د. نهال احمد يوسف - حراس الهوية المنسيون

في غياهب النسيان التي تبتلع أحياناً ملامح الكبار، ثمة أرواحٌ نذرت أعمارها لترميم ذاكرة وطن، ووقفت كالحراس على أبواب التاريخ المصري القديم، تذود عنه بمداد من نور ويقظة لا تغفل. ومن بين هؤلاء الرواد الذين طواهم صمت المراجع، يبرز اسم "أنطون زكري" (1900-1950) كأيقونة للمثقف المصري الذي تعفف عن بريق الشهرة، واختار السكنى في جوف "المتحف المصري" أميناً لمكتبته، ليكون في جوهر الأمر حارساً لوعي الأمة وفاتحاً لمغاليق لغتها الضاربة في جذور الزمن. إن الكتابة عن أنطون زكري وأقرانه من الرعيل الأول، لا تقف عند حدود استعادة سيرة ذاتية، بقدر ما هي استنطاق للنزاهة المعرفية في تجليها الأسمى؛ ففي تلك الحقبة التي كان فيها علم المصريات يُصاغ بعيون وافدة، كان زكري ينسج بخيوط الصبر جسراً يربط بين إنسان الشارع المصري وبين حوائط معابده، انطلاقاً من إيمان عميق بأن الهوية تبدأ من استعادة اللسان، وبأن امتلاك ناصية التاريخ هو السبيل الأوحد لامتلاك السيادة على الوجود.
تتجلى قيمة إسهامات زكري في تلك الشجاعة الفكرية التي لم تكتفِ بتبسيط العلوم الأثرية، وإنما تجاوزت ذلك نحو تأسيس "منهج مصري" في التلقي. ففي كتابه العمدة "مفتاح اللغة المصرية القديمة"، لم يطرح مجرد قواعد جافة لفك الرموز، بل قدم رؤية لغوية مقارنة تتبعت وشائج القربى بين الهيروغليفية وأصوات القبطية وجذور العبرية، في محاولة عبقرية للم شتات الروح لغوياً. لقد أدرك زكري بحدسه الباحث أن اللغة القبطية ليست مجرد إرث طقسي منزوٍ، وإنما هي الصدى الحي لأنفاس الأجداد، فجعل منها "المختبر" الذي يستعيد عبره المصري قدرته على الفهم المباشر لنقوشه. هذا العمل، الذي تقاطع فيه مع مناهج علماء عالميين مثل "سوتاس" و"دريوتون"، لم يكن مجرد صدى لمناهجهم، بقدر ما كان "تبيئة" للعلم؛ إذ أعاد صياغة المصطلحات الأكاديمية المعقدة لتلائم الوجدان المحلي، مما أتاح للأجيال فرصة التماس المباشر مع الحكمة القديمة، محولاً الحجر الأخرس إلى لسان ناطق بالحياة والجمال.
ولعل كتابه "النيل في عهد الفراعنة والعرب" يظل الدرة التاجية في إنتاجه الموسوعي، إذ لم يحصر جهده في رصد وقائع الفيضان أو جفاف الجداول من منظور تقني بحت، وإنما تقصى "جينات النيل" وتجلياتها في الوجدان الشعبي عبر العصور. لقد استطاع زكري في هذا المؤلف أن يمزج بين النصوص المصرية القديمة وتأريخ العرب للنيل، في سبيكة معرفية قلما اجتمعت لغيره، موضحاً كيف استمر "المقياس" المصري كأداة للعدل الاجتماعي والضريبي عبر آلاف السنين، دون أن تنفصم عروة الاستمرارية الحضارية. هذا العمق في التحليل هو ما جعل أعماله تتسلل إلى أروقة البحث العالمي؛ فالمراجع الفرنسية والإنجليزية التي استشهدت به، لم تفعل ذلك لمجرد استقاء معلومة تاريخية، وإنما اعترافاً بقدرة هذا الباحث على النفاذ إلى ما وراء الحجر، مستنطقاً "البيت المصري" بوعيِ من يسكنه لا بفضول من يزوره، وهو ما منح دراساته صبغة الواقعية التي تفتقدها المناهج التي تكتفي بالتحليل الميكانيكي للنصوص. إن هذه الخصوصية في الرؤية هي ما جعلت أعماله تتجاوز فكرة "رد الفعل" على الآخر الأجنبي، لتصبح قيمة علمية قائمة بذاتها، تدرس الظاهرة التاريخية في سياقها البيئي والاجتماعي الحي.
وفي غمرة انشغاله باللغة والماء، لم يغفل زكري الجانب الروحي الذي يشكل جوهر الشخصية المصرية، فكان كتابه "الأدب والدين عند قدماء المصريين" محاولة جادة لإنصاف العقل القديم من قراءات السطح التي شاعت في بعض الكتابات الكلاسيكية. لقد سعى زكري إلى إبراز "التوحيد الكامن" خلف تعدد الرموز، وميز ببراعة فائقة بين "الصورة" و"المعنى المعنوي"، مستشهداً بنصوص أدبية ومواعظ أخلاقية تضاهي في رقيها أعظم ما أنتجته الفلسفات الإنسانية. إن استدعاءه لنصائح "بتاح حتب" لم يكن فعلاً تذكارياً، وإنما كان دعوة للمصري المعاصر لاستعادة بوصلته الأخلاقية، حيث كان يرى في التاريخ "مصلاً واقياً" من التحلل القيمي. ومن هنا، نجد أن أعماله قد تم استثمارها في دراسات عالمية تتبعت "تطور الأخلاق الكونية"، حيث اعتبر زكري مرجعاً موثوقاً في نقل النص المصري بروحية شرقية تجعل المعنى أقرب إلى كنهه الأصلي الذي وُضع من أجله. وتجاوز ذلك إلى تقديم قراءات نقدية للبردات الأدبية جعلت من الأدب المصري القديم مادة خصبة للمقارنة الأدبية العالمية، وهو ما أكسبه احترام الدوائر الأكاديمية التي تنقب عن جذور الفكر البشري.
إن أهمية تدوين وتأريخ أعمال أنطون زكري وأمثاله من الرواد، مثل أحمد كمال باشا الذي شق الطريق بصدره، وسليم حسن الذي صاغ موسوعة مصر القديمة بمداد الصبر، ولبيب حبشي الذي فتشت يداه في طين الأرض عن الحقيقة، تكمن في كونها "تأريخاً للمؤرخين" أنفسهم، وتوثيقاً للمخاض الوطني الذي ولد من رحمه علم المصريات الحديث. قد يجادل البعض بأن التقدم التقني قد جعل بعض استنتاجاتهم تحتاج إلى مراجعة، إلا أن هذا الجدل يغفل الجانب الجوهري؛ فهذه المحاولات الباكرة تظل هي حجر الزاوية الذي لا يستقيم البناء بدونه، وهي تمثل مرحلة "التأسيس النفسي" التي مكنت المصريين من استعادة فخرهم المعرفي. إن تدوين هذه المسيرات هو اعتراف بـ "النزاهة الأكاديمية" والزهد الرفيع الذي صاحب رحلتهم، وتأكيد على أن العلم في أيديهم لم يكن مجرد تراكم للأرقام، وإنما كان "موقفاً وجودياً" انحاز للحق والوطن في آن واحد. إن هؤلاء العلماء لم يكتبوا للتاريخ فحسب، بل كتبوا للمستقبل، واضعين اللبنات الأولى لمدرسة مصرية في الآثار تتسم بالدقة والاتصال بالواقع الشعبي.
إن العالم اليوم يحتاج إلى التماس مع هذه القامات، ليس فقط تقديراً لجهودهم التخصصية، وإنما كنموذج للمثقف الذي لا ينفصل عن تربته. إن تجاهل هؤلاء العلماء في المحافل الدولية الكبرى أو في ثنايا المناهج التعليمية هو بتر لذاكرة التطور الإنساني، وتقديم صورة منقوصة عن كيفية استعادة الأمم لوعيها بذاتها. إن أنطون زكري يجسد صورة "الراهب العلمي" الذي لم ينتظر جزاءً ولا شكوراً، وكان يرى في تفسير إشارة لغوية أو اكتشاف بردية فوزاً لا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...