سمير اليوسف - ريتا العاجزة عن نطق حرف الحاء، كما في "أحبّكَ!"

[رحلت تمار بن عامي، حبيبة محمود درويش الإسرائيلية والتي سمّاها ب"ريتا" في قصيدته الشهيرة "ريتا والبندقية"- هذا النص جزء من دراسة بعنوان "محمود درويش وقصيدة الحبّ"].



أن تحبّ هو أن تبوح بالحبّ، ناطقاً أو صامتاً. لا حبَّ بدون بوحٍ بالحبّ.
أن تحبّ هو أن تبوح بحبك للمحبوب. فإن لم تستطع فلأقرب المقربين إليه. فإن لم تستطع فلأقرب المقربين إليك. فإن لم تستطع فلنفسك، تبوح لنفسك.

هناك "أُحبكِ" وهناك "أحبّها". ولكن هناك أيضاً "أحبًّكِ ولكن .." أو "أُحبّها ولكن ..". تأتي أداة الاستدراك لكي تعبّر عن معرفة وعن الإحساس بالمسؤولية المتوجب مراعاتها في ضوء هذه المعرفة: "أحبها ولكنها متزوجة" أو "أحبها ولكنها تنتمي إلى الآخر.." الزوج أو المجتمع أو الديانة والأمة .. أو الآخر العدو.

مرة سألتُ صديقة إسرائيلية عن رأي أهلها وبيئتها (الإجتماعية-السياسية) بمواقفها المعادية لإسرائيل عداءً حدّ الكراهية السافرة. أجابت بأن مواقفها لم تكن مشكلة لأن المحيطين بها يشاطرونها هذه المواقف وإن ليس حدة التعبير عنها. المشكلة الفعلية أن حبيبها كان عربياً. تذكّرت على الفور قصيدة محمود درويش "ريتا والبندقية". طبعاً العالم قد تغيّر منذ عام 1964، تاريخ ظهور القصيدة ولكن، على ما يبدو، لم يتغيّر بحيث يصير الحبّ المحظور مقبولاً حتى في البيئات (الإجتماعية-السياسية) التي لا آراء ومواقف محرّمة ومحظورة عندها. لماذا؟ لأن الحب يجعل الآخر حاضراً بل وحاضراً حضور الندّ وهذا ما يخالف قوانين النظام المهيمن ويتعارض مع الواقع والحقيقة.



الخاضع لا يمكن أن يكون نداً حتى للمعارض من أبناء الطبقة المسيطرة. بحسب الكاتبة الهندية غاياتري شكرافورتي سبيفاك- ورداً على سؤالها "هل يمكن للخاضع أن يتكلم؟"- لا يمكن للخاضع لنظام سياسي واجتماعي مهيمن أن يتكلم حتى لو مُنح الفرصة للكلام.

إلى جانب إدوارد سعيد وهومي بابا، تُعدُّ سبيفاك من أبرز مفكري حقل الدراسات الثقافية المعروف بـ"ما بعد الكولونيالية". ومستلهمة أطروحة الإيطالي أنطونيو غرامشي حول المهمّشين سياسياً واقتصادياً من قبل السلطة المهيمنة جادلت بأن الخاضع للنظام الكولونيالي لا يستطيع الكلام حتى لو منح الفرصة للكلام لان لا جود له، على كافة مستويات الوجود، جغرافي واجتماعي وسياسي وثقافي، إلا في حدود ما يسمح به النظام المهيمن. لا ثقافته ولا لغته معترف بهما. فكيف يتكلم؟ بأية لغة؟



العربي هو الخاضع لنظام دولة الإحتلال العبرية. العربي لا يتكلم ولكنه يحبّ ويكون محبوباً. ولكن بأية لغة يعبّر؟ ليس بلغته الأصلية وإنما بلغة الآخر، لغة الدولة التي تُخضعه لنظامها وتعامله كشخص هامشي أو مواطن درجة ثانية. وحينما سألت الصديقة الإسرائيلية إذا كانت تقول لحبيبها العربي أحبكَ بلغته. قالت بما معناه أنها لا تستطيع لفظ حرف "الحاء" وإنه ليبدو مضحكاً محاولة أن تقول أحبك بالعربية: أحبك تصير أهبك، بحرف الهاء. أو أخبك، بحرف الخاء. الحاء تعصى على لسان من كانت لغته عبرية!

ريتا، في قصيدة درويش "ريتا والبندقية" أيضاً لم تقل للمحبوب أحبك ومن المستبعد أهبك أو أخبك
لا يحقّ للعربي أن يقول لـ"ريتا" أحبّك بلغتها وإلا لصار ندّاً لها وهذا مخالف للقانون والواقع. وهي لا تستطيع أن تقولها بلسانها حتى لو شاءت ذلك نظراً إلى عصيان حرف الحاء عليها وعلى قومها. فُرض على الشاعر تعلّم اللغة العبرية ولم يُفرض على ريتا تعلّم العربية. وهو إن شاء أن يقول لها "أحبّكِ" بالعربية .. أن يقولها صامتاً
.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...