرٌ يحتاج إلى تبرير أكاديمي، أم خطابٌ جمالي وثقافي يستحق أن يُنصت إليه كما هو، لا كما نريد له أن يكون؟
بهذه الأسئلة تضع الدكتورة نعيمة الواجيدي إصبعها على جرحٍ قديم ومتجدد: جرح القراءة الفصيح-مركزية، وجرح النقد الذي انزلق من التفكيك إلى المجاملة، ومن المساءلة إلى التصفيق.
هذا الحوار لا يفتح باب العاطفة، ولا يقدّم مرافعة دفاعية عن الزجل، بل ينطلق من مساءلة علمية صارمة، تنفتح على المناهج الحديثة (الأسلوبية، الحجاج، الأنثروبولوجيا، تحليل الخطاب)، وتستند إلى معرفة عميقة بالتراث (الملحون، الثقافة الشعبية، التصوف)، دون إسقاطٍ قسري أو عنفٍ منهجي، ودون تقديس جامعي معزول عن النص.
إنه حوار يربك المسلّمات، ويعيد طرح السؤال الأصعب:
أي زجل نكتب؟ وأي نقد نستحق؟
السؤال الأول
من الإيقاع العباسي إلى الزجل المغربي: كيف يمكن لنظريات الإيقاع التي اشتغلتِ عليها في شعر أبي تمام أن تُعاد صياغتها منهجيًا لقراءة الإيقاع الزجلي، دون الوقوع في إسقاط فصيح-مركزي يُفرغ الزجل من خصوصيته التداولية؟
الجواب
لا يمكنني أن أحلل إيقاع الزجل المغربي الحديث انطلاقًا من إيقاع الشعر العربي الفصيح. صحيح أن تخصصي في إيقاع شعر أبي تمام، واشتغالي على كتاب «لحظة القصيدة في الشعر العربي»، جعلا الإيقاع في صلب اهتمامي، لكن اطلاعي على الدراسات الرائدة في الملحون، وعلى رأسها أعمال الأستاذ محمد الفاسي («الملحون معلمة») وأعمال عبد الله الجراري، جعلني أعي منذ وقت مبكر أن للزجل منطقًا إيقاعيًا مختلفًا.
نشأت في بيئة ملحونية، وكنت منذ طفولتي أستمتع بإيقاع قصائد الملحون، خاصة قصائد المدح النبوي والتصوف، حيث يُبنى الإيقاع على نظام المقاطع اللغوية لا على نظام التفاعيل العروضية.
الزجل الحديث، وإن كان امتدادًا للملحون، لا يتألف فقط من أوزانه، بل من نظام لغوي قائم على المتحركات والسواكن، وهي خاصية مستمدة من الدارجة المغربية، المتأثرة بالأمازيغية، حيث يهيمن السكون على البنية الإيقاعية.
لذلك فإيقاع الزجل مختلف عن إيقاع الفصيح، ولا يمكن إخضاعه للميزان العروضي نفسه، كما أن مقاربته لا تنحصر في العروض، بل تنفتح على الأسلوبية، والبلاغة، والحجاج، والمقاربة الثقافية.
السؤال الثاني
هل للزجل بلاغة؟ أم يظل تابعًا لمعيار بلاغة القصيدة الفصيحة؟ وهل استطاعت المقاربات البلاغية المعاصرة أن تُنصت فعليًا للزجل كنص شفهي-كتابي ثقافي؟
الجواب
الدراسات البلاغية حول الزجل ما تزال شحيحة جدًا مقارنة بوفرة الدراسات حول الشعر العربي الفصيح. بعض شعراء الملحون والزجل أشاروا إلى ضرورة مراعاة خصوصيات الزجل البلاغية، لكن الإشكال أن كثيرًا من الدراسات أخضعت القصيدة الزجلية بعنف لمقاييس بلاغة الشعر الفصيح.
ولو عدنا إلى الشعر العربي نفسه لوجدنا أن مقاييس الفصاحة والجزالة تختلف من عصر إلى آخر. فالغرابة، وثقل الإيقاع، والخشونة اللفظية، قد تكون عناصر جمالية وظيفية داخل الزجل لأنها تخدم المعنى والتأثير.
الزجال قد يوظف اللفظ الغريب أو الخشن عن قصد، لأن قوة الجرس والإيقاع تستدعي ذلك، وهذا لا يُعد ضعفًا بل اختيارًا أسلوبيًا.
السؤال الثالث
الحجاج في الزجل: حدس أم وعي؟ هل يمارس الزجّال المغربي الحجاج بوصفه استراتيجية واعية لبناء الخطاب، أم أنه نتاج حدس فني؟ وهل واكبه نقد يُنظّر له؟
الجواب
الدراسات حول الحجاج في الزجل قليلة جدًا. لذلك انطلقتُ من تصور عام للحجاج لا يقتصر على الحجج العقلية والمنطقية، بل يشمل الصور، والإيقاع، والخصائص الأسلوبية.
الزجل لا يقنع المخاطب بالحجة العقلية وحدها، بل يؤثر فيه عبر الجمالية والعاطفة. الزجال المتمكن يمرر أفكاره ومقاصده تمريرًا ضمنيًا عبر الصور الشعرية والأساليب البلاغية، وهو ما يمنح القصيدة قوة تأثيرية خاصة.
السؤال الرابع
بين الجامعة والمهرجان: كيف تقيّمين الفجوة بين النقد الأكاديمي للزجل والخطاب الاحتفالي السائد؟ ومن يتحمّل مسؤولية تحويل الزجل إلى مادة تصفيق؟
الجواب
المسؤولية مشتركة بين منظمي المهرجانات، والإعلام، وبعض النقاد. صحيح أن الجامعة المغربية أنتجت أطاريح أكاديمية حول الزجل، لكن الخطاب الاحتفالي ليس نقدًا.
الخطورة تكمن في دعوة أشخاص يفتقرون إلى أبسط مقومات اللغة والمعرفة بالملحون والثقافة الشعبية، مما يؤدي إلى إقصاء شعراء متمكنين.
والتجربة الزجلية متعددة الاتجاهات، ولا تنفصل عن نبض المجتمع وقضاياه.
السؤال الخامس
الصورة الشعرية: هل هي قيمة جمالية أم أداة حجاجية تُقنع وتُدين وتُفاوض المتلقي؟
الجواب
في الزجل، كما في الشعر الفصيح، لا ينفصل الجمال عن الحجة. الصورة الشعرية ليست زينة زخرفية، بل وسيلة تأثير وإقناع.
نحن ننطلق من الشكل لنصل إلى المضمون، لأن الصورة بجِدتها وغرابتها وتركيبها اللغوي تحقق التأثير. كما تتضافر مع الإيقاع، ومع التقديم والتأخير والحذف، لتُخلخل المألوف وتُشرك المتلقي في بناء المعنى.
السؤال السادس
الإيتوس الزجلي وسؤال السلطة الرمزية: هل ما زال الزجال يمتلك سلطة رمزية في السياق الرقمي السريع؟
الجواب
الإيتوس هو صورة الزجال التي يبنيها داخل القصيدة من خلال القيم التي يعبر عنها واختياراته الأسلوبية.
ينبغي التمييز بين الإيتوس الذي يبنيه القارئ داخل الديوان، والإيتوس الأدائي في المنصات الرقمية، حيث يمكن للصوت والإيقاع والصورة أن يضاعفوا التأثير.
غير أن الشهرة الرقمية قد تكون لحظية وعابرة، ولا تمنح بالضرورة سلطة رمزية حقيقية، التي لا تتحقق إلا بالتمكن من اللغة وقدرتها على إقناع المخاطب.
السؤال السابع
هل انزلق النقد الزجلي المغربي من التحليل إلى التبرير والمرافعة؟
الجواب
حين ينزلق النقد إلى المجاملات والولاءات والعلاقات الشخصية، يفقد جوهره.
وظيفة النقد هي التفكيك والتحليل، لا الشرعنة ولا التبرير.
في ممارستي النقدية، أحرص على تحليل النصوص الزجلية من حيث جودتها الشعرية، حتى وإن حملت مواقف سياسية أو اجتماعية. القصائد الجيدة تمنح الناقد متعة التحليل، وتفتح أفق الفهم.
السؤال الثامن
أي زجل نكتب اليوم؟ وأي نقد نحتاج في ظل تضخم الكمّ والضجيج؟
الجواب
المسؤولية تقع أولًا على دور النشر التي تطبع كل ما يُسمّى زجلًا بدافع الربح.
في المقابل، هناك دواوين زجلية رفيعة تمزج بين الثقافة الشعبية والثقافة العالمة، ويكتبها شعراء يدركون ثقل المسؤولية الجمالية.
الزجل المغربي يشهد تطورًا ملحوظًا، وينفتح على أجناس أدبية أخرى كالمسرح والسرد، مما يضاعف قدرته التعبيرية. الجيل الجديد لا يكتفي بالسجية، بل يشتغل على اللغة والتقنيات والمرجعيات، منتجًا صورًا ودلالات جديدة.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...