١
هذا العالم المرعب :
هذا اليوم ذهبت إلى المطبعة ﻷنشر روايتي ، وﻷنني غدوت مصابا بالبارانويا ، فقد قررت أن أراجع النص قبل دفعه للطباعة ، فاﻷخرون هم الجحيم .
كنت أراجع موادي المنشورة في موقع ديوان العرب ، ثم اطمأننت إلى الموقع إلى أن قرأت ذات يوم صفحات من كتابي قراءات في القصة القصيرة على الموقع ، فتيقنت أن الخل أخو الخردل . وتعلمت أن أحتفظ بالمسودات اﻷخيرة ﻷي نص أشرف عليه ، فاﻷخرون هم الجحيم ، بمن فيهم بعض من يصلون ويصومون .
وأنا أقارن النسخة التي استخرجتها باﻷصل لاحظت عدم التطابق ، فثمة حذف أسطر . توقفت ولم أكمل المقارنة ، فقد قرأت المكتوب من عنوانه .
قبل سنة ونصف تكرر الشيء نفسه .
كنت أردت طباعة كتابي عن محمود درويش : " جدل الشعر والسياسة والذائقة " ، فتذكرت عامر الموظف في الجامعة وسؤاله لي إن كنت أراجع كتبي المدرجة على النت ، وهكذا راجعت الكتاب ، فلاحظت ما لا يقل عن ستين خطأ أنجزها كلب بن كلب ، ربما بطلب مسؤؤل كلب بن كلب ، بقصد الإساءة لي ، بحجة أنني لا أتقن النحو ، حتى يتم فصلي من الجامعة ، ما دفعني في حينه لكتابة مقالة عنوانها : " متعلمون صهاينة " ، لم تنشرها اﻷيام لقسوتها ، وقمت بدوري بنشرها على الفيس ، ولعل هناك من محاها .
أعرف أنني مزعج للآخرين ، ولكن هذا شيء والعبث بدراساتي وكتبي شيء آخر .
إنني صاح لهذا التخريب قصد اﻷساءة ، ولهذا ما زلت أحتفظ بما كتبته بخط يدي .
لا يريد كثيرون أن أكتب عن هشاشتهم ، ولا عن ضعفهم العلمي ، فيشوهونني شخصيا وعلميا ، ولكن هيهات أن تنجح الكلاب في هذا .
٢
صباح ربيعي :
هذا الصباح يبدو ربيعيا . يمكن الجلوس في شرفة ما مغلقة دون حاجة إلى مدفأة ودون الإصغاء إلى مذيعين مصريين أخذوا يردحون ، فحماس غدت منظمة إرهابية . هكذا نفجر إذا اختلفنا .
هل سنقبل على موجة ردح أم أن بعض المختلفين سيرفضون أسلوب الردح والتمهل قليلا ؟
صباح ربيعي يمكن أن تجلس فيه على الشرفة تتأمل الربيع قادما بعد بيات شتوي .
ربما تردد :
على هذه اﻷرض ما يستحق الحياة .
ربما تردد :
ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا .
وقد تفكر في تنظيف زجاج الشرفة لتزيل ما علق بالجسد من بيات شتوي .
و
صباح الخير
ولعل إخوتنا في الخيام هناك يشعرون ببعض راحة من ذوبان الثلوج وانحسار البرد ! لعل !
٣
عيد ميلاد البيت :
اليوم هو الذكرى 38 لميلاد بيت العائلة . انتقلنا إليه في 1 / 3 / 1978 بعد إقامة 30 عاما في مخيم عسكر ، أنفقت منها 24 عاما ما بين خيمة وبيت صفيح وبيت باطون .
كان المخيم أرحب مما هو عليه الآن . كان ثمة مساحات .
الارتداد . الفسحة . الحديقة . الأشجار المحيطة بالبناء . الساحة الواسعة . مطلع الدرج المستقل . رائحة التراب . مدخل البيت المستقل ، ومع ذلك أراني واقفا على تلة قرب شط يافا أراقب البحر واﻷمواج والشاطيء . أراني أدلف إلى الميناء الذي لم يبق ميناء .
ترى بماذا يحلم اللاجئون الفلسطينيون في المنافي ؟
هل يحلمون بالعودة إلى مدنهم وقراهم أم بالعودة إلى بقايا مخيماتهم في اليرموك وصبرا وشاتيلا وبرج البراجنة و .. و ..؟
آذار أقسى الشهور وفي رواية أخرى أبريل .
البطاطا الحلوة افتقدت من السوق . لا شك أن حنا بطاطو ما كان يهوى إلا البطاطا ، وله من اسمه نصيب .
1 / 3 / 2016
٤
رحلة العمال القاسية :
مخيم عسكر يودع شابا في ال 20 من عمره ، توفي وهو يجتاز السور الفاصل بين مناطق الاختلال الثاني ومناطق الاحتلال الأول .
رحلة الدخول إلى فلسطين بحثا عن عمل لدى أبناء العمومة رحلة شاقة وكم من شاب فقد حياته في أثناء السفر .
مرة كتبت عن أم فايز " في وداع أم فايز " .
فقدت أم فايز ابنين معا خلفا لها مجموعة من الأبناء .
رصد معاناة العمال التي كابدها أكثر أبناء الشعب الفلسطيني ظهرت في أعمال أدبية عديدة :
إميل حبيبي في " المتشائل "
وغريب عسقلاني في " الجوع "
وسحر خليفة في " الصبار " وسعاد العامري في " مراد " ، والعامري وخليفة كتبتا بعد أن رافقتا العمال في رحلة معاناتهم .
كان الله في عون عمالنا ، فمعاناتهم مضاعفة .
يا لقمة العيش التي كما قال الشاعر :
" أذل مطلبها العزيز ".
1 / 3 / 2017
يا عمال العالم....
صباح الخير
٥
ابن القيسراني :
( إلى Khoury Elias )
من شعراء بلاد الشام ، وينسب إلى قيسارية في فلسطين .
شاعر روحه روح المتنبي ، كان في الستينيات من عمره يتسلل إلى الأديرة ليتغزل بالفاتنات الصليبيات . وكان ، مع ذلك ، شاعر مقاومة .
درسه د . محمود ابراهيم في كتاب عنوانه " صدى الغزو الصليبي فى شعر ابن القيسراني " وتوقف أمام ثغرياته ومنها :
" إذا ما زرت مارية
فما سعدى وما ريا /
لها وجه مسيحي
ترى الميت به حيا ".
في محاضرات د.محمود ابراهيم في 1975 كان الدكتور يبتسم ويتذكر محمود درويش وصديقته اليهودية ريتا .
هل تناسلت روح ابن القيسراني في روح محمود درويش؟
أنتظر رواية من الروائي إلياس خوري في الموضوع .
انتظروها .
1 / 3 / 2017
٦
خداع :
أنا أقل من يذهب إلى المكتبات العامة ليستعير منها كتبا .
مرة كافأت الجامعة بعض موظفيها لترددهم على المكتبة أكثر من غيرهم .
الحق كل الحق على الشيطان ونابليون بونابرت .
كلما أردت كتابا جاءني به شيطاني ، اعتمادا على قول الشاعر :
" إني وكل باحث من البشر
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر " ،
مع أنني أحب الإناث أكثر ، وأما بخصوص نابليون بونابرت فالأمر مختلف وربما يتعلق ب ( لوسيان ) المرأة الفرنسية الرائعة التي كتبت في وداعها مقالا نشرته في زاويتي في جريدة الأيام الفلسطينية .
صباح الخير يا ( لوسيان )
صباح الخير يا ........
1 / 3 / 2018
وقبل 40 عاما بالتمام غادرنا مخيم عسكر القديم لنقيم في حي المساكن الشعبية بانتظار عودتنا إلى يافا .
٧
( مدام بوفاري ) :
بعض الناس يحاول أن يبدأ معك حياة جديدة فيختبرك في ما يشاع عن ماضيك الذي تسعى للتخلص منه إلى غير رجعة .
لا ينجح هؤلاء في سعيهم . لماذا ؟
ببساطة لأنهم يبعثون ماضيا مضافا إليه بهارات فاسدة . هكذا تفسد حياتك ثانية ويتضاعف السوء .
وماذا لو عدنا إلى يافا وحيفا وعكا واللد والرملة ثانية ؟
سنجتر ذكريات بائسة مضاعفة .
نكبة 1948
هزيمة 1967
حرب ايلول 1970
حرب تل الزعتر 1976
حرب 1982
الانتفاضتان ؛ الأولى 1987 والثانية 2000
و ملايين القصص والروايات حول الشهداء والعملاء والقادة والتجار والسماسرة والخيانات و...و...
مش زابطة ولا راح تزبط .
ليلة الجمعة
2 آذار 2018
٨
طلبة الدكتوراه وضرورة التفرغ :
حين طلب مني أن أشارك في وضع خطة برنامج الدكتوراه اعتذرت لأسباب هي :
- ضرورة تفرغ طلبة الدكتوراه
- عدم تجاوز عبء المدرس 9 ساعات أسبوعيا ومنع التدريس الإضافي
- عدم قبول أكثر من 6 طلاب
- برنامج الماجستير والإشراف على الرسائل يجب أن يعاد النظر فيه .
لم تأخذ إدارة الجامعة برأيي وهي حرة في قرارها .
أمس زارني طالب دكتوراه وأعادني إلى ( بامبرغ ) في أمر ما وليس من الضروري توضيح السبب .
المهم .
شرح لي الطالب معاناته ومعاناة الطلبة بسبب عدم التفرغ ، وقال لي إنه وزملاءه ينهكون بسبب العمل والأسرة والدراسة وسألني :
- ماذا لو فرغتنا الجامعة لتدريس مساقات اللغة العربية لمدة عامين ، حتى ننهي المواد المقررة ، فنظل في الجامعة من الثامنة صباحا حتى السادسة مساء ، وننفق أكثر الوقت في المكتبة ونرتاح من تعب المواصلات وما شابه ؟
كنت من قبل اقترحت عليه هذا الاقتراح أصلا ، فمساقات اللغة العربية لا تحتاج إلى أكثر من عضو هيئة تدريس بمؤهل ماجستير .
أنا على يقين أن هناك خللا في برنامج الدكتوراه ، ولست متشجعا عموما للتدريس .
لإدارة الجامعة حساباتها ولي حساباتي وأتمنى ألا يكون مصير برنامج الدكتوراه مصير برامج دكتوراه أخرى .
الأول من آذار 2019
٩
ظلال الشاعر :
محمود درويش والياس خوري
في كتابي " أسئلة الرواية العربية: أولاد الغيتو .. اسمي آدم إلياس خوري نموذجا " ( بيروت ، دار الآداب ، 2018 ) توقفت أمام حضور محمود درويش في الأدب العربي والفلسطيني ، وأعتقد أن ما كتبته يمكن أن يشكل مدخلا لأطروحة جامعية من الوزن الثقيل ، إن أنجزها دارس مثقف وصبور . ودراسة تأثير الشاعر وعمله في أعمال الآخرين وفي مجتمعه فكرة أثيرة وأساسية في النقد الاجتماعي الماركسي .
وفكرة حضور محمود درويش وتأثيره في الأدب وفي الوعي السياسي والاجتماعي جالت عموما بأذهان كثر .
مرة اقترح علي الناقد فيصل دراج أن أكتب عن حضور محمود درويش في الوعي الشعبي الفلسطيني ، وقد أنجزت كتابة مطولة نشرتها في جريدة الأيام الفلسطينية . ومرة ثانية اقترح بروفيسور إسرائيلي من جامعة ( بار إيلان ) - إن لم تخني الذاكرة - على طالبة من اللد أن تكتب عن تأثير محمود درويش في الوعي السياسي الفلسطيني ، وقد أنجزت منى أطروحتها ولم أعد أعرف ماذا ألم بها ، فقد أخبرتني أنها قد تنشرها .
تأثير محمود درويش في الوعي الفلسطيني ما زال قائما ، والفلسطينيون يحتفلون كل عام في آذار بذكرى ميلاده الذي جعلوا منه يوم الثقافة الفلسطينية .
غاب الشاعر جسدا ولم يغب فكرا وشعرا ، وما زال له تأثيره وحضوره .
قبل أشهر قليلة أصدر الروائي الياس خوري الجزء الثاني من روايته " أولاد الغيتو : اسمي آدم " تحت عنوان " أولاد الغيتو 2 : نجمة القلب " وكان لمدينة الشاعر الأولى ، وهي حيفا ، الحضور الأبرز فيها ، وحيفا التي كتب الياس عنها هي حيفا في 60 القرن العشرين ، وفي هذه الفترة أقام الشاعر في المدينة وذاع صيته أدبيا وشخصيا أيضا .
ولو سألنا أنفسنا عن أشهر قصائد الشاعر التي كتبها في أثناء إقامته في حيفا لتوقفنا بالتأكيد أمام قصيدتين هما " سجل أنا عربي" و " ريتا والبندقية " ، ولم تحقق القصيدتان انتشارا لحظيا وحسب ، فما زالتا تحظيان بقراءة واسعة ، وفاقت الثانية الأولى شهرة ، ولذلك طبعا أسباب عديدة أبرزها أنها لحنت وغناها المغني اللبناني المعروف مارسيل خليفة ، وبالإضافة إلى ما سبق أنها تعبر عن تجربة انسانية بين اثنين من قوميتين متحاربتين ، ومن الأسباب أن الشاعر لم يتخل عن القصيدة وأن المحبوبة أيضا لم تغب عن ذهنه شعريا ، فقد عاد بعد أكثر من 20 عاما ليكتب عنها من جديد قصيدة أجمل من الأولى " شتاء ريتا الطويل " ليستحضر العلاقة مع ريتا في زمن آخر .
ربطت الياس خوري بالشاعر علاقة أدبية وفكرية وشخصية ، فقد التقى الاثنان في بيروت وعملا معا في مركز الأبحاث الفلسطيني وفي مجلة " شؤون فلسطينية " ومجلة " الكرمل " وكتب الياس العديد من الدراسات حول أشعار الشاعر .
تحضر أشعار درويش في روايات خوري . وفي " أولاد الغيتو " بجزأيها تحضر تأويلات نقدية وآراء ظاهراتية فيها ، من خلال شخصيات روائية يختفي الياس وراءها ، فما يرد على لسان الشخصيات الروائية يرد في دراسات الياس ومقالاته .
وبما أن الموضوع الفلسطيني هو موضوع " أولاد الغيتو " بجزأيها ، وبما أن أحداث الرواية يجري قسمها الأكبر في فلسطين في الفترة التي عاصرها الشاعر ، فإن حضور بعض تجاربه يحضر في الرواية ، وأبرز تجربة وأكثرها شهرة هي علاقة الحب التي ربطته بالفتاة اليهودية التي كتب فيها القصائد . إنها ريتا الدال الرمزي لفتيات يهوديات عرفهن الشاعر .
في كتابة سابقة عن رواية " أولاد الغيتو 2 : نجمة البحر " عقدت مقارنة بينها وبين رواية ( ا.ب.يهوشع ) " العاشق " وقلت إن الثانية " العاشق " مكون أساسي من مكونات الأولى " نجمة " ( انظر الأيام الفلسطينية / شباط ) ، ولسوف يستحضر العاشقان في الرواية علاقة درويش بريتا ، ويستطيع المرء أن يوازن بين العلاقتين ؛ علاقة درويش بريتا وعلاقة آدم برفقة ، ويلحظ تقاطعات عديدة أبرزها ما آلت إليه العلاقة وسبب هذا المآل .
في إحدى المقابلات مع محمود درويش قال إنه أقام مرة علاقة مع فتاة يهودية قبلتها الأم - العلاقة - ورفضها الأب ( انظر كتابي " أدب المقاومة " 1998 ) ، ومرة ثانية قال إن سبب فشل العلاقة يعود إلى التحاق الفتاة بالجيش الإسرائيلي ، فكيف يراها تقتل أبناء شعبه ويستمر معها في علاقة ، وهو ما عبر عنه في قوله " بين ريتا وعيوني بندقية " وفي قوله إن اللقاء يمكن أن يتواصل " حين ينمو البنفسج في قبعات الجنود " وفي قوله في " شتاء ريتا الطويل " :
" عن حلمين يتقاطعان ؛ فواحد يستل سكينا وآخر يودع الناي الوصايا " - لنلاحظ " حلمين يتقاطعان " . فما هو سبب فشل علاقة آدم برفقة ؟
كانت رفقة أرادت علاقة حب لا تنتهي بزواج ؛فهي تعرف أباها غابرييل . يشغل العمال العرب ويعطيهم أجورهم ويأكل معهم وقد تبنى آدم ليعوض أخاه شلومو الذي سقط في معارك حيفا ، أما أن يزوجه ابنته رفقة ، فهذا ما لا يحتمل ، وهنا يصبح العرب عرقا آخر ؛ عرقا وسخا .
وتلتحق رفقة بالجيش ؛ فيكون الانفصال .
تتجسد نهاية العلاقة تحت عنوان هو" الممحاة " ويقع في القسم الثاني من الرواية ( " عشاق حيفا " في الصفحة 190 حتى الصفحة 195 ) . هنا يوظف الياس خوري الحلم .
يتذكر آدم رفقة ، بعد 40 عاما ، وهو في نيويورك ، ويأتي على علاقتهما معا ، ويذكر أنه خلال دراسته في جامعة حيفا لم يلتق بها إلا مرة . ويذكر أيضا أنه خلال الأربعين سنة على لقائه الأخير بها " لم يكن جادا في البحث " عنها ، ويتساءل :
" كيف استطاعت رفقة أن تمحوه ؟ ".
حين كان يعمل في حيفا ، في فرن عبلة ، حلم بأنهما - هو ورفقة - يلتقيان ف " مد يده كي يمسك بيدها ، فسحبتها ، وفتحت حقيبتها الجلدية وأخرجت منها ممحاة . أمسكت بالممحاة التي كانت بحجم كفها وانحنت فوق آدم وبدأت تمحوه ، محت يده، ثم محت قدميه ، واقتربت الممحاة من شفتيه ، فحاول أن يعضها بأسنانه التي تساقطت عندما لمستها الممحاة " .
ثمة دلالة رمزية لا شك وسوف يقرر آدم " أن يتوقف عن حب رفقة " وتلتحق هي بالجيش .
يخترع آدم فصلا من خياله حول نهاية العلاقة " لكنه صار حقيقيا أكثر من الحقيقة " ( 194 ) .
يتخيل أنه التقى برفقة وأنها أخبرته أن أباها قد سامحه ، وأنها هي فكرت فيه كثيرا فيجيب :
" أنا محوتك ، اشتريت ممحاة ومحوتك بها " ( 195 ) :
" وأخرج آدم من جيبه ممحاة صغيرة .
ضحكت رفقة ، وقالت إن فكرة الممحاة غريبة .
" لماذا تمحوني ؟ " سألت .
" أنا لا أحب ثيابك العسكرية . "
" أرأيت ؟ كان غابرييل على حق .."
" لا ، محمود درويش على حق "
" لم أفهم "، قالت .
" لن تفهمي ، ولا أريدك أن تفهمي ، لأني أخاف عليك . "
أدار آدم ظهره ومضى ، وفكر في أن عليه أن يمحو البدلة العسكرية من الصورة . ورفقة ليست ريتا التي سيكتبها محمود درويش ، وهو لن يصلي لعيون عسلية تحجبها بندقية ، كما أنه لا يريد لهذه الفتاة الرقيقة أن تقتل طفلا عربيا كي تفهم " ( 195 ) .
وسواء أكانت رفقة هي ريتا محمود درويش أم لم تكن فإن ظلال حكاية الشاعر مع ريتا تحضر حضورا لافتا .
ربما تروق هذه الكتابة لفيصل دراج وربما أكون أنجزت ما طلبه ، ولكن الكتاب الذي قرر إصداره عن الشاعر لم يصدر .
الجمعة والسبت
الأول والثاني من آذار 2019
١٠
ذاكرة أمس ٦ : كورونا حوادث السير
كانت الأوضاع في المدينة أمس عادية . حركة مواصلات نشطة وأسواق تجارية عامرة وشباط في نهاياته وأعداد الإصابات بالكورونا ، والوفيات بها أيضا ، في ارتفاع .
لو كان المرء طفلا لما فكر بالوباء تفكير الكبار به .
أمس اصطحبت ابني أخي ؛ علي وعمر معي إلى المدينة وكل ما يفهمانه من الوباء ، أو كل ما يعنيه لهما ، هو أن الدراسة تعطلت وأن عليهما أن يرتديا الكمامة ، وخلافا لهما كان الصديق خليل حمد الذي يأخذ الأمر مأخذا جديا ، فيكتب منبها ومحذرا ولافتا إلى أن الوضع جد خطير . لقد توقع الصديق أنه سيصاب بالفايروس خلال عشرة أيام ، وتوقعه ناجم عن متابعاته أخبار ازدياد تفشي الوباء .
" الكورونا لن تنتهي وستتعايش البشرية معها " قالت أستاذة جامعية في جامعة عالمية ، بناء على دراستها تاريخ الأمراض من الملاريا إلى السل فالطاعون فالجدري ، والأخير فقط هو الذي انتهى بلا رجعة .
في ساعة متأخرة قرأت على صفحة الإعلامي Ali Daraghmeh خبرا فاجعا ، فثمة شابان من قرية سالم القريبة من نابلس ، وهما في الثامنة والعشرين ، قضيا في حادث سير . حوادث السير كورونا ثانية والناس في بلادنا تنعت السيارات ب ( عزرائيل ) الثاني .
شخصيا ما عادت تفرق معي . لقد صارت الأشياء تبدو عادية . إن كان للمرء عمر فسوف يحيا ، وإلا فهي منيتنا ؛ بالكورونا أو بحادث سير أو " من نكد الدنيا " على المرء أن يحيا طوال عمره تحت احتلال أو في مجتمع متخلف أو في سلطة لم تنجز شيئا سوى إفساد العلاقات الأسرية الهشة أصلا ، حيث تسهم في تحويل مواطنيها إلى جواسيس ومخبرين ، وما يخفف عن النفس قصائد بدر شاكر السياب ومظفر النواب عن المخبرين ، وقصة زكريا تامر " الجريمة " .
حين يتحول أقرب الناس إليك إلى مخبرين عليك وبمباركة السلطة فطز .
صار الواحد منا مثل محجوب عبد الدايم في رواية نجيب محفوظ " القاهرة الجديدة " لا يواجه الاحتلال والسلطة والتخلف الاجتماعي إلا بكلمة واحدة هي :
- " طظ " .
العام الثاني للوباء يبتديء و ... .
- " طظ " .
١ آذار ٢٠٢١
١١
هل تأثر غسان كنفاني بمحمود درويش ؟
وأنا أقرأ رواية أسعد الأسعد " بطعم الجمر " التفت إلى دال الوطن فيها ، وهو دال حضر في أشعار ابراهيم طوقان ( ت ١٩٤١ ) ، ما دفعني في العام ١٩٩٤ إلى كتابة بحث عنه .
شاع الدال مع رواية كنفاني " عائد إلى حيفا " (١٩٦٩) وتكرر ، بعد ذلك ، في روايات فلسطينية . صار سؤال سعيد . س لزوجته صفية " ما هو الوطن ؟ " وما تلاه من تعريفات ، يتكرر حتى طغى على الاستعمالات السابقة للدال ، علما بأن كنفاني قد يكون استخدمه متأثرا بما قرأ ، وهذا ما دفعني إلى كتابة مقالة عنوانها " هل تأثر غسان كنفاني باميل حبيبي ؟ " أتيت على الدال في رواية كنفاني وفي قصة إميل " بوابة مندلباوم " التي كتبها في ستينيات ق ٢٠ .
أعادتني قراءة " بطعم الجمر " إلى الفكرة نفسها وهي فكرة التأثر والتأثير ، ولكن هذه المرة بين كنفاني ودرويش ، فأثرت السؤال الذي لقي استغرابا من قراء عديدين عقبوا مندهشين مستغربين ذاهبين إلى أن العكس هو ما قد يكون - أي أن درويش تأثر بكنفاني ؛ فالأصغر يتأثر بالأكبر .
وأنا أفكر في الأمر وأرد على وجهات النظر وجب أن أعود إلى أشعار الشاعر المبكرة التي نشرها في ستينيات ق ٢٠ قبل صدور رواية غسان .
ولكن ما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان هو علاقة الدال بالفكر الذي يكتب الكاتب من وحيه ، فلا أظن أن هذا الدال يبرز في كتابات الاسلاميين والفلسطينيين القوميين ، فالأولون يرون في فلسطين وقفا إسلاميا والقوميون يرون فيها أرضا عربية وعند استخدام الأخيرين دال الوطن فإنهم يستخدمونه قاصدين الوطن العربي كله " وطني حبيبي الوطن الأكبر " .
وكان كنفاني حتى ١٩٦٧ يميل إلى القوميين ، فلم يكتب مثلا عن يهود فلسطينيين ، وإنما كتب عن يهود عرب ، والكتابة عن يهود فلسطينيين شاعت في سبعينيات القرن العشرين مع نمو الوعي الوطني الفلسطيني . ويختلف الوطنيون ، ومنهم الشيوعيون الفلسطينيون ، عن الجهتين السابقتين ، وكان حبيبي ودرويش ينتميان إلى الحزب الشيوعي ويريان في فلسطين وطنا لهما بالدرجة الأولى ، ومعروف موقف الشيوعيين منذ ١٩٤٧ من الأنظمة العربية والتيارات الإسلامية .
ولكي لا أقع في إشكالات يجب أن أذكر أن ابراهيم طوقان لم يكن شيوعيا ، ولكنه استخدم دال الوطن ، فهذا الدال لا يقتصر استخدامه على الشيوعيين وحسب ، فقد يستخدمه المثقفون والمتعلمون الذين ليس لهم انتماء محدد .
ولأنني لا أريد أن استطرد وأتوسع في الكتابة التزم بالسؤال :
- هل تأثر كنفاني بدرويش ؟
وكيف يمكن أن يكون تأثر به والأول ناثر والثاني شاعر والأول أكبر من الثاني وهو ممن أسهموا في التعريف به ؟
في العام ١٩٦٦ ألف كنفاني كتابه " أدب المقاومة في فلسطين " وبعد عامين أصدر كتابه " الأدب الفلسطيني المقاوم " وفيهما درس أشعار محمود درويش الذي أكثر من التغني بالوطن . إن تكرار درويش هذا الدال يلفت النظر حقا .
في العام ١٩٦٩ كتب كنفاني " عائد إلى حيفا " وفيها تكرر الدال ، إذ أتى سعيد . س على تعريفه ، مثله مثل حبيبي في قصته ، ومثل مدلوله في أشعار درويش . هنا نثير السؤال الآتي :
- هل التفت كنفاني في أعماله المبكرة الأولى التي أصدرها قبل كتابيه المذكورين ، وقبل قراءة أدب المقاومة ، هل التفت إلى دال الوطن وتعريفه ؟
والإجابة تتطلب إعادة قراءة قصص غسان وروايتيه " رجال في الشمس " و " ما تبقى لكم " ، وفيما أذكر فإن أحدا من الدارسين لم يتوقف أمام تعريف الوطن في كتابات غسان السابقة ل " عائد إلى حيفا " .
شاكر النابلسي في كتابه " مجنون التراب " ( ١٩٨٧ ) التفت إلى بوابات محمود درويش الشعرية ومنها بوابة الوطن ، وذهب إلى ما يلي :
" ويلاحظ القاريء أن درويشا قبل ١٩٦٧ لم يذكر كلمة الوطن مباشرة ، وبشكل سافر ، فهل لهزيمة ١٩٦٧ أثر في ذلك ؟"
ولكن بالعودة إلى " أوراق الزيتون " (١٩٦٤)
وإلى " عاشق من فلسطين " ( ١٩٦٦ ) نجد أن النابلسي لم يكن دقيقا ، فقد تكرر هذا الدال في الديوانين وتكرر أكثر في " آخر الليل "( ١٩٦٨ ) ، وقد أحصى د.حسين حمزة في كتابه " معجم الموتيفات المركزية في شعر محمود درويش " ( حيفا ٢٠١٢ ) موتيف " الوطن في تسع صفحات ( ٥٣٨ إلى ٥٤٦ ) وأورد الأسطر الشعرية التي ورد فيها . وهنا نعود إلى السؤال :
- هل تأثر غسان بمحمود في الكتابة عن دال الوطن ؟
إن كان ما نقرؤه يترك ، بوعي أو دون وعي ، أثره فينا ويتسلل إلى كتاباتنا فأغلب الظن أن أشعار محمود درويش تركت أثرها في نصوص كنفاني الإبداعية ، وإن في هذا الجانب على الأقل .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
١ آذار ٢٠٢١
١٢
المقاطعة والامن الوقائي مثل أي نظام عربي وجهاز مخابراته لا خير يرجى منهم إلا لمن سار في ركبهم ورابطة الإخوة والدم كذب فلا يرجى منها خير ، وكما كتب زكريا تامر في قصته " الجريمة " إن الأب والأم يمكن أن يبيعا ابنهما مقابل أن ينجوا بجلدهما .
كما قال عمر بن الخطاب :
" لو استقبلت من عمري ما استدبرت " لهاجرت إلى بلاد الكفار .
١٣
عندما كتب محمود درويش في " في وصف حالتنا " في مجلة " الكرمل " :
" عشرون مملكة ... ونيف
كوليرا طاعون ... ونيف
من ليس بوليسا علينا
فليشرف !
من ليس جاسوسا علينا
فليشرف !"
كنت أتساءل عن " نيف " ، وكنت صديقا لجماعة نايف حواتمة وقريبا من نشطاء ثقافيين من حركة فتح ، لم يخطر ببالي أن الشاعر يقصد أي فصيل فلسطيني .
منذ عقود كانت هذه ال " نيف " تخصنا . صرنا جواسيس على بعضنا وبوليسا على أنفسنا .
انقسم الرفاق وانشق الإخوة وصار بعضهم على بعضهم جاسوسا وبوليسا ، وفي حالتي صارت النيف عشرين مملكة وكوليرا وطاعون وكورونا وأوميكرون .
الله المستعان به .
من ليس جاسوسا علي فليشرف
من ليس بوليسا علي فليشرف
كورونا وأميكرون .. ونيف. .
١٤
" بين مدينتين " : الناصرة وحيفا
"بين مدينتين " عنوان السيرة الذاتية للفلسطيني الصفدي الناصري الحيفاوي فتحي فوراني . صدرت الطبعة الأولى منها في العام ٢٠١٤ والطبعة الثانية ، وهي مزيدة ومنقحة ، في العام ٢٠١٧ .
يروي صاحب السيرة فيها عن نشأته في الناصرة لأسرة قدمت من صفد وعن حياته في حيفا في ٥٠ و ٦٠ القرن العشرين ، فيأتي على علاقته بإميل حبيبي ومحمود درويش وراشد حسين وتوفيق فياض وعشرات المثقفين الذين عرفهم .
يكتب عن غرفته التي زرتها أنا في ٩ / ٩ / ٢٠٢٢ وفيها سهر مع ضيوفه الأدباء يتحاورون حتى الفجر ، ويكتب عن تصالح راشد حسين مع الأدباء اليساريين بعد أن عاش في ظل غيمة سوداء في تل أبيب وكتب مقالته الشهيرة " حين يجوع التاريخ "، ويكتب عن الأشهر الأخيرة من حياة محمود درويش في حيفا قبل الرحيل ، ويكتب عن إميل حبيبي رئيس تحرير جريدة " الاتحاد " وعدم تهاونه في المهنة ومن جوانب اجادتها إتقان اللغة . كان إميل حبيبي يرى في معلم اللغة العربية عجاج نويهض مثله الأعلى الذي حذا حذوه فلم يتهاون إطلاقا في الأخطاء الإملائية ومراعاة الهمزات . يورد فتحي فوراني المقولة التي نسبت إلى سيبويه " سأموت وفي نفسي شيء من حتى " ويقيس عليها موقف إميل من الهمزات فيكتب " سيموت إميل حبيبي وفي نفسه شيء من الهمزات " .
أطرف ما يرويه الكاتب ما حدث مع الشاعر عصام عباسي على أحد الحواجز بين نابلس وجنين .
عاد عصام من رام الله إلى حيفا ونسي في بيت أخته في رام الله بطاقة هويته ، وعندما طلبها منه الجندي افتقدها .
اقتاد الجندي الإسرائيلي عصاما إلى الضابط فإذا به أحد من علمهم فتحي فوراني / عبدالله . لم يتذكر الشاعر الضابط ولكن الأخير تذكره وقال له إنه التقى به مع عبدالله :
- من أين تعرفني .. ومن أين تعرف عبدالله يا حضرة الضابط ؟
- لقد تعلمنا معا اللغة العربية في الجامعة .. عبدالله صديقي .. نحن أصدقاء .. وكان يساعدني في تحليل روايات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وقصص يوسف ادريس .. درسنا القرآن معا .. درسنا سورة الزخرف .. وتعلمنا قواعد اللغة العربية معا .
- ومن أين تعرفني ؟ سأل الشاعر.
- لقد جئت مرة إلى الجامعة برفقة صديقي عبدالله وعرفنا عليك .. كيف حال عبدالله ؟ ما هي أخباره ؟ ماذا ترغب أن تشرب خواجا عصام .
هكذا نجا عصام عباسي من فخ المحسوم .
سيرة فتحي فوراني تأتي أيضا على زيارة فدوى طوقان لشعراء الأرض المحتلة في حيفا و ... و ... والسيرة مكتوبة بلغة سلسة .
ل ( شالرز ديكنز ) رواية عنوانها " قصة مدينتين " ومن المؤكد أن الأديب فتحي فوراني قرأها .
مساء الخير فتحي فوراني
١ / ٣ / ٢٠٢٣
١٥
اليوم ( ١٤٧ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
" في غزة : على الرغم من الخيبة والمأساة يغنون " أناديكم " . "
أمس انتقم الإسرائيليون أيضا من الفلسطينيين ، لأن المقاومة أوقعت بالجيش الإسرائيلي خسائر فادحة ، وصارت هذه هي القاعدة وغير ذلك هو الاستثناء .
١٠٩ وأكثر ، من المدنيين ، ارتقوا والجرحى كثر ، مقابل ضابطين إسرائيليين قتلا و ٤٦ جريحا . وفي هذه الأثناء شاهدنا بعض الدول العربية تسقط المساعدات بالطائرات على أهل غزة ، ولا كلام ، فقد أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
أمس تمشيت في مسقط على شاطيء البحر وجلست في مقهى رصيف ( سلايدر ستيتشن Slidersstation ) ، فقد استضافنا الكاتب العماني محمود الرحبي ، وأنا على الشط تذكرت شاطيء يافا مدينة أهلي المنكوبة ، وتذكرت شاطيء غزة وما ألم بحي الصيادين في الأخيرة وما قاله صيادوها عن قواربهم ومحلاتهم .
هل كان ثمة متسع أو هامش في غزة للفرح ؟
مجموعة من الشباب والأطفال جلسوا على الأرض غير عابئين برمل البحر يغبر ملابسهم ؛ جلسوا يغنون قصيدة الشاعر توفيق زياد " أناديكم " ، فتساءلت :
- على من يعود الضمير ؟ وهل من كانوا في ذهن الشاعر هم الذين في ذهن الشباب والشابات ؟
وقد كررت بتلقائية :
- ما في حدا صرنا صدى . لا تندهي !
صار كثير من الغزيين في ملكوت الله ، وصرنا نحن عجزة ، فهل نستحق أن تباس الأرض من تحت نعالنا ؟ هل نبالغ في جلد الذات ؟
بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ بسنوات كتب عبد الرحمن منيف روايته " حين تركنا الجسر " وقرأنا نحن شتائم بطلها زكي نداوي لنفسه . لم تبق شتيمة في سب الذات إلا استخدمها ، وقد أحصاها جورج طرابيشي وهو يكتب عن النزعة المازوخية في الرواية . وقبل منيف كتب في جلد الذات مظفر النواب ونزار قباني .
وأنا أشاهد الصور التي تبثها قناة الجزيرة لمصرع المدنيين الفلسطينيين كررت : إنه قدرنا مع الدولة المريضة .
اليوم يبدأ شهر آذار ، وفي مثلنا نقول " آذار أبو الزلازل والأمطار " وأما محمود درويش في قصيدته " الأرض " فكتب : " آذار أقسى الشهور " ، والمغني يغني ولم يجدوا في صوته ، حين فتشوه ، غير حزنه ، ولم يجدوا في حزنه سوى قيده ، ولم يجدوا في قيده سوى وطنه ، ولم يجدوا في وطنه سوى الإسرائيليين في القيود ، ومنذ ٧٦ عاما واليهود يعيشون في دبابة .
كان المطر في مسقط أمس غزيرا جدا ، وكانت الحياة تواصل روتينها ، وهكذا هي الدنيا .
١ / آذار ٢٠٢٤ .
١٦
أجواء شتوية ... أجواء رمضانية
الأجواء في نابلس شتوية تماما . أمطرت صباحا ثم أشرقت الشمس قليلا لتحجبها الغيوم . ثمة برودة إلى حد ما ، وربما يشعر المرء أن الشتاء بدأ اليوم .
وأنت تتمشى في المركز التجاري وتنظر إلى محلات الملابس والصاغة تلاحظ هدوءا تاما ، فلا رواد ولا مشترين . إن سرت في منطقة الدوار حيث الخضار والفواكه ومحلات الجزارة والأفران ترى البشر يدبون دبيبا ، وتشاهد قناني العصائر وسدور الحلويات وعربات الفجل والبقدونس والجرجير وبسطات الزعتر الأخضر والسبانخ عامرة ، و " الرجل تدب محل ما بتحب " .
إن امعنت النظر في شاشة تلفاز تشاهد قناة الجزيرة تبث مشاهد لمعدات إسرائيلية تهدم بيوتا في مخيم طولكرم أو نور شمس . هل يلتفت أكثر المتسوقين إلى المشهد ؟
اليوم هو اليوم الأول من شهر آذار ٢٠٢٥ وهو اليوم الأول من شهر رمضان . الناس صيام والأغاني القادمة من غزة حول الشهر الفضيل تملأ القلب حزنا وتصيب النفس بالكآبة ، وأمس أصغيت إلى أغنية أرسلها إلي الكاتب اكرم الصوراني فأدرجتها في صفحتي مفرغا قسما من كلماتها ناظرا في الصور المرافقة ، وقسم من أهل الضفة الغربية يتمنون أن ينقضي الشهر الفضيل على خير .
هذا هو رمضان الثاني لأهل غزة يقضونه بالويل متحسرين على أشهر الصيام قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ .
حالة تعبانة يا ليلى
١ / ٣ / ٢٠٢٥
١٧
" مطر .. مطر .. "
وكلما أمطرت تذكرنا السياب وأنشودته وتذكرنا الصراع الطبقي في العراق وصراعنا الوطني هنا .
كان السياب في أنشودته قال :
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع " ،
على الرغم من أن المطر يهطل كل عام ، وكان يشير إلى الأثرياء هناك الذين يتخمون في حين أن الفقراء يزدادون فقرا .
هنا - في فلسطين - تمطر أيضا كل عام ، ومع ذلك يعاني مزارعونا ويعاني مواطنونا من شح المياه ، فالمستوطنون ودولة أبناء العمومة تسرق مياهنا ، كما سرقت وطنا بأكمله .
هل نغني إذا مع السياب
" مطر .. مطر .." أم ترانا نكرر قول أبي فراس :
" إذا مت ظمانا فلا نزل القطر "
أحيانا نكون معريين :
" فلا نزلت علي ولا بأرضي \ سحائب ليس تنتظم البلادا "
مع أننا نعاني ممن يسكن معنا البلادا ويقاسمنا هواءها وترابها ، ولكنه يسرق ماءها وترابها ( شوية .. شوية . ) .
أتذكر أم كلثوم وتعود بي الذاكرة إلى ( بون ) ومنزل الطلبة فيها ( كاترين يا كاترين ..اسم كنسي واسم مدني وكتاب ( ادولف هتلر ) ( ماين كامبف ) وشتاء ماطر .
يا لها من أيام ! اليوم كأني في ( بون ) .
الأجواء الماطرة والضباب والسير في المطر . ألهذا خرجت من منزلي على الرغم من أنني أعرف أن الجامعة قد علقت الدوام . خرجت غير مكترث للشيخوخة التي تطلب مني أن ألتزم الحذر .
هل أنا شيخ أم أتشايخ ؟
ربما يجب أن نقرن الشيخوخة بمفردة تشبهها !
كلما شخ المرء أكثر شاخ اكثر .
" مطر ..مطر .."
أتذكر السياب وأتذكر عنوان قصيدة محمود درويش .
لا بد من إنجاز كتابة عن محمود درويش في ذكرى ولادته .
أنا الآن أفكر في كتابة مقال الأيام في 11 \ 3 \ 2012 عن درويش .
كنت أود أن أواصل الكتابة عن روايات بوكر لولا ..
اليوم لم أمر على مكتب الجريدة لأسلم مقال الأحد لأن الأمطار غزيرة .
أنجزت صيغتين عن الحبيب السالمي الروائي التونسي المرشح هذا العام لبوكر .
ماذا نعرف عن الأدب التونسي ؟
من كتب من أدبائنا عن تونس " شكرا لتونس " كتب محمود درويش ، و " سماء واحدة " كتبت ليانة بدر وأما القاص أكرم هنية فكتب قصصا قصيرة .
" مطر .. مطر .. " وأتذكر السياب :
" ما مر عام والعراق ليس فيه جوع "
على الرغم من أنها - أي السماء - كانت " منذ كنا صغارا تغيم في الشتاء وينزل المطر .. "
وكل عام والأمطار غزيرة و... مطر .. مطر ..
١٨
المقال القادم
" نساء البساتين .. رجال البساتين "
ماذا يعرف أهل فلسطين عن الأدب التونسي ؟
هل يعرفون غير أبي القاسم الشابي وقصيدته :
" إذا الشعب يوما أراد
الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر " .
لعلني الأحد أعرفكم على أبرز روائي تونسي من خلال روايتيه :
" روائح ماري كلير "
و
" نساء البساتين "
أيهم ينبغي أن يلعن أكثر .. نعيمة أم ابراهيم ؟
١٩
كيف أحرق السكر في دمي ؟
" أفضل طريقة عصرية مبتكرة "
ما هي أفضل طريقة عصرية لحرق السكر الزائد في الدم ؟
هذا الصباح أدرجت صديقة ، هي هنا حسن ، آية قرانية ، يحثنا الله فيها على التفسح في المجالس .
أنا منذ ثلاث أربع سنوات ، أحث الطلاب على أن يتفسحوا في المجالس ، ولم تكن الآية تخطر على بالي كثيرا ، وما كان يخطر على بالي هو أن التفسح في المجالس لا يؤدي إلى الأمراض من ناحية ، ويقلل من الهمس بين الطلاب ، ما يزعجني وأنا أحاضر ، فأصرف ذهني إلى شيء آخر هو حث الطلبة على التزام الهدوء ، عدا أنني ، حين أرى القاعة مرتبة ، أحاضر أفضل ، وتتحسن نفسيتي وينعكس هذا على عطائي ، خلافا لما يكون عليه الوضع ، حين تكون الكراسي مرصوصة الى جانب بعضها البعض .
الطلاب ، حين أطلب منهم أن يتفسحوا في المجالس ، يتذكرون ما يقوله الإمام ، وهو يؤم المصلين ، فيدعوهم إلى رص الصفوف حتى لا يفصل بين المؤمن والمؤمن شيطان ، وأنا لحظتها ابتسم وأعقب مداعبا :
أيها الشياطين ، ولا شيطان إلا قليل الدين ، فيبتسمون بدورهم ، ولا يسألونني إن كنت أصلي .
أنا في بداية كل محاضرة أقوم بترتيب الكراسي ، وربما استغرب الطلاب من سلوكي هذا ، وقد يتساءلون ما الذي يفعله أستاذنا ؟
مؤخرا قلت لهم أريد أن أحرق السكر الفائض في دمي ، وهذه طريقة ممتازة لهذا ، ثم ...ثم إنني أحاضر أفضل حين تكون الكراسي مرتبة ، وحين لا تتهامسون .
نسيت أن أكتب ، وها انا أكتب ، إنني مرة أصبت بالرعب ، فقد أزحت كرسيا ولم تلتفت طالبة حامل ، فجلست ووقعت على الأرض ، وبعد انتهاء الدوام اتصل بي والدها ، وأخبرني أنهم أخذوا ابنته إلى الطبيب ليفحصوها ، حتى يتأكد من ان الجنين بخير ، وإلا تحملت النتائج ، وربنا سترها ، فقد نكون خسرنا صلاح دين قادم . من يعلم ؟
اليوم صباحا قرأت الآية التي تحثنا على التفسح في المجالس ، فلماذا يجلس الطلاب متلاصقين؟ هل يحنون إلى زمن السل ، فيرتاحون ، لأن المستقبل غامض ، فلا افق ولاحلول ولا وظائف ؟
صباح الخير
هذا العالم المرعب :
هذا اليوم ذهبت إلى المطبعة ﻷنشر روايتي ، وﻷنني غدوت مصابا بالبارانويا ، فقد قررت أن أراجع النص قبل دفعه للطباعة ، فاﻷخرون هم الجحيم .
كنت أراجع موادي المنشورة في موقع ديوان العرب ، ثم اطمأننت إلى الموقع إلى أن قرأت ذات يوم صفحات من كتابي قراءات في القصة القصيرة على الموقع ، فتيقنت أن الخل أخو الخردل . وتعلمت أن أحتفظ بالمسودات اﻷخيرة ﻷي نص أشرف عليه ، فاﻷخرون هم الجحيم ، بمن فيهم بعض من يصلون ويصومون .
وأنا أقارن النسخة التي استخرجتها باﻷصل لاحظت عدم التطابق ، فثمة حذف أسطر . توقفت ولم أكمل المقارنة ، فقد قرأت المكتوب من عنوانه .
قبل سنة ونصف تكرر الشيء نفسه .
كنت أردت طباعة كتابي عن محمود درويش : " جدل الشعر والسياسة والذائقة " ، فتذكرت عامر الموظف في الجامعة وسؤاله لي إن كنت أراجع كتبي المدرجة على النت ، وهكذا راجعت الكتاب ، فلاحظت ما لا يقل عن ستين خطأ أنجزها كلب بن كلب ، ربما بطلب مسؤؤل كلب بن كلب ، بقصد الإساءة لي ، بحجة أنني لا أتقن النحو ، حتى يتم فصلي من الجامعة ، ما دفعني في حينه لكتابة مقالة عنوانها : " متعلمون صهاينة " ، لم تنشرها اﻷيام لقسوتها ، وقمت بدوري بنشرها على الفيس ، ولعل هناك من محاها .
أعرف أنني مزعج للآخرين ، ولكن هذا شيء والعبث بدراساتي وكتبي شيء آخر .
إنني صاح لهذا التخريب قصد اﻷساءة ، ولهذا ما زلت أحتفظ بما كتبته بخط يدي .
لا يريد كثيرون أن أكتب عن هشاشتهم ، ولا عن ضعفهم العلمي ، فيشوهونني شخصيا وعلميا ، ولكن هيهات أن تنجح الكلاب في هذا .
٢
صباح ربيعي :
هذا الصباح يبدو ربيعيا . يمكن الجلوس في شرفة ما مغلقة دون حاجة إلى مدفأة ودون الإصغاء إلى مذيعين مصريين أخذوا يردحون ، فحماس غدت منظمة إرهابية . هكذا نفجر إذا اختلفنا .
هل سنقبل على موجة ردح أم أن بعض المختلفين سيرفضون أسلوب الردح والتمهل قليلا ؟
صباح ربيعي يمكن أن تجلس فيه على الشرفة تتأمل الربيع قادما بعد بيات شتوي .
ربما تردد :
على هذه اﻷرض ما يستحق الحياة .
ربما تردد :
ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا .
وقد تفكر في تنظيف زجاج الشرفة لتزيل ما علق بالجسد من بيات شتوي .
و
صباح الخير
ولعل إخوتنا في الخيام هناك يشعرون ببعض راحة من ذوبان الثلوج وانحسار البرد ! لعل !
٣
عيد ميلاد البيت :
اليوم هو الذكرى 38 لميلاد بيت العائلة . انتقلنا إليه في 1 / 3 / 1978 بعد إقامة 30 عاما في مخيم عسكر ، أنفقت منها 24 عاما ما بين خيمة وبيت صفيح وبيت باطون .
كان المخيم أرحب مما هو عليه الآن . كان ثمة مساحات .
الارتداد . الفسحة . الحديقة . الأشجار المحيطة بالبناء . الساحة الواسعة . مطلع الدرج المستقل . رائحة التراب . مدخل البيت المستقل ، ومع ذلك أراني واقفا على تلة قرب شط يافا أراقب البحر واﻷمواج والشاطيء . أراني أدلف إلى الميناء الذي لم يبق ميناء .
ترى بماذا يحلم اللاجئون الفلسطينيون في المنافي ؟
هل يحلمون بالعودة إلى مدنهم وقراهم أم بالعودة إلى بقايا مخيماتهم في اليرموك وصبرا وشاتيلا وبرج البراجنة و .. و ..؟
آذار أقسى الشهور وفي رواية أخرى أبريل .
البطاطا الحلوة افتقدت من السوق . لا شك أن حنا بطاطو ما كان يهوى إلا البطاطا ، وله من اسمه نصيب .
1 / 3 / 2016
٤
رحلة العمال القاسية :
مخيم عسكر يودع شابا في ال 20 من عمره ، توفي وهو يجتاز السور الفاصل بين مناطق الاختلال الثاني ومناطق الاحتلال الأول .
رحلة الدخول إلى فلسطين بحثا عن عمل لدى أبناء العمومة رحلة شاقة وكم من شاب فقد حياته في أثناء السفر .
مرة كتبت عن أم فايز " في وداع أم فايز " .
فقدت أم فايز ابنين معا خلفا لها مجموعة من الأبناء .
رصد معاناة العمال التي كابدها أكثر أبناء الشعب الفلسطيني ظهرت في أعمال أدبية عديدة :
إميل حبيبي في " المتشائل "
وغريب عسقلاني في " الجوع "
وسحر خليفة في " الصبار " وسعاد العامري في " مراد " ، والعامري وخليفة كتبتا بعد أن رافقتا العمال في رحلة معاناتهم .
كان الله في عون عمالنا ، فمعاناتهم مضاعفة .
يا لقمة العيش التي كما قال الشاعر :
" أذل مطلبها العزيز ".
1 / 3 / 2017
يا عمال العالم....
صباح الخير
٥
ابن القيسراني :
( إلى Khoury Elias )
من شعراء بلاد الشام ، وينسب إلى قيسارية في فلسطين .
شاعر روحه روح المتنبي ، كان في الستينيات من عمره يتسلل إلى الأديرة ليتغزل بالفاتنات الصليبيات . وكان ، مع ذلك ، شاعر مقاومة .
درسه د . محمود ابراهيم في كتاب عنوانه " صدى الغزو الصليبي فى شعر ابن القيسراني " وتوقف أمام ثغرياته ومنها :
" إذا ما زرت مارية
فما سعدى وما ريا /
لها وجه مسيحي
ترى الميت به حيا ".
في محاضرات د.محمود ابراهيم في 1975 كان الدكتور يبتسم ويتذكر محمود درويش وصديقته اليهودية ريتا .
هل تناسلت روح ابن القيسراني في روح محمود درويش؟
أنتظر رواية من الروائي إلياس خوري في الموضوع .
انتظروها .
1 / 3 / 2017
٦
خداع :
أنا أقل من يذهب إلى المكتبات العامة ليستعير منها كتبا .
مرة كافأت الجامعة بعض موظفيها لترددهم على المكتبة أكثر من غيرهم .
الحق كل الحق على الشيطان ونابليون بونابرت .
كلما أردت كتابا جاءني به شيطاني ، اعتمادا على قول الشاعر :
" إني وكل باحث من البشر
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر " ،
مع أنني أحب الإناث أكثر ، وأما بخصوص نابليون بونابرت فالأمر مختلف وربما يتعلق ب ( لوسيان ) المرأة الفرنسية الرائعة التي كتبت في وداعها مقالا نشرته في زاويتي في جريدة الأيام الفلسطينية .
صباح الخير يا ( لوسيان )
صباح الخير يا ........
1 / 3 / 2018
وقبل 40 عاما بالتمام غادرنا مخيم عسكر القديم لنقيم في حي المساكن الشعبية بانتظار عودتنا إلى يافا .
٧
( مدام بوفاري ) :
بعض الناس يحاول أن يبدأ معك حياة جديدة فيختبرك في ما يشاع عن ماضيك الذي تسعى للتخلص منه إلى غير رجعة .
لا ينجح هؤلاء في سعيهم . لماذا ؟
ببساطة لأنهم يبعثون ماضيا مضافا إليه بهارات فاسدة . هكذا تفسد حياتك ثانية ويتضاعف السوء .
وماذا لو عدنا إلى يافا وحيفا وعكا واللد والرملة ثانية ؟
سنجتر ذكريات بائسة مضاعفة .
نكبة 1948
هزيمة 1967
حرب ايلول 1970
حرب تل الزعتر 1976
حرب 1982
الانتفاضتان ؛ الأولى 1987 والثانية 2000
و ملايين القصص والروايات حول الشهداء والعملاء والقادة والتجار والسماسرة والخيانات و...و...
مش زابطة ولا راح تزبط .
ليلة الجمعة
2 آذار 2018
٨
طلبة الدكتوراه وضرورة التفرغ :
حين طلب مني أن أشارك في وضع خطة برنامج الدكتوراه اعتذرت لأسباب هي :
- ضرورة تفرغ طلبة الدكتوراه
- عدم تجاوز عبء المدرس 9 ساعات أسبوعيا ومنع التدريس الإضافي
- عدم قبول أكثر من 6 طلاب
- برنامج الماجستير والإشراف على الرسائل يجب أن يعاد النظر فيه .
لم تأخذ إدارة الجامعة برأيي وهي حرة في قرارها .
أمس زارني طالب دكتوراه وأعادني إلى ( بامبرغ ) في أمر ما وليس من الضروري توضيح السبب .
المهم .
شرح لي الطالب معاناته ومعاناة الطلبة بسبب عدم التفرغ ، وقال لي إنه وزملاءه ينهكون بسبب العمل والأسرة والدراسة وسألني :
- ماذا لو فرغتنا الجامعة لتدريس مساقات اللغة العربية لمدة عامين ، حتى ننهي المواد المقررة ، فنظل في الجامعة من الثامنة صباحا حتى السادسة مساء ، وننفق أكثر الوقت في المكتبة ونرتاح من تعب المواصلات وما شابه ؟
كنت من قبل اقترحت عليه هذا الاقتراح أصلا ، فمساقات اللغة العربية لا تحتاج إلى أكثر من عضو هيئة تدريس بمؤهل ماجستير .
أنا على يقين أن هناك خللا في برنامج الدكتوراه ، ولست متشجعا عموما للتدريس .
لإدارة الجامعة حساباتها ولي حساباتي وأتمنى ألا يكون مصير برنامج الدكتوراه مصير برامج دكتوراه أخرى .
الأول من آذار 2019
٩
ظلال الشاعر :
محمود درويش والياس خوري
في كتابي " أسئلة الرواية العربية: أولاد الغيتو .. اسمي آدم إلياس خوري نموذجا " ( بيروت ، دار الآداب ، 2018 ) توقفت أمام حضور محمود درويش في الأدب العربي والفلسطيني ، وأعتقد أن ما كتبته يمكن أن يشكل مدخلا لأطروحة جامعية من الوزن الثقيل ، إن أنجزها دارس مثقف وصبور . ودراسة تأثير الشاعر وعمله في أعمال الآخرين وفي مجتمعه فكرة أثيرة وأساسية في النقد الاجتماعي الماركسي .
وفكرة حضور محمود درويش وتأثيره في الأدب وفي الوعي السياسي والاجتماعي جالت عموما بأذهان كثر .
مرة اقترح علي الناقد فيصل دراج أن أكتب عن حضور محمود درويش في الوعي الشعبي الفلسطيني ، وقد أنجزت كتابة مطولة نشرتها في جريدة الأيام الفلسطينية . ومرة ثانية اقترح بروفيسور إسرائيلي من جامعة ( بار إيلان ) - إن لم تخني الذاكرة - على طالبة من اللد أن تكتب عن تأثير محمود درويش في الوعي السياسي الفلسطيني ، وقد أنجزت منى أطروحتها ولم أعد أعرف ماذا ألم بها ، فقد أخبرتني أنها قد تنشرها .
تأثير محمود درويش في الوعي الفلسطيني ما زال قائما ، والفلسطينيون يحتفلون كل عام في آذار بذكرى ميلاده الذي جعلوا منه يوم الثقافة الفلسطينية .
غاب الشاعر جسدا ولم يغب فكرا وشعرا ، وما زال له تأثيره وحضوره .
قبل أشهر قليلة أصدر الروائي الياس خوري الجزء الثاني من روايته " أولاد الغيتو : اسمي آدم " تحت عنوان " أولاد الغيتو 2 : نجمة القلب " وكان لمدينة الشاعر الأولى ، وهي حيفا ، الحضور الأبرز فيها ، وحيفا التي كتب الياس عنها هي حيفا في 60 القرن العشرين ، وفي هذه الفترة أقام الشاعر في المدينة وذاع صيته أدبيا وشخصيا أيضا .
ولو سألنا أنفسنا عن أشهر قصائد الشاعر التي كتبها في أثناء إقامته في حيفا لتوقفنا بالتأكيد أمام قصيدتين هما " سجل أنا عربي" و " ريتا والبندقية " ، ولم تحقق القصيدتان انتشارا لحظيا وحسب ، فما زالتا تحظيان بقراءة واسعة ، وفاقت الثانية الأولى شهرة ، ولذلك طبعا أسباب عديدة أبرزها أنها لحنت وغناها المغني اللبناني المعروف مارسيل خليفة ، وبالإضافة إلى ما سبق أنها تعبر عن تجربة انسانية بين اثنين من قوميتين متحاربتين ، ومن الأسباب أن الشاعر لم يتخل عن القصيدة وأن المحبوبة أيضا لم تغب عن ذهنه شعريا ، فقد عاد بعد أكثر من 20 عاما ليكتب عنها من جديد قصيدة أجمل من الأولى " شتاء ريتا الطويل " ليستحضر العلاقة مع ريتا في زمن آخر .
ربطت الياس خوري بالشاعر علاقة أدبية وفكرية وشخصية ، فقد التقى الاثنان في بيروت وعملا معا في مركز الأبحاث الفلسطيني وفي مجلة " شؤون فلسطينية " ومجلة " الكرمل " وكتب الياس العديد من الدراسات حول أشعار الشاعر .
تحضر أشعار درويش في روايات خوري . وفي " أولاد الغيتو " بجزأيها تحضر تأويلات نقدية وآراء ظاهراتية فيها ، من خلال شخصيات روائية يختفي الياس وراءها ، فما يرد على لسان الشخصيات الروائية يرد في دراسات الياس ومقالاته .
وبما أن الموضوع الفلسطيني هو موضوع " أولاد الغيتو " بجزأيها ، وبما أن أحداث الرواية يجري قسمها الأكبر في فلسطين في الفترة التي عاصرها الشاعر ، فإن حضور بعض تجاربه يحضر في الرواية ، وأبرز تجربة وأكثرها شهرة هي علاقة الحب التي ربطته بالفتاة اليهودية التي كتب فيها القصائد . إنها ريتا الدال الرمزي لفتيات يهوديات عرفهن الشاعر .
في كتابة سابقة عن رواية " أولاد الغيتو 2 : نجمة البحر " عقدت مقارنة بينها وبين رواية ( ا.ب.يهوشع ) " العاشق " وقلت إن الثانية " العاشق " مكون أساسي من مكونات الأولى " نجمة " ( انظر الأيام الفلسطينية / شباط ) ، ولسوف يستحضر العاشقان في الرواية علاقة درويش بريتا ، ويستطيع المرء أن يوازن بين العلاقتين ؛ علاقة درويش بريتا وعلاقة آدم برفقة ، ويلحظ تقاطعات عديدة أبرزها ما آلت إليه العلاقة وسبب هذا المآل .
في إحدى المقابلات مع محمود درويش قال إنه أقام مرة علاقة مع فتاة يهودية قبلتها الأم - العلاقة - ورفضها الأب ( انظر كتابي " أدب المقاومة " 1998 ) ، ومرة ثانية قال إن سبب فشل العلاقة يعود إلى التحاق الفتاة بالجيش الإسرائيلي ، فكيف يراها تقتل أبناء شعبه ويستمر معها في علاقة ، وهو ما عبر عنه في قوله " بين ريتا وعيوني بندقية " وفي قوله إن اللقاء يمكن أن يتواصل " حين ينمو البنفسج في قبعات الجنود " وفي قوله في " شتاء ريتا الطويل " :
" عن حلمين يتقاطعان ؛ فواحد يستل سكينا وآخر يودع الناي الوصايا " - لنلاحظ " حلمين يتقاطعان " . فما هو سبب فشل علاقة آدم برفقة ؟
كانت رفقة أرادت علاقة حب لا تنتهي بزواج ؛فهي تعرف أباها غابرييل . يشغل العمال العرب ويعطيهم أجورهم ويأكل معهم وقد تبنى آدم ليعوض أخاه شلومو الذي سقط في معارك حيفا ، أما أن يزوجه ابنته رفقة ، فهذا ما لا يحتمل ، وهنا يصبح العرب عرقا آخر ؛ عرقا وسخا .
وتلتحق رفقة بالجيش ؛ فيكون الانفصال .
تتجسد نهاية العلاقة تحت عنوان هو" الممحاة " ويقع في القسم الثاني من الرواية ( " عشاق حيفا " في الصفحة 190 حتى الصفحة 195 ) . هنا يوظف الياس خوري الحلم .
يتذكر آدم رفقة ، بعد 40 عاما ، وهو في نيويورك ، ويأتي على علاقتهما معا ، ويذكر أنه خلال دراسته في جامعة حيفا لم يلتق بها إلا مرة . ويذكر أيضا أنه خلال الأربعين سنة على لقائه الأخير بها " لم يكن جادا في البحث " عنها ، ويتساءل :
" كيف استطاعت رفقة أن تمحوه ؟ ".
حين كان يعمل في حيفا ، في فرن عبلة ، حلم بأنهما - هو ورفقة - يلتقيان ف " مد يده كي يمسك بيدها ، فسحبتها ، وفتحت حقيبتها الجلدية وأخرجت منها ممحاة . أمسكت بالممحاة التي كانت بحجم كفها وانحنت فوق آدم وبدأت تمحوه ، محت يده، ثم محت قدميه ، واقتربت الممحاة من شفتيه ، فحاول أن يعضها بأسنانه التي تساقطت عندما لمستها الممحاة " .
ثمة دلالة رمزية لا شك وسوف يقرر آدم " أن يتوقف عن حب رفقة " وتلتحق هي بالجيش .
يخترع آدم فصلا من خياله حول نهاية العلاقة " لكنه صار حقيقيا أكثر من الحقيقة " ( 194 ) .
يتخيل أنه التقى برفقة وأنها أخبرته أن أباها قد سامحه ، وأنها هي فكرت فيه كثيرا فيجيب :
" أنا محوتك ، اشتريت ممحاة ومحوتك بها " ( 195 ) :
" وأخرج آدم من جيبه ممحاة صغيرة .
ضحكت رفقة ، وقالت إن فكرة الممحاة غريبة .
" لماذا تمحوني ؟ " سألت .
" أنا لا أحب ثيابك العسكرية . "
" أرأيت ؟ كان غابرييل على حق .."
" لا ، محمود درويش على حق "
" لم أفهم "، قالت .
" لن تفهمي ، ولا أريدك أن تفهمي ، لأني أخاف عليك . "
أدار آدم ظهره ومضى ، وفكر في أن عليه أن يمحو البدلة العسكرية من الصورة . ورفقة ليست ريتا التي سيكتبها محمود درويش ، وهو لن يصلي لعيون عسلية تحجبها بندقية ، كما أنه لا يريد لهذه الفتاة الرقيقة أن تقتل طفلا عربيا كي تفهم " ( 195 ) .
وسواء أكانت رفقة هي ريتا محمود درويش أم لم تكن فإن ظلال حكاية الشاعر مع ريتا تحضر حضورا لافتا .
ربما تروق هذه الكتابة لفيصل دراج وربما أكون أنجزت ما طلبه ، ولكن الكتاب الذي قرر إصداره عن الشاعر لم يصدر .
الجمعة والسبت
الأول والثاني من آذار 2019
١٠
ذاكرة أمس ٦ : كورونا حوادث السير
كانت الأوضاع في المدينة أمس عادية . حركة مواصلات نشطة وأسواق تجارية عامرة وشباط في نهاياته وأعداد الإصابات بالكورونا ، والوفيات بها أيضا ، في ارتفاع .
لو كان المرء طفلا لما فكر بالوباء تفكير الكبار به .
أمس اصطحبت ابني أخي ؛ علي وعمر معي إلى المدينة وكل ما يفهمانه من الوباء ، أو كل ما يعنيه لهما ، هو أن الدراسة تعطلت وأن عليهما أن يرتديا الكمامة ، وخلافا لهما كان الصديق خليل حمد الذي يأخذ الأمر مأخذا جديا ، فيكتب منبها ومحذرا ولافتا إلى أن الوضع جد خطير . لقد توقع الصديق أنه سيصاب بالفايروس خلال عشرة أيام ، وتوقعه ناجم عن متابعاته أخبار ازدياد تفشي الوباء .
" الكورونا لن تنتهي وستتعايش البشرية معها " قالت أستاذة جامعية في جامعة عالمية ، بناء على دراستها تاريخ الأمراض من الملاريا إلى السل فالطاعون فالجدري ، والأخير فقط هو الذي انتهى بلا رجعة .
في ساعة متأخرة قرأت على صفحة الإعلامي Ali Daraghmeh خبرا فاجعا ، فثمة شابان من قرية سالم القريبة من نابلس ، وهما في الثامنة والعشرين ، قضيا في حادث سير . حوادث السير كورونا ثانية والناس في بلادنا تنعت السيارات ب ( عزرائيل ) الثاني .
شخصيا ما عادت تفرق معي . لقد صارت الأشياء تبدو عادية . إن كان للمرء عمر فسوف يحيا ، وإلا فهي منيتنا ؛ بالكورونا أو بحادث سير أو " من نكد الدنيا " على المرء أن يحيا طوال عمره تحت احتلال أو في مجتمع متخلف أو في سلطة لم تنجز شيئا سوى إفساد العلاقات الأسرية الهشة أصلا ، حيث تسهم في تحويل مواطنيها إلى جواسيس ومخبرين ، وما يخفف عن النفس قصائد بدر شاكر السياب ومظفر النواب عن المخبرين ، وقصة زكريا تامر " الجريمة " .
حين يتحول أقرب الناس إليك إلى مخبرين عليك وبمباركة السلطة فطز .
صار الواحد منا مثل محجوب عبد الدايم في رواية نجيب محفوظ " القاهرة الجديدة " لا يواجه الاحتلال والسلطة والتخلف الاجتماعي إلا بكلمة واحدة هي :
- " طظ " .
العام الثاني للوباء يبتديء و ... .
- " طظ " .
١ آذار ٢٠٢١
١١
هل تأثر غسان كنفاني بمحمود درويش ؟
وأنا أقرأ رواية أسعد الأسعد " بطعم الجمر " التفت إلى دال الوطن فيها ، وهو دال حضر في أشعار ابراهيم طوقان ( ت ١٩٤١ ) ، ما دفعني في العام ١٩٩٤ إلى كتابة بحث عنه .
شاع الدال مع رواية كنفاني " عائد إلى حيفا " (١٩٦٩) وتكرر ، بعد ذلك ، في روايات فلسطينية . صار سؤال سعيد . س لزوجته صفية " ما هو الوطن ؟ " وما تلاه من تعريفات ، يتكرر حتى طغى على الاستعمالات السابقة للدال ، علما بأن كنفاني قد يكون استخدمه متأثرا بما قرأ ، وهذا ما دفعني إلى كتابة مقالة عنوانها " هل تأثر غسان كنفاني باميل حبيبي ؟ " أتيت على الدال في رواية كنفاني وفي قصة إميل " بوابة مندلباوم " التي كتبها في ستينيات ق ٢٠ .
أعادتني قراءة " بطعم الجمر " إلى الفكرة نفسها وهي فكرة التأثر والتأثير ، ولكن هذه المرة بين كنفاني ودرويش ، فأثرت السؤال الذي لقي استغرابا من قراء عديدين عقبوا مندهشين مستغربين ذاهبين إلى أن العكس هو ما قد يكون - أي أن درويش تأثر بكنفاني ؛ فالأصغر يتأثر بالأكبر .
وأنا أفكر في الأمر وأرد على وجهات النظر وجب أن أعود إلى أشعار الشاعر المبكرة التي نشرها في ستينيات ق ٢٠ قبل صدور رواية غسان .
ولكن ما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان هو علاقة الدال بالفكر الذي يكتب الكاتب من وحيه ، فلا أظن أن هذا الدال يبرز في كتابات الاسلاميين والفلسطينيين القوميين ، فالأولون يرون في فلسطين وقفا إسلاميا والقوميون يرون فيها أرضا عربية وعند استخدام الأخيرين دال الوطن فإنهم يستخدمونه قاصدين الوطن العربي كله " وطني حبيبي الوطن الأكبر " .
وكان كنفاني حتى ١٩٦٧ يميل إلى القوميين ، فلم يكتب مثلا عن يهود فلسطينيين ، وإنما كتب عن يهود عرب ، والكتابة عن يهود فلسطينيين شاعت في سبعينيات القرن العشرين مع نمو الوعي الوطني الفلسطيني . ويختلف الوطنيون ، ومنهم الشيوعيون الفلسطينيون ، عن الجهتين السابقتين ، وكان حبيبي ودرويش ينتميان إلى الحزب الشيوعي ويريان في فلسطين وطنا لهما بالدرجة الأولى ، ومعروف موقف الشيوعيين منذ ١٩٤٧ من الأنظمة العربية والتيارات الإسلامية .
ولكي لا أقع في إشكالات يجب أن أذكر أن ابراهيم طوقان لم يكن شيوعيا ، ولكنه استخدم دال الوطن ، فهذا الدال لا يقتصر استخدامه على الشيوعيين وحسب ، فقد يستخدمه المثقفون والمتعلمون الذين ليس لهم انتماء محدد .
ولأنني لا أريد أن استطرد وأتوسع في الكتابة التزم بالسؤال :
- هل تأثر كنفاني بدرويش ؟
وكيف يمكن أن يكون تأثر به والأول ناثر والثاني شاعر والأول أكبر من الثاني وهو ممن أسهموا في التعريف به ؟
في العام ١٩٦٦ ألف كنفاني كتابه " أدب المقاومة في فلسطين " وبعد عامين أصدر كتابه " الأدب الفلسطيني المقاوم " وفيهما درس أشعار محمود درويش الذي أكثر من التغني بالوطن . إن تكرار درويش هذا الدال يلفت النظر حقا .
في العام ١٩٦٩ كتب كنفاني " عائد إلى حيفا " وفيها تكرر الدال ، إذ أتى سعيد . س على تعريفه ، مثله مثل حبيبي في قصته ، ومثل مدلوله في أشعار درويش . هنا نثير السؤال الآتي :
- هل التفت كنفاني في أعماله المبكرة الأولى التي أصدرها قبل كتابيه المذكورين ، وقبل قراءة أدب المقاومة ، هل التفت إلى دال الوطن وتعريفه ؟
والإجابة تتطلب إعادة قراءة قصص غسان وروايتيه " رجال في الشمس " و " ما تبقى لكم " ، وفيما أذكر فإن أحدا من الدارسين لم يتوقف أمام تعريف الوطن في كتابات غسان السابقة ل " عائد إلى حيفا " .
شاكر النابلسي في كتابه " مجنون التراب " ( ١٩٨٧ ) التفت إلى بوابات محمود درويش الشعرية ومنها بوابة الوطن ، وذهب إلى ما يلي :
" ويلاحظ القاريء أن درويشا قبل ١٩٦٧ لم يذكر كلمة الوطن مباشرة ، وبشكل سافر ، فهل لهزيمة ١٩٦٧ أثر في ذلك ؟"
ولكن بالعودة إلى " أوراق الزيتون " (١٩٦٤)
وإلى " عاشق من فلسطين " ( ١٩٦٦ ) نجد أن النابلسي لم يكن دقيقا ، فقد تكرر هذا الدال في الديوانين وتكرر أكثر في " آخر الليل "( ١٩٦٨ ) ، وقد أحصى د.حسين حمزة في كتابه " معجم الموتيفات المركزية في شعر محمود درويش " ( حيفا ٢٠١٢ ) موتيف " الوطن في تسع صفحات ( ٥٣٨ إلى ٥٤٦ ) وأورد الأسطر الشعرية التي ورد فيها . وهنا نعود إلى السؤال :
- هل تأثر غسان بمحمود في الكتابة عن دال الوطن ؟
إن كان ما نقرؤه يترك ، بوعي أو دون وعي ، أثره فينا ويتسلل إلى كتاباتنا فأغلب الظن أن أشعار محمود درويش تركت أثرها في نصوص كنفاني الإبداعية ، وإن في هذا الجانب على الأقل .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
١ آذار ٢٠٢١
١٢
المقاطعة والامن الوقائي مثل أي نظام عربي وجهاز مخابراته لا خير يرجى منهم إلا لمن سار في ركبهم ورابطة الإخوة والدم كذب فلا يرجى منها خير ، وكما كتب زكريا تامر في قصته " الجريمة " إن الأب والأم يمكن أن يبيعا ابنهما مقابل أن ينجوا بجلدهما .
كما قال عمر بن الخطاب :
" لو استقبلت من عمري ما استدبرت " لهاجرت إلى بلاد الكفار .
١٣
عندما كتب محمود درويش في " في وصف حالتنا " في مجلة " الكرمل " :
" عشرون مملكة ... ونيف
كوليرا طاعون ... ونيف
من ليس بوليسا علينا
فليشرف !
من ليس جاسوسا علينا
فليشرف !"
كنت أتساءل عن " نيف " ، وكنت صديقا لجماعة نايف حواتمة وقريبا من نشطاء ثقافيين من حركة فتح ، لم يخطر ببالي أن الشاعر يقصد أي فصيل فلسطيني .
منذ عقود كانت هذه ال " نيف " تخصنا . صرنا جواسيس على بعضنا وبوليسا على أنفسنا .
انقسم الرفاق وانشق الإخوة وصار بعضهم على بعضهم جاسوسا وبوليسا ، وفي حالتي صارت النيف عشرين مملكة وكوليرا وطاعون وكورونا وأوميكرون .
الله المستعان به .
من ليس جاسوسا علي فليشرف
من ليس بوليسا علي فليشرف
كورونا وأميكرون .. ونيف. .
١٤
" بين مدينتين " : الناصرة وحيفا
"بين مدينتين " عنوان السيرة الذاتية للفلسطيني الصفدي الناصري الحيفاوي فتحي فوراني . صدرت الطبعة الأولى منها في العام ٢٠١٤ والطبعة الثانية ، وهي مزيدة ومنقحة ، في العام ٢٠١٧ .
يروي صاحب السيرة فيها عن نشأته في الناصرة لأسرة قدمت من صفد وعن حياته في حيفا في ٥٠ و ٦٠ القرن العشرين ، فيأتي على علاقته بإميل حبيبي ومحمود درويش وراشد حسين وتوفيق فياض وعشرات المثقفين الذين عرفهم .
يكتب عن غرفته التي زرتها أنا في ٩ / ٩ / ٢٠٢٢ وفيها سهر مع ضيوفه الأدباء يتحاورون حتى الفجر ، ويكتب عن تصالح راشد حسين مع الأدباء اليساريين بعد أن عاش في ظل غيمة سوداء في تل أبيب وكتب مقالته الشهيرة " حين يجوع التاريخ "، ويكتب عن الأشهر الأخيرة من حياة محمود درويش في حيفا قبل الرحيل ، ويكتب عن إميل حبيبي رئيس تحرير جريدة " الاتحاد " وعدم تهاونه في المهنة ومن جوانب اجادتها إتقان اللغة . كان إميل حبيبي يرى في معلم اللغة العربية عجاج نويهض مثله الأعلى الذي حذا حذوه فلم يتهاون إطلاقا في الأخطاء الإملائية ومراعاة الهمزات . يورد فتحي فوراني المقولة التي نسبت إلى سيبويه " سأموت وفي نفسي شيء من حتى " ويقيس عليها موقف إميل من الهمزات فيكتب " سيموت إميل حبيبي وفي نفسه شيء من الهمزات " .
أطرف ما يرويه الكاتب ما حدث مع الشاعر عصام عباسي على أحد الحواجز بين نابلس وجنين .
عاد عصام من رام الله إلى حيفا ونسي في بيت أخته في رام الله بطاقة هويته ، وعندما طلبها منه الجندي افتقدها .
اقتاد الجندي الإسرائيلي عصاما إلى الضابط فإذا به أحد من علمهم فتحي فوراني / عبدالله . لم يتذكر الشاعر الضابط ولكن الأخير تذكره وقال له إنه التقى به مع عبدالله :
- من أين تعرفني .. ومن أين تعرف عبدالله يا حضرة الضابط ؟
- لقد تعلمنا معا اللغة العربية في الجامعة .. عبدالله صديقي .. نحن أصدقاء .. وكان يساعدني في تحليل روايات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وقصص يوسف ادريس .. درسنا القرآن معا .. درسنا سورة الزخرف .. وتعلمنا قواعد اللغة العربية معا .
- ومن أين تعرفني ؟ سأل الشاعر.
- لقد جئت مرة إلى الجامعة برفقة صديقي عبدالله وعرفنا عليك .. كيف حال عبدالله ؟ ما هي أخباره ؟ ماذا ترغب أن تشرب خواجا عصام .
هكذا نجا عصام عباسي من فخ المحسوم .
سيرة فتحي فوراني تأتي أيضا على زيارة فدوى طوقان لشعراء الأرض المحتلة في حيفا و ... و ... والسيرة مكتوبة بلغة سلسة .
ل ( شالرز ديكنز ) رواية عنوانها " قصة مدينتين " ومن المؤكد أن الأديب فتحي فوراني قرأها .
مساء الخير فتحي فوراني
١ / ٣ / ٢٠٢٣
١٥
اليوم ( ١٤٧ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
" في غزة : على الرغم من الخيبة والمأساة يغنون " أناديكم " . "
أمس انتقم الإسرائيليون أيضا من الفلسطينيين ، لأن المقاومة أوقعت بالجيش الإسرائيلي خسائر فادحة ، وصارت هذه هي القاعدة وغير ذلك هو الاستثناء .
١٠٩ وأكثر ، من المدنيين ، ارتقوا والجرحى كثر ، مقابل ضابطين إسرائيليين قتلا و ٤٦ جريحا . وفي هذه الأثناء شاهدنا بعض الدول العربية تسقط المساعدات بالطائرات على أهل غزة ، ولا كلام ، فقد أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
أمس تمشيت في مسقط على شاطيء البحر وجلست في مقهى رصيف ( سلايدر ستيتشن Slidersstation ) ، فقد استضافنا الكاتب العماني محمود الرحبي ، وأنا على الشط تذكرت شاطيء يافا مدينة أهلي المنكوبة ، وتذكرت شاطيء غزة وما ألم بحي الصيادين في الأخيرة وما قاله صيادوها عن قواربهم ومحلاتهم .
هل كان ثمة متسع أو هامش في غزة للفرح ؟
مجموعة من الشباب والأطفال جلسوا على الأرض غير عابئين برمل البحر يغبر ملابسهم ؛ جلسوا يغنون قصيدة الشاعر توفيق زياد " أناديكم " ، فتساءلت :
- على من يعود الضمير ؟ وهل من كانوا في ذهن الشاعر هم الذين في ذهن الشباب والشابات ؟
وقد كررت بتلقائية :
- ما في حدا صرنا صدى . لا تندهي !
صار كثير من الغزيين في ملكوت الله ، وصرنا نحن عجزة ، فهل نستحق أن تباس الأرض من تحت نعالنا ؟ هل نبالغ في جلد الذات ؟
بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ بسنوات كتب عبد الرحمن منيف روايته " حين تركنا الجسر " وقرأنا نحن شتائم بطلها زكي نداوي لنفسه . لم تبق شتيمة في سب الذات إلا استخدمها ، وقد أحصاها جورج طرابيشي وهو يكتب عن النزعة المازوخية في الرواية . وقبل منيف كتب في جلد الذات مظفر النواب ونزار قباني .
وأنا أشاهد الصور التي تبثها قناة الجزيرة لمصرع المدنيين الفلسطينيين كررت : إنه قدرنا مع الدولة المريضة .
اليوم يبدأ شهر آذار ، وفي مثلنا نقول " آذار أبو الزلازل والأمطار " وأما محمود درويش في قصيدته " الأرض " فكتب : " آذار أقسى الشهور " ، والمغني يغني ولم يجدوا في صوته ، حين فتشوه ، غير حزنه ، ولم يجدوا في حزنه سوى قيده ، ولم يجدوا في قيده سوى وطنه ، ولم يجدوا في وطنه سوى الإسرائيليين في القيود ، ومنذ ٧٦ عاما واليهود يعيشون في دبابة .
كان المطر في مسقط أمس غزيرا جدا ، وكانت الحياة تواصل روتينها ، وهكذا هي الدنيا .
١ / آذار ٢٠٢٤ .
١٦
أجواء شتوية ... أجواء رمضانية
الأجواء في نابلس شتوية تماما . أمطرت صباحا ثم أشرقت الشمس قليلا لتحجبها الغيوم . ثمة برودة إلى حد ما ، وربما يشعر المرء أن الشتاء بدأ اليوم .
وأنت تتمشى في المركز التجاري وتنظر إلى محلات الملابس والصاغة تلاحظ هدوءا تاما ، فلا رواد ولا مشترين . إن سرت في منطقة الدوار حيث الخضار والفواكه ومحلات الجزارة والأفران ترى البشر يدبون دبيبا ، وتشاهد قناني العصائر وسدور الحلويات وعربات الفجل والبقدونس والجرجير وبسطات الزعتر الأخضر والسبانخ عامرة ، و " الرجل تدب محل ما بتحب " .
إن امعنت النظر في شاشة تلفاز تشاهد قناة الجزيرة تبث مشاهد لمعدات إسرائيلية تهدم بيوتا في مخيم طولكرم أو نور شمس . هل يلتفت أكثر المتسوقين إلى المشهد ؟
اليوم هو اليوم الأول من شهر آذار ٢٠٢٥ وهو اليوم الأول من شهر رمضان . الناس صيام والأغاني القادمة من غزة حول الشهر الفضيل تملأ القلب حزنا وتصيب النفس بالكآبة ، وأمس أصغيت إلى أغنية أرسلها إلي الكاتب اكرم الصوراني فأدرجتها في صفحتي مفرغا قسما من كلماتها ناظرا في الصور المرافقة ، وقسم من أهل الضفة الغربية يتمنون أن ينقضي الشهر الفضيل على خير .
هذا هو رمضان الثاني لأهل غزة يقضونه بالويل متحسرين على أشهر الصيام قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ .
حالة تعبانة يا ليلى
١ / ٣ / ٢٠٢٥
١٧
" مطر .. مطر .. "
وكلما أمطرت تذكرنا السياب وأنشودته وتذكرنا الصراع الطبقي في العراق وصراعنا الوطني هنا .
كان السياب في أنشودته قال :
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع " ،
على الرغم من أن المطر يهطل كل عام ، وكان يشير إلى الأثرياء هناك الذين يتخمون في حين أن الفقراء يزدادون فقرا .
هنا - في فلسطين - تمطر أيضا كل عام ، ومع ذلك يعاني مزارعونا ويعاني مواطنونا من شح المياه ، فالمستوطنون ودولة أبناء العمومة تسرق مياهنا ، كما سرقت وطنا بأكمله .
هل نغني إذا مع السياب
" مطر .. مطر .." أم ترانا نكرر قول أبي فراس :
" إذا مت ظمانا فلا نزل القطر "
أحيانا نكون معريين :
" فلا نزلت علي ولا بأرضي \ سحائب ليس تنتظم البلادا "
مع أننا نعاني ممن يسكن معنا البلادا ويقاسمنا هواءها وترابها ، ولكنه يسرق ماءها وترابها ( شوية .. شوية . ) .
أتذكر أم كلثوم وتعود بي الذاكرة إلى ( بون ) ومنزل الطلبة فيها ( كاترين يا كاترين ..اسم كنسي واسم مدني وكتاب ( ادولف هتلر ) ( ماين كامبف ) وشتاء ماطر .
يا لها من أيام ! اليوم كأني في ( بون ) .
الأجواء الماطرة والضباب والسير في المطر . ألهذا خرجت من منزلي على الرغم من أنني أعرف أن الجامعة قد علقت الدوام . خرجت غير مكترث للشيخوخة التي تطلب مني أن ألتزم الحذر .
هل أنا شيخ أم أتشايخ ؟
ربما يجب أن نقرن الشيخوخة بمفردة تشبهها !
كلما شخ المرء أكثر شاخ اكثر .
" مطر ..مطر .."
أتذكر السياب وأتذكر عنوان قصيدة محمود درويش .
لا بد من إنجاز كتابة عن محمود درويش في ذكرى ولادته .
أنا الآن أفكر في كتابة مقال الأيام في 11 \ 3 \ 2012 عن درويش .
كنت أود أن أواصل الكتابة عن روايات بوكر لولا ..
اليوم لم أمر على مكتب الجريدة لأسلم مقال الأحد لأن الأمطار غزيرة .
أنجزت صيغتين عن الحبيب السالمي الروائي التونسي المرشح هذا العام لبوكر .
ماذا نعرف عن الأدب التونسي ؟
من كتب من أدبائنا عن تونس " شكرا لتونس " كتب محمود درويش ، و " سماء واحدة " كتبت ليانة بدر وأما القاص أكرم هنية فكتب قصصا قصيرة .
" مطر .. مطر .. " وأتذكر السياب :
" ما مر عام والعراق ليس فيه جوع "
على الرغم من أنها - أي السماء - كانت " منذ كنا صغارا تغيم في الشتاء وينزل المطر .. "
وكل عام والأمطار غزيرة و... مطر .. مطر ..
١٨
المقال القادم
" نساء البساتين .. رجال البساتين "
ماذا يعرف أهل فلسطين عن الأدب التونسي ؟
هل يعرفون غير أبي القاسم الشابي وقصيدته :
" إذا الشعب يوما أراد
الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر " .
لعلني الأحد أعرفكم على أبرز روائي تونسي من خلال روايتيه :
" روائح ماري كلير "
و
" نساء البساتين "
أيهم ينبغي أن يلعن أكثر .. نعيمة أم ابراهيم ؟
١٩
كيف أحرق السكر في دمي ؟
" أفضل طريقة عصرية مبتكرة "
ما هي أفضل طريقة عصرية لحرق السكر الزائد في الدم ؟
هذا الصباح أدرجت صديقة ، هي هنا حسن ، آية قرانية ، يحثنا الله فيها على التفسح في المجالس .
أنا منذ ثلاث أربع سنوات ، أحث الطلاب على أن يتفسحوا في المجالس ، ولم تكن الآية تخطر على بالي كثيرا ، وما كان يخطر على بالي هو أن التفسح في المجالس لا يؤدي إلى الأمراض من ناحية ، ويقلل من الهمس بين الطلاب ، ما يزعجني وأنا أحاضر ، فأصرف ذهني إلى شيء آخر هو حث الطلبة على التزام الهدوء ، عدا أنني ، حين أرى القاعة مرتبة ، أحاضر أفضل ، وتتحسن نفسيتي وينعكس هذا على عطائي ، خلافا لما يكون عليه الوضع ، حين تكون الكراسي مرصوصة الى جانب بعضها البعض .
الطلاب ، حين أطلب منهم أن يتفسحوا في المجالس ، يتذكرون ما يقوله الإمام ، وهو يؤم المصلين ، فيدعوهم إلى رص الصفوف حتى لا يفصل بين المؤمن والمؤمن شيطان ، وأنا لحظتها ابتسم وأعقب مداعبا :
أيها الشياطين ، ولا شيطان إلا قليل الدين ، فيبتسمون بدورهم ، ولا يسألونني إن كنت أصلي .
أنا في بداية كل محاضرة أقوم بترتيب الكراسي ، وربما استغرب الطلاب من سلوكي هذا ، وقد يتساءلون ما الذي يفعله أستاذنا ؟
مؤخرا قلت لهم أريد أن أحرق السكر الفائض في دمي ، وهذه طريقة ممتازة لهذا ، ثم ...ثم إنني أحاضر أفضل حين تكون الكراسي مرتبة ، وحين لا تتهامسون .
نسيت أن أكتب ، وها انا أكتب ، إنني مرة أصبت بالرعب ، فقد أزحت كرسيا ولم تلتفت طالبة حامل ، فجلست ووقعت على الأرض ، وبعد انتهاء الدوام اتصل بي والدها ، وأخبرني أنهم أخذوا ابنته إلى الطبيب ليفحصوها ، حتى يتأكد من ان الجنين بخير ، وإلا تحملت النتائج ، وربنا سترها ، فقد نكون خسرنا صلاح دين قادم . من يعلم ؟
اليوم صباحا قرأت الآية التي تحثنا على التفسح في المجالس ، فلماذا يجلس الطلاب متلاصقين؟ هل يحنون إلى زمن السل ، فيرتاحون ، لأن المستقبل غامض ، فلا افق ولاحلول ولا وظائف ؟
صباح الخير