فاتن صبحي - البنية الثنائية في قصة ''نحت ذاكرة البهجة بفرشاة ساحرة'' للاديب/خالد جودة

يحمل العنوان وهو العتبة الأولى للنص " نحت ذاكرة البهجة بفرشاة ساحرة" بعدين متكاملين: النحت بصفته فعلًا يتطلب جهدًا وادوات وخامات والفرشاة الساحرة بوصفها الاداة التي تستحضر الماضي لتعيد تشكيل الحاضر.
فنجد أن العنوان يجمع بين الصلابة (النحت) وبين الرشاقة(الفرشاة) بين الذاكرة واللحظة الحاضرة، هذه التوليفة تمهد لقراءة القصة بوصفها بحثًا عن التناغم بين ثنائيات متقابلة: الخارج والداخل، الغضب والرضا، تعقيد الكبار وبراءة الاطفال.

أولًا البنية الثنائية:
تقوم القصة على بناء محكم من الثنائيات التي تتفاعل لتشكل دلالتها المركزية:
-ثنائية الخارج(عالم الصخب)مقابل الداخل(عالم السكينة):-
ليست مجرد مكانين بل عالمين متضادين: الخارج ليس شارعًا فقط بل حالة من التشتت والاغتراب الناس فيه" منحورون على أبواب العصر" وكأنهم ذبائح تذبح على عتبات زمن لايرحم " عوادم النفوس" تحجب الرؤية. والضباب وجوديًا يمنع الإنسان من رؤية نفسه والآخرين. أما الداخل فليس جدرانًا وأثاث بل ملاذًا حيث تتحول الاشياء العادية الى طقوس: صوت الشيخ محمد رفعت يعيد ترتيب النفس، رائحة الطعام وعد بالمكافأة بعد الجوع.
فالتحول الجوهري لخالد حدث بسبب إنتقاله من التشتت إلى الأنتماء.
-ثنائية الغضب في مقابل الرضا
الغضب في القصة ليس مجرد إنفعال عابر خالد غاضب لان الصورة الذهنية الحقيقية لرمضان والصورة المثالية للعلاقات الإنسانية والتصور الكامل للحياة يختلف عن الواقع. فما يراه في الشارع " زحام، جهامة، تدافع" يناقض مايؤمن به"رمضان نور، صفاء، بهجة"
" ألم يئن للناس بعد أن يجعلوا رمضانهم في طرقاتهم وعلى مكاتبهم وآلاتهم وسرائرهم لينيروا حياتهم بضوء مستدام ستة أشهر في العام؟
هذا السؤال هو صوت خالد الداخلي. لم يجب خالد على سؤاله لانه لا يحتاج إلى إجابة نظرية فخالد طرح هذا السؤال في الصباح وهو غاضب ثم في المساء دون ان يخطط يجد الإجابة متحققة في بيته (مكان) مع اسرته (علاقات) بصوت الشيخ(روحانيات) وبكاء طفله(إنسانية) الإجابة عاشها خالد عمليًا. أماالرضا فهو لا يأتي كهدية مجانية بل يأتي على مهل
" تسرب الرضا على مهل بخطواتٍ مفرحة" الفعل تسرب يشبه الماء والرضا كالماء الروحي الذي يروي وجدانه بعد الغضب ومن المفارقة ان الغضب كان على الناس كلهم اي جماعيًا بينما الرضا كان في داخله ثم اصبح مع اسرته.
-ثنائية تعقيدات الكبار في مقابل براءة الطفل
الكبار يعيشون زمن الاستعارات: فرمضان عندهم روحانيات، أجرًا، صبر. كلمات تحتاج الى تفسير لا يستطيع الطفل ان يفهمها فهو لا يترجم الأشياء إلى معانٍ بل يعيشها كأحداث ملموسة.
خالد وطفله كلاهما صائم لكن الطفل يعيش زمن الجسد وخالد يعيش زمن المعنى فالطفل لايصوم من اجل الأجر فهو مفهوم مجرد لا يعيه لكنه يصوم لانه وعد والوعد عنده مقدس ولانه يريد ان يكون مثل الكبار (القدوة) ويريد النجمة البيضاء(الجائزة الملموسة) فالطفل هنا يعيد خالد من تأملاته إلى الحياة وهو من يجعل رمضان ملموسًا. من يحول الروحانيات إلى دموع حارة وأكل حقيقي وضحكات مسموعة. الطفل ليس مرحلة عمرية بل وظيفة وجودية تعيد للكبار الدهشة.
-ثنائية النص القرآني مقابل الواقع
آيات سورة الرحمن تصف الجنة وتتحدث عن الجزآء الآخروي لا عن الحياة الدنيا فنجد:
- مفارقة: الواقع(جوع، بكاء، إنتظار) يختلف تمامًا عن الوصف القرآني(نعيم دائم) هذه المفارقة تجعلنا نشتاق لما هو أبعد.
- الآيات تذكير بان مانعيشه الان ليس النهاية فالجوع سيزول والتعب سينتهي وهناك وعد اكبر، والطفل الذي يبكي من ألم الجوع يشعر أن هناك يومًا لا جوع فيه ولا ألم.
-ثنائية اليأس في مقابل الأمل
البداية" لهاث ممرض، خلق منحور، تدافع عنيف" لغة الذبائح والموت
الطفل يقول:" سوف أموت ياماما" جوعه يشبه الموت
لكن دعاء الإفطار" ذهب الظمأ وابتلت العروق ..." العروق الجافة تعود إلى الحياة.
الموت المجازي في الشارع يتحول الى ولادة جديدة حول المائدة. الطفل الذي كان سيموت من الجوع هو نفسه من يلتهم الطعام ويجفف دموعه.نفس الجسد ونفس الطفل لكنه إنتقل من حافة الموت إلى قلب الحياة.
القصة كلها قائمة على هذا المزيج من الثنائيات فقسوة الشارع تلتقي بدفء البيت وغضب خالد يلتقي بحنان الزوجة وجوع الطفل يلتقي بشبع الإفطار. البهجة ليست هدية بل منحوتة من جهد وصبر وحب.
ثانيًا: كيف يحضر الماضي فى الحاضر؟
-يستخدم الكاتب تقنية الإسترجاع لربط الحاضر بالماضي حيث يتذكر خالد طفولته.الكاتب لا يصرح بها لكنها موجودة بين السطور " مازال رمضان يتنفس هذا الصوت العذب، حتى عندما يستمع إليه خارج أيامه هذه، يستجلب فؤاده حلاوة رمضان المعطر" صوت الشيخ هنا كآلة زمن تعيد خالد الى رمضانه المعطر والآسترجاع هنا ليس لمشهد واحد ولكن لكتلة من ذكريات كاملة تستحضرها اذنه.
دعاء الإفطار " ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر ...." استرجاع ليس لخالد فقط بل لذاكرة الامة.

ومن جماليات النص أن الكاتب يخلق صور متقابلة بوعى فني: بكاء الشارع السلبي مقابل بكاء الطفل الإيجابي، غضب خالد من الناس مقابل رضاه بفضل اسرته،ضباب الصباح مقابل أريج المساء. بالاضافة لتنوع آيقاع الجمل حسب الحالة النفسية: في مشاهد الغضب جمل قصيرة متلاحقة تعكس التوتر وجمل تنساب كالماء فى مشاهد الرضا وجمل قصيرة تعكس الفرح" تتصاعد الفرحة تحتفي بميلاد المشاعر الساحرة، تتشكل ملامح الولد الصغير المتصبرة لترسم ملامح البهجة.
وفي النهاية لا تقف قصة" نحت ذاكرة البهجة بفرشاة ساحرة" عند حدود الحكاية العابرة، بل تنحت من أيامنا العادية ذاكرة بهجة تمتد جذورها في الماضي، وتثمر في الحاضر، وتفتح على مستقبل ممتد بالرجاء.



==========



اليوم كان عصيبا، ازدحمت الطرقات بالصراخ والبشر والجهامة، وطرق أفئدة الناس لهاث ممرض من أعباء الخلق المنحور على أبواب العصر اللاهث، وصحائف التدافع العنيف.
وزع نظرات الأسى على الخلائق وقد لفتهم سحائب من ضباب معتم نفثته عوادم النفوس.
سؤال جوال في ذاته، يمشط وجدانه جيئة وذهابا: كيف يكون الحال هكذا في أول أيام الشهر الفضيل؟!، ألم يئن للناس بعد أن يجعلوا رمضانهم في طرقاتهم وعلي مكاتبهم وآلاتهم وسرائرهم لينيروا حياتهم بضوء مستدام ستة أشهر في العام؟!، ثم يظلوا ستة أخرى يرجون رحمات الضوء الأسنى؟!.
أزاح باب مسكنه، وقد لف أعضائه جميعا أسى وغضب، بشت في وجهه زوجته، ترجو أن تنزع عنه أوضاره النفسية، فقص عليها سريعًا ملحمة يومه، وعكارة أخلاق يراها حالقة للرضا والسكينة، فصبرته، فسكنت نفسه حتى أتم صلاته ودلف إلى نومته يرجو بها أن يستعيد صفاء رمضانه الأثير


***


عندما استيقظ قبل غروب الشمس بوقت وجيز، عجب كيف تغيرت أنفاس المكان هكذا بأريج عذب، وكيف شمل الضياء أركان النفس؟!، عرف السر عندما أنصت لصوت القارئ "محمد رفعت" عبر فضائية القرآن التى تحرص زوجته علي تشغيلها طالما تعمل في مطبخها المضمخ بروائح تثير الصائمين.
انداح الصوت في روحانية مشعة وهو يتلو آيات من سورة الرحمن: "الرحمن علم القرآن"، ما زال رمضان يتنفس هذا الصوت العذب، حتى عندما يستمع إليه خارج أيامه هذه، يستحلب فؤاده حلاوة رمضانه المعطر.
تأمل ذاته معجبا وقد تسرب "الرضا" على مهل بخطوات مفرحة ليسكن الوجدان مبشرًا بتلك الحالة النفسية النادرة الصافية، نظر في ساعته، يوشك أن يؤذن المغرب بعد حوالي النصف ساعة، فقام بجلب مصحفه وعلى هامشه تفسير الآيات يطالع بعض ورده، كانت روحه تسبح في هدوء منعم، وهو غارق في تأملاته الراضية.
سحائب الأريج السحري أضاءت قلبه وعقله، فارتسمت علي شفتيه ابتسامة، هي تزهير السعادة النابتة بأرض جوانحه، ملأته مشاعر حلوة، أثمرت نعمته النفسية التي يرفل فيها لحظاته تلك رغم يومه العصيب.
شده من تأملاته الراضية وصوت القارئ النبيل "فيهما عينان تجريان"، صوت بكاء ابنه الصغير الذي تجاوز العاشرة من عمره بقليل، انغرس نصل جنجر الصراخ في قلبه فدفعه للنهوض وخرج إلي الصالة يستطلع الأمر ليجد زوجته تضحك وهي ممسكة بالولد الصغير تحاول تهدئته، وقد التمعت علي خده الصغير قطرات الدموع وهو يصيح جازما: سوف أموت يا ماما وكل فترة تقولين دقائق ونفطر .. حرام عليكم، ابتسم الأب في ود سائلا زوجته عن حقيقة الأمر، قالت وهي مستمرة في ضحكها: لقد سمع ولدنا من زملائه في المدرسة أنه يجب أن يصوم حتى العصر أو الظهر على الأقل، لكنني وجدته متحملا، ورفض بشده أن يفطر بعد عودته، رغم إلحاحي وإغرائه بالطعام والشراب، لكنه الآن لم يعد يتحمل، وفي نفس الوقت يريد أن يتم صوم يومه الأول، قال الولد في رجاء وهو يلقي إلى أبيه بالنظرات الضارعة: جائع يا بابا...
تذكر الأب البارحة عندما احتفلت أسرته الصغيرة بأول سحور جماعي، وكيف سعدوا بالصغير الوديع وهو يقسم أنه سيصوم أول يوم له في حياته غدًا، بل زاد في قسمه أنه سوف يصوم الشهر جميعه حتى ينشد في المدرسة مع الصائمين معيرا غير الصائمين: "يا صايم رمضان يا موحد ربك"، فبادر الأب قائلًا: "النجمة البيضاء هتبوسك من خدك"، وقد وضع طرف أنامله علي خده الصغير، ضاعف المشهد من إحساسه بالسعادة، وأنساه تماما أسى نهاره الصاخب.
أصبح همه في الوقت القليل الباقي مواساة الصغير، انسحب ضوء الشمس وراء الأفق ليلتمع، وهو يبشره بجوائز اصطباره.
تتصاعد الفرحة تحتفي بميلاد المشاعر الساحرة، تتشكل ملامح الولد الصغير المتصبرة لترسم ملامح البهجة، اجتمع شمل الأسرة حول المائدة العامرة في ترقب سعيد، وانساح في النفوس الفيض الجميل.
تشكلت لوحة السرور مزينة بأريج الآيات الطيبات حول نعيم أهل الجنة "فيهما فاكهة ونخل ورمان". انفجرت عيون الحب تنصب على الطفل، فتلون الفيض الرشيق بلون نادر مزج بين البراءة، وفرحة الوقت، فأشرق شعاعه متكسرًا مُشِعًّا على جوهرة عذوبة اللحظات.
ارتفع صوت الاذان ... الله أكبر ... الله أكبر .. بدأ الولد يلتهم الطعام وهو يجفف دموعه، والوالدان يمدان له الأيدي والأطباق والقلوب في حنان رفيق وهما يضحكان
توهج المشهد بأمطار السعادة ...
تمتم الأب : "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر -إن شاء الله- تعالى"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...