تحرير : الدكتور رشيد هيبا
1-مفهوم الديبلوماسية الثقافية
إن تقوية العلاقات بين الأمم، ليس مرتبطا دوما بالعلاقات السياسية والاقتصادية، إذ يمكن أن تتطور هذه العلاقات عبر مسار آخر، هو المسار الثقافي.
من خلال تبادل مفتوح ومقدس للبنيات الثقافية لكل أمة، سواء في مجال الفنون أو اللغات وغيرها من أنواع الثقافة، وهذا ما أصبح يسمى بالديبلوماسية الثقافية، ولعل من أهداف هذا النوع من الديبلوماسية، نشر التسامح ونبذ العنف، وتقديم صورة إيجابية عن الدول وسياساتها خصوصا في المجال الثقافي، حيث تركز أدوات هذه الديبلوماسية الجديدة على الفنون بأنواعها كالتشكيل، والموسيقى والسينما، وبرامج التبادل التعليمي والثقافي، ونشر اللغة الأم والاهتمام بالدراسات الأدبية والنقدية، من خلال مراكز البحوث الجامعية ومراكز الدراسات الإستراتيجية والمكتبات الوطنية والترجمة، إضافة إلى الندوات والمؤتمرات الدولية، وكل هذه الأدوات تساهم في إضفاء زخم على العلاقات الدولية.
إن مفهوم الثقافة الديبلوماسية هو مفهوم قديم مرتبط بالرحلة والأسفار والمغامرات، حيث أن التجار والرحالة والمسافرون والمدرسون والفنانون في رحلاتهم الاستكشافية أو مغامراتهم، قد أسهموا في الترويج للأشكال الثقافية التي تميز كل أمة. ولعل رحلة ابن بطوطة إلى العديد من الأقطار وصولا على الصين، خير دليل على هذا التلاقح الثقافي، لكن هذا المفهوم تحدد بوضوح، منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين، فقد أدرك السياسيون أن فكرة قوة الدولة وتقدمها لا يقاس فقط بالتطور الاقتصادي والعسكري، وإنما بتوظيف ما تمتلكه الدولة أو الأمة من إرث ثقافي لإنشاء علاقات ديبلوماسية إيجابية مع الدول الأخرى، في مجالات عديدة كالفنون والآداب والفولكلور والعادات والتقاليد... لهذا اعتبرت هذه الأدوات وغيرها، جزءا من مفهوم أشمل، هو ما أطلق عليه جورج ناي " القوة الناعمة"[ - سياسي أمريكي، صاحب كتاب القوة الناعمة، وسيلة النجاح في السياسات الدولية الصادر سنة 2004/ ترجمة محمد توفيق البحيرمي سنة 2007].
لكن يبدو أن هذا المفهوم " القوة الناعمة "[ - القوة الناعمة في العلاقات الدولية: ناصر بن يحي دار العبيكان الطبعة الأولى 2007] أو الديبلوماسية الموازية بدأ يختفي لصالح مفهوم الديبلوماسية الثقافية. لأن التبادل الثقافي ينمو ويتطور بعيدا عن المجال السياسي. لهذا يرى جوزيف ناي أن للثقافة النخبوية العالمة دور مهم في إنتاج ما يسمى القوة الناعمة، فقد اعتبر التبادل العلمي والأكاديمي، ركيزة أساسية ضمن هذه الديبلوماسية، كما أنه تطرف لدور الفنون والسينما، في إثراء التبادل الثقافي[ - القوة الناعمة- وسيلة النجاح في السياسة الدولية لجورج ناي- ترجمة، محمد البيجرمي، مكتبة العكيبان، الطبعة الأولى، 2007 ص 82]، ويجب التأكيد في هذا الصدد على أن مفهوم الديبلوماسية الثقافية، يختلف كليا عن مفهوم السيطرة أو الهيمنة، ذلك أن الديبلوماسية الثقافية تتصف بالمفهوم الأخلاقي والمعنوي، وممارستها تؤدي إلى احترام الخصوصية على مستوى الهوية وعلى مستوى الأشكال الثقافية، فالقفطان مثلا هو إبداع مغربي خالص، ويمكن استعماله لباسا أو موضة في كل بقاع العالم، لكنه يبقى منتسبا للثقافة الأصلية، وهي الثقافة المغربية بكل مكوناتها، كما أن الشعر النبطي[ - ينظر كتاب : موسوعة الشعر النبطي، تأليف طلال عثمان المزعل السعيد منشورات ذات السلاسل، الكويت، الطبعة الأولى سنة 1987] هو عنصر حيوي من عناصر التراث الأدبي الإماراتي، وهو كذلك جزء من طبيعة الشخصية الإماراتية، وهويتها الثقافية والاجتماعية والجمالية، وله ارتباط بالثقافة الشعبية، لكنه محكوم بقواعد متصلة بحياة الصحراء، وقد أصبحت العديد من مراكز الأبحاث في المغرب، تهتم بهذا اللون دراسة وتحقيقا، على اعتبار انه مكون من مكونات الثقافة العربية الشاملة، لأن الجوهر الحقيقي للديبلوماسية الثقافية يسمح للدول تقاسم أشكال التعبير الإبداعي الخاصة بها، فهي أكثر مرونة، وقدرة على الإقناع والتأثير عبر الثقافة والقيم والأفكار. إن الديبلوماسية الثقافية يمكن أن تشمل برامج التبادل الأكاديمي والمهني وبرامج الطلاب، والأبحاث الجامعية، والمؤتمرات والمحاضرات وصناعة الأقلام والفنون المسرحية والدرامية، ومعارض الفن التشكيلي والموسيقى، وباقي الفنون المعاصرة.
الديبلوماسية الثقافية العربية : المغرب / الإمارات – نموذجا –
تركز المملكة المغربية في علاقاتها الدولية، على الديبلوماسية الثقافية، خصوصا مع الدول العربية، من أجل مد جسور التواصل وتوطيد دعائم الأخوة العربية، وتعزيز العلاقات وتقوية الروابط، ويمكن الحديث في هذا السياق عن العلاقات المتينة والراسخة بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة في كل المجالات التي تدخل ضمن قوانين العلاقات الدولية، ومن أهم مظاهر هذه الديبلوماسية، اعتماد مراكز الدراسات والأبحاث الأدبية والنقدية بين البلدين.
فمنذ سنة 1998 تم إنشاء مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية، وكان لفضيلة الدكتور عبد الله بنصر العلوي الدور المحوري في هذا المجال من الديبلوماسية الثقافية / الأدبية، من خلال إنجاز مجموعة من المحاضرات والندوات والمعارض في فاس والرباط وأصيلة وأبو ظبي والشارقة ...[ - مائة كتاب وكتاب / في ضوء إثراء الديبلوماسية الثقافية العربية، المغربية – الإماراتية : إعداد عبد الله بنصر العلوي- الجزء الأول – العتبات – مطبعة أنفوبرانت فاس 2024: ص 184]، وكان وهج هذه الديبلوماسية الناعمة والمرنة هو الحضور الثقافي الوازن لمعالي الأستاذ الدكتور مانع سعيد العتيبة في المملكة المغربية، حيث ساهم في إثراء الحركة الثقافية المغربية والإماراتية والعربية. والدكتور عبد الله بنصر العلوي يرى أن مؤلفات ودواوين الدكتور مانع سعيد العتيبة من جهة، وحضورها في أثار الدارسين من جهة أخرى، وعِنايتُهُ بالبحث الأكاديمي والأدب من جهة ثالثة سجل حافل بالتحليل والنقد، وبإثراء الحركة الثقافية[ - مائة كتاب وكتاب : إعداد عبد الله بنصر العلوي : ص 7].
ولعل هذه الدينامية والغزارة في العطاء والبحث والدراسات، أدت إلى امتداد هذه الديبلوماسية الثقافية المغربية/ الإماراتية من خلال توسيع إختصاص المؤسسة الحاضنة، وقد أشار الدكتور عبد الله بنصر إلى هذا الأمر، فقد تحولت مجموعة البحث للإبداع والدراسات المغربية الإماراتية (1998-2007) إلى المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية (2007-2023) والتي تغير اسمها إلى الجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية[ - ن – م : ص 8].
ولا يخفى أن دور هذه الجمعية ينطلق أساسا من ترسيخ مبدأ الهوية العربية في نطاقها الشمولي، والاهتمام بالخصوصية الثقافية المغربية/ الإماراتية على اعتبار أن الهوية هي الذات أو التفرد والشعور بالانتماء لمجموعة معينة، وهي تحتل مكانة متقدمة في إطار النسق الاجتماعي، لأنها تمكن الفرد من أن يتموقع إجتماعيا وينسج علاقات متنوعة مع محيطه اعتمادا على جاذبية العناصر الثقافية، كالأدب والتقاليد الشعبية والشعر ... والجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية تشتغل وفق تصورات منهجية وأدبية فنية ونقدية، لبث الروح في بنية مفهوم الهوية، وفتح مجالات للدراسات للإطلاع على البيئة العلمية والأدبية، سواء في المملكة المغربية أو في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويذهب الدكتور مانع سعيد العتيبة إلى أن ممارسة الإبداع والفكر معا يتحكم فيه البعد الاستراتيجي لمستقبل العروبة إبداعا وفكرا.[ - ينظر مائة كتاب وكتاب : وهج المعرفة للدكتور مانع سعيد العتيبة – تقديم – ص 11]
فالإبداع لا يصدر إلا عن ذات قادرة على رصد التحولات النفسية والاجتماعية والتاريخية، وفي إطار تطور حتمي لبنية المعرفة أو ما أطلق عليه الدكتور مانع سعيد العتيبة "وهج المعرفة" وهذا الوهج يستلهم شرعيته من خلال النصوص الشعرية والنثرية، فالبعد الجمالي والوجداني والتخييلي يستمد وهجه من الشعر، أما البعد العقلي والجمالي والمعرفي، فيستمد وهجه من الكتابة النثرية. وهذا الوهج المعرفي مرتبط بمسألة التشبع بالهوية الشعرية والنثرية العربية القديمة والحديثة[ - ينظر مائة كتاب وكتاب : ص 15]، وفي هذا الأمر تأكيد على قيمة الهوية بأبعادها الوطنية والعروبية بوجهيها القومي والإسلامي، فالأدب مرتبط بالهوية، ولا يصبح الأدب أدبا إلا إذا أرتبط بهوية ما، والأدب هو الذي يطبع الفكر الإنساني بتمثلات وتصورات عن الهوية، وحديث الدكتور مانع سعيد العتيبة عن موضوع العوربة والعولمة هو تذكير بقضية الهوية العربية، خصوصا وأنه أشار إلى أن العولمة الثقافية أصبحت الهاجس الملح الذي أرق المفكرين أو ربط الوعي الجماعي في الدول المتنامية في بلادنا العربية على الخصوص.[ - الهوية في الشعر العربي الحديث: علي عبد الفتاح دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة سنة 2002 – 14-15]
وقد عبر الدكتور مانع سعيد العتيبة عن قلقه إزاء أثار العولمة في واقعنا الثقافي والحضاري كما أنه اعتبر التفكير حقا من الحقوق التي يجب أن نتمسك بها[ - ينظر مائة كتاب وكتاب : ص 15-16]. فالهوية الأدبية العربية[ - ينظر في هذا الصدد كتاب : الهوية والثقافة في الأدب العربي المعاصر- صلاح فضل- دار الشروق – القاهرة الطبعة الأولى 2003] هي جسر للتواصل الإنساني والثقافي، وحائط صد ضد وحشية العولمة الجارفة، وصمام أمان ضد محاولات الاختراق الهوياتي والثقافي، لأن الهوية الثقافية تشتغل على موضوع التفاعل بين الفرد والمجتمع، بحيث تصبح اللغة عنصرا رئيسيا في التواصل والإندماج داخل المجتمع، وأداة أساسية لتحديد الهوية والتعرف إلى الذات عند الأفراد والجماعات، واللغة باعتبارها مكونا أساسية للثقافة، تعذ ركيزة أساسية في الأدب لما تحمله من تعابير ودلالات تعكس الخصائص الثقافية للأمة، وقيمها وتاريخها، كما أن اللغة وسيلة للمقاومة ومواجهة الأخطار، سواء أكانت شعرا أو نثرا، فاللغة تصبح وعاء للأدب بصفة عامة، ويصبح الأدب أداة لتوثيق الحياة اليومية والتحولات الإجتماعية، كما تصبح أداة للتعليم والتثقيف، ومنبرا للحوار الثقافي والحضاري، وإحالة على كثير من العادات والتقاليد، مما ينتج عنه علاقة بين الهوية والشعر العربي، وهذه العلاقة ناجمة عن مجموعة من الأسباب كالبيئة الاجتماعية والجغرافية والذاكرة الشعرية، وغيرها من الأسباب، ولأن الشعر هو ملاذ الهوية الآمن وحصنها الحصين، ونظرا لخصوصيته، وما ينطوي عليه من طاقة متجددة على مواجهة تحديات العولمة التي أصبحت تعصف بكل شيء، فإن العلاقة بين الهوية والشعر تتجلى في العناصر الآتية:
الهوية الشخصية والجماعية : حيث يعبر الشاعر عن هويته الشخصية والجماعية من خلال مواضيعه ومشاعره وتجاربه الشخصية التي ينقلها إلى القصائد.
اللغـــــــة والثقافـــــــــة : يمكن أن تتأثر الهوية الشعرية باللغة والثقافة التي يتحدث بها الشاعر، حيث يمكن أن تكون اللغة وسيلة للتعبير عن الهوية الثقافية والوطنية.
الانتماء والتعبـــــير : فالشاعر يعبر عن انتمائه إلى مجتمعه وثقافته من خلال الشعر، ويمكن أن يكون الشعر وسيلة للتعبير عن المشاعر الفردية والجماعية للهوية.
التجديد والابتكار : يمكن للشعر أن يساهم في تجديد وابتكار الهوية الثقافية والشعرية، من خلال تقديم رؤى جديدة ومفاهيم متطورة تعبر عن التحولات في المجتمع والثقافة.
لقد جاء في مؤلف " مائة كتاب وكتاب" الذي أعده فضيلة الدكتور عبد الله بنصر العلوي، كثير من مظاهر العلاقة بين الهوية والثقافة عامة، والشعر خاصة، مما يؤكد أهمية الأدب في التعبير عن خصوصية الهوية الثقافية، والإطلاع على ثقافة الآخر، أو ما يسمى بالثقافة الغيرية[ - ينظر في هذا الصدد : تجليات الغيرية في الثقافة العربية مؤلف جماعي / مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية – سلسلة الندوات – وجدة 2019.] إذ أن البيبلوغرافيا التي أعدها الدكتور عبد الله بنصر العلوي ثرية جدا ومرتبطة بقضية الهوية العربية / المغربية / الإماراتية، ومن ضمن الأعمال التي أوردها المؤلف في هذا الكتاب، نذكر النماذج الآتية:
كتاب : الفروسية الشعرية في دواوين الدكتور مانع سعيد العتيبة – تأليف عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : نحو ديبلوماسية ثقافية بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة – كتاب جماعي – إشراق وتنسيق – الدكتور عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : الشعرية الإماراتية – فروسية المكونات الدلالية والفنية في الفصيح والنبطي، للدكتور عبد الله بنصر العلوي.
كتاب معالم أدبية إماراتية : الدكتور عبد الله بنصر العلوي.
كتاب: دراسات أدبية وحضارية : الدكتور عبد المالك الشامي
كتاب: كتابات الدكتور مانع سعيد العتيبة في آثار الدارسين – قراءة بيبلوغرافية تحليلية ونقدية – الأستاذ ملود بجاوي.
كتاب :الفاعلية الأكاديمية في الحضور الثقافي بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية: مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية نموذجا – الدكتور عبد الله بنصر العلوي –
كتاب: بين الأدبيتين المغربية والإماراتية – حضور وتواصل ندوة أكاديمية – تقديم عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : محاورات لبعض شعراء الخليج العربي المعاصرين – الدكتور عبد المالك الشامي.
كتاب : جهود الأستاذ الدكتور عباس الجراري في إثراء التنمية الثقافية المستديمة : كتاب تكريمي – تنسيق وتقديم عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : ظاهرة التبراع في الشعر النسائي الحساني، دراسة في النسق السوسيو ثقافي والجمالي – عبد الحكيم بوغدا.
كتاب : التنوع الثقافي المغربي بين المحلية والتنوع ، د. إدريس بوعباني.
كتاب : دراسات في فن الملحون : تأليف الدكتور عبد الوهاب الفيلالي.
كتاب : شهادات على العصر : د. عبد الوهاب التازي سعود.
كتاب : شهادات على العصر : د. عبد الوهاب التازي سعود.
كتاب : أرجوزة الفواكه الصيفية والخريفية، لأبي الحسن علي ابن ابراهيم الأندلسي المراكشي، تحقيق ودراسة عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية -2 دراسات مغاربية إعداد وتنسيق: د. عبد الله بنصر العلوي /دة. فاطمة بنحامي نديم الدكتور عباس الجراري.
كتاب : أعلام التلاميذ، تلاميذ الشيخ حمدون بن الحاج السلمي، تأليف الدكتور أحمد العراقي.
فهذه المؤلفات والكتب التي ذكرنا بعضها فقط، وهي غيض من فيض من الدراسات التي ذكرت في مؤلف : "مائة كتاب وكتاب" تؤكد على أن الأدب بوابة للاطلاع على الأشكال الثقافية المتنوعة التي تميز الأدبية المغربية والإماراتية بصفة خاصة والخليجية والعربية بصفة عامة – كما تؤكد هذه المؤلفات المذكورة في الكتاب على وهج الديبلوماسية الثقافية، وعلى التمثل الحقيقي لمفهوم الهوية الثقافية سواء من خلال الائتلاف أو الاختلاف.
والجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية تجعل من أهم أهدافها إثراء الديبلوماسية الثقافية العربية المغربية – الإماراتية وترسيخ قيم المحبة والعروبة وتمثلات الفروسية التي تغني بها الشعر العربي منذ العصر الجاهلي، وإبراز بعض الأشكال الثقافية كالعادات والتقاليد والفنون الشعبية مثل فن الملحون والشعر النبطي، وهذا الأمر يعطي للأدب، شعرا ونثرا دورا مهما في تشكيل الهوية الثقافية نذكر منها:
حفظ التراث الثقافي: ذلك أن الدراسات الأدبية أو النقدية المرتبط بنظرية التلقي، تساهم في تثبيت دعائم التراث بكل أشكاله وأنواعه وتعمل هذه الدراسات المنجزة على فتح جسور بين الماضي والحاضر وبين الأجيال القديمة والأجيال الحديثة، كما أن هذه الدراسات الأكاديمية أو الجامعية تساهم في توثيق التراث الثقافي وتعزيز الهوية الثقافية والانتماء للمجتمع.
دعم وتعزيز التفاهم الثقافي: حيث أن الجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية تعمل على توسيع آفاق الدرس الأدبي والنقدي / الفني والإسهام في تخطي الحواجز وبناء جسور التواصل بين المغرب والمشرق، وباقي الثقافات الأخرى.
ترسيخ مبدأ الهوية المستنيرة: المتسلحة بأدوات البحث العلمي والمعرفي والمنهجي بعيدا عن الأحكام الجاهزة أو التعصب أو إختراق مبدأ وهج المعرفة، الذي تحدث عنه الدكتور مانع سعيد العتيبة.
تشجيع البحث العلمي/ الجامعي، سواء من خلال الأبحاث الجامعية، أو الأطاريح، أو الندوات العلمية والمؤتمرات الدولية.
اعتبار الدرس الأدبي/ النقدي من أهم أدوات إثراء الديبلوماسية الثقافية العربية، خصوصا بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة، فالشعر إبداعا وتلقيا، يعتبر ركيزة أساسية للكشف عن مجموعة من القيم الإنسانية والفنية والجمالية على الخصوص، لأن الغاية الإنسانية في التعبير وأشكاله واحدة وهي الشعور بالجمال والتمتع به.
الشعر ودوره في إثراء الديبلوماسية الثقافية
لقد اعتبر الشعر أسمى الفنون الجميلة، ذلك أن الذات تتحرر من أعباء الحياة وتنفتح على الخيال وتصبح اللغة بنية تصويرية مجازية ذات بعد جمالي. ولهذا اعتبر فن الشعر أكثر الفنون ذاتية وارتباطا بالقيم الإنسانية، لأنه لا يعتمد على المادة إلا لكي يشير إلى الروح والتعبير عنه[ - جماليات الفنون وفلسفة تاريخ الفن عند هيجل رمضان بسطاويسي محمد غانم، المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع – ط 1- سنة 1992 ص 108]، والشعر هو أقدر الفنون على تقدير الجمال بالوسائل المجردة الروحانية[ - فلسفة الجمال (أعلامها ومذاهبها) ، أميرة حلمي – دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة 1998 ص 138]، والقيم الجمالية في الشعر العربي تعد جزءا مهما من التراث الثقافي العربي تعكس القيم الجمالية التي كان الشاعر دوما يسعى إليها، لهذا يعتبر الشعر فنا من الفنون الإنسانية هو "وسيلة من وسائل تظهير النفس"[ - القيم الجمالية : راوية عبد المنعم عباس- دار المعارف الجامعية الإسكندرية – مصر 1987 : ص 148]، وحركة النص الشعري هي حركة تشكيل العالم والوجود والذات، من خلال رؤية جمالية ووعي إنساني، والتاريخ الشعري بحسب بلوم هو "نتيجة لعلاقة الشعراء الداخلية مع العالم، أي أن الشعراء يحولون شعر أسلافهم إلى رمز لعظمة العالم"[ - السلطة والسياسة والثقافة : حوارات مع ادوارد سعيد – ترجمة نائلة قليقلي حجازي – دار الآداب بيروت الطبعة الأولى – 2008 : ص 39] ، ويختلف إدوارد سعيد مع بلوم في مسألة وظيفة الشعر، فهو يرى أن الشعر يصنع الشعراء، بينما يرى بلوم أن الشعراء يصنعون الشعر[ - السلطة والسياسة والثقافة : ص 39]، فهو ليس مجرد روائع أو لغة يتباهى بها الشعراء، بل هو مصدر سلطة قوية نابعة من طبيعة البنيات الثقافية[ - النقد الثقافي : عبد الله الغذامي – المركز الثقافي العربي- بيروت / الدار البيضاء ط 1 سنة 2000] وتنوعها من مجتمع إلى آخر، ونابع كذلك من طبيعة الشاعر وحالته النفسية والاجتماعية وميولاته النفسية، لذلك فإن الدكتور مانع سعيد العتيبة يؤكد على ارتباطه الوثيق بقضايا الذات والوطن والإنسان، واكتشاف القيم الإنسانية النبيلة[ - مائة كتاب وكتاب : ص 12]، وقد اتسمت الدراسات النقدية والفنية التي أنجزها ثلة من نخبة الباحثين الأكاديميين في إطار الجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية بالجدة والأكاديمية، ونحصر أهم هذه الدراسات التي اهتمت بالشعرية الخليجية في كتابين هما :
أ- الشعرية الإماراتية – فروسية المكونات الدلالية والفنية في الفصيح والنبطي، للدكتور عبد الله بنصر العلوي[ - ينظر كتاب الشعرية الإماراتية، فروسية المكونات الدلالية والجمالية في الفصيح والنبطي، منشورات مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية – المركز الأكاديمي للدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية- كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظ-م – فاس المغرب : مطبعة انفوبرانت – فاس 2014].
وهو كتاب اهتم بدارسة الحركة الشعرية في دولة الإمارات العربية المتحدة والتركيز على القيم الجمالية والفنية والدلالية في الشعر الفصيح والنبطي الإماراتي. وقد أشار الدكتور عبد الله بنصر علوي، إلى أنه عنون هذا الكتاب سابقا ب "البطولة البطولة وتجلياتها في الشعرية الإماراتية سنة 1998.[ - نفسه : ينظر تقديم الدكتور عبد الله بنصر العلوي / ص 13]
ويبدو أن مفهوم البطولة والفروسة[ - البطولة الشعرية في إبداع المغاربة، مجلة آفاق الثقافة – مركز جمعية الماجد/ دبي – عدد 5- سنة 1994، ص 25 ، وكتاب الفروسية الشعرية في إبداع خالد الفيصل، الدار البيضاء مارس 2008 ص 26] الشعرية هما مفهومان مرتبطان بالتراث الأدبي والثقافي العربي، ولديهما معان ورموز تتجاوز مجرد النصوص الشعرية، لقد استعمل الدكتور عبد الله بنصر العلوي، مصطلح "الفروسية"، الذي يعبر عن القيم الأخلاقية العالية مثل الشرف والنبل والشجاعة التي يجسدها الشاعر في شعره، وتأخذ الفروسية في هذه الدراسة بعدا نقديا. فهي كقيمة جمالية في الشعر الإماراتي تعزز قيمة النص الشعري، وتجعل منه وسيلة للتأثير في المجتمع وتوجيهه نحو قيم عليا، وهذه الفروسية في الشعرية الإماراتية بحسب الدكتور عبد الله بنصر العلوي مرتبطة بمكونين اثنين هما: [ - الشعرية الإماراتية : ص 18]
مكون البداوة باعتباره يحمل قيم الوجدان.
مكون الإبداع باعتبار الشعر خطابا فنيا وسلوكيا.
ونظرية الفروسية تشكل دعوة فنية لترسيخ مبدأ التأصيل الشعري، وهذا التأصيل لا يتم إلا في ضوء سلطة الشاعر المعنوية وسلطة تجربته الإبداعية التي تهدف إلى إعادة بناء كون الشاعر[ - الشعرية الإماراتية : ص 18]، من خلال استلهام الذاكرة بمخزونها الثري، أو من خلال عملية التخييل الذاتي الذي يعيد خلق العالم، ويحدد الدكتور عبد الله بنصر العلوي، تجليات الفروسية في الشعرية الإماراتية من خلال العناصر التي ذكرها في هذا الكتاب النقدي في جملة أمور[ - نفسه : ص 21]:
1-الاعتزاز بالفروسية باعتبارها قدوة في بيئة الصحراء المغربية،
2-تأصيل المنحى العربي في الذود عن الحمى وصَوْنِ الحب وتقدير الجمال،
ج- التشبث بالعفة والكرامة وبالشهامة والحرية،
د- الاعتداد بالذات والجماعة في سياق الوحدة.
إن هذا الكتاب هو دراسة فنية وجمالية لمبدأ الفروسية في الشعرية الإماراتية، ولا شك أن هذه الفروسية الشعرية لها دور كبير في إثراء الديبلوماسية الثقافية، فهي تعتبر جزءا من التراث الثقافي العريق الذي يعكس الهوية الإماراتية وقيمها، ومكونات الفروسية الدلالية والفنية سواء في الشعر الفصيح، أو النبطي لها دور كبير في تعزيز الهوية الوطنية والعربية، وإثراء التواصل الثقافي خصوصا بين الدول العربية، وترسيخ القيم العربية الأصيلة، ويمكن القول أن هذه الدراسة التي قام بها فضيلة الدكتور عبد الله بنصر العلوي، تعتبر دراسة رائدة ينهل من معينها الباحثون والنقاد، والطلبة في إطار البحث الجامعي، أو في إطار مراكز الدراسات والأبحاث.
ب - كتاب : تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية- ج 3-[ - ينظر كتاب : تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية – 3 – دراسات خليجية : للدكتور محمد الدناي رحمه الله منشورات المركز الأكاديمية للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية / كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظ-م- فاس – مطبعة انفوبرانت – فاس -2018]
- دراسات خليجية –
إنجاز : الدكتور محمد الدناي رحمه الله
تقديم : الدكتور عبد الله بنصر العلوي
إن هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من الدراسات والأبحاث التي تناولت مجالات الشعر وبنياته وكلها تشكل رؤية واحدة للشعر في بيئة الخليج العربي[ - نفسه : ص 14] ، ويركز الكتاب على دراسة الشعر الخليجي، ويعكس الجهود الأكاديمية للدكتور محمد الدناي في تحليله وتفسير الأعمال الشعرية في منطقة الخليج العربي، ويغطي الكتاب مجموعة من الموضوعات المتعلقة بالشعر الخليجي، بما في ذلك تلك التطورات التاريخية، والاتجاهات الفنية والموضوعات الرئيسية التي تيمز هذا النوع من الشعر، ويعد الكتاب مرجعا هاما للباحثين والمهتمين بالأدب العربي والشعر الخليجي على وجه الخصوص، فقد تطرق الدكتور محمد الدناي رحمه الله إلى عدة محاور لعل أبرزها:
البيئة والثقافة الخليجية : ذلك ان الناقد ركز على بنية المكان باعتباره سلطة فنية جمالية، فاعتبر البادية "مكونا شعريا جماليا يستمد منه الشاعر الإماراتي لسانه الشعري ولغته الإبداعية"[ - نفسه : ص 14]، حيث يصبح الشعر مرتبطا بقضية البداوة المكانية والفنية، سواء في الشعر الفصيح أو الشعر النبطي، إذ أن هذه الظاهرة الفنية مستمدة من الذاكرة الشعرية[ - جماليات المكان : غاستون باشلار – ترجمة غالب هلسا – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1984 – ص: 39 ] ومن سحر البادية / المكان[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية 3 – ص: 14 ]، وهذه البداوة بحسب الناقد أثرت إيجابا على الأساليب التعبيرية والتشكيلية والتنغيمية[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية : ص 14 ] كما أن بنية البداوة في القصيدة الإماراتية على الخصوص ليست اعتباطية بل هي صادرة عن وعي نقدي بمكونات القصيدة البدوية، ويعتبر الشاعر الإماراتي مانع سعيد العتيبة نموذجا لهذا الوعي النقدي، فرغم وجود مظاهر التحضر إلا أن الشاعر العربي الخليجي، انتقل من البداوة المكانية، إلى البداوة الفكرية رغم متاهات الحواضر الجديدة.[ - نفسه ص 34]
التلقي الشعري : لقد ركز الناقد على دراسة تطور الشعر الخليجي عبد العصور المختلفة والتغيرات التي طرأت عليه مع مرور الزمن، وعلاقته الجدلية بالواقع، من خلال رصد مجموعة من التجارب الشعرية لكبار رواد الشعر الخليجي كمانع سعيد العتيبة وسلطان العويس وعبد العزيز سعود البايطين والأمير عبد الله الفيصل لأن الشاعر هو إرهاص لبيئته، والشعر هو رؤية وتصور للواقع والعالم دون فصل بين الشكل والمضمون. والشعرية بحسب قاسم بن احمد في أصولها الأسلوبية والدلالية والثقافية، عدول عن الثابت المألوف، وخروج عن السنن الثقافي والرمزي والجمالي المعروف، وتأسيس لجماليات ورؤى، وإدراك آخر للعالم والتاريخ والثقافة بصورة عامة[ - ثنائية سلطة النص، ونص السلطة في الشعر العربي – دالية دريد بن الصمة أنموذجا – قاسم بن أحمد، مجلة جامعة طيبة للآداب والعلوم الإنسانية / السنة السابعة – عدد 15/1440 – ص 6]، وهذا الأمر ينسجم مع رؤية الشاعر الإماراتي مانع سعيد العتيبة، فالشعر الذي لا يعبر عن موقف ليس إلا تلاعبا بالألفاظ ومجرد صورة بيانية لا دلالة لها. والشعر إن لم يكن تساؤلا مطلقا فهو جثة هامدة لا حياة فيه...بل يظل مجرد نصائح وحكم[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية -3- : ص 43]، وهذه التصورات تحيلنا على مفهوم الشعر[ - راجع نظرية الشعر عند أبي العلاء المعري بين التصور والانجاز: للدكتور محمد الدناي رحمه الله.
منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس 212/ 2013 (ثلاثة أجزاء)]، ضمن دائرة التجربة الشعرية الخليجية، وهو مفهوم مرتبط بمسألة الشغف وصدق المشاعر، فمانع سعيد العتيبة يرى أن الشعر إذا لم يكن تسجيلا لموقف وانفعالا يحدث أو تعبيرا عن وجهة نظر أو فكرة فهو لغو لا طائل منه وكلمات لا روح فيها[- ديوان الشروق: مانع سعيد العتيبة، مطبعة جامعة الإمارات العربية المتحدة سنة 1986 – ص 2 ] ، أما مفهوم الشعر عند الشاعر الإماراتي سلطان بن علي العويس فيرتكز بحسب الدكتور محمد الدناي على مسألة النهل من التجربة الشعرية العربية القديمة، خصوصا على مستوى التشكيل الإيقاعي القديم، فجماليات الإنجاز الإيقاعي لدى سلطان العويس اقتصرت على سبعة أوزان فقط هي: الطويل والبسيط، والوافر والكامل والرجز والرمل[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية 3 : ص 62].
ولهذا تراوح الإيقاع لديه بين آليات التفخيم والتجزيل والترقيق[- ينظر إلى دراسة الدكتور محمد الدناي بعنوان " شعرية الأنساق اللغوية في ديوان العويس" كتاب تطلعا على إثراء المعرفة الشعرية : ص61 ]، ويؤكد الدكتور الدناي على أن ديوان سلطان العويس يستمد هويته الإيقاعية من فخامة بحر البسيط، وإن الكامل والوافر بجزالتهما قد شاركاه في رسم ملامح هذه الهوية[ - نفسه : ص 71]، لكن مفهوم الشعر لا يقتصر على مسألة الوعي النقدي بمبدأ الإيقاع في الشعر الخليجي، بل إن هذا المفهوم يعتمد كذلك على مسألة الشغف المبكر بقراءة الكتب وحفظ الأشعار والاطلاع على أمهات الكتب العربية القديمة[ - نفسه : ص 73]، إضافة إلى الفطرية والبساطة والرقة والهمس والطمأنينة[ - نفسه : ص 74-75] وقد تحدث الدكتور محمد الدناي رحمه الله عن تجارب شعرية خليجية، أخرى، كتجربة الشاعرين السعوديين، الأمير عبد الله الفيصل، وعبد العزيز البابطين، وكان ينطلق الناقد في دراساته للشعر الخليجي، من نظرية الإيقاع والتركيب الشعري، ومدى تكامل الإيقاعات في الشعر الخليجي مع بنية القصيدة، وتأثيرها على المتلقي.
كما اهتم بالقافية والتناغم الصوتي، من خلال دراسة كيفية استخدام القوافي والتناغم الصوتي في الشعر الخليجي كعناصر أساسية تسهم في خلق إيقاع جذاب، وهي عناصر تكشف البعد الجمالي/ الفني للقصيدة الخليجية من جهة، كما أنها تكشف عن مفهوم الذوق الشعري المرتبط بالهوية الشعرية والمتلقي من جهة ثانية.
إن كتاب "تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية" للدكتور محمد الدناي رحمه الله، هو عمل بارز في الدراسات الخليجية ويعتبر مرجعا هاما لفهم الجوانب الفنية والثقافية للشعر في منطقة الخليج، وهو دراسة تهتم بمميزات الإيقاع الشعري والتنغيم والتماثل الصوتي، والتوزيع الزمني للأوزان ... ويرصد الدكتور عبد الله بنصر العلوي أهم المعالم التي امتازت بها دراسات الدكتور محمد الدناي رحمه الله لشعر الخليجي في العناصر الآتية : [ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية -3- / ص 3-4]
1-اعتبار الشعر الخليجي لحمة واحدة في فصيحه ونَبطيِّهِ.
2-إن الشعر الخليجي مرتبط بعروبته في أصالته وحداثته.
ج- إن الصحراء هي المحفز لحيوية الشعر غزلا ووصفا.
د- إن الشعر النبطي يحتفظ بأصوله الإبداعية، ولفت نظر الثقافة الحضرية إلى جمالياته البدوية كاتجاه متميز في النقد العربي.
هـ- أصالة الشعري الخليجي مستمدة من جماليات الإبداع العربي.
و- يطرح الدكتور محمد الدناي إشكالية المكان باعتباره يحيل على ثنائية البادية / الحاضرة، حيث يجمع الشاعر الخليجي بين البداوة الفكرية والذوق الحضري.
ختاما، يمكن القول إن القيم الجمالية والفنية للشعر تلعب دورا جوهريا في إثراء الديبلوماسية الثقافية. فالشعر، بصفته فنا يعبر عن المشاعر والأفكار بطريقة راقية، يستطيع بناء جسور تواصل وتفاهم بين الشعوب والثقافات المختلفة، من خلال إبراز القيم الجمالية والفنية في الشعر. وتحقيق فهم أعمق للتجارب الإنسانية المشتركة، وتعد الأبحاث والدراسات الأكاديمية في الشعر أداة مهمة لتحقيق الديبلوماسية الثقافية بين الشعوب العربية، من خلال تعزيز الفهم المتبادل، وحفظ التراث وتشجيع الحوار الثقافي وإثراء الفكر النقدي وتطوير التعاون الأكاديمي والتأثير الايجابي على العلاقات الدبلوماسية.
لائحــــة المراجـــع
أولا : الدواوين
ديوان الشروق: الدكتور مانع سعيد العتيبة/ مطبعة جامعة الإمارات العربية المتحدة سنة 1986.
ثانيا : الكتب
جماليات المكان: غاستون باشلار – ترجمة غالب هلسا المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية سنة 1984.
جماليات الفنون وفلسفة تاريخ الفن عند هيجل: رمضان بسطاويسي محمد غانم – المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع- الطبعة الأولى سنة 1992.
الهوية والثقافة في الأدب العربي المعاصر: صلاح فضل دار الشروق – القاهرة / الطبعة الأولى سنة 2003.
مائة كتاب وكتاب في ضوء الديبلوماسية الثقافية العربية المغربية- الإماراتية/ إعداد الدكتور عبد الله بنصر العلوي الجزء الأول – العتبات – مطبعة انفوبرانت فاس سنة 2024.
موسوعة الشعر النبطي: تأليف طلال عثمان المزعل السعيد منشورات ذات السلاسل – الكويت / الطبعة الأولى سنة 1987.
نظرية الشعر عن أبي العلاء المعري بين التصور والإنجاز : الدكتور محمد الدناي رحمه الله، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز – فاس – سنة 2012 و 2013 (ثلاثة أجزاء).
النقد الثقافي : عبد الله الغُذَامي – المركز الثقافي العربي بيروت والدار البيضاء – الطبعة الأولى سنة 2000.
السلطة والسياسة والثقافة: حوارات مع إدوارد سعيد ترجمة نائلة قليقلي حجازي – دار الآداب – بيروت- الطبعة الأولى 2008.
فلسفة الجمال (أعلامها ومذاهبها) : أميرة حلمي – دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة سنة 1998.
الفروسية الشعرية في إبداع خال الفيصل: الدكتور عبد الله بنصر العلوي –الدار البيضاء – مارس 2008 .
القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسات الدولية: جورج ناي – ترجمة محمد توفيق البيجرمي – مكتبة العكيبان الطبعة الأولى – سنة 2007.
القوة الناعمة في العلاقات الدولية : ناصر بن يحيا دار العكيبان – الطبعة الأولى سنة 2007
القيم الجمالية : راوية عبد المنعم عباس – دار المعارف الجامعية/ الإسكندرية – مصر 1987.
الشعرية الإماراتية، فروسية المكونات الدلالية والجمالية في الفصيح والنبطي- منشورات مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية / المركز الأكاديمي للدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية- ظ- م – فاس / مطبعة انفوبرانت- فاس – سنة 2014.
تجليات الغيرية في الثقافة العربية : مؤلف جماعي- مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية / سلسلة الندوات – وجدة 2019.
تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية -3- دراسات خليجية للدكتور محمد الدناي رحمه الله – منشورات المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية / كلية الآداب والعلوم الإنسانية / ظ-م- فاس – مطبعة انفوبرانت فاس 2018.
ثالثا : المجلات
البطولة الشعرية في إبداع المغاربة : مجلة آفاق الثقافة والتراث (مركز جمعية الماجد دبي) العدد / 5 سنة 1994.
ثنائية سلطة النص، ونص السلطة في الشعر العربي - دالية دريد بن الصمة/ نموذجا – قاسم بن أحمد / مجلة جامعة طيبة للآداب والعلوم الإنسانية السنة السابعة عدد 15/1440 هـ
1-مفهوم الديبلوماسية الثقافية
إن تقوية العلاقات بين الأمم، ليس مرتبطا دوما بالعلاقات السياسية والاقتصادية، إذ يمكن أن تتطور هذه العلاقات عبر مسار آخر، هو المسار الثقافي.
من خلال تبادل مفتوح ومقدس للبنيات الثقافية لكل أمة، سواء في مجال الفنون أو اللغات وغيرها من أنواع الثقافة، وهذا ما أصبح يسمى بالديبلوماسية الثقافية، ولعل من أهداف هذا النوع من الديبلوماسية، نشر التسامح ونبذ العنف، وتقديم صورة إيجابية عن الدول وسياساتها خصوصا في المجال الثقافي، حيث تركز أدوات هذه الديبلوماسية الجديدة على الفنون بأنواعها كالتشكيل، والموسيقى والسينما، وبرامج التبادل التعليمي والثقافي، ونشر اللغة الأم والاهتمام بالدراسات الأدبية والنقدية، من خلال مراكز البحوث الجامعية ومراكز الدراسات الإستراتيجية والمكتبات الوطنية والترجمة، إضافة إلى الندوات والمؤتمرات الدولية، وكل هذه الأدوات تساهم في إضفاء زخم على العلاقات الدولية.
إن مفهوم الثقافة الديبلوماسية هو مفهوم قديم مرتبط بالرحلة والأسفار والمغامرات، حيث أن التجار والرحالة والمسافرون والمدرسون والفنانون في رحلاتهم الاستكشافية أو مغامراتهم، قد أسهموا في الترويج للأشكال الثقافية التي تميز كل أمة. ولعل رحلة ابن بطوطة إلى العديد من الأقطار وصولا على الصين، خير دليل على هذا التلاقح الثقافي، لكن هذا المفهوم تحدد بوضوح، منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين، فقد أدرك السياسيون أن فكرة قوة الدولة وتقدمها لا يقاس فقط بالتطور الاقتصادي والعسكري، وإنما بتوظيف ما تمتلكه الدولة أو الأمة من إرث ثقافي لإنشاء علاقات ديبلوماسية إيجابية مع الدول الأخرى، في مجالات عديدة كالفنون والآداب والفولكلور والعادات والتقاليد... لهذا اعتبرت هذه الأدوات وغيرها، جزءا من مفهوم أشمل، هو ما أطلق عليه جورج ناي " القوة الناعمة"[ - سياسي أمريكي، صاحب كتاب القوة الناعمة، وسيلة النجاح في السياسات الدولية الصادر سنة 2004/ ترجمة محمد توفيق البحيرمي سنة 2007].
لكن يبدو أن هذا المفهوم " القوة الناعمة "[ - القوة الناعمة في العلاقات الدولية: ناصر بن يحي دار العبيكان الطبعة الأولى 2007] أو الديبلوماسية الموازية بدأ يختفي لصالح مفهوم الديبلوماسية الثقافية. لأن التبادل الثقافي ينمو ويتطور بعيدا عن المجال السياسي. لهذا يرى جوزيف ناي أن للثقافة النخبوية العالمة دور مهم في إنتاج ما يسمى القوة الناعمة، فقد اعتبر التبادل العلمي والأكاديمي، ركيزة أساسية ضمن هذه الديبلوماسية، كما أنه تطرف لدور الفنون والسينما، في إثراء التبادل الثقافي[ - القوة الناعمة- وسيلة النجاح في السياسة الدولية لجورج ناي- ترجمة، محمد البيجرمي، مكتبة العكيبان، الطبعة الأولى، 2007 ص 82]، ويجب التأكيد في هذا الصدد على أن مفهوم الديبلوماسية الثقافية، يختلف كليا عن مفهوم السيطرة أو الهيمنة، ذلك أن الديبلوماسية الثقافية تتصف بالمفهوم الأخلاقي والمعنوي، وممارستها تؤدي إلى احترام الخصوصية على مستوى الهوية وعلى مستوى الأشكال الثقافية، فالقفطان مثلا هو إبداع مغربي خالص، ويمكن استعماله لباسا أو موضة في كل بقاع العالم، لكنه يبقى منتسبا للثقافة الأصلية، وهي الثقافة المغربية بكل مكوناتها، كما أن الشعر النبطي[ - ينظر كتاب : موسوعة الشعر النبطي، تأليف طلال عثمان المزعل السعيد منشورات ذات السلاسل، الكويت، الطبعة الأولى سنة 1987] هو عنصر حيوي من عناصر التراث الأدبي الإماراتي، وهو كذلك جزء من طبيعة الشخصية الإماراتية، وهويتها الثقافية والاجتماعية والجمالية، وله ارتباط بالثقافة الشعبية، لكنه محكوم بقواعد متصلة بحياة الصحراء، وقد أصبحت العديد من مراكز الأبحاث في المغرب، تهتم بهذا اللون دراسة وتحقيقا، على اعتبار انه مكون من مكونات الثقافة العربية الشاملة، لأن الجوهر الحقيقي للديبلوماسية الثقافية يسمح للدول تقاسم أشكال التعبير الإبداعي الخاصة بها، فهي أكثر مرونة، وقدرة على الإقناع والتأثير عبر الثقافة والقيم والأفكار. إن الديبلوماسية الثقافية يمكن أن تشمل برامج التبادل الأكاديمي والمهني وبرامج الطلاب، والأبحاث الجامعية، والمؤتمرات والمحاضرات وصناعة الأقلام والفنون المسرحية والدرامية، ومعارض الفن التشكيلي والموسيقى، وباقي الفنون المعاصرة.
الديبلوماسية الثقافية العربية : المغرب / الإمارات – نموذجا –
تركز المملكة المغربية في علاقاتها الدولية، على الديبلوماسية الثقافية، خصوصا مع الدول العربية، من أجل مد جسور التواصل وتوطيد دعائم الأخوة العربية، وتعزيز العلاقات وتقوية الروابط، ويمكن الحديث في هذا السياق عن العلاقات المتينة والراسخة بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة في كل المجالات التي تدخل ضمن قوانين العلاقات الدولية، ومن أهم مظاهر هذه الديبلوماسية، اعتماد مراكز الدراسات والأبحاث الأدبية والنقدية بين البلدين.
فمنذ سنة 1998 تم إنشاء مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية، وكان لفضيلة الدكتور عبد الله بنصر العلوي الدور المحوري في هذا المجال من الديبلوماسية الثقافية / الأدبية، من خلال إنجاز مجموعة من المحاضرات والندوات والمعارض في فاس والرباط وأصيلة وأبو ظبي والشارقة ...[ - مائة كتاب وكتاب / في ضوء إثراء الديبلوماسية الثقافية العربية، المغربية – الإماراتية : إعداد عبد الله بنصر العلوي- الجزء الأول – العتبات – مطبعة أنفوبرانت فاس 2024: ص 184]، وكان وهج هذه الديبلوماسية الناعمة والمرنة هو الحضور الثقافي الوازن لمعالي الأستاذ الدكتور مانع سعيد العتيبة في المملكة المغربية، حيث ساهم في إثراء الحركة الثقافية المغربية والإماراتية والعربية. والدكتور عبد الله بنصر العلوي يرى أن مؤلفات ودواوين الدكتور مانع سعيد العتيبة من جهة، وحضورها في أثار الدارسين من جهة أخرى، وعِنايتُهُ بالبحث الأكاديمي والأدب من جهة ثالثة سجل حافل بالتحليل والنقد، وبإثراء الحركة الثقافية[ - مائة كتاب وكتاب : إعداد عبد الله بنصر العلوي : ص 7].
ولعل هذه الدينامية والغزارة في العطاء والبحث والدراسات، أدت إلى امتداد هذه الديبلوماسية الثقافية المغربية/ الإماراتية من خلال توسيع إختصاص المؤسسة الحاضنة، وقد أشار الدكتور عبد الله بنصر إلى هذا الأمر، فقد تحولت مجموعة البحث للإبداع والدراسات المغربية الإماراتية (1998-2007) إلى المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية (2007-2023) والتي تغير اسمها إلى الجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية[ - ن – م : ص 8].
ولا يخفى أن دور هذه الجمعية ينطلق أساسا من ترسيخ مبدأ الهوية العربية في نطاقها الشمولي، والاهتمام بالخصوصية الثقافية المغربية/ الإماراتية على اعتبار أن الهوية هي الذات أو التفرد والشعور بالانتماء لمجموعة معينة، وهي تحتل مكانة متقدمة في إطار النسق الاجتماعي، لأنها تمكن الفرد من أن يتموقع إجتماعيا وينسج علاقات متنوعة مع محيطه اعتمادا على جاذبية العناصر الثقافية، كالأدب والتقاليد الشعبية والشعر ... والجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية تشتغل وفق تصورات منهجية وأدبية فنية ونقدية، لبث الروح في بنية مفهوم الهوية، وفتح مجالات للدراسات للإطلاع على البيئة العلمية والأدبية، سواء في المملكة المغربية أو في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويذهب الدكتور مانع سعيد العتيبة إلى أن ممارسة الإبداع والفكر معا يتحكم فيه البعد الاستراتيجي لمستقبل العروبة إبداعا وفكرا.[ - ينظر مائة كتاب وكتاب : وهج المعرفة للدكتور مانع سعيد العتيبة – تقديم – ص 11]
فالإبداع لا يصدر إلا عن ذات قادرة على رصد التحولات النفسية والاجتماعية والتاريخية، وفي إطار تطور حتمي لبنية المعرفة أو ما أطلق عليه الدكتور مانع سعيد العتيبة "وهج المعرفة" وهذا الوهج يستلهم شرعيته من خلال النصوص الشعرية والنثرية، فالبعد الجمالي والوجداني والتخييلي يستمد وهجه من الشعر، أما البعد العقلي والجمالي والمعرفي، فيستمد وهجه من الكتابة النثرية. وهذا الوهج المعرفي مرتبط بمسألة التشبع بالهوية الشعرية والنثرية العربية القديمة والحديثة[ - ينظر مائة كتاب وكتاب : ص 15]، وفي هذا الأمر تأكيد على قيمة الهوية بأبعادها الوطنية والعروبية بوجهيها القومي والإسلامي، فالأدب مرتبط بالهوية، ولا يصبح الأدب أدبا إلا إذا أرتبط بهوية ما، والأدب هو الذي يطبع الفكر الإنساني بتمثلات وتصورات عن الهوية، وحديث الدكتور مانع سعيد العتيبة عن موضوع العوربة والعولمة هو تذكير بقضية الهوية العربية، خصوصا وأنه أشار إلى أن العولمة الثقافية أصبحت الهاجس الملح الذي أرق المفكرين أو ربط الوعي الجماعي في الدول المتنامية في بلادنا العربية على الخصوص.[ - الهوية في الشعر العربي الحديث: علي عبد الفتاح دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة سنة 2002 – 14-15]
وقد عبر الدكتور مانع سعيد العتيبة عن قلقه إزاء أثار العولمة في واقعنا الثقافي والحضاري كما أنه اعتبر التفكير حقا من الحقوق التي يجب أن نتمسك بها[ - ينظر مائة كتاب وكتاب : ص 15-16]. فالهوية الأدبية العربية[ - ينظر في هذا الصدد كتاب : الهوية والثقافة في الأدب العربي المعاصر- صلاح فضل- دار الشروق – القاهرة الطبعة الأولى 2003] هي جسر للتواصل الإنساني والثقافي، وحائط صد ضد وحشية العولمة الجارفة، وصمام أمان ضد محاولات الاختراق الهوياتي والثقافي، لأن الهوية الثقافية تشتغل على موضوع التفاعل بين الفرد والمجتمع، بحيث تصبح اللغة عنصرا رئيسيا في التواصل والإندماج داخل المجتمع، وأداة أساسية لتحديد الهوية والتعرف إلى الذات عند الأفراد والجماعات، واللغة باعتبارها مكونا أساسية للثقافة، تعذ ركيزة أساسية في الأدب لما تحمله من تعابير ودلالات تعكس الخصائص الثقافية للأمة، وقيمها وتاريخها، كما أن اللغة وسيلة للمقاومة ومواجهة الأخطار، سواء أكانت شعرا أو نثرا، فاللغة تصبح وعاء للأدب بصفة عامة، ويصبح الأدب أداة لتوثيق الحياة اليومية والتحولات الإجتماعية، كما تصبح أداة للتعليم والتثقيف، ومنبرا للحوار الثقافي والحضاري، وإحالة على كثير من العادات والتقاليد، مما ينتج عنه علاقة بين الهوية والشعر العربي، وهذه العلاقة ناجمة عن مجموعة من الأسباب كالبيئة الاجتماعية والجغرافية والذاكرة الشعرية، وغيرها من الأسباب، ولأن الشعر هو ملاذ الهوية الآمن وحصنها الحصين، ونظرا لخصوصيته، وما ينطوي عليه من طاقة متجددة على مواجهة تحديات العولمة التي أصبحت تعصف بكل شيء، فإن العلاقة بين الهوية والشعر تتجلى في العناصر الآتية:
الهوية الشخصية والجماعية : حيث يعبر الشاعر عن هويته الشخصية والجماعية من خلال مواضيعه ومشاعره وتجاربه الشخصية التي ينقلها إلى القصائد.
اللغـــــــة والثقافـــــــــة : يمكن أن تتأثر الهوية الشعرية باللغة والثقافة التي يتحدث بها الشاعر، حيث يمكن أن تكون اللغة وسيلة للتعبير عن الهوية الثقافية والوطنية.
الانتماء والتعبـــــير : فالشاعر يعبر عن انتمائه إلى مجتمعه وثقافته من خلال الشعر، ويمكن أن يكون الشعر وسيلة للتعبير عن المشاعر الفردية والجماعية للهوية.
التجديد والابتكار : يمكن للشعر أن يساهم في تجديد وابتكار الهوية الثقافية والشعرية، من خلال تقديم رؤى جديدة ومفاهيم متطورة تعبر عن التحولات في المجتمع والثقافة.
لقد جاء في مؤلف " مائة كتاب وكتاب" الذي أعده فضيلة الدكتور عبد الله بنصر العلوي، كثير من مظاهر العلاقة بين الهوية والثقافة عامة، والشعر خاصة، مما يؤكد أهمية الأدب في التعبير عن خصوصية الهوية الثقافية، والإطلاع على ثقافة الآخر، أو ما يسمى بالثقافة الغيرية[ - ينظر في هذا الصدد : تجليات الغيرية في الثقافة العربية مؤلف جماعي / مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية – سلسلة الندوات – وجدة 2019.] إذ أن البيبلوغرافيا التي أعدها الدكتور عبد الله بنصر العلوي ثرية جدا ومرتبطة بقضية الهوية العربية / المغربية / الإماراتية، ومن ضمن الأعمال التي أوردها المؤلف في هذا الكتاب، نذكر النماذج الآتية:
كتاب : الفروسية الشعرية في دواوين الدكتور مانع سعيد العتيبة – تأليف عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : نحو ديبلوماسية ثقافية بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة – كتاب جماعي – إشراق وتنسيق – الدكتور عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : الشعرية الإماراتية – فروسية المكونات الدلالية والفنية في الفصيح والنبطي، للدكتور عبد الله بنصر العلوي.
كتاب معالم أدبية إماراتية : الدكتور عبد الله بنصر العلوي.
كتاب: دراسات أدبية وحضارية : الدكتور عبد المالك الشامي
كتاب: كتابات الدكتور مانع سعيد العتيبة في آثار الدارسين – قراءة بيبلوغرافية تحليلية ونقدية – الأستاذ ملود بجاوي.
كتاب :الفاعلية الأكاديمية في الحضور الثقافي بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية: مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية نموذجا – الدكتور عبد الله بنصر العلوي –
كتاب: بين الأدبيتين المغربية والإماراتية – حضور وتواصل ندوة أكاديمية – تقديم عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : محاورات لبعض شعراء الخليج العربي المعاصرين – الدكتور عبد المالك الشامي.
كتاب : جهود الأستاذ الدكتور عباس الجراري في إثراء التنمية الثقافية المستديمة : كتاب تكريمي – تنسيق وتقديم عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : ظاهرة التبراع في الشعر النسائي الحساني، دراسة في النسق السوسيو ثقافي والجمالي – عبد الحكيم بوغدا.
كتاب : التنوع الثقافي المغربي بين المحلية والتنوع ، د. إدريس بوعباني.
كتاب : دراسات في فن الملحون : تأليف الدكتور عبد الوهاب الفيلالي.
كتاب : شهادات على العصر : د. عبد الوهاب التازي سعود.
كتاب : شهادات على العصر : د. عبد الوهاب التازي سعود.
كتاب : أرجوزة الفواكه الصيفية والخريفية، لأبي الحسن علي ابن ابراهيم الأندلسي المراكشي، تحقيق ودراسة عبد الله بنصر العلوي.
كتاب : تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية -2 دراسات مغاربية إعداد وتنسيق: د. عبد الله بنصر العلوي /دة. فاطمة بنحامي نديم الدكتور عباس الجراري.
كتاب : أعلام التلاميذ، تلاميذ الشيخ حمدون بن الحاج السلمي، تأليف الدكتور أحمد العراقي.
فهذه المؤلفات والكتب التي ذكرنا بعضها فقط، وهي غيض من فيض من الدراسات التي ذكرت في مؤلف : "مائة كتاب وكتاب" تؤكد على أن الأدب بوابة للاطلاع على الأشكال الثقافية المتنوعة التي تميز الأدبية المغربية والإماراتية بصفة خاصة والخليجية والعربية بصفة عامة – كما تؤكد هذه المؤلفات المذكورة في الكتاب على وهج الديبلوماسية الثقافية، وعلى التمثل الحقيقي لمفهوم الهوية الثقافية سواء من خلال الائتلاف أو الاختلاف.
والجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية تجعل من أهم أهدافها إثراء الديبلوماسية الثقافية العربية المغربية – الإماراتية وترسيخ قيم المحبة والعروبة وتمثلات الفروسية التي تغني بها الشعر العربي منذ العصر الجاهلي، وإبراز بعض الأشكال الثقافية كالعادات والتقاليد والفنون الشعبية مثل فن الملحون والشعر النبطي، وهذا الأمر يعطي للأدب، شعرا ونثرا دورا مهما في تشكيل الهوية الثقافية نذكر منها:
حفظ التراث الثقافي: ذلك أن الدراسات الأدبية أو النقدية المرتبط بنظرية التلقي، تساهم في تثبيت دعائم التراث بكل أشكاله وأنواعه وتعمل هذه الدراسات المنجزة على فتح جسور بين الماضي والحاضر وبين الأجيال القديمة والأجيال الحديثة، كما أن هذه الدراسات الأكاديمية أو الجامعية تساهم في توثيق التراث الثقافي وتعزيز الهوية الثقافية والانتماء للمجتمع.
دعم وتعزيز التفاهم الثقافي: حيث أن الجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية تعمل على توسيع آفاق الدرس الأدبي والنقدي / الفني والإسهام في تخطي الحواجز وبناء جسور التواصل بين المغرب والمشرق، وباقي الثقافات الأخرى.
ترسيخ مبدأ الهوية المستنيرة: المتسلحة بأدوات البحث العلمي والمعرفي والمنهجي بعيدا عن الأحكام الجاهزة أو التعصب أو إختراق مبدأ وهج المعرفة، الذي تحدث عنه الدكتور مانع سعيد العتيبة.
تشجيع البحث العلمي/ الجامعي، سواء من خلال الأبحاث الجامعية، أو الأطاريح، أو الندوات العلمية والمؤتمرات الدولية.
اعتبار الدرس الأدبي/ النقدي من أهم أدوات إثراء الديبلوماسية الثقافية العربية، خصوصا بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة، فالشعر إبداعا وتلقيا، يعتبر ركيزة أساسية للكشف عن مجموعة من القيم الإنسانية والفنية والجمالية على الخصوص، لأن الغاية الإنسانية في التعبير وأشكاله واحدة وهي الشعور بالجمال والتمتع به.
الشعر ودوره في إثراء الديبلوماسية الثقافية
لقد اعتبر الشعر أسمى الفنون الجميلة، ذلك أن الذات تتحرر من أعباء الحياة وتنفتح على الخيال وتصبح اللغة بنية تصويرية مجازية ذات بعد جمالي. ولهذا اعتبر فن الشعر أكثر الفنون ذاتية وارتباطا بالقيم الإنسانية، لأنه لا يعتمد على المادة إلا لكي يشير إلى الروح والتعبير عنه[ - جماليات الفنون وفلسفة تاريخ الفن عند هيجل رمضان بسطاويسي محمد غانم، المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع – ط 1- سنة 1992 ص 108]، والشعر هو أقدر الفنون على تقدير الجمال بالوسائل المجردة الروحانية[ - فلسفة الجمال (أعلامها ومذاهبها) ، أميرة حلمي – دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة 1998 ص 138]، والقيم الجمالية في الشعر العربي تعد جزءا مهما من التراث الثقافي العربي تعكس القيم الجمالية التي كان الشاعر دوما يسعى إليها، لهذا يعتبر الشعر فنا من الفنون الإنسانية هو "وسيلة من وسائل تظهير النفس"[ - القيم الجمالية : راوية عبد المنعم عباس- دار المعارف الجامعية الإسكندرية – مصر 1987 : ص 148]، وحركة النص الشعري هي حركة تشكيل العالم والوجود والذات، من خلال رؤية جمالية ووعي إنساني، والتاريخ الشعري بحسب بلوم هو "نتيجة لعلاقة الشعراء الداخلية مع العالم، أي أن الشعراء يحولون شعر أسلافهم إلى رمز لعظمة العالم"[ - السلطة والسياسة والثقافة : حوارات مع ادوارد سعيد – ترجمة نائلة قليقلي حجازي – دار الآداب بيروت الطبعة الأولى – 2008 : ص 39] ، ويختلف إدوارد سعيد مع بلوم في مسألة وظيفة الشعر، فهو يرى أن الشعر يصنع الشعراء، بينما يرى بلوم أن الشعراء يصنعون الشعر[ - السلطة والسياسة والثقافة : ص 39]، فهو ليس مجرد روائع أو لغة يتباهى بها الشعراء، بل هو مصدر سلطة قوية نابعة من طبيعة البنيات الثقافية[ - النقد الثقافي : عبد الله الغذامي – المركز الثقافي العربي- بيروت / الدار البيضاء ط 1 سنة 2000] وتنوعها من مجتمع إلى آخر، ونابع كذلك من طبيعة الشاعر وحالته النفسية والاجتماعية وميولاته النفسية، لذلك فإن الدكتور مانع سعيد العتيبة يؤكد على ارتباطه الوثيق بقضايا الذات والوطن والإنسان، واكتشاف القيم الإنسانية النبيلة[ - مائة كتاب وكتاب : ص 12]، وقد اتسمت الدراسات النقدية والفنية التي أنجزها ثلة من نخبة الباحثين الأكاديميين في إطار الجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية بالجدة والأكاديمية، ونحصر أهم هذه الدراسات التي اهتمت بالشعرية الخليجية في كتابين هما :
أ- الشعرية الإماراتية – فروسية المكونات الدلالية والفنية في الفصيح والنبطي، للدكتور عبد الله بنصر العلوي[ - ينظر كتاب الشعرية الإماراتية، فروسية المكونات الدلالية والجمالية في الفصيح والنبطي، منشورات مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية – المركز الأكاديمي للدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية- كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظ-م – فاس المغرب : مطبعة انفوبرانت – فاس 2014].
وهو كتاب اهتم بدارسة الحركة الشعرية في دولة الإمارات العربية المتحدة والتركيز على القيم الجمالية والفنية والدلالية في الشعر الفصيح والنبطي الإماراتي. وقد أشار الدكتور عبد الله بنصر علوي، إلى أنه عنون هذا الكتاب سابقا ب "البطولة البطولة وتجلياتها في الشعرية الإماراتية سنة 1998.[ - نفسه : ينظر تقديم الدكتور عبد الله بنصر العلوي / ص 13]
ويبدو أن مفهوم البطولة والفروسة[ - البطولة الشعرية في إبداع المغاربة، مجلة آفاق الثقافة – مركز جمعية الماجد/ دبي – عدد 5- سنة 1994، ص 25 ، وكتاب الفروسية الشعرية في إبداع خالد الفيصل، الدار البيضاء مارس 2008 ص 26] الشعرية هما مفهومان مرتبطان بالتراث الأدبي والثقافي العربي، ولديهما معان ورموز تتجاوز مجرد النصوص الشعرية، لقد استعمل الدكتور عبد الله بنصر العلوي، مصطلح "الفروسية"، الذي يعبر عن القيم الأخلاقية العالية مثل الشرف والنبل والشجاعة التي يجسدها الشاعر في شعره، وتأخذ الفروسية في هذه الدراسة بعدا نقديا. فهي كقيمة جمالية في الشعر الإماراتي تعزز قيمة النص الشعري، وتجعل منه وسيلة للتأثير في المجتمع وتوجيهه نحو قيم عليا، وهذه الفروسية في الشعرية الإماراتية بحسب الدكتور عبد الله بنصر العلوي مرتبطة بمكونين اثنين هما: [ - الشعرية الإماراتية : ص 18]
مكون البداوة باعتباره يحمل قيم الوجدان.
مكون الإبداع باعتبار الشعر خطابا فنيا وسلوكيا.
ونظرية الفروسية تشكل دعوة فنية لترسيخ مبدأ التأصيل الشعري، وهذا التأصيل لا يتم إلا في ضوء سلطة الشاعر المعنوية وسلطة تجربته الإبداعية التي تهدف إلى إعادة بناء كون الشاعر[ - الشعرية الإماراتية : ص 18]، من خلال استلهام الذاكرة بمخزونها الثري، أو من خلال عملية التخييل الذاتي الذي يعيد خلق العالم، ويحدد الدكتور عبد الله بنصر العلوي، تجليات الفروسية في الشعرية الإماراتية من خلال العناصر التي ذكرها في هذا الكتاب النقدي في جملة أمور[ - نفسه : ص 21]:
1-الاعتزاز بالفروسية باعتبارها قدوة في بيئة الصحراء المغربية،
2-تأصيل المنحى العربي في الذود عن الحمى وصَوْنِ الحب وتقدير الجمال،
ج- التشبث بالعفة والكرامة وبالشهامة والحرية،
د- الاعتداد بالذات والجماعة في سياق الوحدة.
إن هذا الكتاب هو دراسة فنية وجمالية لمبدأ الفروسية في الشعرية الإماراتية، ولا شك أن هذه الفروسية الشعرية لها دور كبير في إثراء الديبلوماسية الثقافية، فهي تعتبر جزءا من التراث الثقافي العريق الذي يعكس الهوية الإماراتية وقيمها، ومكونات الفروسية الدلالية والفنية سواء في الشعر الفصيح، أو النبطي لها دور كبير في تعزيز الهوية الوطنية والعربية، وإثراء التواصل الثقافي خصوصا بين الدول العربية، وترسيخ القيم العربية الأصيلة، ويمكن القول أن هذه الدراسة التي قام بها فضيلة الدكتور عبد الله بنصر العلوي، تعتبر دراسة رائدة ينهل من معينها الباحثون والنقاد، والطلبة في إطار البحث الجامعي، أو في إطار مراكز الدراسات والأبحاث.
ب - كتاب : تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية- ج 3-[ - ينظر كتاب : تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية – 3 – دراسات خليجية : للدكتور محمد الدناي رحمه الله منشورات المركز الأكاديمية للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية / كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظ-م- فاس – مطبعة انفوبرانت – فاس -2018]
- دراسات خليجية –
إنجاز : الدكتور محمد الدناي رحمه الله
تقديم : الدكتور عبد الله بنصر العلوي
إن هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من الدراسات والأبحاث التي تناولت مجالات الشعر وبنياته وكلها تشكل رؤية واحدة للشعر في بيئة الخليج العربي[ - نفسه : ص 14] ، ويركز الكتاب على دراسة الشعر الخليجي، ويعكس الجهود الأكاديمية للدكتور محمد الدناي في تحليله وتفسير الأعمال الشعرية في منطقة الخليج العربي، ويغطي الكتاب مجموعة من الموضوعات المتعلقة بالشعر الخليجي، بما في ذلك تلك التطورات التاريخية، والاتجاهات الفنية والموضوعات الرئيسية التي تيمز هذا النوع من الشعر، ويعد الكتاب مرجعا هاما للباحثين والمهتمين بالأدب العربي والشعر الخليجي على وجه الخصوص، فقد تطرق الدكتور محمد الدناي رحمه الله إلى عدة محاور لعل أبرزها:
البيئة والثقافة الخليجية : ذلك ان الناقد ركز على بنية المكان باعتباره سلطة فنية جمالية، فاعتبر البادية "مكونا شعريا جماليا يستمد منه الشاعر الإماراتي لسانه الشعري ولغته الإبداعية"[ - نفسه : ص 14]، حيث يصبح الشعر مرتبطا بقضية البداوة المكانية والفنية، سواء في الشعر الفصيح أو الشعر النبطي، إذ أن هذه الظاهرة الفنية مستمدة من الذاكرة الشعرية[ - جماليات المكان : غاستون باشلار – ترجمة غالب هلسا – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1984 – ص: 39 ] ومن سحر البادية / المكان[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية 3 – ص: 14 ]، وهذه البداوة بحسب الناقد أثرت إيجابا على الأساليب التعبيرية والتشكيلية والتنغيمية[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية : ص 14 ] كما أن بنية البداوة في القصيدة الإماراتية على الخصوص ليست اعتباطية بل هي صادرة عن وعي نقدي بمكونات القصيدة البدوية، ويعتبر الشاعر الإماراتي مانع سعيد العتيبة نموذجا لهذا الوعي النقدي، فرغم وجود مظاهر التحضر إلا أن الشاعر العربي الخليجي، انتقل من البداوة المكانية، إلى البداوة الفكرية رغم متاهات الحواضر الجديدة.[ - نفسه ص 34]
التلقي الشعري : لقد ركز الناقد على دراسة تطور الشعر الخليجي عبد العصور المختلفة والتغيرات التي طرأت عليه مع مرور الزمن، وعلاقته الجدلية بالواقع، من خلال رصد مجموعة من التجارب الشعرية لكبار رواد الشعر الخليجي كمانع سعيد العتيبة وسلطان العويس وعبد العزيز سعود البايطين والأمير عبد الله الفيصل لأن الشاعر هو إرهاص لبيئته، والشعر هو رؤية وتصور للواقع والعالم دون فصل بين الشكل والمضمون. والشعرية بحسب قاسم بن احمد في أصولها الأسلوبية والدلالية والثقافية، عدول عن الثابت المألوف، وخروج عن السنن الثقافي والرمزي والجمالي المعروف، وتأسيس لجماليات ورؤى، وإدراك آخر للعالم والتاريخ والثقافة بصورة عامة[ - ثنائية سلطة النص، ونص السلطة في الشعر العربي – دالية دريد بن الصمة أنموذجا – قاسم بن أحمد، مجلة جامعة طيبة للآداب والعلوم الإنسانية / السنة السابعة – عدد 15/1440 – ص 6]، وهذا الأمر ينسجم مع رؤية الشاعر الإماراتي مانع سعيد العتيبة، فالشعر الذي لا يعبر عن موقف ليس إلا تلاعبا بالألفاظ ومجرد صورة بيانية لا دلالة لها. والشعر إن لم يكن تساؤلا مطلقا فهو جثة هامدة لا حياة فيه...بل يظل مجرد نصائح وحكم[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية -3- : ص 43]، وهذه التصورات تحيلنا على مفهوم الشعر[ - راجع نظرية الشعر عند أبي العلاء المعري بين التصور والانجاز: للدكتور محمد الدناي رحمه الله.
منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس 212/ 2013 (ثلاثة أجزاء)]، ضمن دائرة التجربة الشعرية الخليجية، وهو مفهوم مرتبط بمسألة الشغف وصدق المشاعر، فمانع سعيد العتيبة يرى أن الشعر إذا لم يكن تسجيلا لموقف وانفعالا يحدث أو تعبيرا عن وجهة نظر أو فكرة فهو لغو لا طائل منه وكلمات لا روح فيها[- ديوان الشروق: مانع سعيد العتيبة، مطبعة جامعة الإمارات العربية المتحدة سنة 1986 – ص 2 ] ، أما مفهوم الشعر عند الشاعر الإماراتي سلطان بن علي العويس فيرتكز بحسب الدكتور محمد الدناي على مسألة النهل من التجربة الشعرية العربية القديمة، خصوصا على مستوى التشكيل الإيقاعي القديم، فجماليات الإنجاز الإيقاعي لدى سلطان العويس اقتصرت على سبعة أوزان فقط هي: الطويل والبسيط، والوافر والكامل والرجز والرمل[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية 3 : ص 62].
ولهذا تراوح الإيقاع لديه بين آليات التفخيم والتجزيل والترقيق[- ينظر إلى دراسة الدكتور محمد الدناي بعنوان " شعرية الأنساق اللغوية في ديوان العويس" كتاب تطلعا على إثراء المعرفة الشعرية : ص61 ]، ويؤكد الدكتور الدناي على أن ديوان سلطان العويس يستمد هويته الإيقاعية من فخامة بحر البسيط، وإن الكامل والوافر بجزالتهما قد شاركاه في رسم ملامح هذه الهوية[ - نفسه : ص 71]، لكن مفهوم الشعر لا يقتصر على مسألة الوعي النقدي بمبدأ الإيقاع في الشعر الخليجي، بل إن هذا المفهوم يعتمد كذلك على مسألة الشغف المبكر بقراءة الكتب وحفظ الأشعار والاطلاع على أمهات الكتب العربية القديمة[ - نفسه : ص 73]، إضافة إلى الفطرية والبساطة والرقة والهمس والطمأنينة[ - نفسه : ص 74-75] وقد تحدث الدكتور محمد الدناي رحمه الله عن تجارب شعرية خليجية، أخرى، كتجربة الشاعرين السعوديين، الأمير عبد الله الفيصل، وعبد العزيز البابطين، وكان ينطلق الناقد في دراساته للشعر الخليجي، من نظرية الإيقاع والتركيب الشعري، ومدى تكامل الإيقاعات في الشعر الخليجي مع بنية القصيدة، وتأثيرها على المتلقي.
كما اهتم بالقافية والتناغم الصوتي، من خلال دراسة كيفية استخدام القوافي والتناغم الصوتي في الشعر الخليجي كعناصر أساسية تسهم في خلق إيقاع جذاب، وهي عناصر تكشف البعد الجمالي/ الفني للقصيدة الخليجية من جهة، كما أنها تكشف عن مفهوم الذوق الشعري المرتبط بالهوية الشعرية والمتلقي من جهة ثانية.
إن كتاب "تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية" للدكتور محمد الدناي رحمه الله، هو عمل بارز في الدراسات الخليجية ويعتبر مرجعا هاما لفهم الجوانب الفنية والثقافية للشعر في منطقة الخليج، وهو دراسة تهتم بمميزات الإيقاع الشعري والتنغيم والتماثل الصوتي، والتوزيع الزمني للأوزان ... ويرصد الدكتور عبد الله بنصر العلوي أهم المعالم التي امتازت بها دراسات الدكتور محمد الدناي رحمه الله لشعر الخليجي في العناصر الآتية : [ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية -3- / ص 3-4]
1-اعتبار الشعر الخليجي لحمة واحدة في فصيحه ونَبطيِّهِ.
2-إن الشعر الخليجي مرتبط بعروبته في أصالته وحداثته.
ج- إن الصحراء هي المحفز لحيوية الشعر غزلا ووصفا.
د- إن الشعر النبطي يحتفظ بأصوله الإبداعية، ولفت نظر الثقافة الحضرية إلى جمالياته البدوية كاتجاه متميز في النقد العربي.
هـ- أصالة الشعري الخليجي مستمدة من جماليات الإبداع العربي.
و- يطرح الدكتور محمد الدناي إشكالية المكان باعتباره يحيل على ثنائية البادية / الحاضرة، حيث يجمع الشاعر الخليجي بين البداوة الفكرية والذوق الحضري.
ختاما، يمكن القول إن القيم الجمالية والفنية للشعر تلعب دورا جوهريا في إثراء الديبلوماسية الثقافية. فالشعر، بصفته فنا يعبر عن المشاعر والأفكار بطريقة راقية، يستطيع بناء جسور تواصل وتفاهم بين الشعوب والثقافات المختلفة، من خلال إبراز القيم الجمالية والفنية في الشعر. وتحقيق فهم أعمق للتجارب الإنسانية المشتركة، وتعد الأبحاث والدراسات الأكاديمية في الشعر أداة مهمة لتحقيق الديبلوماسية الثقافية بين الشعوب العربية، من خلال تعزيز الفهم المتبادل، وحفظ التراث وتشجيع الحوار الثقافي وإثراء الفكر النقدي وتطوير التعاون الأكاديمي والتأثير الايجابي على العلاقات الدبلوماسية.
لائحــــة المراجـــع
أولا : الدواوين
ديوان الشروق: الدكتور مانع سعيد العتيبة/ مطبعة جامعة الإمارات العربية المتحدة سنة 1986.
ثانيا : الكتب
جماليات المكان: غاستون باشلار – ترجمة غالب هلسا المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية سنة 1984.
جماليات الفنون وفلسفة تاريخ الفن عند هيجل: رمضان بسطاويسي محمد غانم – المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع- الطبعة الأولى سنة 1992.
الهوية والثقافة في الأدب العربي المعاصر: صلاح فضل دار الشروق – القاهرة / الطبعة الأولى سنة 2003.
مائة كتاب وكتاب في ضوء الديبلوماسية الثقافية العربية المغربية- الإماراتية/ إعداد الدكتور عبد الله بنصر العلوي الجزء الأول – العتبات – مطبعة انفوبرانت فاس سنة 2024.
موسوعة الشعر النبطي: تأليف طلال عثمان المزعل السعيد منشورات ذات السلاسل – الكويت / الطبعة الأولى سنة 1987.
نظرية الشعر عن أبي العلاء المعري بين التصور والإنجاز : الدكتور محمد الدناي رحمه الله، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز – فاس – سنة 2012 و 2013 (ثلاثة أجزاء).
النقد الثقافي : عبد الله الغُذَامي – المركز الثقافي العربي بيروت والدار البيضاء – الطبعة الأولى سنة 2000.
السلطة والسياسة والثقافة: حوارات مع إدوارد سعيد ترجمة نائلة قليقلي حجازي – دار الآداب – بيروت- الطبعة الأولى 2008.
فلسفة الجمال (أعلامها ومذاهبها) : أميرة حلمي – دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة سنة 1998.
الفروسية الشعرية في إبداع خال الفيصل: الدكتور عبد الله بنصر العلوي –الدار البيضاء – مارس 2008 .
القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسات الدولية: جورج ناي – ترجمة محمد توفيق البيجرمي – مكتبة العكيبان الطبعة الأولى – سنة 2007.
القوة الناعمة في العلاقات الدولية : ناصر بن يحيا دار العكيبان – الطبعة الأولى سنة 2007
القيم الجمالية : راوية عبد المنعم عباس – دار المعارف الجامعية/ الإسكندرية – مصر 1987.
الشعرية الإماراتية، فروسية المكونات الدلالية والجمالية في الفصيح والنبطي- منشورات مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية / المركز الأكاديمي للدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية- ظ- م – فاس / مطبعة انفوبرانت- فاس – سنة 2014.
تجليات الغيرية في الثقافة العربية : مؤلف جماعي- مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية / سلسلة الندوات – وجدة 2019.
تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية -3- دراسات خليجية للدكتور محمد الدناي رحمه الله – منشورات المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية / كلية الآداب والعلوم الإنسانية / ظ-م- فاس – مطبعة انفوبرانت فاس 2018.
ثالثا : المجلات
البطولة الشعرية في إبداع المغاربة : مجلة آفاق الثقافة والتراث (مركز جمعية الماجد دبي) العدد / 5 سنة 1994.
ثنائية سلطة النص، ونص السلطة في الشعر العربي - دالية دريد بن الصمة/ نموذجا – قاسم بن أحمد / مجلة جامعة طيبة للآداب والعلوم الإنسانية السنة السابعة عدد 15/1440 هـ