أحمد بوعروة - الدراما المغربية في رمضان نقد أم تصفية حسابات؟ موسم المحاكمات الرمضانية

في كل رمضان، لا تُعرض المسلسلات فقط.
تُعرض أعصابنا.
تُعرض مواقفنا.
تُعرض قدرتنا – أو عجزنا – عن الانتظار.

الحلقة الأولى لم تنتهِ بعد، لكن الحكم صدر.
المشهد الافتتاحي لم يكتمل، لكن التدوينة نُشرت.
الشارة لم تُغلق، لكن المقال جاهز منذ الأمس.

أي دراما هذه التي تُحاكم قبل أن تتكلم؟
وأي نقد هذا الذي يكتب نهايته قبل أن تبدأ الحكاية؟

في المغرب، صار للدراما الرمضانية قدران:
قدر فني يُبذل فيه جهدٌ حقيقي من كتاب ومخرجين وممثلين وتقنيين،
وقدر إعلامي يُبذل فيه جهد أكبر لصناعة المعركة.

نحن لا نشاهد العمل فقط،
نترصده.
ننتظره كي نُسقط عليه ما نريد قوله مسبقًا.

هناك من يدخل الموسم وفي جيبه بيان إدانة.
وهناك من يدخله وفي يده بيان تزكية.
بين الاثنين، يضيع النص.

الدراما بناء.
لكننا نتعامل معها كصورة ثابتة.
نأخذ لقطة، نجمّدها، ونحوّلها إلى عنوان.
جملة واحدة تصبح دليلاً على السطحية.
مشهد واحد يصبح قرينة على العبقرية.

هذا ليس نقدًا.
هذا استعجال.

الاستعجال ليس بريئًا دائمًا.
هناك اقتصاد كامل يقوم على الإثارة.
العبارة الحادة تنتشر أسرع من الفكرة المتأنية.
السخرية تحصد تفاعلاً أكبر من التحليل.
والهجوم يمنح صاحبه صورة “الشجاع” الذي لا يخاف.

لكن الشجاعة الحقيقية ليست في رفع الصوت،
بل في رفع المعايير.

في كل موسم، نسمع الجملة نفسها:
“الدراما في تراجع”.
أو على النقيض:
“هذا أفضل موسم في التاريخ”.

كيف يمكن أن يكون كل موسم كارثة مطلقة أو نهضة مطلقة؟
أين المنطقة الرمادية؟
أين القراءة التي تقول: هنا نجح البناء، وهنا تعثر الإيقاع، وهنا أُسيء اختيار الممثل، وهنا تألق النص؟

النقد عندنا – إلا استثناءات قليلة – يعيش أزمة هوية.
إما أن يتحول إلى صداقة عامة مع الجميع،
أو يتحول إلى منصة تصفية حسابات.

هناك من يكتب بدافع الانتماء:
هذه القناة “لي”، هذا المخرج “من جهتي”، هذا الممثل “صديقي”.
وهناك من يكتب بدافع العكس:
هذا العمل لا يمثلني، إذن يجب أن يسقط.

في الحالتين، يغيب السؤال المهني:
هل العمل متماسك؟
هل الشخصيات تنمو فعلًا أم تدور في حلقة؟
هل الحبكة تُبنى أم تُراكم مصادفات؟
هل الإخراج يخلق عالماً بصريًا أم يكتفي بالتنفيذ؟

بدل هذه الأسئلة، نختار الأسهل:
“عجبني”.
“ما عجبنيش”.
ثم نلبس الذوق ثوب الحقيقة المطلقة.

الذوق حق فردي.
لكن النقد مسؤولية جماعية.

الدراما الرمضانية تُصنع في ضغط زمني هائل.
تصوير متسارع.
مونتاج متلاحق.
سباق مع البث.
ورغم ذلك، هناك أعمال تبذل جهدًا واضحًا لتطوير اللغة البصرية، وتحسين الكتابة، والمغامرة في المواضيع.

غير أن أي مغامرة تُقابل أحيانًا بالخوف.
الجمهور يريد ما اعتاد عليه،
والنقد يخشى أن يدافع عن المختلف.
فنعود إلى الوصفة الآمنة:
حكاية تقليدية، شخصيات نمطية، نهاية متوقعة.

ثم نشتكي من التكرار.

نحن نطلب التجديد، لكننا لا نمنحه فرصة.
نطالب بالجرأة، لكننا نحاكمها من المشهد الأول.
نريد عمقًا، لكننا نتابع العمل ونحن نبحث عن زلة.

الأخطر من ذلك هو المقال المسبق.
أن تكتب حكمًا نهائيًا قبل البث.
أن تُعلن فشل العمل قبل أن يرى النور.
أن تبني سردية كاملة انطلاقًا من إعلان دعائي.

هذا ليس نقدًا.
هذا موقف جاهز ينتظر ذريعة.

الدراما ليست بيانًا سياسيًا.
وليست مباراة كرة تُحسم في الشوط الأول.
هي رحلة سردية.
تحتاج وقتًا كي تنضج،
وتحتاج عينًا صبورة كي تُقرأ.

هناك فرق بين المتابعة اللحظية والنقد.
المتابعة انفعال.
النقد تفكير.

والمفارقة أننا في زمن تتوفر فيه أدوات التحليل أكثر من أي وقت مضى، لكننا نكتفي بالانطباع.

الدراما المغربية لا تحتاج تصفيقًا جماعيًا،
ولا تحتاج جلدًا جماعيًا.
تحتاج مرآة صادقة.

مرآة تقول: هنا أخطأتم.
وهنا أصبتم.
وهنا يمكن أن يكون القادم أفضل.

بدون هذه المرآة، سنبقى ندور في الحلقة نفسها كل عام:
ضجة في الأسبوع الأول،
معركة في الأسبوع الثاني،
موجة سخرية في الثالث،
ثم نسيان في الرابع.

رمضان ينتهي.
العمل يُطوى.
والحكم يبقى في الذاكرة كحقيقة نهائية، حتى لو كان مبنيًا على حلقة واحدة.

في “رحلة في الإبداع المغربي”، لا نبحث عن معركة موسمية.
نبحث عن سؤال أبعد:
كيف يمكن لصناعة درامية أن تنمو في بيئة نقدية غير مستقرة؟

إذا ظل النقد بين التطبيل والهدم،
ستظل الصناعة معلقة بين الخوف والاطمئنان الزائف.

الخوف من المغامرة،
والاطمئنان إلى التصفيق.

الدراما المغربية تستحق أكثر من ذلك.
تستحق نقدًا يحترمها حتى وهو يختلف معها.
نقدًا لا يستعرض عضلاته على حسابها،
ولا يحتمي بها ليكسب ودّ الجمهور.

في النهاية، المعركة ليست بين عمل جيد وآخر ضعيف.
المعركة الحقيقية بين ثقافة الصبر وثقافة الاستعجال.
بين من ينتظر اكتمال الصورة،
ومن يكتفي بزاوية واحدة ليعلن الحقيقة.

السؤال الذي يجب أن نواجهه بلا مجاملة:
هل نريد دراما تتطور فعلًا،
أم نريد موسمًا سنويًا نُفرغ فيه غضبنا ونوزع فيه الأوسمة؟

الجواب لا يُكتب في حلقة أولى.
ولا يُحسم في تدوينة مستعجلة.
بل يُبنى… كما تُبنى الدراما نفسها:
بصبر،
وبوعي،
وباحترام المعنى قبل الضجيج.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...