أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢ آذار من كل عام

١٨
" شاهد ما سمعش شيئا "

هذا المساء قررت أن أشتري أوقية كفتة .
اﻷجواء خماسينية والناس مستاؤؤن جدا لقلة اﻷمطار ، فالله غاضب علينا .
هكذا رأى ركاب الحافلة .
في دكان الجزار - المجزرة - وقفت أنتظر حتى يأتي دوري ، وهكذا أصغيت إلى الزبائن .
أنا حاضر غائب ، وما شأني بقصص الآخرين ؟
يوم عمل متعب ؛ خمس ساعات تدريس وامتحانات و .... و ....
فجأة أراد أحد الحضور أن أعزز رأيه وأقف إلى جانبه . قال لي : " والا ﻷ يا أستاذ " .
وأنا الذي استمع إلى بعض كلام لاشأن لي باﻷمر ، فأنا لا أعرف أحدا من الجلوس .
أجبت بأدب جم :
- والله أنا هنا ولست هنا ، ولا أعرف عم تتحدث .
الرجل أخذ يحرك رجليه ، ولم ألتفت إلى شاربيه إن كانا أيضا يرقصان .
أحيانا كثيرة ينقصنا اﻷتيكيت ، ونزج بمن لا شأن له في اﻷمر بما لا يعنيه .
اليوم صباحا في المكتب كان زميلي يتحاجج وطالبا من طلابه ، وأخذ الطالب يتحدث بصوت مرتفع مزعج وأراد شاهدا على كلامه ، فتوجه إلي وقال لي : " والا ﻷ يا دكتور " .
وأنا لا دخل لي في اﻷمر . قلت له :
لا دخل لي في اﻷمر . حله مع أستاذك .
كم تنقصنا أخلاق التعامل .
أم كلثوم توشك أن تنهي أغنيتها " إنت عمري " . الذي شافته قبل ما شافت صاحبها عمر ضايع . وعمرها ابتدأ منذ رأته ، فهو عمرها .
هو عمرها . طيب وأنا مالي أيضا . ومع ذلك فصوت الحجة صوت سماوي .

٢
أمل دنقل :
" قالت امرأة في المدينة "

" نحن جيل الألم
لم نر القدس إلا تصاوير
لم نتكلم سوى لغة العرب الفاتحين
لم نتسلم سوى راية العرب النازحين
ولم نتعلم سوى أن هذا الرصاص
مفاتيح باب فلسطين
فاشهد لنا يا قلم
أننا لم ننم
أننا لم نقف بين " لا " و " نعم "
ما أقل الحروف التي يتألف منها اسم ما ضاع من وطن "

٣
لم نر القدس إلا تصاوير :

يخيل إلي أن أمل دنقل أصاب كبد الحقيقة في سطره هذا .
من الآن وﻷسبوع أنا مشغول بهذه الفكرة ، ولعلنني سأكتب عنها مقال اﻷحد القادم ، ولعلني سأبدأ محاضرتي اليوم عن أمل دنقل بالحديث عنها .
حقا هل عرفنا القدس ؟
هل عرف اﻷدباء الذين كتبوا عن القدس المدينة ؟وإن كانوا عرفوها فمتى عرفوها ؟وإن كانوا كتبوا عنها حقا فمتى كتبوا عنها ؟
وحين نعود إلى كتاب د . عبدالله الخباص عن القدس ، فهل نعثر على أدب بالقدس يستحق أن تكتب فيه رسالة دكتوراه ؟بل حين نعود إلى كتاب د . عبد الجليل عبد المهدي ، فهل نرى أنه كتب عن القدس ؟ عن المدينة ؟ هل نقرأ فيه عن المدينة شيئا ؟
هل كتاب د. عبد الجليل كتاب كان يجب أن ينجز في أربعين صفحة فقط أو أن عنوانه كان يجب أن يكون مختلفا ؟
يبدو أن تدريسي للمساق سيقودني إلى إثارة أسئلة مزعجة ! يبدو ! وسيلقي أحجارا في اﻷدب الذي كتب عن المدينة وفي الدراسات التي أنجزت عن ذلك اﻷدب . أكثر الدراسات تبدو مخيبة للتوقعات .

٤
" في كل يوم لنا جثة
وفي كل يوم لهم أوسمة "

كتب محمود درويش في 70 ق 20 .

هذا الصباح لنا شهيدان .
أمس كان لنا شهيد في قلندية .
أول أمس كان لنا في بلغاريا قصة شهيد
والزهار يقول :
" منظمة التحرير لا تمثل الفلسطينيين "
الزهار لا يمثلني أيضا . أنا فلسطيني أيضا .
العملية وقعت في منطقة بين نابلس ورام الله .
إصابة مستوطن .
المستوطنة قرب قريوت .
أسعار الدولار والدينار واليورو تنخفض أمام الشيكل الإسرائيلي ،
يا دمهما . يا دمنا .
خربشات
2 / 3 / 2016
صباح ال.....حزن

٥
البنك العربي أيضا يلعب :

أتوقع رسالة من البنك بنزول الراتب فتأتي رسالة مكافأة جريدة الأيام عن شهر كانون الثاني .
الطريف أن الرسالة هذه وصلتني الشهر الماضي أربع مرات .
البنك يلعب والاتصالات تلعب والزملاء يلعبون .
أعتقد أن زعماء العالم في حروبهم يلعبون أيضا .
أريد أن أقول : عيب ، لكني على يقين أنه لا أحد يعرف العيب .

2 / 3 / 2017

٦
رام الله : قراءات متعددة

في العام 1988 أثارت قصيدة محمود درويش " عابرون في كلام عابر " ضجة كبيرة لا تكاد الضجة التي إثارتها رواية " جريمة في رام الله " تذكر أمامها .
ترجمت قصيدة درويش ، خلال شهرين ، إلى العبرية سبع ترجمات مختلفة ، كانت كل ترجمة تعكس قراءة صاحبها للقصيدة وفهمه لها .
في ذلك العام كنت أدرس في جامعة ( بامبرغ ) بالمانيا ، وقد لفتت قصيدة الشاعر وترجماتها أنظار المستشرقة الألمانية ( انجليكا نويفرت ) التي أنفقت عامين في الجامعة العبرية ، بسبب تعاطف جيل الشباب الأوروبيين ، في العام 1968 مع اليهود ، وتعلمت خلال العامين العبرية وإجادتها ، وكان أن أنفقت ( نويفرت ) معنا فصلا كاملا في تحليل " عابرون في كلام عابر " مستفيدة منا ، كطلاب عرب ، في فهم القصيدة .
كان السؤال اللافت الذي أثارته المستشرقة هو :
- من هو المتكلم في القصيدة ؟ وباسم من يتكلم ؟
- هل يتكلم باسمه الشخصي أم يتكلم نيابة عن أهل الضفة الغربية وقطاع غزة المنتفضين ؟
- وعلى من ينسحب الضمير في قول درويش " اخرجوا من برنا، من بحرنا " ؟
- هل يقصد ببرنا وبحرنا فلسطين كلها والبحر الأبيض المتوسط / فلسطين أم يقصد الضفة الغربية وقطاع غزة ؟
كانت كل ترجمة من الترجمات السبعة تمثل قراءة المترجم للقصيدة ، ولما اطلع الشاعر الذي يتقن العبرية على بعض الترجمات سخر من مترجميها ومن فهمهم للقصيدة ، ورأى أن قسما منهم ترجم ما في ذهنه ، و قول القصيدة ما لم تقل ، وقد جمع درويش آراءه في الترجمات والتأويلات في كتاب جعل عنوانه عنوان القصيدة التي لم يدرجها في أي ديوان " عابرون في كلام عابر " .
ثمة مقولة نقدية ترى أن القراءات تتعدد بتعدد القراء ، فالعلاقة غدت ؛ في نظر أصحاب نظرية التلقي ( ياوس وايزر ) ، بين النص والقاريء ، وما عادت بين المؤلف والنص ، ولو جمعنا القراءات التي أنجزت حول رواية " جريمة في رام الله " للاحظنا تعددها واختلافها ، تعدد القراء واختلاف وجهات نظرهم ومواقفهم . والسؤال هو :
- ماذا سترى لجنة النقاد في الرواية ، وهل ستقطع جهيزة قول كل خطيب ؟
ويمكن أن أقول بوضوح :
- قل لي من هي اللجنة وما هي توجهات أعضائها لأقول لك مسبقا ماذا ستقول .
في مساق مناهج النقد الأدبي غالبا ما أتوقف أمام مناهج عديدة لقراءة النص الواحد ، وكل منهج يقدم قراءة وفق ما يراه .
حين يقرأ النص ناقد تحليلي خالص فإنه لن يلتفت إلى الموضوع في الرواية ، فما يهم الناقد هذا هو تناسق أجزاء الرواية ، وجمالياتها وتكامل عناصرها وساعتها . الجانب الجمالي هو ما يعنيه والسؤال الذي يثيره هو :
- هل النص قائم بذاته ؟ وهل وظف الجنس لخدمة العمل الفني ؟
يختلف الناقد النفسي المحترف في تحليله للنص . إنه سيدرس الشخصيات واحدة واحدة وسيحللها اعتمادا على احاطته بعلم النفس . هل رؤوف الذي رأى يد دنيا في الحافلة وعشقها لدرجة أنها سيطرت على عقله ولم يعد يرى امرأة أخرى مثلها ، هل رؤوف هذا الذي تحول إلى مثلي إنسان سوي ؟ ولماذا آثر الانسحاب من المدينة عائدا إلى قريته ؟ ما سر عدم انسجامه مع الواقع الجديد ؟ أهي صدمة الريفي المحافظ من المدينة المنفتحة ؟ وحين يحلل الناقد النفسي المحترف شخصية نور / صهيب فإلام يعزو انحرافه وتحوله إلى المثلية الجنسية ؟
هل يعزوها إلى أسرته المتدينة المتشددة أم إلى رفاق السوء في المدرسة ؟ وما الذي دفع وسام إلى الانتحار بعد مقتل صديقته ربا ؟
وأما الناقد الأدبي النفسي فسيدرس سيرة عباد يحيى الكاتب وسيسرد بعض المحطات المؤثرة فيها ليحلل شخصيته ، ويبين تأثير أحواله النفسية على كتابة هذه الرواية وروايات الكاتب الأخرى ، فلكي نتذوقه فنانا علينا أن نعرفه انسانا .
وأما الناقد الاجتماعي الماركسي فسيرصد التحولات التي شهدتها رام الله في العقود الثلاثة الأخيرة ، وتحولها من مدينة صغيرة أشبه بالقرية إلى مدينة كبيرة ، وملاحظة التغيرات الاجتماعية التي رافقت هذا التطور ، وانعكاس هذا كله على سلوك الأفراد، وسيدرس التطورات الاقتصادية الكبيرة التي المت بالمدينة وانعكست أيضا على العلاقات الاجتماعية .
الناقد الأخلاقي المحافظ الذي يربط بين الأدب والأخلاق لن يرى في رواية " جريمة في رام الله " أدبا . سيرى فيها شذوذا وانحرافا ، وإن كان واسع النظرة فقد يقول : هذا ما يؤول إليه الشباب حين تتحلل الأسرة ولم يعد الابن خاضعا لسيطرتها ، ولكنه من المؤكد سيرفض الرواية ، وخلافا لهذا الناقد الناقد الليبرالي الذي درس في الغرب الذي يرى في سلوك رؤوف ونور ووسام وربا سلوكا تعرفه المجتمعات الحديثة في المدن الكبيرة ، وسيرى أن الرواية انعكاس لواقع المدينة في تطوراتها وتشكلات سكانها الجديدة ، وهذا أمر ليس بمستغرب .
منذ فترة طويلة وأنا اهييء نفسي لكتابة مراجعةدراسة عنوانها " جوانب الانحراف العقدي والأخلاقي في شعر محمود درويش. " للدكتور يوسف شحدة الكحلوت من غزة. لقد حاكم د . يوسف الشاعر وأشعاره من منظور أخلاقي ديني وخلص إلى النتيجة التالية :
" الأنبياء عليهم السلام كانوا محط سخرية واستهزاء من الشاعر " و " انحطت أخلاق الشاعر في دعوته للاباحية الجنسية ، ومعارضته للزواج ، وقد مارس ذلك قولا وفعلا ..".
ماذا سيحدث لأشعار محمود درويش ولمتحفه إن غدا د.يوسف وزيرا ؟
5 / 3 / 2017

٧
الناقد وكاتبه :

لماذا لا يلتفت الناقد إلى الأصوات الأدبية الجديدة ؟
سؤال أرقني اليوم طيلة النهار ، بخاصة أنني انشغلت بقراءة مجموعة قصصية لكاتبة نابلسية .
ماذا تقول لي تجربتي الكتابية بعد 42 عاما ؟
السبت في
موقع رمان
وسأنشره هنا بعد نشره

٨
الياس خوري " نجمة البحر " 24 :

" من الغيتو إلى الغيتو "

جربت أن أضع فهرسا للرواية المدروسة ، على غرار فهارس الكتب ورسائل الماجستير ، وتساءلت :
- لماذا تخلو الروايات ذات العناوين الفرعية من فهرس يرشد الدارس ؟
- أعتقد إن لم تخني الذاكرة أن رواية " دون كيشوت " ل ( سرفانتيس ) تحتوي على فهرس ومثلها أيضا قصص " الديكاميرون " ل ( بوكاشيو ) .
وفي حالة الرواية التاريخية والرواية التي تتكيء على مصادر ومراجع ، لماذا تخلو هذه أيضا من قائمة مصادر ومراجع ؟
مثلا تتشكل رواية " المتشائل " من ثلاثة كتب كل كتاب من عدة رسائل وكل رسالة لها عنوان .
ربما يبدو الأمر شكليا ، ولكني شخصيا أحتاج إلى فهرس كهذا يوفر علي الوقت حين أدرس الروايات .
لقد اضطررت أن أفعل ذلك وأنا أدرس الرواية لحاجتي إلى عناوين تلح علي حين أود الكتابة عنها .
من العناوين التي ألحت علي عنوان " من الغيتو إلى الغيتو " ، وهو عنوان يرد في الصفحة 179 ويقع في القسم الثاني من الرواية ؛القسم الذي عنون ، كما ذكرت ، ب " عشاق حيفا " ويقع عنوان " من الغيتو إلى الغيتو " في عشر صفحات .
عاشق حيفا هنا هو آدم الذي ولد في اللد في 1948 وكان طفل الغيتو الأول ، وظل هناك حتى انتقلت المرأة التي ربته / أمه وهي منال ، إلى حيفا لتتزوج من عبدالله الأشهل الذي لم يتقبل آدم ، فاضطر هذا إلى ترك بيت أمه وزوجها ليقيم وحده ، وقد أقام في وادي النسناس ، وهناك " استعاد آدم نكهة طفولته " .
" قرأ آدم عبارة أمان الغيتو وضحك من كاتب هذه السطور الذي يختبيء في الغياب كي يتمكن من استحضار طفولته التي ينظر إليها بصفتها طفولة شخص آخر "
" الغيتو هو الطفولة ، والغيتو ذاكرة حاضرة اكتشفه في وادي النسناس "
" حكاية الوادي تختلف عن حكاية اللد وتشبهها في الآن نفسه " .
وفي غيتو حيفا يأتي الكاتب على سهام زميلته في الجامعة ، وهي فتاة هاجر أهلها من قريتهم صفورية واستقروا في حيفا وكان والدها عتالا .
ثمة قصة طريفة عن صفوري هو والد سهام يصوم شعبان ولا يصوم رمضان :
" قالت سهام إنها فهمت في تلك اللحظة لماذا لا يصوم والدها في شهر رمضان . كان يقول إنه سيصوم رمضان في صفورية فقط ، " عندما نعود ، نرجع إلى الصوم " وللحكاية قصة تتعلق بسقوط قرية صفورية .
ذكرتني القصة بنكتة وشخصية ؛ وأما النكتة فهي مصير اللاجئين يوم القيامة ، حيث تمتليء الجنة بالمؤمنين والنار بالكفار ويبقى اللاجئون ينتظرون ، ولما لم يكن لهم متسع هنا وهناك ، فقد أقيمت لهم مخيمات انتظار ، وأما الشخصية فهي شخصية " أبو السخول " من مخيم عسكر القديم .
كان " أبو السخول " أطلق العنان للحيته وحلف ألا يحلقها وألا يستحم إلا بعد العودة إلى اللد ، ومات ولم يعد .
" من الغيتو إلى الغيتو " . هكذا ينتقل آدم من غيتو اللد إلى غيتو حيفا ، وفيما بعد تسوقه الظروف إلى زيارة غيتو وارسو ، لتكتمل الحكاية ويعيش الفلسطيني حياة الغيتو الفلسطيني ويشاهد الغيتو اليهودي .
مثل متعوس البر الذي قرر أن يغرق في البحر حتى يتخلص من عذابه ، ولكن متعوس البر هو متعوس البحر ، وكما قال المثل الشعبي " المتعوس متعوس لو حطوا على طيزه فانوس ، إن ضرط طفا وإن فسا بنوس " .
في كتابي " أسئلة الرواية العربية " 2018 كتبت عن الفلسطيني والغيتو تحت عنوان " من غيتو اللد إلى غيتو كوبنهاجن ".
الله المستعان به .

2 آذار 2019

٩
ذاكرة أمس ٧ : لا رواد في المقاهي


في الحافلة عقبت المرأة على قطيع الأغنام الذي أعاق السير قائلة :
- ماخذين مجدهم ولا هاممهم .
وقال السائق كلاما يؤيد كلامها ، وأنا قلت كلاما مختلفا .
قلت إن الأغنام لا تؤذي أحدا ، فهي لا تقتل ولا تتجسس ولا تؤذي ولا تدخل بيوت غيرها في غياب أصحابها . إنها تذهب إلى الذبح لتطعمنا لحومها فيم تكتفي هي بأكل العشب .
صرت واعظا وكان يجب ألا أكون .
على صفحته يتابع الصديق خليل حمد رصد أخبار الكورونا . يكتب الرقم 290 دون أن يوضح المقصود ، وحين أعقب يوضح أن الرقم يشير إلى أعداد الإصابات في نابلس التي عدها محافظها محافظة حمراء - أي دخلت في مرحلة الخطر ، فلا أسرة في المشافي لاستيعاب المصابين .
وأنا أتمشى في الشوارع الرئيسة ، متثاقلا أحمل الفواكه التي اشتريت ، استرحت في مقهى الشيخ قاسم ( الشيخ آسم باللهجة النابلسية ) . كان المقهى خاليا من الرواد ، والمقهى واسع جدا ، وكان في أزمنة قديمة مقهى شعبيا يحكي فيه الحكواتي الشعبي السير الشعبية .
يبدو المقهى فقيرا باهتا لم يجدد منذ عقود ، والسؤال الذي راودني هو :
- لماذا لم يرممه أصحابه ؟
وتبدو الإجابة واضحة من عدد مرتاديه القليل ، فالعين بصيرة ، وربما اليد قصيرة .
ما خطر ببالي هو :
- لماذا لا تسهم بلدية المدينة بترميم أماكن مثل هذه وتعدها أماكن سياحية وترفيهية في الوقت نفسه ؟
العين بصيرة واليد قصيرة والمقاهي الجديدة في ضواحي المدينة تنافس بلا رحمة ، والكورونا تفسد الأوضاع على هذه وتلك ، وأنا أنشغل بمواصلة التنقيب للإجابة عن السؤال :
- هل تأثر غسان كنفاني بمحمود درويش ؟
وأتساءل تساؤل ذلك الطفل الألماني :
- لماذا علي أن أكتب ما دامت الكورونا ستنهي الحياة على الكرة الأرضية ؟
ولا بد للحياة أن تتواصل .
٢ آذار ٢٠٢١

١٠
" أساطير الأولين " قصص قصيرة للكاتب عبد الغني سلامة و" " أمين شنار : أستاذ الجيل ، دراسة في فكره وأدبه " للأستاذ زياد احمد سلامة .

إصداران جديدان أهديا إلي من الأخوين عبد الغني سلامة وزياد أحمد سلامة .
عبد الغني Abdel Ghani Salameh زميلنا في جريدة الأيام يكتب زاوية أسبوعية ، ولا أعرف إن كان أصدر من قبل أي نص أدبي ، فليس على غلاف مجموعته أو في صفحاتها الداخلية ما يعرف به وبنتاجه الأدبي . كل ما نعرفه أن المجموعة صدرت عن مكتبة " كل شيء " في حيفا في العام ٢٠٢٠ ، وسرعان ما نقرأ كلمة شكر وتقدير لمن قرأ المجموعة مخطوطة وأبدى ملاحظات حولها ، والفهرس الذي يورد عناوين القصص البالغة عشرين قصة ، يليه الإهداء " إلى كل من امتلأ قلبه حبا ، ومن اكتوى بنيران الشوق .. ومن عاش أحلامه المؤجلة ، ومن كابد الظلم ، وصبر على المعاناة

.....

إلى حبيبتي .. خلود "
وثمة قصة في المجموعة عنوانها " حياة مؤجلة " يأتي السارد فيها على حب في قرية لم يكتب له النجاح ، فلم يتمكن الحبيبان أن يجتمعا معا ويتحدثا إلا بعد ثلاثين عاما - أي حين صارا كهلين ما عاد اجتماعهما يسبب القال والقيل و ... .
القصة الأولى من المجموعة عنوانها " حوار سريع على حاجز طيار " يأتي فيها السارد الفلسطيني على حوار بينه
وبين جندي اسرائيلي على حاجز في مناطق السلطة الفلسطينية . ولطالما خاض كتابنا في هذا الموضوع .
تلي القصة السابقة قصة ثانية عنوانها " في الطريق إلى صفد " وتأتي على زيارة فلسطيني من القدس يذهب إلى صفد عبر رام الله نابلس الباذان طوباس جنين فصفد . ويخيل إلي أن ثمة خطأ في وصف الطريق بين نابلس وطوباس وأتمنى أن يدقق الكاتب في معرفة دقة معلومات سارده . ثمة خطأ كما أرى في تتبع المناطق وتتابعها ، وقد أكون أنا الجاهل لا السارد .
لا بأس عموما من التدقيق .
وثمة قصص أخرى عن هذا العالم الشاسع الواسع أبطالها غير فلسطينيين وغير عرب ، مثل قصة " طيار إيراني " التي ينتهي بطلها في إحدى الدول الاسكندنافية يعمل نادلا في مقهى ويعيش أقسى درجات الغربة .

زياد أحمد سلامة دارس الشريعة الإسلامية في الجامعة الأردنية في ٨٠ القرن ٢٠ مغرم بالأدباء ذوي التوجه الإسلامي ، فقد ألف من قبل كتابا كبيرا عن الشاعر والكاتب وليد سيف .
زياد باحث ذو جلد وصبور ولا يتعجل ، وهو يقرأ كل صغيرة وكبيرة وكل شاردة وواردة عن الأديب الذي يدرسه ، وغالبا ما يكتب نقدا تعاطفيا ، ذلك أنه يختار الكاتب القريب ذهنيا إلى أفكاره وتوجهاته ، وهو ذو توجه إسلامي مثل الكاتب وليد سيف والكاتب أمين شنار .
لا يقتصر زياد على جانب واحد من جوانب شنار الذي كتب الشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقالة . إنه يدرس هذه الجوانب كلها بابا بابا كتابا كتابا ويقرأ كل ما كتب حولها من مراجعات ومقالات ودراسات ويبدي رأيه فيما يقرأ .
كتب عن أمين شنار الكثير وهو ما نلحظه في إشارات الدارس .
لا أعرف عدد الكتاب الباقين على الحياة ممن عرفوا شنار في مجلة " الأفق الجديد " ، ولكني أعرف ثلاثة منهم بقوا على قيد الحياة هم القاص محمود شقير والروائي يحيى يخلف والأديب فخري قعوار ، ولقد رحل الناقد صبحي شحروري ومحمد البطراوي والقاص ماجد أبو شرار والقاص حكم بلعاوي و ... .
شخصيا كنت قرأت لأمين شنار بعض أشعاره وروايته " الكابوس " وقد حظيت هذه الرواية بقراءات عديدة متنوعة كثيرة ، وهي رواية تجنح إلى الرمزية وتقارب هزيمة ١٩٦٧ ولم يجانب الدارسون الصواب حين أجروا موازاة بينها وبين رواية نجيب محفوظ " أولاد حارتنا " .
مبارك للاخوين سلامة نتاجهما الجديد .

٢ آذار ٢٠٢١

١١

عبقرية ماسح الأحذية التي انتصرت على محمود درويش :

في سيرته " بين مدينتين " يروي فتحي فوراني طرائف من حياة الشاعر محمود درويش في حيفا قبل هجرته . أحيانا يعيد رواية ما رواه الشاعر نفسه ، ومن ذلك ما أورده تحت عنوان " كيف انتصرت عبقرية ماسح الأحذية على حذاء الشاعر " .
يروي محمود ما جرى بينه وبين ماسح الأحذية الذي كان يلح عليه ليمسح له حذاءه وهو يرفض ، إذ يفضل أن يعتني هو شخصيا بحذائه ونظافته ، فللحذاء أحيانا كرامة تفوق كرامة بعض الناس ، والتعبير له كما أورده فتحي على لسانه .
ماسح الأحذية يلح والشاعر يصر على موقفه ، ولكنه ذات مرة رضخ فوضع رجله اليمنى على الصندوق .
مسح ماسح الأحذية الفردة اليمين ولمعها حتى صارت سوداء لافتة بنظافتها ، وعندما انتهى " البويجي " من مسحها رفع الشاعر قدمه اليمنى ووضع مكانها القدم اليسرى ، ولكن ماسح الأحذية رفض مسحها ، فصار الحذاء لونين ؛ أسود لامع ورمادي . رجاه محمود وتوسل إليه وعرض عليه أن يدفع له ما يريد حلالا زلالا ، ولكن هذا لم يسعفه ، " وهكذا انتصرت عبقرية ماسح الأحذية على الشاعر وحذائه المسكين " .

٢ / ٣ / ٢٠٢٣

إلى
فتحي فوراني

١٢

اليوم ( ١٤٨ ) للحرب والمهلكة وحرب الإبادة :
" إنزال أمريكي جوي "

ما شاء الله على أمريكا ! ما شاء ! هل سيقول الرئيس الأمريكي الحالي ( جو بايدن ) ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق ( جون كنيدي ) في ستينيات القرن ٢٠ ؟
الرئيس ( بايدن ) يريد إرسال مساعدات إنسانية لأهل غزة - ما دامت إسرائيل تواصل حصارها وحربها وترقض إدخال المساعدات برا - يريد إرسالها عبر إسقاطها من الجو . هل يريد أن يبيض صفحة وجهه أمام هذا الدمار العظيم ؟ هل بدأ يشعر بتأنيب ضمير وهو يرى حليفته تمعن في القتل ، بعد أن زودها بالسلاح ؟
في ذروة الحرب الباردة ، في ستينيات القرن ٢٠ ، فرض الاتحاد السوفيتي حصارا على مدينة برلين الغربية ، ما دفع الرئيس الأمريكي في حينه ( جون كنيدي ) إلى تحدي الاتحاد السوفيتي والقول :
- أنا مواطن برليني . I'm Berliner .
الحصار على غزة بلغ أشده وبدأ الغزاويون يموتون جوعا ، فهل سيقول ( بايدن ) : أنا مواطن غزاوي ؟
" شر البلية ما يضحك " . أي والله .
المشهد حقا مأساوي وسيريالي معا وتتخلله حالات قليلة تجعل المرء يبتسم ابتسامة حزينة . تزويد الإسرائيليين بالسلاح وإسقاط أكياس الطحين للقتلى بالسلاح الأمريكي . إنه سم الأفعى فيه الموت والعلاج ، وهذه هي أمريكا ، ولكن سمها مثل سم الأسود الخبيث وسم أفعى فلسطين وسم الأفعى المجلجلة . لقد دمرت غزة ويبدو أن شفاءها ميؤوس منه ، إلا إن كان جسدها منيعا قويا بما يفوق الخيال .
انتظروا غدا أو بعد غد مقولة ( جو بايدن ) : " أنا مواطن غزاوي " .
ما شاء الله ! ما شاء الله !
أنا بدأت أهذي .
ماذا سأقول عن رواية يحيى السسنوار " الشوك والقرنفل " ؟ .
هل مات شيء فينا ؟
ترى لو بعث محمود درويش من قبره وكان في غزة ، أو تابع ما يجري فيها ، ترى هل كان سيكتب " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " ؟
العبرة في النهايات . ومثلنا يقول " الأشياء بخواتيمها " ، وأما الألمان فيقولون " Ende Gut , Alles Gut " - يعني إذا كانت النهاية جيدة فالأمور جيدة ، وها نحن نصغي إلى أخبار المعارك وننتظر . ها نحن ننتظر ونتمنى أن لا يكون حالنا حال حفار القبور في قصيدة بدر شاكر السياب " حفار القبور " . ظل الحفار ينتظر جنازة ، لكي يأخذ أجرة حفر القبر ، ولما وصلت كانت الجنازة جنازة زوجته

عمان ٢ / ٣ / ٢٠٢٤

١٣

يقولون إنني كاتب حاد .
أما راشد حسين فكتب :
" تشتهي الثورة لحظات غضب "
اليوم ( ١٤٨ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة .

١٤

"صدى الغزو الصليبي في شعر ابن القيسراني "

رحم الله أستاذنا الدكتور محمود إبراهيم الذي درسنا مادة أدب الحروب الصليبية / الأدب في مصر والشام ، في الجامعة الأردنية في مرحلتي البكالوريوس والماجستير . لقد ألف الدكتور كتابا قيما عنوانه " صدى الغزو الصليبي في شعر ابن القيسراني " .
وأنا أعيد قراءة مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ٢ / ٣ / ٢٠٢٥ تذكرت عنوان كتابه الذي أفدت منه عندما درست المادة في جامعة النجاح الوطنية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين .
هل سيكتب دارس ذات يوم دراسة عن صدى الغزو الصهيوني في شعر محمود درويش أو غيره من الشعراء ؟
مؤخرا سألني شاب فلسطيني يريد إكمال دراسة الدكتوراه في أمريكا عن موضوع لرسالته .
ننتظر .
مرة تحداني الدكتور خالد المصري من نابلس إن كان مقال مما أكتب يخلو من تضمين سطر شعري من أشعار الشاعر - أي محمود درويش . هل كسب الرهان ؟

٢ / ٣ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...