سمير اليوسف - "بين ريتا وعيوني بندقية.."

لم يكن خبر وفاة تمار بن عامي مجرد سطر جديد في شريط الأخبار، بل بدا كأنه حجر صغير أُلقي في بحيرة الذاكرة العربية فأيقظ دوائر نائمة منذ زمن. برحيل المرأة التي عرفها العالم باسم "ريتا"، لا نطوي فقط صفحة من سيرة شخصية، بل نعيد فتح جرح قديم في قلب الشعر… جرح كتب عنه محمود درويش يوم كان الحب لديه يسبق القصيدة بخطوة.
في حيفا، المدينة التي تعرف كيف تجمع البحر والقلق في مشهد واحد، أسلمت تمار روحها بعد صراع طويل مع السرطان عن عمر ناهز التاسعة والسبعين. هناك، في حي نيفيه شآنان حيث ولدت عام 1947، بدأت الحكاية ذات يوم بهدوء، قبل أن تتحول، دون أن تدري، إلى واحدة من أكثر قصص الحب التباسًا في الأدب العربي.



في ستينيات القرن الماضي، كان محمود درويش شابًا يتلمس طريقه بين القصيدة والسياسة، يحمل قلبًا طريًا أكثر مما يحتمل المكان. في مقر الحزب الشيوعي في حيفا، وخلال نشاط فني عابر في ظاهره، التقى بتمار، راقصة في السادسة عشرة، خفيفة كإيقاع لا يعرف حدوده. هناك اشتعلت الشرارة الأولى.
لم تكن العلاقة، كما روت تمار لاحقًا، مجرد انجذاب عاطفي عادي. كانت، بعبارتها اللافتة، "فوق حدود القومية والدين". في غرفتهما الصغيرة كانا يحاولان، ولو مؤقتًا، تعليق الهويات الثقيلة على مشجب الباب، والعيش كعاشقين عاديين في مكان لم يكن يعترف بالعادي. لكن الخارج كان أكثر صلابة من أن تهزمه طويلا بخدعة شفافة.
جاء عام 1967 مثل ريح باردة. تلقت تمار استدعاء للخدمة العسكرية في سلاح البحرية الإسرائيلي، وفجأة لم تعد المسافة بين العاشقين تقاس بالأمتار، بل دخلت بين الاثنين بندقية. هنا بالتحديد منبع ذلك السطر الذي سيبقى يلاحق الذاكرة العربية:
"بين ريتا وعيوني بندقية…"
لم يكن درويش يكتب استعارة جميلة فحسب، بل كان يضع قلبه على الطاولة، ويعترف بأن الحب في هذه البلاد يولد أحيانًا وفي صدره شظية.
انكسرت الحكاية بصمت، كما تنكسر الأشياء الثمينة. لا مشهد وداع صاخب، ولا إغلاق باب بعنف. فقط طريقان افترقا تحت ضغط التاريخ. درويش مضى ليصبح قصيدة تمشي على قدمين، بينما انسحبت تمار بهدوء إلى حياتها بعيدًا عن الضوء، تاركة خلفها ظلًا اسمه ريتا.
ومع السنوات، كبرت القصيدة أكثر مما كبرت الحكاية نفسها. لحن مارسيل خليفة الكلمات، وغنتها الحناجر، وتحولت "ريتا والبندقية" إلى مرثية مفتوحة لحبٍ لم يحتمل ثقل الواقع.
اليوم، حين ترحل تمار بن عامي في المدينة ذاتها التي شهدت ولادة ذلك الحب، يبدو المشهد كأنه دائرة أغلقت أخيرًا. محمود درويش غاب في 2008، وها هي ريتا الواقعية تلحق به بعد زمن، لكن ريتا الشعرية… تلك التي تمشي بين الكلمات… ما زالت وستبقى حية.
ربما انتهت القصة على الأرض، لكن في الشعر لا تموت الأشياء بهذه السهولة. هناك دائمًا عيون عسلية تلمع بين السطور، ودائمًا بندقية تقف في منتصف الطريق، تذكرنا بأن بعض الحكايات لا تكتمل مهما ألحقناها من إضافات… بل تبقى موجعة وجميلة إلى الأبد.
@highlight

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...