أحلام حسين غانم - ذاكرة الطين والفينومينولوجيا

ذاكرة الطين والفينومينولوجيا مرتبطان لأن الذاكرة، وخاصة الذاكرة الحسية المرتبطة بالمكان مثل الطين، يمكن دراستها فينومينولوجياً، أي من خلال فهم كيفية ظهورها وتجربتها في الوعي الإنساني، وكيف تشكل جزءاً من التجربة المعيشة للانتماء والمقاومة. تُعد الفينومينولوجيا منهجاً فلسفياً يركز على الظواهر كما تظهر في الوعي، وهو ما يفتح المجال لتحليل أبعاد الذاكرة المعقدة وتجلياتها الحسية.
إن الفينومينولوجيا، بنظرتها العميقة إلى الظواهر كما تظهر للوعي، تضع الإنسان في مركز البحث الفلسفي وتعيد تعريفه باعتباره الكائن الذي يخلق معناه وعندما تُدمج مع "ذاكرة الطين"، يمكن أن نستنتج ما يلي:
–تأثير الماضي على الوعي: كيف تؤثر التجارب الحسية الماضية والذاكرة (الطين) على بنية إدراكنا الحالي للواقع، وكيف تظهر الأشياء في وعينا نتيجة لتراكم هذه الخبرات.
–الجسد كحامل للذاكرة: يحملنا على أجنحة التساؤل وكيف يتشكل وعينا من خلال تجاربنا الجسدية والمادية (الطين)، وكيف تخزن أجسادنا ذكريات معينة.
–البنية الأساسية للواقع: استكشاف كيف تُشكِّل البنى المادية (الطين) – سواء كانت جسدية أو مادية ثقافية– الأساس الذي يبني عليه وعينا خبراته ومعانيه، وتحديد ماهية هذه البنى من خلال تجربتها الواعية.




الفينومينولوجيا و(مطرٌ على خدِ الطين)
للشاعر حسين السياب

على سبيل الأثر
منذ فجر التكوين، كان الإنسان يحارب النسيان كما يحارب الفناء. على ألواح الطين في سومر، خطّ أول الكتّاب رموزه الأولى كأنها محاولة بدائية للخلود؛ أن يُحوّل ما هو زائل – الصوت والذاكرة والحلم – إلى أثرٍ يبقى.
في كل ذاكرة تختبئ ذاكرة أخرى صامتة، هي سيرةُ المكان، ذاك الكيان الذي لا يُدرَك فقط من خلال الفينومينولوجيا، بل يُستَعاد عبر الذاكرة بوصفه نسيجاً مادياً وانفعالياً يشكّل هوية الذات ويمنحها قابليتها للاستحضار والاستمرار، فالذات الشاعرة لا تروي نفسها بمعزل عن المكان الذي شكّل فيضها، بل تتجلّى بوصفها غيثًا مترنحاً في الفراغ، ينسج ذاكرته الخاصة من تقاطعات المادة والزمن والانفعال، هذه الرؤية بتجلياتها، تمثل جوهر ما طرحه الشاعر حسين السياب في نصوصه بشكل عام وفي نصه "مطر على خدِّ الطين" بشكل خاص.
الشاعر ( حسين السياب ) رسول محبة وسلام، في رؤيته الشعرية المائية المقدّسة؛ إنه صوتُ المطر، صوت الشِّعر وصداه القادم برائحة الطين بكل تشكلاته حيث فكّك الثقة في لغة المطر نفسها ، ورأى ما قد رآه نيتشه "أن الكلمات ليست مرايا للواقع، بل أقنعةٌ تغطيه والحقيقة عنده ليست سوى «استعاراتٍ نُسي أنها استعارات»..
يعد المطر منبعاً من منابع الشعرية، بوصفه رمزاً أسطورياً يحمل دلالات الخصب، والنماء، والتطهير، ويعيد للأرض بهجتها ونضارتها. وتتفرع خيوط ذلك المطر/ الصوت إلى أصوات التاريخ، وتتوزع إلى نداءات تدل على الجذور والعمق والتكوين، في "لحظات لا تُنسى" على شطِّ البدايات. ترصد النبضات الفكرية والشحنات العاطفية، والتي تتمثل في ثنائية الصوت (المنطوق/ والمكتوب) لتشكل مفتاحاً دلالياً وعلامة لسانية وحزمة دلالية على أسوار معبد "إينانا".
هل هو صدى القيامة على أبواب المتاهة أم هو رحلة الحياة.. أمام هشاشة اللغة في نقل المعنى؟.
أم أنها هي السفر عبر لغة الطين لندرك حسب نيتشه، "اللغة هي المقبرة التي تُدفن فيها الحقائق بعد أن تُجمَّد في الكلمات".
شعرية (حسين السياب)، تقتنص اللحظة الاستثنائية هذه "تمسّكتُ بأظافر الشيطان". وتتخذ اللغة مجرىً للحكاية؛ صهوة للاختزال وتكثيف الحالة الشعرية المتسللة من مخيّلة الفرات، لنبصر سر الماء في الطين. مما لا يخفى أن العتمة "الخطيئة المقدّسة" تقنية شعرية ثرية وذكية في آن واحد. قد أجاد الشاعر استثمارها للإثراء الدلالي وفتح آفاق التلقي واستثارة القارئ غير العادي في لعبة التفكيك والتركيب. وهذا ما نجد صداه واضحاً في قوله: "فكِّي أبوابكِ الثماني لنتقاسمَ الخطايا" وانثيال الأفعال المضارعة، ذات القدرة على التواصل والاستمرار الزمني، يوحي تمركز الألم/ النص حول الحاضر/ (توهّمتُ، أنظرُ، أطرّزُ، أتأمّلُ، تمسّكتُ، يمّمتُ) وهذه الأفعال تتضمن زمنية درامية تضج بصراع كامن عنيف، وتوحي برفض حاد لزمنية هذا الواقع الذي يكابد منه الشاعر كأنه مخاورة بين الشاعر وذاته. إنه الخروج عن المألوف والتغريد من دون جناح خارج المألوف (من دون جناحٍ أغرِّدُ خارجَ السرب)، (وحيداً يقف بالمقلوب)، إنه رمزٌ فراتي للمطر السيّابي المتجدد، لذلك الشموخ والامتداد في الأرض وفي الحنين والعطاء في وجه تقلبات الزمن وقسوة الواقع. هواجس طافحة بالانكفاء ومشاعر الإحباط، إذ يتداخل الزمن السلبي عبر "اقتسام الخطايا السّبع" بزمن الانبعاث. وتتوهج الإرادة الإبداعية لتشيع اللوعة ومرارة الرفض في بحثها عن الينابيع الأولى، والحقيقة الضائعة وسط فوضى الزيف في زمن التفاهة، ليثبت في قفلته الشعرية الرائعة: أن الشعر هو أوكسجين المدد والدم في أوردة الأزل.
التفاعلات: علي سيف الرعيني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...