أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٥ آذار من كل عام :

١
" أبانا الذي في المخابرات " "
أمل دنقل
معنى ذلك أن الذين يصلون ، في حالتي ، عرصات .
قال تعالى :
( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ، ولكن البر من اتقى ، واتوا البيوت من أبوابها ) .
عبد الباسط هذا الصباح ، وأنا أصغي ، وأصاب الله بالفالج كل من دخل منزلي في غيابي
ولقد أصبحت ، هذا الصباح ، مؤمنا .
إذاعة القران الكريم
٢
لو كنت برتبة بروفيسور في ألمانيا :
لو كنت بروفيسور في جامعة ألمانية لكنت أستطيع توظيف مساعدي بحث وتدريس من الطلاب براتب ، ولطلبت منهما أن ينجزا لي أعمالي المكتبية كلها مثل : تعبئة البيانات وإجراء المراسلات ، واستعارة الكتب وإرجاعها وتصوير ما أحتاج إليه من دراسات ومقالات وكتب ، ولكان هذا يتم على حساب الجامعة ، وكان يمكن أن أصور ما أريد بلا حسيب أو رقيب من عميد أو سكرتيرة . ببساطة هناك ثقة تامة بمن هو برتبة أستاذ دكتور ، والألمان شعب شبعان " مش " شعب جوعان يحسب على الأستاذ الدكتور حركاته مثل تصوير ورقة .
بعض من درسوا في جامعات عربية وغدوا مسؤولين لا يختلفون عن إدارات الجامعات العربية في كل شيء . يفعل ما يريد ويصور لنفسه ما يريد ويتجسس على من يريد وقد يشغل طلبته جواسيس على زملائه . هل أنا مصيب أم تراني حننت إلى المانيا ، ومن الحنين ما دفع للمديح .
٣
إلياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " 2016 :
" إن هذا الرجل كاذب ، يدعي أنه إسرائيلي مع عشيقاته ، مع أنه فلسطيني " .
هكذا قال إلياس خوري لصديقه اليهودي حاييم عن آدم الفلسطيني .
كيف التقط إلياس هذه اللعبة التي كان يمارسها - وأكيد ما زال يمارسها - بعض فلسطينيي الداخل ، وهم في الغرب ؟
كان بعض فلسطينيي الداخل في أوروبا يزعم أمام اﻷوروبيات أنه إسرائيلي ، لا فلسطيني ، حتى ينجح في إقامة علاقة معهن ، ﻷنه لو قال إنه فلسطيني ، ولم تكن هي متعاطفة مع الفلسطينيين ، فسوف تهرب منه السمكة ولن يصطادها .
كان الزعم بأنه إسرائيلي يمكنه من إقامة علاقة في غرب أكثر أبنائه كانوا يتعاطفون مع إسرائيل .
طبعا لو كانت الفتاة الغربية متعاطفة مع الفلسطينيين فسيكون الفلسطيني مثل مصيفة الغور .
مقدمة رواية إلياس تثير أسئلة عديدة وتثير الشجن وتوقظ ذكريات .
5 / 3 / 2016
( ملاحظة متأخرة :
" في الجزء الثالث من الرواية " رجل يشبهني " يكتب إلياس خوري عن علاقة شخصيته آدم دنون بامرأة أمريكية مطلقة التقاها في الحديقة أقاما معا علاقة بعد أن أخبرها أنه إسرائيلي ، ولما عرفت لاحقا أنه فلسطيني قالت له إنه كذب عليها وانفصلا . كتبت عن ذلك في كانون الثاني ٢٠٢٣ حلقة كاملة تحت عنوان " إلياس خوري وروايته " رجل يشبهني ": امرأة الكلب " . ٥ / ٣ / ٢٠٢٣ Khoury Elias ) .
٤
صرنا أكثر .... !!
في ديوانه " حالة حصار " 2002 رأى محمود درويش أن الفلسطينيين صاروا ، بسبب تفكيرهم في الخلاص من الاحتلال ، أقل ذكاء .
وفي قصيدته " على محطة قطار ... " 2009 وصف الفلسطينيين الذين ضاعت منهم بلادهم بأنهم كانوا " طيبين وسذجا " .
ما سبق يقول إننا لم نكن أذكياء لنصبح أقل ذكاء ، و إننا كنا طيبين و سذجا ليس أكثر .
أعتقد أننا متذاكون لا أذكياء ، وهناك فرق بين الذكي والمتذاكي . الأخير أقرب إلى الشخصية الفهلوية التي كتب عنها المفكر صادق جلال العظم في كتابه " النقد الذاتي بعد الهزيمة " .
أكثر من أقابل متذاكون ويثيرون الشفقة . إنهم حتى لا يجيدون التمثيل .
أم كلثوم تغني
" حيرت قلبي معاك "
- طبعا هي تقول " البي ".
سلامة قلوبكم أو " إإلوبكم ".
5 / 3 / 2017
٥
تحولات الفلسطينيين :
من محمود درويش شاعرا يتكلم باسم الشعب إلى عباد يحيى يتكلم باسم رؤوف ونور ووسام وربا ...
من رام الله مدينة مقاومة إلى رام الله كشقة ومطعم وبار .
الموضوع يستحق .
في 90 ق 20 كتبت عن " من الثفاؤل إلى الخيبة "
وهذه المرة " من المقاومة إلى " ....
٦
إلى فتح وحماس :
ما هو رأي السلطة وحماس في تسريب المصري ياسر البحيري عن المصالحة ؟
هل حقا أن القيادات الفلسطينية غير معنية بالمصالحة وأنها " تعرص " على الشعب - على حد تعبيره ؟
هل مازال أبو الخيرزان حيا ؟
وهل صحيح ما أورده حسن خضر عن الياس مرقص صحيح ؟
قال لي الياس ، كما كتب حسن خضر في كتابه " أرض الغزالة "، إن القيادات الفلسطينية ، ومنها جورج حبش ، لو خيرت بين تحرير فلسطين وبين حل المنظمات الفلسطينية لاختارت بقاء الفصائل على التحرير . - آمل ألا أكون خلطت بين الياس والياس آخر .
هل ما قاله ياسر البحيري عن قيادات السلطة وحماس صحيح ؟
وهل يمكن أن استعير من رواية الياس خوري " أولاد الغيتو " عبارة إحدى شخصياتها ، وهو مراد العلمي ، إن لم أنس :
- " تفو علينا كيف صرنا " ؟
وهل مازال قول ابراهيم طوقان في قصيدته " أنتم " ساري المفعول :
" في يدينا بقية من بلاد
فاستريحوا كي لا تطير البقية " !
5 / 3 / 2018
٧
ماذا كان الروائي الجزائري الطاهر وطار سيكتب أو سيقول لو كان على قيد الحياة ؟
أغلب الظن أنه سيستعير من روايتة " الزلزال " مقولة وردت على لسان شخصية عبد المجيد بولأرواح :
" إنهم يقفون عند رأس يحتضر ميؤوس منه "
أغلب الظن ، وإن بعض الظن إثم .
5 آذار 2019
٨
الياس خوري " نجمة البحر " 27 :
" المؤلف الحقيقي والمؤلف الضمني "
هل تعد رواية " أولاد الغيتو " بجزأيها نموذجا متميزا لشرح فكرة ( واين بوث ) " المؤلف الضمني " أم تعد مثالا جيدا للناقد الجزائري عبد الملك مرتاض الذي ذهب في كتابه " نظرية الرواية : بحث في تقنيات السرد " 1998 إلى أن فكرة المؤلف الضمني غير مقنعة ولم يأخذ بها ؟
والحقيقة أن الدارس الصبور سيتوقف جيدا أمام الياس وآدم معا ، بل وأمام الياس وشخصيات روائية أخرى أهمها تلك التي تتشابه معه ، ثقافة واهتماما بالأدب والنقد ، وتبدي آراء أدبية ونقدية ، ومنها في الرواية أستاذا الأدب في جامعة حيفا ياكوب " قال ياكوب " وميشيل قصاب " ، ومن قبل الأستاذ مأمون الذي درس محمود درويش وحاضر في أشعاره ، هذا إذا غضضنا الطرف عن جهود الياس خوري نفسه في ترتيب " دفاتر آدم " وعنونتها وتصديرها بأبيات من الشعر .
ماذا لو تتبع الناقد الأدبي الياس خوري ناقدا ومدرسا جامعيا وكاتب مقالة أسبوعية ، وماذا لو قرأ المرء روايات الكاتب في ضوء ما سبق وفي ضوء المقابلات التي أجريت معه ، وبحث عن المتشابه في الآراء النقدية بين المؤلف الحقيقي والمؤلف الضمني والشخصيات ؟
كم هي نسبة المشترك بينهما ؟ وهل هذا التشابه هو من باب " وقع الحافر على الحافر " ومن باب تشابه القراءات والمواقف والتفسير والتأويل ؟
والصحيح أن هذه الأسئلة تلازمني ، وأنا أقرأ الرواية ، باستمرار ، وهي أسئلة تشرعها بعض مناهج النقد الأدبي .
منذ ثلاثة عقود وأكثر وأنا أدرس مادة مناهج النقد الأدبي النصية وغير النصية ، وأتوقف أمام المنهج النفسي .
في كتاب ( ديفيد ديتشس ) " مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق " ، الذي نقله إلى العربية محمد يوسف نجم ، فصل خاص عن نقد الأدب وعلم النفس ، وفيه يشير إلى أنه منذ بدايات القرن التاسع عشر أخذ النقاد يفيدون من الوثائق والمقابلات والسيرة الذاتية والرسائل في أثناء دراسة الأعمال الأدبية للمؤلف . وكنت ، من قبل ، أشرت أيضا إلى المنهج الوضعي الذي لا يفصل بين الكاتب ونصه ويقول بوحدتهما .
لا أعرف إن كان الياس خوري جمع مقالاته التي ينشرها في كتب لنعتمد عليها في دراسة بعض رواياته والمطابقة بين آراء بعض شخوصها الأدبية والفكرية والنقدية وبعض ما ورد في المقالات والمقابلات .
يمكن طبعا أن يقتصر المرء على سبيل التمثيل على الآراء الواردة في الروايات في أشعار محمود درويش وعلى آراء الياس في مقالاته ودراساته .
كما ذكرت ترد في الرواية على لسان الأستاذ مأمون آراء نقدية كثيرة حول أشعار محمود درويش ، والياس درس في كتبه ودراساته في المجلات وفي مقالاته في الصحف أشعار الشاعر ، وقسم منها يحضر بوضوح في الرواية .
ويمكن قول الشيء نفسه فيما يتعلق في الأدب الإسرائيلي .لقد درسه الياس ودرسه في جامعة نيويورك ، وفي الجزء الثاني ، بل وفي الجزء الأول ، آراء حول الأدب العبري ترد على لسان أساتذة الأدب في جامعة حيفا .
ومن الطريف هنا متابعة مقالات الياس خوري وقراءة ما ورد فيها حول الأدب العبري ، فقد قرأه باللغات الأجنبية . وفي أثناء قراءة رأيه يمكن النظر في الآراء النقدية الواردة في الرواية حول هذا الأدب ، لملاحظة كم تتشابه الآراء ، وبالتالي النظر فيما إذا كان الكاتب يوزع أفكاره على شخوصه ، كما قيل عن جبرا ابراهيم جبرا .
الأمر يطول ويحتاج إلى إمعان النظر وتفكير .
٩
اليهود والشتائم :
مرة كتبت عن الشتائم في الأدب .
وأنا أنظر في رواية إميل حبيبي " المتشائل " قرأت الآتي :
" فإذا سألتهم بالعربية كشفوا أمري . فبالانجليزية أثرت شكوكهم . فرحت أستعيد ما أذكره من كلمات عبرية حتى تبادر إلى ذهني أن السؤال عن الوقت بالعبرية هو : " ما شاعاه " ، الذي وجهته ، يوما إلى فتاة قرب سينما ارمون فشتمت عورة أمي بالعربية الفصحى " .
إن لم تخني الذاكرة فإن الياس خوري في روايته " أولاد الغيتو ٢ : نجمة البحر " ، على لسان إحدى شخصيات الرواية ، رأى أن اليهود سرقوا منا الوطن والتراث والفلافل و ... والشتائم .
أمس أرسل إلي أحد الأصدقاء شريطا يلجأ فيه القادة الفلسطينيون إلى الشتائم البذيئة .
أحيانا نفعلها .
بعين الله .
٥ آذار ٢٠٢٠
١٠
أنا والجامعة 23 :
المستشرقون واللغة العربية :
في مسيرتي الجامعية ، منذ العام ١٩٩١ حتى الآن ، دوشني كثيرون بأسئلة معينة هي :
- كيف درست الأدب العربي في ألمانيا؟
- هل أتقنت الألمانية ؟
- هل ما زلت تجيدها كتابة وقراءة ومحادثة ؟
- بأية لغة كتبت رسالة الدكتوراه ؟
في الجامعة التي درست فيها ، وهي جامعة ( اوتو فريدريك / بامبرغ ) قانون يجيز للطالب أن يكتب أطروحته بلغة يتقنها المشرف والممتحن ، على أن يقدم لها ملخصا في حدود ٤٠ صفحة باللغة الألمانية ، وإن كتبها باللغة الانجليزية فليس مطالبا بالملخص ، ولم أنتبه لهذا القانون إلا بعد أن سلمت الأطروحة بالألمانية ، ولو كنت انتبهت لسلمتها بالعربية مع ملخص بالألمانية .
أنفقت في ألمانيا ثلاث سنوات وتسعة أشهر وتسعة أيام بالتمام والكمال ، أنفقت ستة أشهر منها في تعلم الألمانية بمعهد ( غوتة )
في مدينة ( فرايبورغ ) وظللت أتعلم اللغة يوميا في السنوات الباقية ، وعندما عدت إلى فلسطين واصلت تعلم اللغة من خلال الإصغاء إلى الفضائيات الألمانية وترجمة الدراسات المكتوبة بالألمانية وقراءة مجلة ( Deutchland ) التي كانت تصلني من ألمانيا شهريا ، ولكني منذ آب ١٩٩١ انقطعت عن التكلم بالألمانية لعدم وجود ألمان أتواصل معهم ، وأعتقد أنني في جانب اللغة أنجزت أكثر مما ينجزه ألماني في المدة نفسها في تعلم العربية .
غالبا ما أتذكر ما كتبه إميل حبيبي في روايته " المتشائل " عن تعلم بطله سعيد العبرية وعن تعلم صباني نابلس العبرية في أقل من سنتين .
في " المتشائل " في الرسالة ١٥ من الكتاب الأول يأتي سعيد على الدرس الأول في اللغة العبرية ويصف كيف تعلمها كالآتي :
" وتكلمتها بأسرع مما قرأتها . وأخذني الأمر عشر سنين حتى ألقيت أول خطاب تحية باللغة العبرية . وكان أمام رئيس بلدية حيفا ، فسجلها في صحيفته سابقة " .
ثم يأتي على تعلم صباني نابلس العبرية في أقل من سنتين ، فيكتب ساخرا :
" فليست الحاجة أم الاختراع ، بل مصلحة القوم التي أرخصت أمهاتهم ، فقالوا : الذي يتزوج أمي هو عمي ! " .
وفي الكتاب الثالث في الرسالة ٢ التي عنوانها " كيف أصبح علم الاستسلام ، فوق عصا مكنسة ، علم الثورة على الدولة ؟ " يسخر من الضابط اليهودي الذي يشتمه ، لأنه رفع علم الدولة في حيفا على عصا مكنسة ملبيا نداء المذيع .
يكون الكلام ، في العام ١٩٦٧ ، موجها لأهل الضفة وغزة ، لا لأهل حيفا . ويكون سعيد في حيفا ومع ذلك يرفع العلم - يفعل ذلك متغابيا ساخرا ، وحين يسأل الصابط سعيدا عن سبب رفعه العلم والكلام ليس موجها لأهل حيفا ، يجيب سعيد بأنه سمع النداء من الإذاعة الإسرائيلية .
يرى الضابط أن مذيعي القسم العربي في الإذاعة الإسرائيلية أساؤوا صياغة النداء ، وكأنه يتهم العرب بأنهم لا يعرفون لغتهم . وهنا ينبري له سعيد مفندا داحضا :
" فدافعت عن بني قومي ، الذين يعملون في محطة الإذاعة ، قائلا : ما على الرسول إلا البلاغ . يهتفون بما يلقنون " .
والكلام السابق ، بخاصة كلام الضابط ، يحتوي على قدر من الإهانة .
والسؤال هو :
هل يتقن المستشرقون الذين يدرسون العربية العربية ؟
في العام ١٩٨٦ التقيت في القدس ، كما ذكرت ، بالمستشرقة الألمانية ( انجليكا نويفرت ) وتكلمنا معا بالعربية ، ووجب أن أتحدث ببطء وبعربية فصيحة حتى تفهم ما أقول . وكانت ( نويفرت ) بدأت تتعلم العربية منذ عقود وعاشت في العالم العربي عقدين تقريبا تدرس في الجامعات .
تتقن ( نويفرت ) والمستشرقون الألمان الإنجليزية ويتقنون لغات أخرى وهم في هذا الجانب أفضل منا ، ولكني أشك في انهم يتقنون العربية كتابة ، ولدي أكثر من دليل . إنهم يتقنونها قراءة وبدرجة أقل محادثة وأما كتابة فلا يفلحون في ذلك ، وربما لذلك أسباب عدا صعوبة العربية كتابة حتى لأبنائها .
يكتب المستشرقون بلغتهم الأم أو بالإنجليزية وأما بالعربية فنادرا ما يكتبون وإن كتبوا تكون كتابتهم ركيكة وركيكة جدا .
في ربيع ١٩٨٨ عندما سجلت في الفصل الجامعي الأول في الجامعة ، بعد إنهاء فصل اللغة ، عرضت علي الأستاذة ( نويفرت ) مقالا مترجما من الألمانية إلى العربية لأصححه لها ، فلم أفهم المكتوب . وبعد ذلك بسنتين طلب من أستاذتي ( فيلاندت ) أن تلقي محاضرات في العالم العربي تركز على أربع موضوعات . كتبت أستاذتي محاضراتها باللغة العربية وعرضتها على مساعدها ( فونك ) على أمل أن ينظر فيها ، فاقترح عليها أن أنظر أنا فيها ، وهو ما كان .
الأستاذة ( فيلاندت ) تتقن العربية قراءة وتحسن التكلم بها ولكنها لم تكتب فيها من قبل . ولسوف أنفق أسبوعا وأكثر في إعادة صياغة ما كتبت وأحيانا لم أكن أفهم ما تعني ، فاضطر للجلوس معها لسؤالها عما قصدت ، ولو كانت كتبت محاضراتها بالألمانية لترجمتها لها في المدة نفسها ، وكانت هي على وعي بصعوبة الكتابة بلغة يتعلمها المرء على كبر ولذلك طلبت مني أن تقرأ لي الفصل الأول من أطروحتي بالعربية .
وحتى قراءة المكتوب بالعربية كان أحيانا يستعصي فهمه على المستشرقين . الأستاذة ( فيبكة فالتر ) قدمت من ألمانيا الشرقية واستقرت في ( بامبرغ ) وطلب منها أن تتقدم للأستاذية من جديد ( Rehabilitation ) وعندما كانت تقرأ نصوصا عربية فيها مفردات استعصت عليها ، كانت تستعين بي ، وغالبا ما كانت هذه المفردات أجنبية مكتوبة بحروف عربية مثل ( مونولوج ، ايتيقا ، رتم ، انطولوجي .. الخ ) وسرعان ما تبتسم حين أنطق الكلمة بالإنجليزية أو حين أقول لها إن هذه المفردة غير عربية ولكنها مكتوبة بحروف عربية . كانت تبحث ساعة أو أكثر عن الكلمة في القاموس دون أن تجدها وسرعان ما تتصل بي .
مرة طلبت كتابا من بروفيسور ألماني فلم يعثر عليه في مكتبته ، فأعاد إلي الجزازة التي دونت عليها عنوان الكتاب المطلوب وقد كتب عليها : " لا عندي " - أي ليس الكتاب عندي .
أنهيت عملي في الجامعة وما زال الآخرون محتارين في لغتي العربية والألمانية والإنجليزية والعبرية .
أنا الأصم الأبكم الأعمى ، كما كتب الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي رثاه محمود درويش في قصيدته " مديح الظل العالي " :
الشاعر افتضحت قصيدته تماما
وثلاثة خانوه ؛ تموز وإيقاع وامرأة
وناما "
وكم من تموز وإيقاع وامرأة خانك يا أنت ؟
ه آذار ٢٠٢٠
١١
ذاكرة أمس ١٠ : كأنها أجواء حرب :
وأنا أمشي أمس في البلدة القديمة / نابلس ، وكانت الأمطار تتساقط تساقطا خفيفا ، كنت أتوقف تحت بعض المظلات بذريعة تجنب المطر ، في حين أن الدافع الرئيس للتوقف كان الإصغاء إلى ما يقوله محافظ المدينة حول ما ينوي اتخاذه من قرارات بخصوص تفشي الوباء .
أحد أصحاب المحلات قال لي تفضل فأعلمته أن قصدي هو الإصغاء ، وقد أوحى إلي بأنه يدرك هذا .
صاحب محل آخر اشتريت منه أبدى استياءه من القرارات التي أعلنها المحافظ ، فهمس لي بأن المحافظ لا يعرف المدينة جيدا ، وقال بأنه ، وهو يبيع ، يحافظ على مسافة متر بينه وبين الزبون .
وأنا أتصفح مساء صور الفيس " your story " التفت إلى عبارة :
الإصابات في رام الله والإغلاق في نابلس "
يعني الكلام للجارة واسمعي يا كنة - إياك أعني واسمعي يا جارة .
في مقهى الرشيد ، حيث شربت شايا مرا ، كان الرواد قليلي العدد ، والنادل الذي أضاء الكهرباء حيث جلست رحب بي كعادته مستخدما دال " أستاذ " . ولا أعرف إن كان قرأ ما كتبته قبل يومين ثلاثة عن جلوسي في مقهى الشيخ قاسم / آسم ، وتوجهي بالكلام إلى بلدية نابلس للإسهام في ترميم هذه المقاهي ، باعتبارها تراثا وأماكن سياحية .
كان المقهى في ستينيات القرن ٢٠ مزدهرا وجديدا والآن ، إن نظرت إلى سقفه ، يبدو قديما متداعيا يحتاج إلى ترميم .
أهالي نابلس منقسمون فيما بينهم بخصوص قرارات الإغلاق المقر من صباح الأحد حتى أسبوع .
وأنا أصغي إلى المحافظ يتكلم عدت بذاكرتي إلى الخامس من حزيران وصوت أحمد سعيد وإذاعة " صوت العرب " . ثمة صوت جهوري يعلن بيانا هاما .
أجواء الشتاء وأجواء المقهى معا حثتني على المغادرة لأمشي تحت المطر حتى لو تبللت .
قرب المقبرة الغربية أمعنت النظر في ألواح الزينكو التي تحيط ببقايا آثار المنزل الذي سوي بالأرض لقدمه ، حتى يقام مكانه بناء جديد ، ولا أحد يهتم بالمباني القديمة كجزء من تاريخ نابلس ، وقبل أشهر هدم بيت رئيس البلدية الأسبق أحمد السروري على الرغم من احتجاجات بعض أبناء المدينة .
أجواء كابوسية صارت تسيطر على المواطنين بسبب تفشي الكورونا وعدم توفير اللقاح للراغبين فيه .
إذا انعدمت الثقة انتهى الاحترام وحل التوجس والخوف وأجواء الكراهية ، وربما الكورونا هي من يخفف قليلا منها - أي الكراهية ، فأنت لا تدري ماذا سيأتي غدا !! هل للكورونا بعض فوائد إذن ؟!
٥ آذار ٢٠٢١
١٢
" ... وأنا أذكر وجها صحفيا
اسمه كان " نعم "
كان في طشقند .. في مؤتمر الكتاب
مندوبا عن النفط ، وعن عرش الملك
فارسا كان ، له سيفان :
سيف مستعار من حزيران
وسيف من " نعم " ..
قال لي في قاعة المؤتمر : الآن عرفنا المتهم
قلت من ؟
قال : الذي باع الوطن
لعصابات اليهود
قلت : لا أفهم
قال : الاشتراكيون والأنظمة المستورد ! "
محمود درويش .
١٣
عبد الباسط عبد الصمد وفيروز " مسلمون ومسيحيون تحت خيمة واحدة " :
منذ سنوات طويلات اصحو في الخامسة صباحا وأول ما أفعله هو تشغيل المذياع . الإذاعة التي أتابعها هي " أجيال " ، وفي تلك الأثناء أصغي إلى صوت عبد الباسط عبد الصمد يقرأ ما تيسر من سور القرآن . ما إن تبلغ الساعة السادسة والنصف حتى يختتم قراءته ب " صدق الله العظيم " ، ليعلو بعد تجويده صوت فيروز تغني وترندح لمدة نصف ساعة .
في الحرب الأهلية في لبنان في العام ١٩٧٥ كان صوت فيروز يوحد بيروت المتحاربة ؛ الغربية والشرقية ، إذ كان البيروتيون هنا وهناك يقتسمون صوتها ، وهو ما لاحظه محمود درويش وكتبه في قصيدته " بيروت " ( ١٩٨٠ / ١٩٨١ ) .
في سيرته " بين مدينتين " يكتب فتحي فوراني عن حياته معلما في الكلية الارثوذكسية ، وهي مدرسة يدرس فيها المسيحيون والمسلمون معا . إنه ينظر إلى نفسه على أنه مربي أجيال أولا ، فكيف يؤلف بين الطلاب هؤلاء وهؤلاء؟
إنه يخوض تجربة .
يكتب فتحي أن على المعلم في درس الأدب العربي للصف العاشر أن يدرس بعض النصوص القرآنية . إنها نصوص مقررة في المنهج .
حين يطلب من الطلاب أن يحضروا مادة قصيرة تعرفهم بالقرآن الكريم ترفع سوزان اصبعها وتسأل ببراءة :
- أستاذ ! ما هو القرآن ؟؟
ويتوقف الأستاذ للحظة ثم يطلب منها أن تحضر المادة ، ثم يطلب منها في درس قادم أن تحضر مسجلا مشحونا ببعض السور للمقريء عبد الباسط عبد الصمد ، وهكذا يصدح صوته بما تيسر من آيات الذكر الحكيم .
الدرس القادم سيكون عن الإنجيل ، وسيطلب المعلم من أحمد الطالب الذي يعشق اللغة العربية ويهتم بالتعرف على الكتب السماوية الاستعداد للتحضير عن الإنجيل ، وسيتكلم أحمد عن حياة السيد المسيح وأمه مريم في القرآن وسيحضر أحمد المسجل الذي يحتضن في صدره صلوات سيدة الغناء فيروز وصوتها الملائكي في جناز السيد المسيح . " الهدوء تام ، والاصغاء سيد الموقف .. " ارم الإبرة .. تسمع رنتها " .
هكذا رأى المعلم أن الطلاب على مختلف انتماءاتهم الدينية والمذهبية استمتعوا بدرس الأدب المميز وغير العادي .
************************
قبل ١٩٤٨ أقام الشاعر اللبناني وديع البستاني في فلسطين وكان ينظر إلى نفسه على أنه عروبي أولا ، ولهذا قال :
" أجل ! عيسوي ، اسألوا الأمس والغدا
ولكن عروبي يحب محمدا " .
وإن لم تخني الذاكرة فإن رواية جمال الحسيني " على سكة الحجاز "(١٩٣٢) أتت على العلاقات الأخوية بين المسيحيين والمسلمين في حيفا ، وكما كتبت من قبل فإن لفتحي فوراني كتابا عنوانه " مسلمون ومسيحيون تحت خيمة واحدة " .
٥ / ٣ / ٢٠٢٣
١٤
فجر اليوم ( ١٥١ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
" الجوع أبو الكفار "
أمريكا ، بمساعداتها التي ألقتها على غزة ، ينطبق عليها المثل الشعبي " بضرب كف وبعدل الطاقية " ، أما النظام العربي فما زال يمدح اتفاقات السلام ووجهة نظره ، إن ألمحنا إلى عجزه ، أنه ما كان ليستطيع أن يقدم لأهل غزة المساعدات لولا اتفاقات السلام - يعني لمات أهل غزة جوعا . هل نقول بارك الله في اتفاقات السلام وفي الحاكم العربي الرشيد وإلا لمات أهل غزة كلهم جوعا ؟
الشريط الذي شاهدته هذا الصباح يري أهل غزة ضائعين في الشوارع جوعى بائسي الملامح متسخي الملابس حفاة أو شبه حفاة يقتلهم البرد يتوسل قسم منهم جنديا إسرائيليا يوزع عليهم بعض أكياس حليب أو طعام ويقول لهم :
- وينها حكومتكم تركتم في الشوارع و اختبأت ؟
وكان الرجلان الغزاويان الستينيان السبعينيان بملابس رثة ، وقد أنهكهما الجوع ، يبكيان ويشتمان ويخاطبان الجندي بالعربية والعبرية . كانا يلعنان العرب والحكومة في غزة ويتفوه أحدهما ب :
- والله بنحبكم أكثر منهم !
فيما تكلم الثاني بعبرية لم أتمكن من فهم ما تلفظ به بها ، وأما أنا البعيد الجالس في شقتي لا أعاني من برد أو جوع ف ... .
لقد رددت قول الشاعر مظفر النواب :
" لا تلم الغزاوي في هذا الزمن الكافر ، فالحوع أبو الكفار ،
مولاي أنا في صف الجوع الكافر ما دام الصف الآخر يرزح تحت الأوزار " .
وأنا أتجول أول أمس في مكتبات عمان أبحث عن كتاب عماد الطراونة " محمود درويش : كلام من ذهب " دخلت إلى مكتبة فرأيت رئيس الوزراء الأردني الأسبق السيد عبد الرؤوف الروابدة جالسا . تحدثنا لمدة خمس دقائق ظهرت فيها روحه المرحة وميله إلى الدعابة والمزاح وأتينا على أحداث غزة و ... و ... وذهب إلى طبيب الأسنان حيث حان الوقت المحدد ، وأما أنا فواصلت تسكعي في الأماكن المحببة إلى قلبي هناك . قلب عمان النابض وسطها وجامع الحسيني ومقهى السنترال ، وكانت السماء تمطر مطرا خفيفا المشي فيه محتمل جدا .
منذ كتبت نصي " ليل الضفة الطويل " وأنا أسمع من بعض من أتحدث معهم هذه العبارة :
" مش تكتب حوارنا . انس كل ما قيل " وأنا ألبي لهم رغبتهم .
٥ / ٣ / ٢٠٢٤ .
١٥
الموظفون الإسرائيليون اليهود العاملون في محطة الاستقبال والوداع على الجسر عالم آخر غير الإسرائيليين الجنود ببزاتهم العسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية وغير المستوطنين والجنود أيضا في الضفة الغربية .
لقد تعاملوا بصمت وهدوء ودون إزعاج ، لدرجة أنك تنسى كل ما كتب عن عذابات السفر ، على الجسور ، على مدار خمسين عاما ، وتنسى قصيدة فدوى طوقان " آهات أمام شباك التصاريح " .
٥ / ٣ / ٢٠٢٤
١٦
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
العالم بعيدا عن غزة والضفة الغربية
في ٢٥ شباط ٢٠٢٤ غادرت نابلس ، لأول مرة منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، بداية طوفان الأقصى ، لأشارك في ندوة ، في معرض الكتاب في سلطنة عمان ، ندوة عنوانها " التشبث بالأرض في الأدب الفلسطيني " . غبت ثمانية أيام وعدت في الرابع من آذار . ركبت السيارة والطيارة ونمت في فندقين وتجولت في الشوارع والأسواق وصالات المطار ، ولم أنس أنني وشعبي نعيش تحت الاحتلال ، وأن أهل غزة يعانون من ويلات الحرب وقسوتها ، وما مررت به قال لي إن الحياة ، بعيدا عن فلسطين ، مختلفة تماما ، وأن اهتمامات الناس هناك لا تمت بصلة لما نعانيه ونكابده ، وأن أكثر ما يمكن أن يقدمه الآخرون لنا لا يعدو عبارة تعاطف يمكن اختصارها ب " الله ينصركم ويكون بعونكم ويقويكم على عدوكم " .
مثلا السائق الذي أقلني من الجسر إلى عمان ، وهو لداوي لاجيء ستيني ولد في مخيم الجلزون وهاجر مع أهله في حزيران ١٩٦٧ ، تحدث طويلا عن معاناته وعذابات السواقين ، وكان فاتحة الحديث هو استفساري عن سبب عدم توصيله الركاب ، هو وغيره من السواقين ، إلى الموقف المحدد في " طبربور " . السائق لم يأت على ما يجري في غزة . الحديث عن غزة حضر مع صديق اصطحبني ليلا من الفندق إلى الأسواق الجديدة في عمان ، المقامة على أرض مبنى المخابرات الأردنية السابق في الشميساني ، ولأول مرة أسمع باسم ( بوليفارد
) . عالم مختلف تماما عما تختزنه الذاكرة . من مقر مخابرات إلى سوق تجاري حديث أوروبي الشكل والنمط . في بوليفار ليلا يعيش الناس حياتهم بالطول والعرض ، مكررين قول محمود درويش " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " ، كأن لا حرب هناك في غزة ، فلا قتلى ولا جرحى ولا جوعى ولا مشردين بلا مأوى ولا مرضى بلا علاج . لا شيء لا شيء من هذا ، فالعالم كله شبعان ريان وكاس غير عريان ولا ينقصه شيء ، وفي صالة الطعام في الفندق صباحا تحتار فيما تختاره ، بعد أن نمت ليلا في غرفة مكيفة .
في مطار الملكة علياء الذي وصلت إليه بسيارة حديثة مكيفة تمشيت وتابعت حركة البشر المنشغلين بختم جوازات سفرهم والتجول في السوق الحرة . في المطار ترد إلى مسامعك مفردات لغات مختلفة ، فتشعر أنك في برج بابل الذي يتحدث فيه البشر كل بلغته ، والفارق هو أن برج بابل في المطار لا يدخل اللغات إلى نهر ( ليثي ) ليفهم الجميع اللغات كلها بعد صهرها بلغة واحدة - أعني أن النهر لا يحول كل شيء يدخل إليه إلى ذهب - أي اللغات إلى لغة واحدة ، وفي المطار لا تفهم اللغات كلها . وفي المطار تصغي إلى صوت يوجه الركاب إلى طائراتهم ، والركاب مشغولون بأحاديث جانبية ، ربما عن العائلة والوطن والعمل وأسعار العملات والمشتريات ووجبات الطعام في الطائرة . في مطار الدوحة يصطحبك الصديق فخري صالح إلى صالة المها المسموح دخولها لحملة البطاقة الائتمانية ( إليت / Elite ) التي لم تفعلها أنت .
قبل أن أقطع جسر الملك حسين كنت أكتب يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة صباح مساء ، وأما منذ قطعته ، وصرت خارج حدود فلسطين ، فقد انصرف ذهني إلى السفر والطائرة والفندق والسوق والإقامة ، وما عدت أصغي ٢٤ ساعة إلى الأخبار وما عدت أشاهد الأشرطة واستحضر كتبي وأظل مشغولا بما سأكتب . لقد أخذتني تفاصيل السفر إلى عوالم مختلفة ، وصارت غزة وفلسطين بعيدة ، فانطبق علي المثل الشعبي " البعيد عن العين بعيد عن القلب " وتيقنت من أن مناشدة الفلسطينيين العرب والمسلمين ، لمساعدتهم ، ليس أكثر من سلوك دونكيشوتي .
في مطار مسقط استقبلنا مضيفنا العماني . رحب بنا وأقلنا إلى فندق هرمز ( داريسدون ) لننفق الليلة الأولى ونحاضر في مساء اليوم التالي عن " التشبث بالأرض في الأدب الفلسطيني " . هل ينسى العرب فلسطين ؟ ها هي تحضر في معرض الكتاب في سلطنة عمان ويصغي العمانيون إلى أبنائها - أي فلسطين ، يتحدثون عنها مدة ساعة ، ثم ... ثم تسير الحياة وتستمر ، وتنتهي المحاضرة والنقاش ، وينصرف الحاضرون الذين لم يتجاوز عددهم الأربعين إلى شؤون حياتهم ، وينصرف المتحدثون إلى الفندق ومطعمه يواصلون أحاديث جانبية عن الأدب والأدباء ؛ الأحياء منهم والأموات .
هل تدور حرب في غزة ؟
الحرب في غزة محتدمة يعاني من ويلاتها الغزيون ، أما نحن ، في الفندق والسوق وعلى شاطيء بحر عمان ، فنأتي على سيرة محمود درويش وبهارات عدن ونتمشى على الشط ، وحين نجلس في المقهى لنستمتع بمنظر البحر يطلب منا النادل أن نترك الطاولة لنجلس على أخرى داخل المقهى ، فالرياح تنبيء بمطر غزير ، وما هي إلا دقائق حتى انهمرت الأمطار واشتدت الرياح وطارت المظلات ، وفي داخل المقهى نتحدث مع الكاتب العماني محمود الرحبي والسعودي طاهر الزهراني عن روائيات وروائيين سعوديين ؛ محمد حسن علوان وعبده خال ووردة عبد الملك وصبا الحرز ورجاء صانع ، وينضم إلينا الكاتب المغربي محمد جليد ، لنواصل الثرثرة في الأدب ، ولا نأتي على ما يجري في غزة . هل كان يجري في غزة شيء ؟ هل كان ثمة قتلى وثمة جرحى يعانون من نقص الأدوية ومستلزمات العمليات الجراحية ؟
كأن لا شيء يحدث في غزة !!
غزة التي تعيش أسوأ كوابيسها .
في مسقط نزور المتحف الوطني وسوق مطرح ونشاهد قلعة الجلالي . في المتحف نحضر فيلما عن عمان ، وفي السوق يشتري فخري البهارات ، فقد نصحه بها صبحي حديدي ، وعن قلعة الجلالي يحدثنا محمد الشعري الروائي العماني . يحدثنا عن سجنها وبعض سجنائها ، والذاكرة ما عادت حديدية .
العالم بعيدا عن غزة لا يعرف عنها وقد يهتم بأمرها وقد لا يعنيه أمرها كثيرا ، وفي أحسن الأحوال قد يتعاطف مع المقاومين وينظر للحلول القادمة من منظور إسلامي ، فيبدو مطمئنا ، فالله في كتابه الكريم وعدا المسلمين بالنصر و ... و ... .
العالم بعيدا عن غزة والضفة الغربية يواصل حياته العادية كأن لا حرب هناك ولا جوعى ولا عطشى ولا قتلى ولا جرحى بالآلاف ولا .. ولا .. ولا .. .
مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ١٠ / ٣ / ٢٠٢٤ .
٥ / ٣ /:٢٠٢٤
١٧
ماذا لو قرأ القاريء رواية باسم خندقجي " قناع بلون السماء " ( ٢٠٢٣) ورواية عدنية شبلي " تفصيل ثانوي " ( ٢٠١٧ ) ؟
كلتا الروايتين صدرتا عن دار الآداب ؛ الثانية حصلت على جائزة و " قناع بلون السماء " مرشحة أيضا لجائزة .
في رواية باسم شيء من روايات إلياس خوري ، وفي رواية عدنية شيء من روايات إميل حبيبي .
كيف ؟
٥ / ٣ / ٢٠٢٤
١٨
" تغن بالشعر ، إما كنت قائله ،
إن الغناء لهذا الشعر مضمار "
هل كان لغنائية بعض شعرائنا ، دون غيرهم ، ونحن نكتب عن الحدث الكبير 7 اكتوبر / طوفان الأقصى ، إسهام في تضمين أبيات أو أسطر شعرية من شعرهم ؟
هل كان لقصائدهم في الموضوع الوطني ، دون غيره من الموضوعات ، دور في إشهار قصائد أو دواوين من أشعارهم ، دون غيرها ؟
هذا ما يشغل ذهني لكتابة مقال " هوامش من وحي ما جرى في غزة : محمود درويش وكتابه " أثر الفراشة " مثالا .
( مقالي الأحد القادم ٩ / ٣ / ٢٠٢٥ :
هوامش من وحي ما جرى في غزة :
كما لو أن الشاعر كتب قصائده فيما يجري )
٥ / ٣ / ٢٠٢٥
١٩
" ليس لدى الكولونيل من يكاتبه " :
هذا الصباح تأكدت من أن هناك خللا في حاسوبي . أرسل الرسائل فلا تصل . والرسائل التي ترسل إلي لا يصل أكثرها .
هل حقا ليس لدي من يكاتبني ؟
أنا جاهل في التكنولوجيا إلى حد كبير ، وإن كنت أدبر حالي .
غالبا ما أكرر مقولة مظفر النواب الشعرية
" فالعثة في بلد العسكر تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته ".
قبل أسبوع تقريبا نشرت مقالة عنوانها " اغتيال مظفر النواب .. شعريا " أتيت فيها على طبعات أعماله المختلفة وعدم دقة مصدريها .
كم نحن بائسون ولا نحترم أنفسنا .
قبل أشهر عديدة - ربما قبل عام - كتبت مقالة عنوانها " مثقفون صهاينة " أتيت فيها على تشويه كتابي " جدل الشعر والسياسة والذائقة ...
دراسة في ظاهرة الحذف والتغيير في أشعار محمود درويش "
ثمة ابن كلب وراءه ابن كلب آخر عبث بالكتاب وأكثر من الأخطاء فيه .
هل أنا صادق فيما أزعم ؟
البقية عند الله !!
٢٠١٣
٢٠
4-..عبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى )
" سنعود " :
ما الذي كانت قصائد أدب النكبة تحفل به ؟هل كانت قصائد ذات نغمة متفائلة أم ذات نغمة متشائمة ؟
يختار أبو سلمى لقصيدته المدرجة " سنعود " وهي مفردة دالة بما فيه الكفاية للإجابة عن السؤال السابق ، وقد عززها أبو سلمى بقوله :
" ويسألني الرفاق ألا لقاء
وهل من عودة بعد الغياب "
وقوله :
" أجل ..سنقبل الترب المندى " .
هل كان تفاؤل أبي سلمى تفاؤلا ساذجا ؟يعتمد الشاعر في تفاؤله على ماضيه العربي ، فهو ، حين نظم القصيدة ، كان ما زال يؤمن بالأمة العربية وبماضيها ، ولعله رأى ماضيها المجيد ماضيا قابلا للتكرار . ويستعيد أبو سلمى من شعر الحماسة العربي نبرته ليعبر عن ثقته بالامة العربية وثقته أيضا بالمستقبل المشرق الوضاء ، وهكذا نجده يستعير صوت الشعراء العرب في عصور الازدهار العربي وعصور النهوض ، بل إنه في زمن الدبابة والطيارة والأسلحة الحديثة يستعير الصور القديمة بما تحفل به من أسلحة لا تناسب العصر .
هل كان تفاؤله إذا مبررا ومقنعا ؟
مات أبو سلمى وهو يحتفظ بمفتاح بيته ولم يعد . هل كان فيه شيء من التفاؤل التاريخي إذن هو الذي اقترب ذات زمن من اليسار وأفكاره ؟
حين وقعت نهزيمة 1967 بدا التفاؤل أوضح ما يكون لدى شعراء المقاومة الفلسطينية في فلسطين المحتلة العام1948 : محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم ، وسيصاب أكثر هؤلاء بالخيبة بعد العام 1991 ، ولم يحافظ على تفاؤله من الأخيرين إلا زياد " ينظر كتابي أدب المقاومة من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات ، 1998/ ط1 2009 /ط2 ) .
5- ابوسلمى(عبد الكريم الكرمي)
" سنعود " :
هل كان تفاؤل أبي سلمى في قصيدته يعود إلى إيمانه بالأمة العربية أم إلى إيمانه بالفكر اليساري الذي اقترب منه ؟
الرفاق هم من يسألون أبا سلمى ، ولو كان إيمانه بحتمية العودة عائدا إلى إيمانه بالفكر الذي اقترب منه ، لكان الرفاق مؤمنين ومتفائلين أيضا ولما كانوا بحاجة إلى السؤال لأنهم يؤمنون بالفكر نفسه .
هل كان أبو سلمى أعلى مكانة منهم ومرجعية لهم ؟
أسئلة يثيرها المرء اليوم .
إن النص على أية حال منسل من نصوص عربية قديمة كانت الأنا فيها تتضخم ، أحيانا بمبرر وأحيانا دونه . لنتذكر ما قاله عمرو بن كلثوم في معلقته . إنه خير نموذج يمكن الاستشهاد به لملاحظة الأنا \ النحن المتضخمة ، فهل كان تفاؤل أبي سلمى تفاؤلا آتيا من قراءاته للشعر العربي ؟ أم أنه كان آتيا من الماضي العربي المجيد ؟
حين يقول أبو سلمى :
" ونحن الثائرين بكل أرض " ، فمن يقصد ب ( نحن ) ؟
هاجم الشاعر الحكام العرب ونفض يديه منهم ، ولكنه مدح القسام وفرحات والسعدي في قصيدته المشهورة " انشر على لهب القصيد " .
6-عبد الكريم الكرمي ( ابوسلمى )
" سنعود "
أبو سلمى شاعر كلاسيكي ، وإذا كان الشاعر الكلاسيكي يتخذ من القديم مثالا له يحتذيه ، فقد يكون تفاؤله الذي اتكأ على ذات متضخمة أتى من تلك الذات ، وهكذا كانت النا \ النحن التي ترد على لسانه قادمة من أنا \ نحن متضخمة قد يكون لتضخمها ما يبرره وقد لا يكون . إن دليلي على هذا يتمثل في صور أبي سلمى ومفرداته التي حفلت بها القصيدة . إنها صور ومفردات تنتمي إلى عصور خلت ، لا إلى عصرنا .
لننظر في مفردات القصيدة :
" الطلول \ شعب اسنة \ رماح \ جوانح \ صحارى .. الخ " وإلى بعض الصور :
" مع الرايات دامية الحواشي \ على وهج الأسنة والحراب " ولنلاحظ كيف أنها تنتمي إلى عصر آخر ، بل ولنعد إلى بناء القصيدة.انه بناء كلاسيكي بكل ما تحمله لفظة كلاسيكية من معنى . فلماذا إذن لا يكون تفاؤله أيضا قادما من رحم الشعر الذي قرأه ؟
7- عبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى ) :
الوقوف على الأطلال :
كما لاحظنا فإن أبا سلمى بدأ قصيدته بالوقوف على الأطلال ؛ أطلال مدينته التي درس فيها .
هل هذا ضرب من اتخاذه الماضي نموذجا ليقيس عليه كما يفعل الشعراء الكلاسيكيون ؟هنا قد توقعنا القصيدة في ورطة ، بخاصة إذا قلنا نعم ، فأبو سلمى لا يقلد القدماء في البناء وفي الأسلوب وحسب ، إنه يقلدهم في اسلوب طرائقي أيضا - أي في الطريقة ، طريقة البناء .
اللافت هنا أن أبا سلمى عاش التجربة ولم يقصد في هذا الجانب أن يتتبع خطى الأقدمين لإعجابه بهم فقط ، أو لأنه أراد أن يكون شاعرا كلاسيكيا فقط .
المعروف أن الكلاسيكي يتبع الأقدمين في الألفاظ والعبارات والأسلوب ، وهذا ما يبدو في القصيدة موضع الدراسة .
يختلف أبو سلمى عن أبي نواس في أنه عاش بالفعل تجربة الوقوف على الأطلال ، ولم يقف عليها في قصائد ويهاجمها في قصائد أخرى ، شأن أبي نواس الذي فعل ذلك - أي هاجمها في قصائد ووقف عليها في أخرى هي تلك التي مدح فيها الحكام ، وكان مضطرا فيها لعدم خروجه عن المألوف ، حتى لا يقول الحاكم إن من يهاجم الأطلال قد يهاجم القديم كله ... ( ينظر ما كتبته عن الوقوف على الأطلال في جريدة الأيام عن قصيدة محمود درويش على محطة .. آيار العام 2011 ) .8 - عبد الكريم الكرمي ( ابوسلمى ) الموت في المنفى حسرة :
ماذا يمكن أن نقول نحن اليوم ونحن قد لاحظنا أن ابا سلمى مات ولم تتحقق أمانيه ؟
تفاءل أبو سلمى ورحل ولم تتحقق أمانيه ، مثله مثل مئات آلاف الفلسطينيين الذين ظلوا حالمين حتى اللحظة الأخيرة ؟
ربما يستمد شعبنا من الماضي أملا ما .
ظل الصليبيون في فلسطين 100عام أو يزيد ، وظلت القدس محتلة تسعين عاما أو يزيد ، وإذا ما قرأنا أشعار الشعراء في تلك الحقبة لاحظنا أنهم كانوا متشائمين جدا وأنهم أصيبوا باليأس ، لدرجة أنها ، حين استعيدت ، لم يصدقوا ذلك :
" أترى مناما ما بعيني أبصر
القدس تفتح والفرنجة تكسر
ومليكهم في الفيد مقصود
ولم ير لهم قبل ذاك مليك يؤسر " .
هل استمد أبو سلمى الأمل بالعودة من تلك الانتصارات فكتب " سنعود " ؟
ظل أبو سلمى وهو في المنفى محتفظا بمفتاح بيته ، وحين اقترب من الموت أعطى المفتاح لابنه .
من الطريف أن نقرأ ما كتبه الكاتب سلمان ناطور في كتابه " هل قتلتم أحدا هناك ؟ " ( 2000 ) عن لقائه بأبي سلمى وزيارة سلمان لبيت أبي سلمى في حيفا ، وقد أعاد الكاتب نشر المادة نفسها في كتابه " ستون عاما ، رحلة الصحراء " ( 2009 )
٢٠١٣
٢١
بريدي معطل هذا الصباح :
أمس سألتني الصديقة حنان باكير عن بريدي الالكتروني ، لترسل لي مواد عن روايتها " أجفان عكا " ( 2001 ) .
في الجامعة فتحت بريدي الإلكتروني لأشطب الرسائل التي أقرؤها ، وللنظر فيما جاءني من رسائل جديدة ، ولكن المفتاح على ما يبدو كان صدئا ، فلم يحدث ما حدث من قبل ، ولم تفتح الرسائل ، ويبدو أن المفاتيح تشيخ أيضا ، ويعلوها الصدأ ، ولا تعود تفتح إلا اذا أعاد صاحبها صيانتها .
هذا الصباح سألني فراس :
- أين خربشاتك هذا الصباح ؟
وكنت أردت أن أنظر في بريدي الالكتروني .
أجبت فراس :
- حين تلح علي فكرة تستحق الكتابة فسأكتب ، وانشغلت بالرد على رسائل تأتيني .
جربت فتح بريدي الإلكتروني من حاسوبي المنزلي ، وهو جديد ، ويبدو أن العدوى أصابته . ثمة خراب أيضا ، ولا بد من صيانة . شاي أخضر . بطيخ . شيء مثل هذا مثلا .
ثمة من راسلني أيضا وسألني عن خربشات ، فخلطت بين الخربشات والخرمشات . الخربشات قد تخرمش وتؤذي .
بريدي الالكتروني أيضا لم يفتح ، فثمة خراب مثل خراب الأمة العربية ، ولم أكن مثل شيوخ السعودية ، وربما قلت :
- لقد خربنا الاحتلال وفتح وحماس وبقية الفصائل .
شيء يسم البدن ويسد النفس أيضا ، فماذا لو كنت تعاني من السكر .
بريدي هذا الصباح لم يفتح أيضا ، وربما ثمة سبب لا أعرفه .
هل ثمة رسائل مهمة تأتيني مثلا لا تريد الجهة المشرفة على البريد ان تصلني ؟
لست أدري ، فأنا لست مرشحا لبوكر ، وإن رشحني صديق لجائزة أخرى .
كتب محمود درويش في ديوانه " محاولة رقم 7 " :
" كل البلاد بلادنا ونصيبنا منها بريد ".
وأنا أكتب :
" لا البلاد بلادنا
ولا نصيب لنا منها وفيها
وليس ثمة رسائل في البريد
ليس ثمة بريد "
بريدي معطل هذا الصباح ، والمفاتيح صدئة ، فقد طال احتفاظ اللاجئين بها ، وهي لم تفتح منذ 1948 لا منذ 1984... يا لمفاتيحنا الصدئة ! ولكن ماذا عن الأبواب . ربما لم تبق الأبواب أبوابا ، ربما هرمت من أجل هذه اللحظة التاريخية ، ربما !
٢٠١٣
عادل الأسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...