عباس محمود العقاد - الأمريكيون والأمريكيات يتكلمون في تعدد الزوجات والطلاق

عرضنا في كتابنا عبقرية محمد لمسألة تعدد الزوجات، ولخصنا في عدد ماض من الرسالة ما كتبه المصلح الهندي السيد محمد علي عن هذه المسالة في كتابه عن الإسلام والنظام العالمي الجديد، وخلاصته (أن الإسلام يزكي وحدة الزوجة ويفضل هذا الزواج على كل زواج. إلا أن الشرائع لا توضع لحالة واحدة، والدنيا كما نراها عرضة لطوارئ الشذوذ والاختلال، ومن هذه الطوارئ ما ينقص الذكور عدة ملايين ويزيد الإناث بمقدار هذا النقص في عدد الذكور، فضلا عن الزيادة التي تشاهد في عدد النساء من كل أمة على وجه التقريب في غير أوقات الحروب. وإن تعدد الزوجات في أمثال هذه الأحوال لخير من البغاء المكشوف. فقد قبلت المرأة الأوربية مشاركة الخليلات المعترف بهن وقبلت مشاركتهن في الخفاء، وأصبحت هذه المشاركة نظاما اجتماعيا مقررا لا معنى بعد قبوله وتقريره للاعتراض على تعدد الزوجات الشرعيات، فهو على الأقل أصون للأدب واكرم للنسل وأجمل بمنزلة المرأة من مهانة الابتذال، وأصلح للاعتراف به في علاقات المجتمع وقوانين الأخلاق).

ولم يكد هذا المقال يظهر في (الرسالة) حتى وصلت إلينا مجلة أمريكية حديثة من طراز جديد تسمى المساجلة أو المناقشة أو الحوار وتدور على موضوعات سياسية أو اجتماعية أو سياسية تختلف فيها الآراء، ويؤيد كل رأي منها فريق من الكتاب أو القراء، ومن هذه الموضوعات موضوع الطلاق وتعدد الزوجات وهل الأفضل للمجتمع الإنساني أن نبيح تعدد الزوجات تجنبا للطلاق أو نبيح الطلاق تجنبا لتعدد الزوجات. فكان من الطريف حقا أن نطالع هذه الآراء كما تخطر عندهم للرجال والنساء والفتيان والفتيات. فانهم في الواقع يقدمون الوجهة (الذوقية) في هذه المسالة على الوجهة الاجتماعية الخطيرة التي من أجلها توضع الشرائع وتسن المباحات والمحظورات، ولكن الواجهة الذوقية مع هذا قد تتغلب في أثرها على الواجهات الاجتماعية مع جلالة خطرها وضرورة النظر في علاجها. لأن المعارضة في تعدد الزوجات تفقد الكثير من أسبابها القوية إذا أمكن التغلب عليها من جانب الذوق والشعور.

قالت الآنسة فرانسين دوفال وهي ممن قبلن تعدد الزوجات: إنها تعرف فتاة صديقة لها طلبت الطلاق بعد زواجها بستة شهور، لأنها علمت أن زوجها يغيب عن المنزل بعض الليالي ويعتذر بالاستعداد لامتحان الحقوق، وهو في الحقيقة يقضي تلك الليالي في صحبة فتاة أخرى كان يعاشرها قبل الزواج، وأن الطلاق في هذه الحالة أكرم الحلول فلا ملامة على الفتاة أن تطلبه ولا على الشريعة أن تنص عليه.

قالت: (وإنني وإن كنت أعتقد أن تعدد الزوجات يوافق الرجال أكثر مما يناسب النساء أحسبه شيئا لا يخلو من الطرافة والغرابة. ولست من الطفولة بحيث يخفى علي أن كواكب الصور المتحركة يعشقهم كثير من النساء ويعلمن وهن يعشقنهم أنهن لا يسيطرن على قلوبهم ومشيئتهم. ومهما يكن رائيك مثلا في (إيرول فلن) فإنك لن تجهل الواقع الذي لا شك فيه من أمره وهو أن طائفة كبيرة من النساء يقبلن الشركة فيه. نعم ليس كل الرجال في وسامة إيرول فلن أو فكتور ماتيور أو فإن جونسون أو كلارك جابل؛ ولكن الرجال الذين لهم نصيب من الوسامة والقسامة كثيرون في كل مكان. فلماذا لا تشترك في قربهم عدة نساء؟ إنهن ينفردن في الحجرات متى كبر الأطفال وتتقدم السنون فتبرد حرارة الشباب وتهدأ مرارة الغيرة ولا يبعد أن يجد هؤلاء الشريكات مواطن للتسلية والمقارنة في التحدث عن ذلك الرجل الذي ارتبطن به جميعا برابطة الزواج. ولقد عشت معظم أيامي في ضاحية مدينة كبيرة فلا أحسب صديقاتي إلا مستغربات عاتبات لو أصبح من حظي غدا أن أكون واحدة من هؤلاء الزوجات المشتركات. ولكن هب الرجال كان مليح الشمائل قادرا على إيوائنا جميعا ألا يخطر لك أن اللاغطات بحديث زواجي يلغطن إذن من الغيرة لا من الإنكار؟).

وكتبت آمي هتشنسون وهي زوجة لها ولدان - فقالت إنها نشأت في ولاية (أوتاه) التي أقام فيها المورمون الذين يدعون إلى تعدد الزوجات، وأنها قضت في عشرة زجها أربع عشرة سنة ولا ترى للزوجة أن تطلب الطلاق إلا إذا آمن زوجها بمذهب تعدد الزوجات!.

وقالت: (ما من امرأة ولدت في هذه الدنيا الحديثة ترضى أن تشاطرها أخرى في حقوق فراشها إلا إذا كانت قد أضاعت صوابها. وهذه كلمة مكشوفة لا مراء ولكنها هي أهم ما تفكر فيه امرأة حين يذكر لها تعدد الزوجات. ثم ماذا يقول الأطفال إذا فارقهم (بابا) ليلتين أو ثلاث ليالي أو أكثر من ذلك ليذهب إلى زوجاته الأخريات؟).

وكتب جوزيف ماردفلد - وهو من المشتغلين بدراسة علم الأجناس والسلالات - فاستحسن تعدد الزوجات وغلب عليه حكم الصنعة فعلل استحسانه بالفائدة العلمية التي يجنيها الإنسان من هذه التجربة الضرورية إذا صرفت إلى غايتها الصحيحة. فنأخذ رجلا قويا ذكيا وسيما ونراقب نسله من عدة نساء مختلفات النماذج والأخلاق، ونستخلص من ذلك أصدق المبادئ الصالحة لتحقيق الكمال المثالي في القران بين الذكور والإناث. أما الطلاق فهو لازم للفصل بين الزوجين كلما ظهر النقص في شروط القران واستحال التوفيق بينهما على النحو الذي ينفع الذرية ونوع الإنسان. ويرى هذا الكاتب أن تجربة المورمون في القارة الأمريكية قد أسفرت عن نجاح لا ريب فيه وأنجبت في إقليم أوتاه جيلا من أصحاء الرجال والنساء صمدوا للمقاومة التي كانت تحيط بهم من كل صوب، وذللوا الصعوبات التي أقمها لهم رجال الدين وغيرهم من أعداء تعدد الزوجات.

وأنكر فرانك شيهان تعدد الزوجات كما أنكر الطلاق لأنه لا يريد أن ينفصل ما عقده الله ليبقى منعقدا مدى الحياة. وحاول أن يعلل إنكاره بعلة اجتماعية فقال إن السماح بتعدد الزوجات ظلم للطبقات الفقيرة، لأن إيواء الزوجة في العصر الحاضر يكلف الزوج نفقات لا قبل بها للفقير بغير جهد جهيد. فكيف بالزوجات المتعددات؟ وكيف نستخدم القانون لتمييز طبقة واحدة من طبقات المجتمع وحرمان سائر الطبقات من هذه المزية؟.

قال: (ولنتكلم بعد هذا عن الحياة اليومية التي يحياها رجل يجمع بين زوجات متعددات، ولنقدر أنهن لا يعشن تحت سقف واحد بل في حجرات متقاربات. ولنتخيل الزوجة رقم (1) حين تنظر إلى النور موقدا في مسكن الزوجة رقم (2) ثم ينطفئ النور ساعة الرقاد. أين يا ترى يكون الزوج هذه الساعة؟ أعند هذه الزوجة أم عند الثانية أم عند الأخرى؟. . .).

وعلى هذا المثال تبدأ الآراء في هذه المسائل الجلي فيثبت للناظر فيها شيء واحد على الأقل وهو أن المعارضة في مذهب تعدد الزوجات لا تستند إلى سبب أخطر من سبب (المزاج) كما يصح أن تعبر عن أشباه هذه الأسباب.

فالدواعي التي تلجئ المشرع إلى إباحة تعدد الزوجات عند الضرورة التي تسوغه أخطر جدا من هذه الموانع التي تساق لحظره على النحو الذي أجملناه فيما تقدم. فهذه الزوجة التي يغشى عليها الكاتب الأخير من وساوس الغيرة هل يظنها تنجوا من هذه الوساوس إذا كانت السهرة التي يغيب فيها زوجها قد انقضت في الحانة أو الماخور أو في الأندية التي لا فرق بينها وبين الحانات والمواخير؟ أو هل تنجو من هذه الوساوس إذا كانت السهرة مع زوجة رجل آخر يخونها في تلك الساعة كما تخونه لأنهم جميعا لا يستسهلون الطلاق؟

إن الذين يبيحون تعدد الزوجات لا يبيحونه لأنه حسنة مشتهاة ولا لأنهم يفضلونه على الاكتفاء بالزوجة الواحدة متى تمت شروط الوفاق والعشرة الدائمة بين الزوجين، ولكنهم يبيحونه لأن السيئات التي تبيحها الحضارة أبغض منه وأولى بالمحاربة والإنكار، ويعلمون أن كرامة الزوجة التي تشاركها في رجلها زوجة أخرى أعز وأوفر من كرامة الخليلة التي تعترف بها المجتمعات الأوربية والأمريكية ولا تحسب لها حسابا في الشرائع والقوانين غير حساب التهاون والإغضاء.

ولعل هذه الأجوبة التي قدمناها لا تشمل على جواب هو أولى بالتدبر وإطالة الروية من جواب الفتاة التي قالت إن النساء لا يرفضن المشاركة في الرجل الوسيم القسيم وإنهن إذا لغظن بحديث هذا الزواج فأغلب الظن أنهن لغضن من الغيرة لا من الإنكار. فهذه فتاة من بنات العصر الحديث في القارة الأمريكية موطن الحرية النسائية التي جاوزت جميع الحدود، كشفت عن دخيلة شعورها فإذا هو ينم على حقيقة المانع النفساني الذي يجنح بالمرأة إلى التأفف من المشاركة في المعيشة الزوجية، وإذا هو مسالة استحسان للزوج الذي يستحق هذه المشاركة لا مسالة كرامة أو مسالة من مسائل العقيدة والروح.

وتحسب أن الأجوبة الصريحة التي من هذا القبيل أجدى من الفصول المنمقة والمباحث المتعمقة في الإبانة عن مركز المرة الصحيح من مسائل الزواج والطلاق.

عباس محمود العقاد



مجلة الرسالة - العدد 665
بتاريخ: 01 - 04 - 1946

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...