أ. د. عادل الأسطة - ماذا كنت أخربش في ٣ شباط من كل عام :

١
هل سأكتب الأحد القادم عن يافا ؟هناك في ذهني الآن روايتان لأكتب عنهما ، وقد يطرأ موضوع ثالث ؟
من مفكرة العام ٢٠١٤
٢
حلب وما شابه :
أريد أن أكتب شيئا ما ، فأنظر إلى ما يجري في الشام وما يجري في حلب .
أتذكر بيت يوسف الخطيب :
" أكاد أومن من شك ومن عجب
هذي الجماهير ليست امة العرب "
أحور فيه وأقول :
أكاد أكفر حقا بأمة العرب .
هل ما أشاهده هو صور حقيقية أم إنه من فبركات المعارضة ؟
ماذا يبث تلفاز الشام الرسمي ايضا ؟
أين هي العائلة الواحدة ؟
اين هو الحديث عن الوطن ؟
كنا ، حين نقرأ كتابات الماغوط وزكريا تامر ، كنا نقول إنهما يبالغان ، وإن كتابتهما إن هي إلا صدى لكتابات كتاب غربيين ، مثل كافكا مثلا . إن أدبهما أدب أسود .
هل عبر عنهما محمود درويش حين كتب :
- لماذا تكون القصيدة بيضاء والأرض سوداء جدا؟
أو ما شابه ، فلم أعد أذكر ، ولا رغبة لي بالتأكد .
ما يجري في الشام هو الجنون .. هو الجنون .
كأسك يا وطن ، وغربة ، و .... كأن الكتاب كانوا يدركون أن الواقع الأسود هو حقا أسود وليس كما يبدو في وسائل الاعلام .
كأسك يا وطن
وحدة حرية اشتراكية
أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة
بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان
ومن نجد إلى ...
إلى حلب ...
خربشات
٣
بيت جارتنا :
هذا الصباح شعرت بفرح ، فقد رايت بيت جارتنا مأهولا بسكانه . منذ فترة وأنا ألحظ أن البيت مهجور ، فلا أحد يقطن فيه .
لماذا ؟
لأن صاحبته سافرت للإقامة مع أبنائها في المهجر . تزوجت بناتها وأقمن في بيوت خاصة ، وظلت الأم وحيدة ، فأبناؤها الذكور في أمريكا ودول الغرب ، وبقيت هي وحيدة . أجرت بعض شقق ولم تعد تؤجر ، فقد نصب عليها في الانتفاضة المستأجرون ، ومنهم من يصلي وما زال يصلي .
جارتنا تغادر فلسطين وتعود إليها ، ويبقى البيت مسدل الستائر .
هذا الصباح لاحظت ستائر المطبخ غير مسدلة ورأيت المنخل في غير ما كان عليه منذ أشهر ، ما يعني أن الجارة عادت .
البيوت تموت إذا غادر سكانها ، وهذه فكرة وردت في أشعار درويش ، ولاحظتها مؤخرا في " البيت الأندلسي " لواسيني الأعرج ، ولعلني سأعود للكتابة عنها .
المهم عادت جارتنا وعادت الحياة للبيت . كانت جارتنا مرة قالت على مسامعي مثلا هو " اللي بوكل لحاله بزور " . وها هو مكر الواقع . جارتنا مثل كثيرين ، يقعون ضحايا الزمن :
- لا شيء يبقى على حاله . تبدأ الحياة بواحد وتنتهي بواحد .
المهم أنني في المساء سأرى بيتا مضاء لا مهجورا ،
وعقبال عودة اللاجئين كلهم ، وعودتنا إلى يافا
صباح الخير .
خربشات
٤
( من مفكرة العام ٢٠١٤ )
سائق الصباح :
سائق الصباح ريفي من قرى نابلس ، عمل مدرسا في السعودية ، ثم عاد وغدا سائق سيارة أجرة .
دائما يحب السائق أن نؤيده فيما يذهب إليه ، وهو ذو مواقف ثابتة يبدو أنه تربى عليها وآمن بها.
كنت الراكب الثالث ، وكان الهدوء باديا حتى صعد الراكب الرابع فتجاذب والسائق أطراف الحديث وعلا صوتهما على صوت الواعظ السعودي الذي كان يقول كلاما عاديا يحاول أن يقنع المستمعين بأنه معجز .
أنا بقيت صامتا ولم أتكلم .
صديق السائق هبط من الحافلة وعدنا إلى ما كنا عليه . صمتنا ، ولكن السائق أراد أن يتكلم . أن يوصل رسالة ما .
السائق كان يعرف الواعظ ، فأخذ يخاطبني وكأنني أنا الواعظ :
- هل تعرف يا أستاذ ، هذا واعظ يحترم . لقد كان ،أيام غزو أمريكا للعراق ، الوحيد الذي وقف يخطب في السعودية ضد أمريكا ، ومع أن حكومة السعودية هددته وضيقت عليه وطردته من سكنه القريب من الجامع ، إلا أنه ظل مصرا على رأيه . أنا أحترمه لهذا.
سألت السائق عن اسم الواعظ فأجابني بأنه العريري أو العريطي . لم أعد أذكر .
أنا لم أعقب وهبطت من الحافلة ، ويبدو أن السائق تضايق من لامبالاتي ، فقال :
- مع السلامة . أهلين .
ما لكم ولهذا الكلام الفارغ . أم كلثوم تغني الآن " عودت عيني على رؤياك " .
اليوم ذكرى وفاة الست .
في 1975ماتت الست التي ما زالت تطربنا . أم كلثوم وعبد الباسط من الاثني عشر المبشرين بالجنة والله سيغفر لهما خطاياهما - إن كانت لهما خطايا.
خربشات المساء
٥
قصص لها قصص 3 :
في 90 ق 20 كتبت قصة قصيرة ، نشرتها في جريدة " الأيام "، عنوانها " كأس نبيذ حزنا على موت الكلب ". وللقصة قصة .
في العام الدراسي1990 / 1991 كنت أقيم في بون ، في منزل السيد ( مارتن بلوخ ) وزوجته السيدة ( جيردة) ، وقد استضافتني العائلة التي تعرفت إلى ابنتها ( فرانسيسكا ) في جامعة بامبرغ ، لأقيم معها .
كانت العائلة أرادت أن تتعرف إلى فلسطيني أيضا ، وقد رفضت أن تأخذ مني أجرة الغرفة والإقامة والضيافة ، ونشأت بيننا علاقة ود واحترام ، لم تتأثر إطلاقا حين أعلمني السيد (مارتن) الذي كان موظفا بالخارجية الألمانية أنه نصف يهودي .
كنت أخرج من منزل العائلة في الثامنة صباحا وأعود إليه في السادسة أو السابعة مساء ، وغالبا ما كنت أحضر للسيدة ( جيردة ) ما تطلبه مني من سوق وسط بون للخضار ، وكنت أفرح لهذا ، حتى أشعر أنني فرد من أفراد العائلة .
ذات مساء عدت إلى المنزل ، ولاحظت أن المنزل تسوده أجواء حزينة ، ولما سألت عن السبب ، أجابتني ( جيردة ) بأن الكلب مرض ، وأنه لا بد من أخذه إلى البيطري لعلاجه .
كانت ( جيردة ) تنتظر مكالمة من أمها العجوز التي تقيم أيضا في (بون) ، في شقتها وحيدة ، ولما أتيت طلبت مني ( جيردة ) أن أخبر أمها إن اتصلت أن ابنتها ستعود للتو .
ذهب ( جيردة ومارتن وفيليكس ) ، برفقة الكلب إلى الطبيب لمداواة الكلب ، وما هي إلا ساعة حتى عادوا والحزن يبدو على ملامحهم .
استفسرت منهم عن الكلب وصحته ، فأخبرتني (جيردة) أن الطبيب أعطاه إبرة ، فنفق ، لأنه لن يصح جيدا ولأنه في الحادية عشرة من عمره ، والكلاب عادة لا تعمر .
ذهبت جيردة إلى المخزن وأحضرت زجاجة نبيذ وفتحتها وصبت لنا ، لنحتفل بمناسبة حزينة هي فقدان الكلب ، وبعد ذلك أحضرت لي ألبومي صور له منذ اشترياه صغيرا من بلجيكا حيث أقاموا فترة ، وأخذت أمعن النظر في صوره .
ظلت الفكرة والحدث ماثلين في ذهني وفي العام 1993 كتبت روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " ، فأتيت بإيجاز على الموضوع ، وفي العام 1995 / 1996 أعدت صياغة الفكرة بقصة قصيرة نشرتها في جريدة " الأيام " . ولما أرسلت القصة إلى العائلة ترجمتها ابنتهم لهم ، ولما زرت العائلة في صيف 1996أعلموني أنهم لم يفهموا المغزى منها ، فقلت لهم
- للكلب عندكم قيمة واحترام لا يحظى بهما أبناء العالم الثالث .
٦
كأنها مدينة ( درسدن ) الألمانية في الحرب العالمية الثانية . بشار الأسد أو دمار البلد . كنا نقول إنها عبارة لفظية ، ولكن :
- شاهدوا .
" الدولة أنا ، وأنا الدولة " .
طبعا لا أبريء أميركا وإسرائيل والغرب وروسيا ، ولكن ماذا لو لم يرث بشار السلطة ، وماذا لو استقال في بداية الأحداث ؟
العرب يبنون على الأرض ما تأخذ الريح ، والعبارة لمحمود درويش ، ومنذ ألف عام يفعلون هذا .
يا لخسارة سورية ويا للشعب السوري ، فهو شعب لا يستحق هذا كله . لقد دمروا سورية .
٧
حول نشر مستلات من رسائل طلبة الماجستير :
في احتساب بحوث الترقية ﻷساتذة الجامعات أجازت بعض الجامعات لﻷساتذة أن ينشروا مستلات من الرسائل التي يشرفون عليها لتحسب لهم بعض نقاط في الترقية .
العدالة تتطلب أن تحسب بعض النقاط للمناقشين .
لماذا؟
ﻷن هؤلاء يطلبون أيضا من الطالب تصحيحات لم يكن المشرف التفت إليها .
أحيانا ترسل المستلة / البحث إلى زميل المناقش ، وقد يطلب من زميله المناقش النسخة التي عليها ملاحظاته ليطلب من الطالب صاحب المستلة إجراءها ، وهكذا تكون ليد المناقش في المستلة من الجهد ما لا يقل عن الجهد الذي بذله المشرف .
حدث هذا .
مرة كتبت أن ليد محكم اﻷبحاث في بعض اﻷبحاث ما لا يقل عن 15 . / . وأنه يجب أن يراعى في الترقية اﻷبحاث التي يحكمها اﻷستاذ .
خربشات أكاديمية
3 / 2 / 2016
٨
مساق اللغة العربية يجب إلغاء تدريسه :
مساق اللغة العربية ، كما يدرس في بعض الجامعات ، يجب إلغاؤه .
لماذا ؟
ﻷنه لا يقدم ولا يؤخر وأستطيع ، الآن ، أن أناقش اﻷساتذة الذين سيعترضون بأدلة ليس أولها أن أسئلة الامتحانات التي يضعونها ما كانت تخلو من أخطاء يطلب اﻷساتذة من الطلاب ألا يقعوا فيها .
إن كثيرين من حملة الدكتوراه في اﻷدب العربي يقعون في اﻷخطاء التي تكون غالبا موضعا ﻷسئلة طلبة السنة الجامعية اﻷولى ، ولدي كم كبير من اﻷبحاث التي كتبها اﻷساتذة وفيها من اﻷخطاء ما فيها .
حقا يجب إلغاء تدريس مساق اللغة العربية كما يدرس ، ﻷنه لا جدوى من تدريسه بهذا الشكل على الإطلاق .
خربشات أكاديمية
3 / 2 / 2016
٩
( من مفكرة ٣ / ٢ / ٢٠١٧ )
ناظم حكمت وزوجته منور :
سجن الشاعر التركي ناظم حكمت 15 عاما في زنزانة انفرادية ، وظل يكتب الأشعار لزوجته منور التي ظلت تنتظر خروجه ، وكانت المفاجأة بعد خروجه : " لقد انفصل الزوجان " ، وغادر الشاعر إلى الاتحاد السوفيتي .
أمس مساء كتبت عن محمود درويش وريتا ، فما كان من الأستاذ أسامة أبو عون إلا إدراج مقطع من فيلم عن درويش وعلاقته ب " ريتا " وتظهر فيه ريتا ( تمارا بن عامي ) .
كنت رأيت صورة لها في شبابها ولاحظت ما فعله الزمن بها ، وتساءلت : هل التقى درويش بها بعد عودته ؟ ثم انفصلا ؟
كان الشاعر كتب في 1989 قصيدة ثانية عن ريتا هي " شتاء ريتا الطويل " ورأى فيها غزالة .
في شبابنا نكون غزلانا وحين نتجاوز ال 60 نغدو .. ..ورحم الله (دارون) .
( حسب رأي توفيق فياض فإن ريتا ليست تمارا بن عامي وإنما ريتا واحدة أخرى اسمها ( ايريت ) ، وحسب رواية صديقتنا سهام فإن الشاعر تواصل مع تمارا في ٨٠ ق٢٠ واتفقا على اللقاء ولم يتم اللقاء ) .
خربشات
2017/2/3.
صباح الخير
١٠
رشاد ابو شاور : " سأرى بعينيك يا حبيبي "
بعد ثماتية عشر عاما من إصدار قصته الطويلة ، وكتب على غلافها رواية ، أصدر رشاد ابو شاور روايته " سأرى بعينيك يا حبيبي " ( 2012 ) وسيصدر بعدها بأربع سنوات روايته " وداعا يا زكرين " ( 2016 ) .
لا يعني ما سبق أن رشاد لم يصدر ما بين 1994 و2012 أي كتاب ، فقد كتب قصصا قصيرة وأصدرها في مجموعة ، وكتابات نثرية وأصدرها في كتب ، مثل " سفر العاشق " و " رائحة التمر حنة " ، والأخير عن زيارته فلسطين بعد اتفاقيات أوسلو .
كانت " شبابيك زينب " 1994 تجري أحداثها في نابلس في أثناء انتفاضة 1987، ولم يكن الروائي شاهدا على ما يجري ، بخلاف بعض رواياته السابقة مثل " العشاق " و " البكاء على صدر الحبيب " ففيهما يأتي على أمكنة وأحداث عاشها وشارك فيها .
١١
" لا وداع ولا شجرة
فقد نامت الشهوات وراء الشبابيك ،
نامت جميع العلاقات ،
نامت جميع الخيانات خلف الشبابيك ،
نامت رجال المباحث أيضا "
( محمود درويش من قصيدة " الحديقة النائمة " ) 1977 .
الطريف أن القصيدة كتبت عن علاقته بريتا ولم يتوقف أمامها الدارسون .
خربشات
3 / 2 /
2018
مساء الخير
ومتابع روايات رشاد يلحظ ...
تقرؤون بقية المقال في جريدة الأيام الفلسطينية صباح يوم الأحد القادم في 2017 / 2 / 5
١٢
الست كورونا : الفايروس كورونا : لا للعنصرية ( 180 )
إن كان ثمة ما يسجل للفايروس كوفيد ١٩ فهو أنه فايروس غير عنصري ، وأنه كائن نشيط يطور نفسه ، مؤمنا بسنة التطور ، رافضا الجمود والتحجر .
في الدولة الإسرائيلية لم ينس الوباء الشرطة الإسرائيلية النزعة العنصرية ، فقد ظلت تميز بين مواطن يهودي ومواطن عربي ، ولذلك حررت مخالفات للعرب بححة عدم الالتزام بشروط السلامة أكثر مما حررت مخالفات للمواطنين اليهود . ومرة عقبت الكاتبة أ.نزهة الرملاوي على كتابة لي أتيت فيها على القدس العتيقة ومعاناتها بسبب سياسة الإغلاق قائلة إن ما يطبق على القدس العربية لا يطبق على القدس الغربية .
ما سبق يعيدنا إلى التمييز العنصري في الخمسينيات والستينيات من القرن ٢٠ ، وعن تلك الحقبة صدر كتاب فوزي الأسمر " أن تكون عربيا في إسرائيل " . متى يأتي اليوم الذي ستصبح فيه فلسطين دولة لكل مواطنيها ويسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم ؟
الفايروس كوفيد ١٩ لا يميز بين يهودي وعربي وبين شرقي وغربي وأوروبي وصيني وبين مواطن ورئيس دولة ، وهو أيضا فايروس نشيط . إنه يأبى الجمود كما لو أنه غير راض عن كثيرين منا ممن لا يطورون أنفسهم ويريد أن يعطي لنا مثالا إيجابيا ، فيكون قدوة . هل يمد لسانه لكثير من أساتذة الجامعات ساخرا ؟
ما زالت الأمور غير مطمئنة عموما وعندما أصغيت أمس إلى الفضائية الفلسطينية تأتي على شروط الوقاية العشرة اكتشفت أنني ملتزم بشرطين منها هما الكمامة والعزلة إلى حد ما .
لم أشارك في جنازة الدكتور عبد الستار قاسم ولا في جنازة الصديق عدنان نبهان " أبو العيد " ولم أذهب إلى بيت العزاء وأخذت أمس أحصي المناسبات العائلية التي لم أشارك فيها منذ عام :
- عرس ابن أخي
- عرس ابنة أختي
- عرس ابنة أخت ثانية .
- كتب كتاب ابن أخ .
- وفاة ابنة عمي .
و ....
وزيارة المرضى من أقربائي
و ...
الست كورونا خربطت الحياة كلها ، وثمة أغان جديدة أعتقد أنها طريفة ولكنها لم تجد آذانا مصغية ، كما لو أن الطير على رؤوس الناس
صباح الخير
خربشات
٣ شباط ٢٠٢١
١٣
مدن مظفر النواب ( ٣ )
مظفر النواب : جلاسكو وروما
كنت قلت في مقالي الأحد الماضي في الأيام الفلسطينية ( ٣١ / ١ / ٢٠٢١ ) ان أثينا هي المدينة الغربية التي حضرت في أشعار الشاعر ، وغاب عن ذهني مدينتان أخريان هما ( جلاسكو ) و ( روما ) ، وقد حضرتا في قصيدة " تل الزعتر " .
كان حضور الأولى حضورا عابرا إذ ارتبطت باتفاقية وقعتها الدولتان العظميان في حينه: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي فيها ، أما حضور الثانية فكان أكثر اتساعا .
ارتبطت جلاسكو باتفاقية تقسبم العالم والسيطرة عليه بين الدولتين دون مراعاة للعدالة :
" إن البند الخامس سوف يطل من الشرفة .
سبحان البند الخامس
سبحان جلاسكو
خوفنا الكهان من التفجير النووي
ولكن قتلوا منا أضعافا " .
إن المدينة هنا لا تحضر كمبان أو ساحات أو كمكان للشاعر فيه ماض . إنها نحضر كوعاء يجتمع فيه الأقوياء ليرتبوا العالم فيما بينهم .
وكان حضور الثانية - روما - يعبر عن عالمي الشرق والغرب . عن دونية الأول وتعالي الثاني .
تصبح روما مكانا تعرض فيه البضائع الشرقية ، وفي ذلك المكان يقدم الشرقي نفسه رخيصا متوسلا للغربي القوي القادر .
لا يقر النواب - أنا المتكلم في القصيدة - بهذه القسمة الاستعمارية أساسا ، وهنا يحضر صوت الانسان المظلوم المقموع فيه ، فيهدد لينتقم ، وتهديده الدول الغربية المستعمرة والمستغلة يحضر عموما في قصائد أخرى منها " الأساطيل " .
في قصيدة " تل الزعتر " نقرأ :
" ننسل حدث الأطفال
ونقعد قدام كنيسة روما
نعرض كل بضاعتنا
يا سادة
يا سواح المعمورة
يا أبناء العطر الفاخر
هذا تل الزعتر
هذي الترقوة الشفافة
فاطمة بنت فلان
....
....
....
هذا النجس الشرقي
رخيص
يا سيد من بلد الحرية
هذي المقل المقلوعة
آخر أنماط
صدرها تمثال الحرية
......
......
أولئك نحن
عظام ...
جمجمة ..
أيتام ..
لكنا نقتحم التاريخ
ونملأ عالمكم بالفقراء المشبوهين
سنقرع راحتكم بيتا بيتا
نخنقككم في اليقظة والكابوس " .
وإذا ما نظرنا في صورة مخيم تل الزعتر باعتباره حيزا من المدينة العربية وقارناه بصورة روما المدينة الغربية لاحظنا بؤس مدينتنا وثراء مدينتهم ؛ مدينتنا مكان للفقر والقتل والدم ومدينتهم للسياحة والعطر والفرجة والمتعة . ولكن مدينتهم في الوقت نفسه تصدر القتل لمدينتنا " حذرنا الكهان من التفجير النووي ولكن قتلوا منا أضعافا " .
النواب هنا ينظر إلى المدينة من منظور سياسي بالدرجة الأولى ، وهو عموما المنظور الذي نظر من خلاله إلى أكثر المدن العربية مثل مكة ودمشق وبغداد ، ولم يختلف هذا المنظور ، وتحديدا فيما يخص بغداد إلا في فترة متأخرة .
٣ شباط ٢٠٢١
١٤
في وداع حنا أبو حنا عراف الكرمل وحارس الذاكرة الفلسطينية
مساء الأربعاء الماضي فقدت الثقافة الفلسطينية علما بارزا من أعلامها هو الشاعر والدارس حنا أبو حنا ، وقد ترك لنا تراثا أدبيا لا يمكن لدارس الحياة الثقافية العربية في فلسطين التاريخية أن يستغني عنه على غير صعيد ؛ صعيد الإبداع وصعيد التأريخ للحركة الثقافية منذ ١٩٤٨ وصعيد إحياء التراث الأدبي قبل العام ١٩٤٨ .
على صعيد الإبداع كان من الأصوات الشعرية التي درسها غسان كنفاني في كتابيه اللذين درس فيهما أدب المقاومة في فلسطين ، فقد توقف أمام ديوان الشاعر الأول " نداء الجرح " واقتبس منه في العديد من الصفحات . كان الشاعر في حينه ينتمي إلى الحزب الشيوعي وينشر في صحفه التي اتكأ عليها غسان ، ولم تكن القطيعة بين حنا والحزب تمت ، وهي قطيعة انعكست بدورها على نشره في صحافته ، حيث انعدمت إلى سنوات ، ما انعكس بدوره على تقليل مساحة انتشار ما يكتبه ، فالصحف الجديدة التي أخذ ينشر فيها لم تحقق انتشارا في العالم العربي ، بل وفي فلسطين نفسها ، انتشارا حققته صحف الحزب ومجلاته في ٧٠ القرن ٢٠ ، هذا إذا غضضنا النظر عن موقف الحزب ممن تنتهي علاقته بهم ، وهذا ما كتب حنا عنه في كتابه " أوراق خضراء "(٢٠٠٤) وهو يكتب عن جبرا نقولا " مثقف ثوري أصيل " . عندما توفي جبرا نقولا " أرسل رفاقه نعيا ، مدفوع الأجر ، لجريدة " الاتحاد " التي عمل في تحريرها ١٥ سنة ، لكن المسؤولين رفضوا نشر النعي "(١٨٠) ، فقد كان الحزب لا يتهادن ولا يتصالح مع رفاقه الخارجين عن صفوفه ، وهذا أيضا ما أتى عليه حنا ثانية وهو يكتب في سيرته عن تجربته الشخصية . ( أنظر مقالي " حنا أبو حنا والفلسطينيون المنسيون " في الأيام الفلسطينية بتاريخ ١ / ١١ / ٢٠٢٠ ) . ولم يكتف بكتابة الشعر وقراءته في المهرجانات ، بل رعى أكثر الشعراء الشباب في ٥٠ و٦٠ القرن العشرين ومنهم محمود درويش ، ولطالما ذكر هذا في المقابلات واللقاءات التي كانت تتم معه ، بل وفصل الكتابة فيه في سيرته الذاتية ، وغالبا ما يستشهد المهتمون بما قاله محمود درويش عن تأثره بحنا وأنه تعلم منه " ترابية القصيدة " .
على صعيد التأريخ للحركة الثقافية ، فإن كتبه ودراساته وسيرته تعد لا غنى عنها لمن يريد قراءة الواقع الثقافي في فلسطين منذ النكبة حتى بداية العام ٢٠٠٠ . إنها تضيء لنا الحراك الأدبي فتصور علاقته بالأدباء وبعض السياسيين الأدباء أيضا ، بل ويكتب عن علاقة بعض الأدباء بالحزب الشيوعي في فلسطين المحتلة وسبب اختلافهم معه بعد أن كانوا جزءا فاعلا فيه . إنه يكتب عن أسماء ثقافية كان لها دور مهم في الحياة الثقافية ويرسم لها صورة عن قرب ، ويكتب عن مشاركاته وإسهاماته في المؤتمرات والندوات ، وكتابته هي كتابة أديب فاعل مشارك في الحياة الأدبية ، خبرها وعرفها وأسهم مساهمة فعالة متواصلة فيها ، فلم يكل ولم يمل ولم ينقطع فترات طويلة عنها . لقد كتب عن رموز الحركة الشعرية في فلسطين قبل العام ١٩٤٨ وأصدر مختارات شعرية ، ما يعني أن اهتماماته الأدبية لم تكن أبدا عابرة ولم تكن نزوة ، بل هي اهتمامات أديب مثقف الثقافة جزء أصيل من شخصيته آمن بالثقافة ودورها في الرقي بالإنسان والمجتمع منذ كان شابا يافعا .
على الصعيد الثالث الذي يستحق عليه لقب حارس الذاكرة الفلسطينية أشير هنا إلى ثلاثة إسهامات لافتة أنجزها صدرت عن وعي كامل بما قام به ؛ الإسهام الأول هو الدراسة التي صدر بها الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود الصادرة عن مركز إحياء التراث في الطيبة ، وهي دراسة كتبها شاعر ودارس في الوقت نفسه .
الإسهام الثاني هو الاهتمام بمذكرات القاص الفلسطيني نجاتي صدقي ، وقد بذل في الحصول عليها جهدا كبيرا ؛ اتصل بالمعنيين بها وقارن بين بعض النسخ ثم كتب لها مقدمة أتى فيها على أهمية صدقي وحياته .
وأما الإسهام الثالث ، وهو أسبق ، فتمثل في البحث عن رواية نجيب نصار " مفلح الغساني " . لقد بذل أيضا جهدا في سبيل الحصول عليها وقام بتحقيقها ، وقد كتب لها دراسة حث في خاتمتها الدارسين الفلسطينيين على ضرورة الاهتمام بالكتب التي كتبها الرواد ، فمن لا جذر له لا فروع له ، وهو هنا سار فيما سار فيه هشام شرابي الذي أصدر في الفترة نفسها كتاب " صالح برانسي : ثلاثون عاما من النضال الصامت " وقد حث شرابي الجيل الفلسطيني الجديد على ضرورة تسجيل تجارب الفلسطينيين الذين كان لهم إسهاماتهم في حركة النضال الفلسطيني حتى لا تضيع تجاربهم سدى .
وما لا ينبغي إغفاله في أثناء تثمين جهود حنا أبو حنا هو اهتمامه باللغة العربية وحرصه على سلامتها ، فكان له بذلك جولات لغوية واجتهادات عديدة .
السبت ٥ شباط ٢٠٢٢
١٥
( من مفكرة العام ٢٠١٣ )
عزيزي ا . د . خالد جبر :
أسعد الله صباحك :
لم يكن يخطر ببالي وأنا أكتب ما أكتب عن المكافآت شيء يخصك .
هنا في الأرض المحتلة من يعتقد أنني مثل المنشار آخذ من ألمانيا ومن الأردن ومن اسرائيل ومن الجرائد كلها ، فيطلب مني بالإيحاء أن أعلم ابنه أو أن أدفع عنه رسوم القسط الجامعي أو .. أو .... أو وأنا لا آخذ مكافآت من أحد إلا من جريدة " الأيام " الفلسطينية ، حيث تدفع لي مبلغا زهيدا أشتري به الكتب التي أقوم بمراجعنها .
هذا كل ما في الأمر ، وأردت أن أوضح لهؤلاء أنني لا آخذ من أية جهة . لا من ال "ان جي اوز " ولا من ( روزا لوكسمبرغ ) ولا من السعودية أو قطر أو ..أو .. فلم أغد ، مثل أكثر اليساريين ، أوروبيا ، أو مثل اكثر الحمساويين سعوديا وقطريا ، ولم أغد من رجال السلطة الوطنية ..الخ .. الخ ..
أسعد الله صباحك .
١٦
أنا وأبو حسن و .. و الأعمار بيد الله :
أبو حسن سائق التاكسي صديق طفولة ، فقد كنا في المدرسة معا . أنا غدوت ( بروفيسورا ) - حفظني الله - وأبو حسن غدا سائق عمومي - حماه الله -.
هذا الصباح أقلني أبو حسن من المساكن الشعبية الشرقية إلى وسط المدينة وكان الحديث ذا شجون .
سألت " أبوحسن " عن زميلنا وصديقنا ابن مخيم عسكر القديم طيب الذكر المعلم أحمد دياب وقادنا الحديث إلى الأمراض ومرض السكري وآثاره .
بلا طول سيرة قال أبوحسن إن الأعمار بيد الله وأيدته شرطية صعدت الحافلة أيضا من مخيم عسكر ، وقالت إن هناك شابا عمره 18 عاما توفي فجأة قبل وقت قصير .
أنا ، بدوري أخذت أقول :
- صحيح إن الأعمار بيد الله ولكن ...
و سأتحدث عن الأمراض أيام زمان وعن الطب وتقدمه وعن متوسط العمر قبل قرن من الزمان ومتوسط العمر الآن .
هل اقتنع أبو حسن والشرطية بما قلت ؟
ستقترب السيارة من مركز الشرطة وسأطلب من " أبوحسن " أن ينزلني ، ولما كان ذا دعابة - هكذا هو دائما - فقد سألني :
-إلى اين؟
وتابع :
إلى مركز الشرطة ؟ وابتسم .
الأعمار بيد الله والأسعار بيد التجار .
ما دور الفقر والجهل وقلة الوعي الصحي ودولة اسرائيل والنظام العربي في الموضوع ؟
هل لهم دور ؟
قبل سنوات كان يشاع في الضفة إن أكثر أهلها يموتون بالجلطات ، بسبب الضريبة التي يفرضها الاحتلال عليهم وبسبب وبسبب وبسبب ..
صباح الخير يا " أبوحسن "
خربشات
١٧
وإذا رجعتم فلأي منفى ترجعون ؟
السطر لمحمود درويش وأما مظفر فكتب :
قاومت الاستعمار فشردني وطني
النظام العربي السياسي شرد مظفر وأما أنا !
أما أنت وأما أنت .. وأما أنت ، فقد أبحرت بلا أي صوى وعرفتك لا تنوي الرجعة .
أما أنا فلا يشردني ويشعرني بالغربة إلا تخلفنا وجهلنا وفضولنا وحيونة أكثرنا .
هل سننتصر على العدو ؟
فقط بتخلفنا سننتصر وويل يومها للعقلاء منا سيذبحهم المتخلفون منا وهم كثر .
ويل لأهل الشام من أهل الشام القادمين !
ويل لنا من الحكام الجدد كما كان الويل من الحكام السابقين و .. وأكثر !
سيماء القادم من وجوه القادمين .إنهم الأفغان الجدد .
ستقتلنا اللحى والتخلف كما قتلنا الحكام القدامى ، وما أخشاه أن يحدث في الثورة ما حدث في فرنسا أيام نابليون .
من حرية واخاء ومساواة إلى استعمار
وعندنا من إقصاء النظام إلى إقصاء العقل والفن والحريات .
تفاءلوا .. تفاءلوا ، فالقادم أخطر :
من صدام الى المالكي وهكذا .
من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات !!؟
خربشات
١٨
سهرة مع إلياس خوري وروايته " رجل يشبهني " ٢٨
{ حلم العودة والموت في المنفى )
ظل أهلنا ممن هاجروا في العام ١٩٤٨ مكرهين ومجبرين ومخدوعين ناجين بأنفسهم ، ظلوا يحلمون بالعودة إلى مدنهم وقراهم ، ولكنهم لم يعودوا فماتوا في المنفى ودفنوا في مقابر مخيمات اللجوء أو حيث أقاموا . صارت المقبرة كما قال العجوز الفلسطيني المقيم في جنين هي الوطن . هجر العجوز ، كما لاحظنا ونحن نحوض في دال الوطن ، من عين حوض وظل يأمل بالعودة ولم يعد ، وفي ربيع ٢٠٠٢ إبان اجتياح مدينة جنين ومخيمها توصل إلى ما توصل إليه ، ويعد هذا العجوز واحدا من ٧٠٠ ألف فلسطيني أصبحوا اليوم ٧ ملايين أنا واحد منهم وحكاية أسرتي لا تختلف عن حكاية العجوز . مات جدي في العام ١٩٦٨ في مخيم عسكر وماتت جدتي بعده بعشر سنوات ثم مات أعمامي وأبي ولم يعودوا إلا زائرين . لي عم مات في الشام ولم يحضر أي من إخوته جنازته ، ولي عم ثان مات في عمان عرفنا عن موته بعد فترة ، فقد عاش مشردا في المقاهي ، وأما عمي الثالث فمات في اجتياح نابلس ٢٠٠٢ ودفن مع شهداء الاجتياح ولم نقم له بيت عزاء ، لأننا كنا نعبش محاصرين في فترات منع التجول . كان أبي أوفر حظا فقد مات في العام ٢٠٠٦ وكذلك عمي الأصغر الذي مات في العام ٢٠١١ . ماتوا ولم يعودوا .
في " رجل يشبهني " يموت راشد حسين في نيويورك . ظل راشد في العام ١٩٤٨ في قريته مصمص وهاجر بإرادته في العام ١٩٦٦ ليعيش مع آن المرأة اليهودية التي أحبها ، ولكنه بعد تجربة مريرة هناك وفي العالم العربي قرر العودة إلى بلاده ، ومات ولم يعد . ( ينظر مقالي الأحد القادم في جريدة الأيام الفلسطينية " راشد حسين في ذكراه : الفلسطيني في الرواية العربية " ٥ / ٢ / ٢٠٢٣ ) .
" أريد العودة " قال راشد ل آن .
" لكنك لم تعد تستطيع العودة إلى فلسطين بعدما لبست كوفية الفدائيين "
" أريد العودة إلى الفلسطينيين كي أعود معهم إلى فلسطين " .
ومات في شقته مختنقا .
ومات آدم في نيويورك ميتة راشد . لقد ترك بلاده لأنه شعر أنه يعيش فيها في منفى ، عله يبدأ في نيويورك حياة جديدة ، إلا أنه أخفق . لقد اكتشف أن جروحه لا تلتئم وهكذا يقرر :
" يجب أن أعود إلى اللد " ورأى روحه هناك " تعانق أمي الأولى التي بنت عشها على أغصان شجرة زيتون تقف وحيدة في الوعر " .
وكما ذكرت من قبل فإن آدم رأى أن حكايته تكمل حكاية راشد ولكنها لم تكتمل فأخذ يبحث عن كاتب يكتبه بدلا من عذابه .
سكر آدم وذهب إلى شقته ليموت ميتة راشد بالضبط ، ولم يعد إلى اللد ليبدأ من جديد ، وإذا كان راشد عاد إلى فلسطين ليدفن فيها فإن آدم لم يعد حتى ميتا . شرحت جثته في المستشفى ولم يلاحظ عليها عناصر جرمية ، وسمح لشريكه اليهودي في المطعم بدفن الجثة ، وبناء على وصية " آدم حسن دنون ، لم تجر أي مراسم جنائزية ، بل تم إحراق الجثة ونثر رمادها في نهر الهدسون ، بحضور شخصين " ، وبعدما نثر الرماد ، قالت ( سارانغ لي ) إنها ليست متأكدة من أي شيء . الرجل مات اختناقا وقهرا . إنها حزينة ، ثم اختفت ولم يرها أحد في مطعم " بالم تري " بعد ذلك .
كم فلسطيني مات في المنفى اختناقا وقهرا ؟!
مع مقال الأحد أكون كتبت الكثير عن الرواية ولكني لم أكتب كل شيء . ثمة كتابة عن البناء الفني للرواية تعرضت إلى جانب ضئيل منه ، وأتمنى أن ينجزه ناقد يقرأ الرواية قراءة بنيوية تفصيلية .
خربشات أدبية
٣ / ٢ / ٢٠٢٣
١٩
يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة ( ١٢٠ ) :
" شر البلية ما يضحك ، والواقع الأسود يشعل المخيلة "
كان إميل حبيبي يواجه الواقع الأسود بالضحك ، فالضعيف الذي لا يملك سلاحا يكافيء سلاح عدوه ليواجهه به يملك سلاح السخرية والضحك ، ولذلك قال : اضحكوا ، ولولا أنه خاف من أن يشرع العدو قانونا يعاقب الضاحكين لأغرقنا بالضحك .
ويبدو أن بعض سكان قطاع غزة من غير المقاتلين الذين يفعلون وليس لديهم مجال إلا للفعل ولا يظهرون لنا إلا لحظته ، يبدو أن بعض سكان قطاع غزة يواجهون واقعهم القاسي الصعب الذي يفوق الوصف بالضحك أو التخيل .
أحد سائقي العربات من مخيمات اللاجئين من وسط قطاع غزة - يسوق عربة يجرها حمار ( ضبل هش ) - أي هش هش أو حا حا - ارتدى الكفن وحجته أنه قد يموت في أية لحظة ، وهو يستعد لها ، بل إنه قدم نصيحة لمن لا يجد ملابس يرتديها أن يرتدي الكفن ثم إن الموت قد يأتي في أية لحظة .
كان الشاب يحكي ويضحك ، فماذا يفعل ؟ وربما لم يغب عن مخيلته أن بعض الدول العربية قدمت لأهل غزة الأكفان مساعدات لها . يومها ضج بعض الناس وقالوا : هذا ما يتمناه العرب لنا . الموت .
كنت بدأت هذه اليوميات برصد النكت والعبارات والمواقف الساخرة التي فجرها ٧ أكتوبر وهدم الجدار والقضاء على فرقة غزة ، وأتمنى أن تنتهي الحرب ، لكي تكون هذه الكتابة الأخيرة في مسلسل الدم والنار والموت في الخيام ؛ بردا وجوعا ومعاناة متعددة الأشكال .
صباح الخير يا غزة والمجد لك والزوال لهم محتلين
خربشات
٣ / ٢ / ٢٠٢٤
٢٠
على سكة الحجاز لجمال الحسيني
مذكرات دجاجة لاسحق موسى الحسيني .
روايات أبطالها هاجروا
وروايات أبطالها رفضوا الهجرة
وروايات مجدت حب الأرض والبيارة .
- سحر خليفة الجدل حول الأرض في الصبار وعباد الشمس ونهاية باب الساحة و" الميراث " ثم هجرتها هي
- عزمي بشارة " حب في منطقة الظل " ارهاصات بطله عمر .
- يحيى السنوار " الشوك والقرنفل " .
- أحمد حرب " بقايا " .
الكتاب العائدون : عودتهم وبقاء قسم منهم . زكريا محمد " عصا الراعي " غسان زقطان " عربة قديمة بستائر " عاطف أبو سيف " الجنة المقفلة ".
عبد القادر سطل " عاشق البيارة " . أحمد رفيق عوض " الحياة كما ينبغي " .
رواية المكان في الأدب الفلسطيني . الشغف بالمكان . صافي اسماعيل صافي " زرعين " وأسعد الأسعد " دروب المراثي "
٢١
غسان كنفاني :
" القميص المسروق " وكيس الطحين الذي يمشي
ما يبث من أشرطة فيديو عن أسعار السلع في رفح وبيع المساعدات التي دخلت إلى قطاع غزة ، علما بأنها جاءت مساعدات توزع مجانا ، ذكرني بقصة غسان كنفاني القصيرة " القميص المسروق " ( الكويت ١٩٥٨ ) .
لمن يرغب في أن يقرأ عن القصة فيمكن أن يعود إلى قراءتي لها وقد ظهرت في كتابي " قراءات في القصة القصيرة الفلسطينية " ( ٢٠١٢ ) وأيضا ( موقع ديوان العرب ٥ أيلول ٢٠٠٧ ) .
خذوا هذا المقطع من القصة :
"
- اسمع يا أبا العبد . إن رأيت الآن كيس طحين يمشي من أمامك فلا تذع الخبر لأحد !
- كيف ؟
قالها أبو العبد وصدره ينبض بعنف ، وشم رائحة التبغ من فم أبي سمير ، وهو يهمس وقد فتح عيونه على وسعها :
- هناك أكياس طحين تمشي في الليل وتذهب إلى هناك ..
- إلى أين ؟
- إلى هناك ..
حاول أبو العبد أن يرى إلى أين يشير أبو سمير ولكنه وجد ذراعيه مسدلتين على جنبيه ، بينما سمع صوته يهمس ببحة عميقة :
- ستأخذ نصيبك .
- هل هناك ثقب تدخلون منه ؟
ورفع أبو سمير رأسه نافيا ومفرقعا لسانه بمرح ، ثم همس بصوت نصف مبحوح :
- إن أكياس الطحين تخرج لوحدها .. إنها تمشي !
- إنك مجنون ..
- لا بل أنت المسكين .. اسمع . ولندخل في الموضوع مباشرة . إن ما علينا هو أن نخرج أكياس الطحين من المخزن ونذهب بها إلى هناك . إن الحارس سيمهد لنا كل شيء كما يفعل دائما . إن الذي سيتولى البيع ليس أنا ولا أنت . إنه الموظف الأمريكي الأشقر في الوكالة . لا . لا تعجب ، كل شيء يصبح جائزا ومعقولا بعد الاتفاق . الأمريكي يبيع ، وأنا اقبض ، والحارس يقبض ، وأنت تقبض ، وكله بالاتفاق ، فما رأيك ؟" .
اسألوا الذين يبيعون المساعدات في رفح عن الاتفاق ! اسألوا شخصا مثل " أبو العبد " رفض أن يكون شريكا بعد أن عرض عليه .
كأننا لا رحنا ولا جينا وتيتي تيتي مثل ما رحت جيتي وحالتنا منذ ١٩٤٨ سيزيفية . لاحظوا أن كنفاني كتب قصته في العام ١٩٥٨ .
مساء الخير يا غزة والمجد لك والزوال لهم محتلين والزوال أيضا للمستغلين واللصوص والمتاجرين بقوت الناس .
خربشات
٣ / ٢ / ٢٠٢٤
اليوم ١٢٠ للمقتلة وحرب الإبادة والمهلكة . .
٢٢
أمشي كأنني واحد غيري :
في العام ٢٠١٨ كتبت مقدمة لكتابي الذي أنجزته في حزيران وتموز وآب ٢٠١٦ " حزيران الذي لا ينتهي : شظايا ذاكرة ١٩٦٧ - ١٩٨٢ " ، واخترت عنوانا لها سطرا شعريا لمحمود درويش :
" أمشي كأنني واحد غيري " ،
ومنذ سنوات صرت أشعر أنني واحد غيري ، علما بأن من أعرفهم يتحدثون معي على أنني ما كنت .
وأنا أمشي في السوق في وسط المدينة تذكرت الشاعر التركي ناظم حكمت وزوجته منور وما آلت إليه علاقتهما بعد انتظار خمسة عشر عاما . كتب الشاعر في الزوجة ولها أجمل الأشعار ولما خرج من السجن والتقيا انفصلا .
هل كان أي منهما ؛ الزوج والزوجة ، غير الذي كان عليه قبل خمسة عشر عاما ؟
صرت مدمنا للوحدة حتى غدت كما قال مظفر النواب عن الغربة : كأن الغربة جرب في جسدي ، والوحدة تقود بالتأكيد إلى الغربة .
ولا أرغب في أن أكتب كلاما معادا مكرورا عن العثة في بلد العسكر ، ففلسطين والعالم العربي والدولة العبرية ، هذه كلها عسكر في عسكر في عسكر ، واسألوا من يحيطون بي .
لا جريغوري في مسخ كافكا ولا يوسف . ك في " المحاكمة " ألم بهما ما ألم بي ، وما يخفف عني أنني على قدر وحدتي وغربتي أكتب عن الشأن العام أكثر مما أكتب عن الشأن الخاص ؛ حزيران الذي لا ينتهي ، ويوميات الست كورونا ، وذاكرة أمس ، وأخيرا يوميات مقتلة غزة ومهلكتها وحرب إبادتها ، وهذا ما يواسيني ويعزيني .
في صفحة شوقيه عروق منصور قرأت اليوم " نحن شعب لا يستحي . ٢٣ قتيلا منذ بداية العام " وهي تقصد ما حدث في المجتمع الفلسطيني في مناطق ١٩٤٨ - يعني قتل سببه الجريمة الاجتماعية لا مقاومة الاحتلال .
وفي صفحة
Dooz دوز
قرأت :
" منذ بداية العام :
جنين ٣٨ قمرا
طوباس ١٥ قمرا
نابلس ٦ أقمار "
وهؤلاء قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي ، ولا أعرف إن كان من ارتقى في طولكرم منهم .
وفي الموقع نفسه قرأت في هذا الصباح تقريرا عن تهجير سكان مخيم طولكرم أيضا .
ولله الأمر من قبل ومن بعد ! صار الحديث عن التهجير والصمود يكثر في أحاديثنا .
قبل يومين سألتني شابة من غزة عن موقفي :
- هل أنت مع البقاء والصمود أم مع الهجرة ؟
وكانت إجابتي :
- لقد تشربنا أشعار توفيق زياد وسميح القاسم ونثر إميل حبيبي ولطالما كررنا :
- هنا باقون
- و إلى آخر نبض في عروقي سأقاوم
- و باق في حيفا
وأنا كتبت " باق في نابلس " .
حالة تعبانة يا ليلى !
هجرة ما فيش إن شاء الله و " صامدون هنا حتى الجدار الأخير " .
هل نحن من كنا أم أنني واحد غيري ؟
٣

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...