أحمد بوعروة - رمضان… من يملأ شاشاتنا؟

بقلم: الإعلامي والسيناريست "أحمد بوعروة"


في كل رمضان، نعتقد أننا نختار ما نشاهد.
الحقيقة أننا نُختار.
تفتح القنوات برمجتها، فنجد الوجوه ذاتها، الإيقاع ذاته، الموسيقى ذاتها، حتى العيون ذاتها. مدن باردة، قصور زجاجية، عائلات تتصارع على الإرث والسلطة والحب في شوارع لا تشبه دروبنا. الدراما التركية ليست ضيفًا عابرًا، بل صارت صاحبة البيت، تتقدّم الصف، تُمنح أفضل التوقيت، وتُسوّق كأنها قدر المشاهدة المحتوم.
لسنا ضد تركيا. ليست القضية في جودة الصناعة هناك، ولا في احترافية المنتج. القضية في سؤال بسيط ومحرج: لماذا نُسلم مفاتيح ذاكرتنا البصرية كل رمضان لغيرنا؟
هل عجزنا عن إنتاج حكاية تشبهنا؟
أم أن القرار أسهل: نشتري النجاح بدل أن نصنعه؟
الخطير ليس الاستيراد. الخطير هو الاستبطان. أن نبدأ في تقليد ما نستورد. أن تتحول بعض أعمالنا المغربية إلى نسخ خجولة من نموذج تركي أو لبناني، مع تغيير الأسماء فقط. كاميرا باردة، موسيقى متضخمة، بطلات بملامح مصقولة إلى حد الغربة، صراعات عائلية مصنوعة على مقاس إسطنبول وبيروت، لا على مقاس دروب سلا، أزقة فاس، صمت الأطلس، وحرارة الجنوب.
ما الذي يخيفنا في صورتنا؟
لماذا نخجل من بيت مغربي بسيط، من أمّ تلبس جلابتها بلا مبالغة، من أب يكدح فعلًا لا دراميًا؟
لماذا نهرب إلى فيلا لا نعرف كيف دُفعت أقساطها، وسيارة لا نعرف من أين جاء ثمنها؟
يقال إن السوق يفرض منطقه. الإعلانات، الرعاة، نسب المشاهدة. لكن من قال إن السوق بلا روح؟ من قرر أن الجمهور لا يريد إلا القصور والوجوه اللامعة؟ أليست الأعمال الأقرب إلى الناس هي التي تصمد في الذاكرة؟ أليست القصص الصادقة هي التي تُعاد مشاهدتها بعد سنوات؟
المشكلة أن بعض المنتجين اكتشفوا وصفة جاهزة: النموذج التركي يبيع. فلِمَ المغامرة؟ لِمَ الغوص في واقع مغربي معقد، مليء بالتناقضات والأسئلة، والجرح الاجتماعي المفتوح؟ الأسهل أن نُلبس شخوصنا بذلة غيرهم، ونضعهم في ديكور غيرهم، ونطلب من المشاهد أن يصدق أننا نحكي عنه.
لكن أي ذاكرة نبني هكذا؟
أي خيال نزرع في أطفالنا؟
وأي صورة عن المغرب ستبقى بعد عشر سنوات إذا كان رمضان نفسه موسماً لاستعراض ثقافات الآخرين أكثر مما هو احتفاء بملامحنا؟
الدراما ليست مجرد تسلية بعد الإفطار. هي معمل للوعي. هي التي تعيد ترتيب القيم داخل الأسرة، وتعيد تعريف النجاح، والحب، والسلطة، والعدالة. حين نُغرق الشاشات في نماذج مستوردة، ونُقلّدها بلا خجل، فنحن لا نبيع دقائق إشهارية فقط، بل نبيع زاوية النظر إلى أنفسنا.
لا أحد يدعو إلى الانغلاق. الانفتاح ضرورة. لكن الفرق شاسع بين من يتحاور مع الآخر، ومن يذوب فيه. بين من يقتبس ليبتكر، ومن يقلد ليختبئ.
السؤال موجع، لكنه ضروري:
هل فقدنا الثقة في قصتنا إلى هذا الحد؟
أم أننا ببساطة اخترنا الطريق الأسهل، وتركنا الطريق الأصدق؟
رمضان شهر الهوية. شهر الطقوس الصغيرة التي لا يراها إلا من عاشها. رائحة الحريرة، ازدحام المخابز قبل الأذان، ضحكة الجيران بعد التراويح. أين هذه التفاصيل على الشاشة؟ لماذا تبدو بيوتنا في المسلسلات وكأنها منفى داخلي، لا روح فيه ولا لهجة ولا أثر تاريخ؟
إذا استمر الأمر هكذا، لن يكون الخطر في طغيان عمل تركي هنا أو هناك، بل في أننا سنستيقظ يومًا لنكتشف أن صورتنا تلاشت، وأننا صفقنا ونحن نشاهد اختفاءها.
الدراما مرآة.
والمرآة التي لا تعكس ملامحك، لا تحتاج إلى تنظيف…
تحتاج إلى استبدال.
لافتة أخيرة:
من باع صورته باع ظله،
ومن استعار وجهاً نسي اسمه،
ومن عاد إلى حقيقته… وجد الله في تفاصيله الصغيرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...