١
( غونتر غراس ) :
سيتذكر (غونتر غراس ) وهو يصغي إلى قرار منعه من دخول اسرائيل ، سيتذكر ( شتازي ) - أي مخابرات ألمانيا الشرقية التي منعته من دخول أراضيها بحجة أنه يكتب ضدها .
يا عزيزي ( عونتر غراس ) هناك آلاف من الفلسطينيين لا يسمح لهم بالتنقل في بلادهم ، فلا تستغرب قرار الوزير الاسرائيلي .
ما زالت قضية القصيدة تتفاعل ، فلماذا لم يخض كتابنا في الأمر ويقفوا إلى جانب الكاتب الألماني الذي وقف في القصيدة إلى جانب الفلسطينيين وحقهم في العيش بأمان وحرية واستقرار ؟
هل سيمنعنا الإسرائيليون غدا من السفر إلى البلدان العربية كما يمنعوننا من زيارة حيفا ويافا وعكا و .. و .. والقدس ؟
من سنين أحلم بزيارة هذه المدن . إنها خبط العصا . كتب درويش في قصيدته ( طوبى لشيء عامض )
" دمهم أمامي لا أراه
كأنه طرقات يافا كرميد حيفا لا أراه " .
ساكتب للأحد مقالا ساخرا أسخر فيه أيضا من نفسي .
كل شيء في بلادنا يدعو للسخرية فلماذا لا أسخر أيضا من نفسي؟
أحيانا أحاول أن أكون ذكيا فأقع .
هل الأمر مقتصر علي أم أنه صفة توجد في الفلسطينيين بشكل عام ، حيث يحاولون دائما ان يتفصحنوا ؟
الاسرائيليون فصيحون من طفولتهم - من بيضة الدجاجة .
بعض جامعاتنا تحاول أيضا التميز ، وهذا حق لها .
هل نلوم الرئيس لأنه أتى بما لم يأت به الأوائل؟
لقد رفع نصاب من هم برتبة أستاذ من 9 ساعات إلى 12 ساعة اسبوعية فكافأ المجتهدين وجعل مدة العلاوة لمن لم يكتبوا أبحاثا 15 عاما ، بدلا من ستة .
هكذا الديك الفصيح من بيضه يصيح .
أنا " ديك فصيح . اقرأوا مقالي الأحد في الأيام .
كل شيء يدعو إلى السخرية .
ساسخر من نفسي .
٢٠١٢
٢
فاروق مواسي قال لي :
مرة قلت للشاعر الباحث القاص كشاجم فاروق مواسي :
- لو كنت أتقن العبرية لكتبت عن الأدب العبري الكثير معرفا به ، فأجابني ابو السيد
:
- جيد أنك لم تتقنها ، لأنك ستتعب لكثرة ما يكتبون .
الآن أدرك لماذا تخصص بعض عرب الداخل في الأدب المقارن ، ولكنهم منذ تخرجوا لم يكتبوا شيئا ، فلا استفادوا ولا أفادوا ، ولكن مؤسساتنا لا تسألهم ما داموا صامتين ولا يتدخلون في سياسة الباب العالي ، بل يمدحونها وينافقون ويقدمون خدمات .
غدا مقالي في الأيام عن (يورام كانيوك) وكتابه المترجم الى العربية: " 1948 "
٢٠١٤
٣
اليهود مثلنا :
اليهود ، أعني من في دولة اسرائيل ، مثلنا أيضا .
كنت فرغت من قراءة (يورام كانيوك ) " 1948 "، ولم أكن أعلم أنه توفي إلا بعد أن كتبت مقال الأحد وارسلته صباح الجمعة للأيام ، منطلقا من منطلق تجريبي حول القراءات :
- هل تتطابق القراءات؟
طبعا كان هذا خطأ ، فالصواب أن أقرأ القراءات السابقة قبل الكتابة وأن أفيد منها .
لحسن حظي أنني لم أقرأ مراجعات عربية للكتاب هذا تحديدا . وأما كتابات (كانيوك) السابقة ، مثل " ارتباكات عربي جيد " فكنت أعرف لها بعض المراجعات ، وقد عدت إليها وأفدت منها .
لفت نظري في الكتاب أشياء كثيرة ، منها مرايا الذات والآخر ، وهو موضوع يهمني ، ومنها ايضا صورة فلسطين في النص ، ومنها إشكالية التجنيس ، ومنها تشابه (كانيوك) واميل حبيبي ، ومنها كتابة الذاكرة ، واختلاف زمني الحوادث والكتابة ، وقد وقعت في خطأ في مقالي في الأيام سأصوبه لاحقا .
هل اليهود مثلنا ؟ أعني الذين أسسوا الدولة؟
كنت ، وأنا أقرأ ، أتذكر هذا السؤال ، ولاحظت أن (كانيوك) يقول ما نقوله بخصوص مؤسسي الثورة الفلسطينية ونهاياتها ، يقوله وهو يتحدث عن مؤسسي الدولة العبرية وما آلت إليه بعد حرب 1948 مباشرة .
هناك من يضحي ويستبسل ، وهناك من يبحث عن منافع ذاتية ، وكما يحزن الفتحاويون الحقيقيون لمآل فتح ، كان (يورام ) يأسى ويحزن لنهايات مشابهة ، حيث تبوأ اللصوص المناصب في حين....الخ...الخ
في ص 236 يكتب :
" وهؤلاء الذين كانوا قريبين من الطبق أخذوا أو اشتروا الأملاك المتروكة ببضع قروش.........وأما نحن الصغار ، الغالبية الغالبة من المحاربين البسطاء ، الذين بقوا أحياء وأنجزوا العمل ، فقد بقينا خارج اللعبة "
والحمد لله أننا ، نحن ، لم نحقق ما حققوا ، ومع ذلك هناك من لهط وشفط وهبش و...و...وفيروز تغني راجعين يا هوى راجعين،ولكن إلى
السويد
والدنمارك
والنرويج
و..و...وصباح الخير يا أهل لبنان، وهل أكرر مع محمود درويش : " الوداعا "
خربشات ،
وصباح الخير،ومع فيروز "يوم ويومين وجمعة وشهر وشهرين ،تعبت بعيني الدمعة والغايب واين"
١٢ نيسان ٢٠١٤
٤
من الأدب
العبري : ( يورام كانيوك ) " 1948" :
الزمن الروائي ، إن عددنا النص رواية ، هو خمسة اشهر من 1948 ، وزمن السرد هو بعد 62 سنة من الزمن الروائي .
يقدم لنا هذا الكتاب مدخلا جيدا للتعامل مع السيرة الذاتية والعلاقة بين الزمنين ، زمن السرد والزمن الكتابي من ناحية ، وزمن الحدث السيري /القصصي من ناحية ثانية .
ما مدى صدق الكتابة حقا؟وهل كان الكاتب موفقا في الكتابة عن الزمن المسترجع دون أن يسقط عليه رؤاه وتصوراته الآنية /اللحظية ؟
يورام كانيوك يفصح لنا أن هناك اكثر من 60 عاما ما بين زمن الحدث وزمن استرجاعه ، ويتساءل إن كان ما يرويه بعد ستين عاما حدث فعلا أم أنه كان يحلم بأن يحدث ، ويأتي أيضا على ذاكرته عجوزا . هل يروي بالضبط ما جرى أم أنه نسي شيئا وداخل بين أزمنة مختلفة ؟
يقر (كانيوك) بأن ذاكرته الآن غدت ضعيفة ، وبالتالي فإن ما يرويه قابل للمساءلة ، وبعيدا عن النص المكتوب يتساءل (كانيوك) في اعتراف لفيصل الحسيني بأنه هو قد يكون من قتل عبد القادر الحسيني ، وقد أتى (كانيوك) على سيرة عبد القادر وقدم له صورة تبدو مهينة .
لقد أبرزه كما أبرز الأدب الصهيوني الدعائي صورة القائد العربي ، وهذه الصورة تغاير الصورة التي قدمتها سحر خليفة .
سوف أحربش حول الموضوع ،
وقد أكتب مقالا للأيام فيه
٥
أكاد أجزم :
ما من رواية كتبها صاحبها عن مكان لا يعرفه جيدا أو لم يقم فيه إلا وقع في أخطاء معلوماتية أو خطأ على اﻷقل :
- السيدة من تل أبيب
- مصائر
- ترانيم الغواية
"زمن الخيول البيضاء"
- "مدينة الله"
أو عن شخوص تخيلوهم :
- أولاد الغيتو
أو..
حتى سحر خليفة التي تعرف نابلس جيدا لم تكن دقيقة في تحديد مكان المستوطنة في روايتها "حبي اﻷول" .
ولا أنسى رأي آميل حبيبي في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا".
كتب اميل : تتبعت طريق بطل الرواية سعيد . س فقادتني قدماي إلى الميناء لا إلى المكان الذي وصل إليه سعيد . س في الرواية.
12/4/2016
٦
أحمد دحبور: مجنون حيفا
سأكتب مقالا عن الشاعر أحمد دحبور وحيفا.
هل حضرت حيفا في أشعاره الأولى قبل عودته؟
زار الشاعر حيفا ولم يعد إليها. حيفا التي قالت له أمه، وهو في المخيم،عنها: إنها جنة الدنيا.
12/4/2017
٧
من رواية اميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " :
" قال : وهل الذي استشعر منهم بمختلف كثيرا عنك؟ أما أنت فتقمصت هرة ، وأما هو فتقمص شاعرا . وكلاكما يهرب حتى يتنفس ، ويختنق حتى لا يموت ، ومنهم من احترف الأدب عجزا ، ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه . وآخرون أخفوا عورة العجز بورقة الحكمة ، وآخرون بالفلسفة ، وبأن الزمان حاملهم لا محالة على العقرب القصير ، إن لم يكن حاملهم على العقرب الطويل ، إلى قيام الساعة ، و بأن الشعب غير مؤهل لغير ذلك ، وبما إلى ذلك من علل العليل ".
ولطالما توقفت أمام كلمتي الموقع والموقف ومحمود درويش ومن بعد طبعا عزمي بشارة .
أعتقد أن النص المقتبس يصلح مدخلا لدراسة جيل ثوريي 70 القرن 20 وما صاروا إليه في زماننا.
12/ 4/2018
٨
د.بسام أبو غزالة "العشق المر "2018 :
ما إن تنتهي من قراءة رواية د.بسام أبو غزالة " العشق المر " حتى تتذكر مقطعا شعريا لمحمود درويش ورد في قصيدة " طوبى لشيء لم يصل " من ديوان " محاولة رقم 7 " 1974 والمقطع هو :
" هذا هو الحزن الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي
هذا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب إلى الحبيب
إلا شهيدا أو شريد ".
يفترق جابر عن محبوبته زينب بسبب نكبة 1948. يقيم في لبنان وتقيم في نابلس ولا يعرفان عن بعضهما شيئا ثم يشاء القدر أن يلتقيا بعد 42 عاما ظل هو خلالها أعزب فيم تزوجت هي وأنجبت ثلاثة وترملت ، ويتفقان على الزواج ولكن " اجت الحزينة تفرح ما لقيتلهاش مطرح " .
يغزو صدام في 1990 الكويت حيث التقيا ، وإذ تغادر هي إلى الأردن لا يتمكن هو من دخولها بسبب وثيقة سفره اللبنانية فيعود إلى الكويت ، وتعتقله القوات العراقية وتقتله . وهكذا يقتل ويقتل حلمه مرتين ومثله زينب .
هذا هو العرس الفلسطيني " لا يصل الحبيب إلى الحبيب
إلا شهيدا أو شريد ".
الرواية هي الأولى للدكتور القومي التفكير بسام أبو غزالة ولنا معه ومعها موعد في 19/ 4/2018 في المنتدى التنويري في نابلس .
12/4/2018
٩
اليهود مثلنا 2 :
وأنا أحاضر عن القدس في الأدب العربي أتوقف أمام صورة اليهود في النصوص .
مثلا أمس وأول أمس ناقشت مجموعة خليل السواحري " مقهى البا شورة " وتوقفت أمام شخصية أبو بلطة فيها .
أبو بلطة هو صاحب المقهى الذي يبدأ اليهود يترددون عليه بعد احتلال القدس في 1967 ، ولا يروق لأبي بلطة سلوك الشباب اليهود ، فهم يدخنون الحشيش ويرتدون الملابس الفاضحة .
يحزن أبو بلطة لما هو فيه الآن ويتذكر شبابه في العام 1948 حيث كان بعصاه يغلق حي (مئة شعريم) ويتصدي لعشرات منهم ، فاليهود جبناء .
توقفت أمام رأينا في اليهود وجبنهم وتساءلت إن كان صحيحا ، وقلت للطلاب :
- اليهود مثلنا ، ورأينا في جبنهم غير صحيح ، ولكنهم كانوا أقليات حيث أقاموا ، فاضطهدهم الآخرون وجبنوا ، ثم لما قووا استقووا علينا ، والكلام يطول .
لم يرق كلامي للطلاب الذين أصروا على أن اليهود جبناء واستغربوا رأيي في أنهم مثلنا .
الكلام يطول
12 نيسان 2019
١٠
كما لو أني لا أعرف المدينة : باب الساحة في نابلس
عادل الاسطة
قبل عام تعرفت إلى طالبة أصولها مغربية وجنسيتها إيطالية وتقيم في لندن .
طلبت مني إكرام ، بتوجيه من زميل لي في الجامعة ، أن أساعدها في قراءة رواية خليل بيدس " الوارث " ، حتى تقدم مراجعة لها في إحدى مواد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها .
اقترحت إكرام إن لم يكن لدي مانع أن تزورني مرة كل أسبوع لنتحدث معا بالعربية التي تسعى إلى تعلمها كلغة أجنبية ، فهي عربية الأب إيطالية الأم ، وكان والداها يتكلمان الإيطالية ونادرا ما تكلم أبوها معها بالعربية وقليلا ما كانت تزور المغرب ، وإن زارته تكون الزيارة قصيرة غير كافية لتعلم اللغة .
اصطحبت إكرام إلى البلدة القديمة في جولات عديدة أعرفها عليها ، وقادتني أسئلة السكان وأصحاب المحلات إلى معرفة نابلس التي أتجول فيها منذ عقود دون أن أعرف خباياها ، وشاهدت أماكن لم أكن شاهدتها من قبل .
غالبا ما أجلس في نابلس في مقهى البرلمان ، وفيه أصغي إلى كبار السن يتحدثون عن القضايا الاجتماعية ، وقد دونت هذا عشرات المرات على صفحات الفيس بوك ، وكانت كتابتي تجد صدى لا بأس به .
عرفت مثلا أن هناك يهوديا واحدا كان يقيم في المدينة قبل العام 1948 وكان كندرجيا واسمه ( افشالوم ) وعرفت أن جامع الخضر في البلدة القديمة أقيم على قطعة أرض قدمتها الكنيسة للسكان ليقيموا عليها المسجد ، وعرفت معلومات عن أصول بعض العائلات وعن تحولها إلى الإسلام ، وعرفت أيضا أن أهل المدينة استغربوا قبل العام 1948 من مواطن زوج ابنته لرجل خليجي ، وظل السكان يخوضون في أمره حتى هج من نابلس إلى عمان . طبعا نابلس الآن اختلفت وصارت مدينة تضم في مبانيها اللاجئين والريفيبن والأجانب و..و..
الحكايا السابقة قليل من كثير سمعته ودونته.
أنا من محبي البلدة القديمة عموما وفيها قضيت أياما أزور بيتي خالتي الاثنتين اللتين أقامتا في البلدة القديمة ، ومع ذلك لا أزعم أنني عرفت نابلس معرفة جيدة .
مثلا لم أزر قصر آل عبد الهادي إلا في نهاية انتفاضة 1987 وهالني ما رأيت ، ولم أدخل قصر آل طوقان إلا العام الماضي بصحبة إكرام ، ولم أر دار عرفات إلا من أشهر حيث رافقت المحامي فؤاد نقارة في زيارة المهندس نصير عرفات ورأيت عوالم بدت لي غريبة ومذهلة .
الأماكن التي زرتها دفعتني لإثارة سؤال هو :
- لماذا لا تتحول البلدة القديمة في نابلس إلى منطقة سياحية يؤمها طلاب مدارسنا ويتجولون فيها ويتعرفون إلى مدننا القديمة والبناء العمراني فيها؟
مؤخرا انتهت بلدية نابلس من إعادة رصف ساحة باب الساحة ، والساحة الآن تبدو أجمل ، وهي ساحة غالبا ما يزورها المواطنون وغالبا ما تكون مسرحا لنشاطات اجتماعية في المناسبات الدينية والوطنية .
أعرف باب الساحة من عقود ، ولما كتبت سحر خليفة روايتها " باب الساحة " ارتبط اسم الرواية في ذهني أكثر من ارتباط المكان فيه ، علما بأنني أزور المكان يوميا تقريبا ولا أعود للرواية إلا عند الضرورة .
من أربعة أيام أو خمسة أيام جلست على المقاعد الخشبية التي وضعتها البلدية هناك ، وبعد وقت وجدتني أسلم على "أبو عماد حلاوة " وهو مواطن نابلسي في الحادية والثمانين من عمره ، وكنت تعرفت إليه من عقدين من السنوات ، فقد كان يتردد على المنتدى التنويري الذي استضافني مرارا لأحاضر فيه في موضوعات ثقافية ورموز أدبية .
أبو عماد كبابجي وهو صديق للشيوعيين منذ كان يافعا ، وقد أخبرني أنه كان مناصرا لعصبة التحرر الوطني وأنه ما زال نصيرا للشيوعيين ، وقال لي إن الديانات بقدر ما أفادت البشرية بقدر ما جرت الحروب بين أتباعها ، ما جعلني أردد على مسامعه أبيات المعري :
" في اللاذقية فتنة ما بين أحمد والمسيح
هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح .."
ومن " أبو عماد " عرفت معلومات لم أكن أعرفها من قبل ، فأدركت أنني كلما عشت أكثر اكتشفت صدق ما قاله أبو نواس في النظام :
"فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء "
ولقد حفظت شيئا وغابت عني أشياء .
من "أبو عماد " عرفت أن الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف كان في نابلس في باب الساحة وأنه شارك في معركة جنين .
تحدث " أبو عماد " عن تلك الأيام كما لو أنها تحدث أمامه الآن .لم تغب أسماء عبد الوهاب الشواف من الموصل المتمرد على عبد الكريم قاسم عن ذهنه ، ولم يغب طاهر الزبيدي القائد العام للقوات العراقية عن ذاكرته . بل إنه ذكر لي اسم عبد الكريم حسونه الذي ألقي القبض عليه وهو يحارب مع القوات اليهودية في معركة جنين . كان حسونة من بين اثني عشر مقاتلا من عصابات اليهود في حينه أسرهم الجنود العراقيون وجلبوهم إلى نابلس ومرروهم في باب الساحة . طلب الجنود العراقيون من المواطنين ألا يشتموا وألا يبصقوا وأخبروا المواطنين أن هؤلاء الأسرى يجب أن يعاملوا معاملة الأسير وأنه ستجري مبادلتهم بأسرى عرب وقعوا بأيدي مقاتلي العصابات الصهيونية . والوحيد الذي أعدمه العراقيون كان عبد الكريم حسونة فقد نظر إليه على أنه خائن ، وما زال أبو عماد يتذكر منظر جثة حسونة قرب جامع الحج نمر معلقة بحبل المشنقة .
سألت "أبو عماد " عن أفضل فترة شهدتها باب الساحة ، فأجاب :
- أقصر حكم من أيام العثمانيين.
أبو عماد يتحدث عن الحكم العثماني والانتداب البريطاني والجيش العراقي والحكم الأردني والاحتلال الإسرائيلي ، ويعرف أن حكم العراقيين كان عابرا ، ويعد وجودهم حكما فقد كانت منطقة شمال الضفة الغربية من مسؤولية الجيش العراقي ، خلافا لمناطق جنوب فلسطين وشمالها ومنطقة القدس .
تحدث أبو عماد عن شجاعة الجيش العراقي ونخوته وهبته لتحرير جنين ، وتحدث عن رجولة العراقيين وكرمهم ووصف لي ردة فعلهم عندما سمعوا أن العصابات الصهيونية استولت على جنين .
- منذ متى وأنت في المطعم يا أبا عماد؟
- منذ وعيت وكنت شاهدا في العام 1948 على ما جرى .
- ألم تغادر نابلس؟
- غادرتها إلى دمشق في أثناء ملاحقة الشيوعيين وزجهم في السجون في 50 القرن العشرين وسرعان ما عدت .
- وكيف الأوضاع الاقتصادية في هذه الأيام؟
الأوضاع الاقتصادية ليست جيدة ، ويقترح أبو عماد الآتي لباب الساحة :
- ماذا لو استأجرت البلدية هذه البناية وحولتها إلى محكمة شرعية لعقد قران بعض قرى الريف؟ إن هذا سيحيي المنطقة المحيطة بها كلها.
- هل ما زلت يساريا ؟
- إنني أحترم اليسار و أقدره .
أبو عماد في الثانية والثمانين من عمره وما زال يعمل في مطعمه ، فالجلوس في البيت مرض ولا بد من الحركة .
قال لي أبو عماد لم يبق من جيلي إلا هذا الرجل ، وأشار إلى رجل من آل حموضة ، وقال لي إنه أكبر منه بعام فقد ولد الرجل في 1935 وولد أبو عماد في 1936 .
مطعم ابو عماد يقابل جامع النصر ، وكان مكان الجامع قبل مئات السنين كنيسة . هكذا أخبرني . وخلف الجامع توجد حلويات الأقصى وهي أشهر حلويات في المدينة وتقتصر على الكنافة .
كما لو أنني لا أعرف المدينة ، كما لو أنني لا أعرف باب الساحة في نابلس .
الجمعة 12 نيسان 2019
١١
الست كورونا وداروين الفلسطيني ٤٤ :
كل صباح أصغي إلى إذاعة " أجيال " . أستمع إلى صوت عبد الباسط عبد الصمد وصوت فيروز وأتابع أخبار الصباح ، وقد أستمع إلى برنامج الست ميسون مناصرة ، ومنذ بداية الحديث عن الست كورونا صارت الست ميسون تردد عبارة " البقاء للأوعى " ، وهي محاكاة لعبارة ( داروين ) الشهيرة " البقاء للأصلح " ولقانون الغابة " البقاء للأقوى " .
السويد قررت اتباع " سياسة القطيع " - أي انتشروا في الأرض وتابعوا حياتكم بحرص والقوي يقاوم جسمه الفايروس والضعيف جسديا عليه أن ينتبه أو أنه سيموت . يعني السويد تأخذ بنصيحة الست ميسون مناصرة - إن سمعت بها .
ثمة ( داروين ) فلسطيني والأزمات تنتج العبقريات ، وأتمنى أن يخترع طبيب فلسطيني علاجا / لقاحا لفايروس كورونا .
أول شريط فيديو تابعته هذا الصباح أرسله إلي المحامي Fuad Suzy Nakkara وهو بث مباشر لتساقط أمطار غزيرة في مدينة حيفا .
شخصيا تذكرت الشاعر أحمد دحبور وكلام أمه له ، وهما في المنفى ، عن مدينتهما :
" حيفا جنة الدنيا "
وتذكرت أسطرا شعرية للشاعر راشد حسين قالها ، وهو في نيويورك ، يعبر فيها عن حنينه إلى حيفا :
" أتيت الطب في نيويورك أطلب منه مستشفى
فقالوا :
أنت مجنون ، ولن يشفى
أمامك جنة الدنيا ولست ترى سوى حيفا " .
لم أفعل هذا النهار ، من أيام الحجر الصحي ، أي شيء ، وشعرت بملل . الأجواء ماطرة وباردة ، والجار يرصد حركات جاره ، وقد أعدت قراءة دراسة عن ( دانيال ديفو ) والطاعون في لندن في ١٦٦٢ لأكتب عن طقوس دفن ثاني فقيد فلسطيني بالست كورونا ، وكنت أود إنجاز هذا في هذا الصباح ، ولكن لا بد من قراءة أكثر .
١٢ نيسان ٢٠٢٠ .
١٢
الست كورونا ونابلس هذا النهار ٤٥ :
اليوم ذهبت ، بعد ثلاثة أسابيع ، إلى المدينة للمرة الثانية علني أحضر دواء السكري و ( ليريكا ) .
حركة سيارات الخصوصي عادية ولكن حافلات العمومي ذات اللون الأصفر والأصفر والأسود غير موجودة .
أمام بنك فلسطين كان الناس يقفون بالعشرات . صيدلية أسامة مغلقة ، ولم أصرف الدواء من صيدلية الشعار فشركة التأمين تشترط موافقة . غريب .
كما لو أن الحركة في المدينة مغلقة المحلات ، وبعض المحلات الإغلاق فيها جزئي فثمة فتحة ما ، كما لو أن الحركة ربع حركة . كما لو أنه يوم جمعة ليس غير . ولو كنت أملك سيارة خصوصي لربما انتحلت يوميا عذرا للذهاب .
في الصيدلية يعقم الصيدلاني كل ما يأخذ وكل ما يعطي ؛ النقود والدواء و ..
ربما صرت من أنصار سياسة القطيع ولو كان الشعب الفلسطيني واعيا وعي أبناء الشعب السويدي لطالبت علنا باتباع سياسة القطيع ، ولكن ماذا أقول ووعي شعبنا يفوق وعي الشعب السويدي بعشرات المرات ؟ إنني أخاف لهذا نفاد الماء قبل نفاد المعقمات .
البنك يرسل إلي رسالة يحثني على التعامل الإلكتروني وعن بعد ، فلا ضرورة للذهاب إلى البنك ، ومثله شركة الاتصالات Paltel .
شخصيا لا أنجز أي معاملة بنكية الكترونيا عدا استخدام الصراف الآلي ، وأرجو أن يعلم البنك بهذا .
ربما يمدح أصحاب السيارات الخاصة الست كورونا فقد أراحتهم من أزمة السيارات ، وربما يمدحها المشاؤون فيمشون ولا يخافون من سيارة تدهسهم .
نابلس في الأوضاع الحالية تبدو مدينة هادئة وديعة ، ولهذا لم ترق لي ، لا هي ولا الست كورونا .
ولأنني اليوم ذهبت ، على غير العادة منذ بدء فرض الإغلاق ، إلى المدينة فسوف أكتب مرتين
١٢ نيسان ٢٠٢٠
١٣
سهرة مع أبو إبراهيم ١٨ :
البحث في السيرة الذاتية ل أبو إبراهيم
بعد أن قرأت قصة " تعرفت على وجهي " أخذت أبحث عن السيرة الذاتية ل أبو إبراهيم - أي الدكتور محمد اشتية رئيس الوزراء الفلسطيني - لأعرف إن كان اعتقل في فترة من حياته ، ف أبو إبراهيم المولود في نابلس / قرية تل من مواليد العام ١٩٥٨ ودرس في جامعة بير زيت بين ١٩٧٦ و ١٩٨١ وعمل في جريدة الشعب التي أبعد رئيس تحريرها القاص أكرم هنية في العام ١٩٨٦ ، وهذه الفترة ١٩٧٦ إلى ١٩٨٦ كانت فترة صعود القوى الوطنية وقد تعرض كثيرون إلى الاعتقال .
سبب بحثي عن السيرة الذاتية ل أبو إبراهيم هو معرفة فيما إذا كان اعتقل ، فالشخصية التي تتكلم في قصة " تعرفت على وجهي " ، واسمها رمزي إبراهيم ، تعتقل وتوضع في زنزانة انفرادية لمدة ٥٩ يوما ، وتعاني فيها معاناة كبيرة ، وحين تخرج من الزنزانة لتقابل بعض زوارها ، بعد تدخل من الصليب الأحمر ، تنظر إلى وجهها في المرآة فترى وجه شخص آخر مختلف وتكاد لا تعرف ذاتها .
للأسف فإنني لم أعثر في سيرة الكاتب على معلومات تقول لنا إنه اعتقل ، وإلا لكنت وحدت بين الكاتب وأنا المتكلم - رمزي إبراهيم - في قصته .
يروي لنا السارد بعض حياة السجن والسجناء ويصف معنوياتهم المرتفعة والأغاني التي يغنونها مثل " يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما " وما شابه .
لم تكن الشخصية الساردة تعيش قبل اعتقالها في بحبوحة ، فحياتها عادية وهي تعيش في غرفة أشبه بغرفة الزنزانة ، فليس فيها من حياة الرفاهية أي شيء . جدران باهتة تزينها صور لزعيم عربي هو عبد الناصر ولوحة امرأة جميلة ترتدي فستانا أحمر وصورته ، وأما صورة والديه فيضعها تحت وسادته .
كم تغيرت ملامحه خلال الفترة التي قضاها في الزنزانة :
" لست أدري لماذا ارتجفت يداي حينما رفعت المرآة لأرى وجهي ، وكأنني بت غريبا عن وجهي ، أو وجهي غريب عني "
" من هو هذا الرجل الذي يظهر في مرآتي ؟ ربما احتفظت المرآة بصورة رجل آخر في ذاكرتها وهو من أراه الآن ."
أنا المتكلم رمزي إبراهيم المعتقل رقم ٢٣٤ يصبح رقما ، ولكنه يتأكد أن الصورة في المرآة هي صورته نفسه .
هل اعتقل أبو إبراهيم ؟
كتاب القصة القصيرة الفلسطينية في الأرض المحتلة عانى قسم منهم من الاعتقال والإبعاد ، لا لأنهم كتاب قصة قصيرة وحسب ، وإنما لأنهم نشيطون سياسيا . أبعد خليل السواحري ومحمود شقير ومحمود قدري وأكرم هنية وسجن كتاب كثر أيضا ، وقد حفلت كتاباتهم بتصوير عالم السجن ومعاناتهم فيه أو بالكتابة عن الإبعاد .
هل أنا المتكلم في القصة السجين رمزي إبراهيم هو الدكتور محمد اشتية ؟
لا بد من التأكد .
الآن صار أبو إبراهيم ممتلئا والبركة في طعام أم إبراهيم ومخدة ريش النعام القادمة من نيروبي وسبحان مغير الأحوال !
في إحدى قصائد محمود درويش ، ولعلها قصيدته في رثاء راشد حسين أو رثاء عز الدين القلق يتحاور الراثي مع المرثي قبل وفاة أو اغتيال المرثي :
"- هل تغيرت ؟
- تغيرت ولم تذهب حياتي سدى !"
وكلنا تغيرنا . من منا لم يتغير ؟ ومحمود درويش نفسه ، ابن العائلة الفقيرة ، عاش في آخر ثلاثة عقود من حياته عيشة الملوك ، ومرت عليه في شبابه أيام ضنك وأخرى عاش فيها في الزنزانة ، وقد كتبت مرة مقالا مفصلا عن تجربة السجن في شعره .
وإن شاء الله تنتهي الحلقات العشرون وفوقها حلقة وأبو إبراهيم " مطول روحه " علي ، فلا أعتقل . هل يمكن أن أكرر ذات يوم سطر مظفر النواب :
" خجلت أقول له قاومت الاستعمار ، فشردني وطني " ، مع أن ما أعانيه من المقاطعة بعض جحيم حقا .
صباح الخير يا أبو إبراهيم وارفعوا رقابتكم عني وعن هاتفي وصفحة الفيس بوك الخاصة بي ، وما خفف عني في اليومين الماضيين أن الأمير حمزة بن الحسين تعرض أيضا ، ولو ليوم واحد أو شهر واحد ، للمراقبة من أخيه جلالة الملك عبد الله الثاني .
صباح الخير يا أبو إبراهيم ، ودبرها " بركن على إيدك تنحل " .
١٢ نيسان ٢٠٢١
١٤
في ذكرى ميلاد راوية المخيم أحمد دحبور : العودة إلى رثاء غسان كنفاني
( مقالي اليوم في جريدة الأيام الفلسطينية ١٧ نيسان ٢٠٢٢ )
عادل الأسطة
في ٢٠ نيسان ١٩٤٦ ولد أحمد دحبور في حيفا ، والمدهش أنه توفي في الثامن من الشهر نفسه . كنا نتوقف أمام ولادة غسان كنفاني في العام ١٩٣٦ وتصيبنا الدهشة حين نعرف أنه استشهد عن ٣٦ عاما أيضا . والمدهش هذه المرة أيضا أن الشاعر الذي نشأ في مخيمات اللجوء وآثر أن يكون في باكورة شعره راوية المخيم ، فكتب :
" اسمع - أبيت اللعن - راوية المخيم /افتح له عينيك وافهم :/هذي الصفائح والخرائب والبيوت/ فيها كبرت /
بها كبرت /وفوضتني عن جهنم "
المدهش أن ما نطق به جسده على أرض الواقع ، أيضا في نيسان ٢٠٠٢ ونيسان ٢٠٢٢ ، أبناء مخيم جنين .
وأنا أفكر في الكتابة عن الذكرى الخامسة لرحيل أحمد انشغلت بالكتابة عن قراءة كنفاني في فلسطين التاريخية ، مؤجلا الكتابة عن الرحيل إلى الكتابة عن الميلاد ؛ ميلاد غسان وميلاد أحمد الذي ارتضى لنفسه منذ استشهد الأول أن يواصل رحلته في الكتابة كدليل ومحرض على بؤس واقع اللجوء ومواصلة رحلة الفلسطيني في ضرورة العودة إلى الوطن مهما كانت التضحيات ، وهذا دفعني إلى إعادة قراءة قصيدتيه في غسان وهما " الدليل " و" إنهم يقتلون حميدو " ، وقد كنت أتيت عليهما العام الماضي في مقالي " نيسان وبرقوقه وأدباء المقاومة " ( ١١ نيسان ٢٠٢١ ) .
كتب أحمد قصيدته " الدليل " في تموز ١٩٧٢ عام استشهاد غسان ، ولا أعدها شخصيا قصيدة رثاء مع أنه أهداها " إلى دم غسان كنفاني .. الدليل والمحرض " ، فليس فيها من سمات قصائد الرثاء المتوارثة أية سمة ، فلم يعدد فيها مناقب المرثي وصفاته ، وإنما كتب فيها عن الأطراف التي تقتل الفلسطيني أو تسهم في قتله :
" يكون لكم من الغازين أعداء ومن امرائكم أعداء
يكون لكم من الصحراء رمل يهلك الأحشاء
وحنجرة مطهمة مروضة بدينار
يكون لكم دم في الماء "
ولا يضع ثقته إلا بالفقراء ، فالأمراء ومن ركب المطايا الذين ناشدهم وافتخر بهم الشاعر القديم " ألستم خير من ركب المطايا ؟" لا يصل منهم سوى الصدى ، بل إنهم حين حارب الفلسطيني تدخلوا طالبين منه التوقف ، وكانت النتيجة أن استدار الأعداء نحو الفلسطينيين " ورموا بنا في الماء " . لقد صار حال الفلسطيني حال سيف الدولة يحيط به الأعداء من كل جانب ، وليس تصدير الشاعر قصيدته بقول المتنبي عبثا " وسوى الروم خلف ظهرك روم ، فعلى أي جانبيك تميل " .
تظهر قصيدة " إنهم يقتلون حميدو " ( ٨ / ٧ / ١٩٨٠ ) صورة لغسان أكثر مما تبرزه الأولى . وعلى الرغم من مرور ٨ سنوات على استشهاده فلم يجف حبره ولم تستقر شظاياه على الأرض وما زال صوت الانفجار يفضي إلى النبض حتى ليقتبس الرعد مما يفيض به القلب . القصيدة المخصصة للكتابة عن حميدو الفقير اللاجيء الذي كانت جدته تحدثه طفلا عن فلسطين أحب بلاده وحين كبر اختار فلسطين والبندقية فقتل ، ولكن من قتله ؟ ولماذا ؟
" لا الصهاينة المجرمون / ولا شركات الأذى / إنهم أهله الأقربون .. / فلماذا يموت الفدائي ؟ / ولماذا يراق دمه على غير حيفا ؟ كيف نشهد هذي العجائب كيفا ؟ " .
القصيدة المخصصة لحميدو تظهر صورة لغسان الذي يقص قصة حميدو ويقول إن هناك عربا يتاجرون بالدم الفلسطيني وإن فلسطين في فواتيرهم ليست البندقية ، فما هي صورة غسان ؟
يحب الدعابة ويجيد الكتابة ويضحك حتى حدود الفضيحة ويفتك بالمازحين ولا يغضبون ويقارن بين الذبيحة والصيد ، ويرى أننا نحن الذبيحة والصيد والصيادون وإلا فكيف يقتلون حميدو ؟ ولم يرو هذا لأحمد أحد ، فقد كانت للأخير مع غسان قصة عن غرابة إحدى لياليه لخصها فيما سبق .
كان أحمد في بداياته الشعرية لا يثق إلا بالفقراء ، وكان يعول عليهم فقط ، فقد رأى في الحكام متاجرين بالقضية ، ولم ينعكس هذا في قصيدتيه في رثاء غسان وحسب ، وهو هنا عموما يتطابق وغسان وهو ما جسده في روايته " أم سعد " (١٩٦٩) وفي رؤيته لثورة ١٩٣٦ . لقد برز أيضا في أشعار أحمد الأولى التي كتبها في ٦٠ و٧٠ ق ٢٠ ، ويمكن هنا العودة إلى قصيدته " العودة إلى كربلاء " ( أيلول ١٩٧١) والاقتباس منها للتدليل على ذلك ، بل ويمكن أيضا العودة إلى ما كتبه في مقدمة أعماله الشعرية الكاملة ( ١٩٨٣) .
في " العودة إلى كربلاء " يكتب :
" يا كربلاء الذبح والفرح المبيت والمخيم والمحبة _ كل الوجوه تكشفت كل الوجوه / ورأيت : كان السيف في كفي ، / وكنت لنظرة الفقراء كعبه / ورأيت من باعوك ، / باعونا معا "
وعن فقره في المخيم يكتب :
" كنا في ثكنة خالد بن الوليد - مخيم اللاجئين الفلسطينيين في حمص - نعاني فقرا إضافيا ، ربما يتميز عن فقر جيراننا في المخيم ، فالأخ الكبير ، جمل المحامل أو عمود البيت ، بين السجن أو المنفى بسبب أفكاره السياسية ، والأب الذي يغسل الموتى ويسحر في رمضان ويقرأ على القبور ، لا يجد في بطالته المقنعة هذه ، ما يكسب به قوتنا الكافي ... (ص ٢١ من ا.ك ) .
في الوقت الذي كنت أقرأ فيه أشعار الشاعر كنت أتابع ما يجري في مخيم جنين إثر ما قام به رعد حازم في تل أبيب ، وعدت إلى أشعار مظفر النواب في جنين ( ٢٠٠٢) وفي تل الزعتر ( ١٩٧٦ ) فلاحظت تقاطعات بين الشاعرين وكنفاني في الكتابة عن الفقراء ومخاطبتهم وتمجيدهم والتعويل في الثورة عليهم ، وفي الكتابة عن الزعماء وعدم الثقة فيهم ونفض اليد منهم . ترى هل أصاب البنيويون حين كتبوا عن الصلة بين النصوص ، فأحد معاني كلمة " بنية " هو " الصلة بين " ؟!
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
( الثلاثاء ١٢ إلى الخميس ١٤ نيسان ٢٠٢٢)
١٥
تداعيات حول شريط فيديو لإعدام متعاون :
( مقالي الأحد ١٦ / ٤ / ٢٠٢٣ في جريدة الأيام الفلسطينية )
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
في الأسبوع الماضي عمم شريط فيديو لإعدام شاب فلسطيني متعاون مع العدو ، فأصغيت إليه غير مرة . قال الشاب ابن العشرينيات إنه تم إسقاطه من خلال تصويره وهو يمارس فعلا شاذا .
خاف الشاب من الفضيحة فتورط في الخيانة وأسهم في قتل مقاومين ، وفي النهاية في تصفيته ، وهكذا لم ينج ولم تكن النتيجة التي آل إليها أخف وطأة من الفضيحة الاجتماعية التي يمكن تجاوزها ببساطة متناهية أقلها تغيير المدينة التي يقيم فيها والإقامة في مدينة أخرى لا يعرفه فيها أحد ، هذا إذا افترضنا أنه على درجة كبيرة من السذاجة ، ففي أيامنا هذه يمكن تكذيب أي شريط بالادعاء بأنه مفبرك ، وليس هناك أسهل من الفبركة ، وحكاياتها كثيرة ليس أقلها ما كتبه سميح القاسم في إحدى رسائله إلى محمود درويش حين كتب عن سلاح الإشاعة في المجتمعات الرأسمالية حين تريد التخلص من معارض سياسي . لم يكن للمعارض أخوات ومع ذلك ظلت تتهمه في شرف أخته .
وأنا أمعن النظر في الشريط أخذت أتساءل عن مدى إسهام الفصائل السياسية والمؤسسات الاجتماعية في ما وصل إليه هذا الشاب وغيره ، وأتساءل أيضا إن كان مجتمعنا مجتمعا لا يتسامح ولا يغفر في قضايا أخلاقية واجتماعية ترتكب في كل زمان وفي كل مكان منذ بدء الخلق ، فيسهم في دفع أبنائه إلى الوقوع في شرك المحتل ليرتد الأثر السلبي عليه ، فيساء إلى عوائل كاملة .
تداعيات الشريط أعادتني إلى أعمال أدبية صور أصحابها فيها نماذح وقعت في شرك العمالة أو نماذج حاول الإسرائيليون ابتزازها لإسقاطها ، وقد امتلك بعضها الشجاعة للمواجهة ورفض التعاون أو الاستمرار فيه . هنا يمكن أن اتوقف أمام رواية إميل حبيبي " المتشائل " ورواية إلياس خوري " باب الشمس " .
في الأولى يخدم بطلها سعيد دولة الاحتلال ولكنه في لحظة يقرر عدم الاستمرار ، ما يثير حنق رجل المخابرات فيهدده بأنه سيفضحه في مجتمعه . يمتلك سعيد الشجاعة ويصر على رفضه فتفرض عليه الشرطة الإقامة الجبرية ، فيبيع البطيخ ويعلق ورقة الإقامة الجبرية على جدار البسطة " حلوا عني واركبوا غيري " يخاطب سعيد ضابط المخابرات .
في الثانية يهدد رجال المخابرات نهيل المرأة الفلسطينية التي تحمل من يونس زوجها الفدائي المتسلل بأنهم سيفضحونها إن لم تخبرهم عن مكانه ، وأنها حملت بالحرام ، فترد عليهم :
" مخجل سرقتم البلاد وطردتم أهلها وتأتون لتعطوني دروسا في الأخلاق . يا سيدي نحن أحرار ولا يحق لأحد أن يسألني عن حياتي الجنسية " .
كأنما يقدم لنا الكاتبان رأيهما فيما ينبغي أن نكون عليه إن ضغطت علينا المخابرات الإسرائيلية للتعاون معها . ومن المؤكد أن كثيرين من أبناء شعبنا لا يمتلكون الوعي الذي امتلكه الكاتبان ، ولكن من قال إن الوعي الوطني مقترن دائما بالوعي الثقافي . ثمة وعي غريزي لدى أكثر ، إن لم يكن كل ، أبناء شعبنا بأن التعاون مع المحتل سلوك خياني مرفوض ، فلماذا يقع إذن قسم منا في شراك العدو ؟
لن أحلل الظاهرة اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا ، ولكني أذكر نماذج أدبية صورت طرق الإسقاط ، منها رواية أسعد الأسعد " ليل البنفسج " (١٩٨٩) ورواية يحيى السنوار " الشوك والقرنفل "(٢٠٠٤) ورواية حسام شاهين " زغرودة الفنجان " ( ٢٠١٥) ورواية هيثم جابر " الشهيدة " (٢٠١٦) وقصص وليد الهودلي " وهكذا أصبح جاسوسا " (٢٠١٩) وقبلها " ستائر العتمة "(٢٠٠٣) وآخر رواية في الموضوع كتبها سليم أنقر من الطيبة " أيد في الخفاء "(٢٠٢٢) ، هذا إذا لم نقارب بعض الأفلام مثل " صالون هدى " .
في الأعمال السابقة غالبا ما يتم الإسقاط من خلال تصوير الشخصية في وضع لا يقبله المجتمع الفلسطيني ؛ صورة أو شريط فيديو لفتاة تمارس الجنس مع شخص دون علاقة يقرها المجتمع ، أو صورة أو شريط فيديو لشاب مع فتاة يهودية ، أو يتم الإسقاط من خلال استغلال حاجة الشخصية إلى تصريح عمل في الداخل الفلسطيني أو السفر إلى خارج فلسطين لإكمال الدراسة أو للعلاج ، إذ تستغل حاجة الشخصية في لحظة حرجة كأن لم يبق لها لإنهاء الدراسة سوى عام ، وقد يتم الإسقاط بطريقة ناعمة دبلوماسية يقنع رجال المخابرات فيها مناضلا سياسيا بأن الدولة الإسرائيلية تنشد السلام وأنه سيحل في النهاية ولكنه بحاجة إلى قيادات مرنة للتفاوض معها ، وهكذا تورط السجين وتعقد معه اتفاقات وقد تخرجه من سجنه ليلعب دور المناضل المعتدل لتحقيق الأهداف الفلسطينية المنشودة التي لن تتحقق بالمقاومة العسكرية ، وقد يتم الإسقاط بتوريط الفلسطيني بمشاريع تجارية يتورط فيها بشيكات لا يقدر على سدادها فيقدم خدمات مقابل ذلك ، أو قد يتم الإسقاط من خلال غرفة العصافير داخل السجون .
هذا ما خلصت إليه ، وتصف الأعمال المذكورة عواقب السقوط وتأثيره السلبي على المجتمع ، وغالبا ما تكون نهايات المتعاونين القتل أو النبذ أو الهروب ، وقد يموت بعض هؤلاء ميتة مشرفة فينتقم من الضابط الذي جنده ويقتله .
لا أريد أن أفصل القول أو أكثر من الاقتباسات ، ولكني سأنهي المقالة بما يقترحه هيثم جابر في روايته " الشهيدة " كمخرج :
" ثم في أسوأ الظروف لنفرض أنهم نفذوا تهديدهم ونشروا الصور .. كل القضايا اللاأخلاقية والزنا والسرقة والرشوة أهون ألف مرة من الخيانة .. وعندما يعلم أبناء شعبك أنك رفضت أن تكون خائنا وعميلا للمحتل لذلك تم فضحك وستكبر في عيون أبناء شعبك وستصبح بطلا ومناضلا بدل خائن وعميل للمحتل " .
( ملاحظة : أكثر النصوص المشار إليها أنجزت عنها كتابات في الجرائد وفي الفيس بوك وتجدونها على موقع الانطولوجيا
- وهكذا أصبح جاسوسا وأدب السجون ، الأيام الفلسطينية ٢ / ٦ / ٢٠١٨
- زغرودة الفنجان ، جريدة القدس وموقع الانطولوجيا
- يحيى السنوار ، موقع الانطولوجيا - سهرة مع أبو إبراهيم في روايته " الشوك والقرنفل "
- ملاحظة ثانية : بعد نشر المقال في الجريدة ذكرني الكاتب جميل السلحوت بأنه كتب في روايتيه " برد الصيف " ( ٢٠١٣ ) و " هوان النعيم " ( ٢٠١٢ ) عن الإسقاط ) وقد عدت إليهما وهما جزءان من رباعية ترصد فترة الحكم الأردني للضفة الغربية وفترة الحكم الإسرائيلي بعد حرب حزيران ١٩٦٧ وفيهما نقرأ عن " أبو سالم " الذي يقدم خدمات للاحتلال ويتم إسقاطه من خلال تصويره وهو يمارس الجنس مع فتاة يهودية مرسلة له ومن خلال حاجته لتصريح زيارة إلى الأردن ومن خلال المال .
( الأربعاء والخميس ١٢ و ١٣ / ٤ / ٢٠٢٣)
١٦
" أم الياسمين " : شباب نابلس الأطفال
هل قدم مسلسل " أم الياسمين " صورة حقيقية لشباب نابلس في نهاية عشرينيات القرن ٢٠ وبداية ثلاثينياته ؟
يبدو شباب نابلس بسطاء سذجا تابعين لآبائهم غير قادرين على مواجهة الصعاب ، بل يمكن نعتهم بأنهم إمعات .
في حلقة الليلة اعتقل أكرم لشكوى رفعها أبو أدهم متهما إياه بأنه هو من أطلق النار على ابنه أدهم .
يولول أكرم ويبكي ويطلب حضور أبيه ، فهو لا يحتمل أن يسجن . هل يختلف أدهم ونادر عنه ؟
ربما يرى شباب نابلس الحاليون في الصورة التي قدمت لشباب المدينة في تلك الفترة إهانة لهم أيضا ، بخاصة حين يقارنونها بصورتهم الآن ؛ صورتهم التي دفعت منذ ١٩٦٧ حتى الآن ثمنا كبيرا ، فمن هم الآن في سن الثلاثة المذكورين ، إلا أقلهم ، يسجنون ويقاومون ويستشهدون و ... .
في ثلاثينيات القرن العشرين عرفنا من شباب المدينة إبراهيم طوقان الذي تغرب ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت وقارع الانتداب البريطاني وأظن أنه كتب غير نشيد يمجد الشباب ومنها نشيد موطني :
" الشباب لن يكل
همه أن يستقل أو يبيد " .
من المؤكد أن المسلسل سيثير جدلا بين أبناء نابلس بهذا الخصوص .
١٢ / ٤ / ٢٠٢٣ .
١٧
غزة ( ١٨٨ ) :
عيد فطر دموي
كما في شاتيلا وصبرا في العام ١٩٨٢ سال الدم الفلسطيني في العيد ، وكان عيدنا دمويا .
في اليوم الثاني من أيام عيد الفطر واصل الجيش الإسرائيلي غاراته العنيفة على مدينة غزة ومخيماتها في المنطقة الوسطى .
لم تسلم الأسواق التي حج إليها المواطنون ليتبضعوا من قليل موادها . فاجأهم القصف فهربوا وتشتت العائلة . صرخت الأم كالمجنونة تبحث عن أطفالها ممن كانوا معها واهتم أحياء بجثامين من ارتقوا . صار سوق فراس كتلة من نار وغبار ، ولم يسلم مخيم النصيرات الذي صب الإسرائيليون جام غضبهم عليه فأمطروه بأحزمة نارية .
وأنا أتابع صفحة مخيم النصيرات توزعت بين ضحك وبكا ، وعرفت من صفحات أخرى أن سعر السيجارة الواحدة بلغ خمسين شيكلا ، فبلغ سعر علبة الدخان ١٠٠٠ شيكل . هل من ضرورة للدخان ؟ هل احتاج أهل غزة إلى نصيحة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي " اللي بيعلى ثمنه ما تشترهوش "؟ وهل ينقص أهل غزة في محنتهم نصائح المترفين المنعمين المشاركين في المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة بشكل أو بآخر ؟
في أحد أشرطة الفيديو زار صحفي ما إحدى المقابر والتقى بثلاثة أطفال أكبرهم ربما في الثالثة عشرة من عمره . كانوا جالسين ، جانب قبر والديهما ، يبكون . هل سيخفف الصحفي ببعض عباراته وشواكله من حجم المصيبة ؟ هل ستكفي عبارة :
- أنت رجل وعيب أن تبكي ؟
هل ستكفي لحل المصيبة ؟
آلاف الأطفال في غزة كان عيدهم أمس أسود . كان عيدا حزينا افتقدوا فيه آباءهم وأمهاتهم وبيوتهم وضاعت أمانيهم .
ماذا تجدي الكلمات والوحش انفلت ؟
ليس لليهودي الإسرائيلي الصهيوني المشارك في هذه المقتلة أو الساكت عنها ، ليس له قلب !!
أمريكا صارت شبه متأكدة أن الأسرى الإسرائيليين صاروا في خبر كان .
كل عيد وأهل غزة وشعبنا بوضع أفضل .
نابلس ١٢ / ٤ / ٢٠٢٤
١٨
غزة ( ١٨٩ ) ثانية :
يبدو أنها ستستفحل ويبدو أنها ، كما قال السسنوار ، ستحرق الأخضر واليابس .
حتى اللحظة حرقت غزة ، ويبدو أن ليس هناك ما يبشر .
هل إسرائيل ناوية على طهران مثل غزة والضاحية في ٢٠٠٦ ؟ وإلا ما معنى إبراز صورة لطهران والكتابة تحتها " إيران قبل "؟
هل سيكتب الشيخ حسن نصرالله ، مع صورة :
" تل أبيب وحيفا قبل وبعد " .
يبدو أن أمطار نيسان ستكون غزيرة وسيكون نيسان ، لا آذار ، أقسى الشهور .
طهران قبل
تل أبيب قبل
حيفا قبل
دمشق قبل
بيروت قبل
غزة قبل وبعد ...
إنها الحرب قد تثقل القلب ، وأمريكا تتهيأ وسفنها تستعد .
هجوم إيراني مرتقب لردع إسرائيل و ... .
اليوم ١٨٩ لمقتلة غزة ومهلكتها وحرب الإبادة فيها . هل نتمنى أمنية حفار القبور في قصيدة بدر شاكر السياب ؟
" فلتعم الحرب هذا الكون و ... "
عيد فطر بالصلاة على النبي ، والزعران يعربدون . إنهم المختارون !!
لا حول ولا قوة إلا بالله الرائي المشاهد المتفرج السامع المحايد على ما يبدو . ربما لحكمة عقلي قاصر عن استيعابها .
لا بأس من قراءة نص سردي عن الحمامات في غزة . الأطفال يستحمون غير عابئين بمن يرى مقدماتهم ومؤخراتهم ، فماذا تفعل الصبايا والعواجيز و ... و ... .
ما كتبته القاصة نعمة حسن لفت نظري حقيقة وأعادني إلى ما كتبه الأدباء الفلسطينيون عن الحمامات في المخيمات الفلسطينية . هل تتذكرون ما كتبته الروائية الفلسطينية سامية عيسى في روايتيها " حليب التين " ٢٠١١ و " خلسة في كوبنهاجن " ٢٠١٣ ؟
لعلني أخصص الأحد ٢١ / ٤ / ٢٠٢٤ للكتابة في هذا الموضوع ، فمقالي الأحد القادم ١٤ / ٤ / ٢٠٢٤ عنوانه " فدوى طوقان " مع لاجئة في العيد " .
اللهم نسألك الذي تراه مناسبا .
١٢ / ٤ / ٢٠٢٤
١٩
غزة ( ١٩٠ ) :
النووي البطيء
في صفحة مخيم النصيرات قرأت للتو جملة تعبر عن عذاب من تبقى صامدا فيه بعاني يوميا من جحيم الحصار والحرب التي اشتدت في يومي العيد الأخيرين :
" ارموا علينا نووي وبكفي موت بطيء "
وفي اليومين الأخيرين صبت القوات الإسرائيلية جام غضبها على المخيم .
في صفحات بعض كتاب غزة مثل د. هيا فريج و طلعت قديح إدراج لصورة شخصية عما تركته الحرب في ملامحهما . أدرج طلعت صورتين له ؛ واحدة قبل أن تندلع الحرب وثانية بعد ستة أشهر من اندلاعها ، وعقبت ، لما رأيت البون الشاسع بين الصورتين ، عقبت :
- لقد هرمتم .
وهيا فريج ممن يكتبون نصوصا لافتة عن الحرب وقد بقيت في شمال قطاع غزة رافضة المغادرة متشبثة بمدينتها متحدية آخذة بما قرأت وتعلمت من أشعار توفيق زياد " هنا باقون " واستفت ترب الأرض ولم ترحل ، بخلاف من ترك القطاع وغادر من الكتاب . وفي المجزرة والمقتلة الجارية لا أحد يلوم أحدا وترفع لمن صمد القبعات .
أمس بدأت شرارة حرب ما . في الجنوب اللبناني وفي قرى الضفة الغربية ؛ في قرية المغير وللتو في قرية أبو فلاح جارة قرية ترمسعية ، حيث بثت مكبرات الصوت نداءات وجهت إلى الشباب ليهبوا دفاعا عن القريتين .
الضفة الغربية على صفيح ساخن ، على الرغم من سخرية الصحفي مجدي محسن ممن يكتفون بتعليقات مثل : أنت بحجم وطن و با كبير وهلم جرا . مجدي كتب أنه إن بقينا نكتب عبارات مثل هذه فسوف نجد أنفسنا في الأزرق / الأردن وفي الأنبار / العراق ، ما جعلني أعقب بأسلوب لا يخلو من سخرية ودعابة :
ومن كانت منيته بالأزرق أو في الأنبار
فليس يموت في نابلس أو هودلة .
حالة تعبانة يا ليلى والحديث عن اشتراك إيران في الحرب شغل أمس وسائل الإعلام .
١٣ / ٤ / ٢٠٢٤
٢٠
عادل الأسطة
[ يا إمرأة
يا معرفة
ما حاجتي لكما ؟
لماذا لم تموتا مثل موت الآلهة ؟
من أطلق الماضي علي كاخطبوط حول روحي التائهة ؟
من دس في خمري سموم المعرفة ؟
ما حاجتي للمعرفة ؟
ما حاجتي للمعرفة ؟ ]
( محمود درويش ، هي أغنية .. هي أغنية ، من قصيدة " أوديب " ١٩٨٦ )
وأنا جالس على الدرج أمعنت النظر في مصير كثير من الطلاب الذين درستهم . شعرت بالحزن وتألمت وتمنيت لو لم أتعلم وكنت عاملا . مجرد عامل لا يقرأ ولا يكتب .
لا بد من استرجاع مآلات بعض طلابي !
في مجموعتي القصصية الأولى " فصول في توقيع الاتفاقية " ١٩٧٩ كتبت قصة " أين ذهب فيصل ؟ " .
حقا أين ذهب فيصل ؟
١٢ / ٤ / ٢٠٢٥
١٢ نيسان ٢٠٢٦
( غونتر غراس ) :
سيتذكر (غونتر غراس ) وهو يصغي إلى قرار منعه من دخول اسرائيل ، سيتذكر ( شتازي ) - أي مخابرات ألمانيا الشرقية التي منعته من دخول أراضيها بحجة أنه يكتب ضدها .
يا عزيزي ( عونتر غراس ) هناك آلاف من الفلسطينيين لا يسمح لهم بالتنقل في بلادهم ، فلا تستغرب قرار الوزير الاسرائيلي .
ما زالت قضية القصيدة تتفاعل ، فلماذا لم يخض كتابنا في الأمر ويقفوا إلى جانب الكاتب الألماني الذي وقف في القصيدة إلى جانب الفلسطينيين وحقهم في العيش بأمان وحرية واستقرار ؟
هل سيمنعنا الإسرائيليون غدا من السفر إلى البلدان العربية كما يمنعوننا من زيارة حيفا ويافا وعكا و .. و .. والقدس ؟
من سنين أحلم بزيارة هذه المدن . إنها خبط العصا . كتب درويش في قصيدته ( طوبى لشيء عامض )
" دمهم أمامي لا أراه
كأنه طرقات يافا كرميد حيفا لا أراه " .
ساكتب للأحد مقالا ساخرا أسخر فيه أيضا من نفسي .
كل شيء في بلادنا يدعو للسخرية فلماذا لا أسخر أيضا من نفسي؟
أحيانا أحاول أن أكون ذكيا فأقع .
هل الأمر مقتصر علي أم أنه صفة توجد في الفلسطينيين بشكل عام ، حيث يحاولون دائما ان يتفصحنوا ؟
الاسرائيليون فصيحون من طفولتهم - من بيضة الدجاجة .
بعض جامعاتنا تحاول أيضا التميز ، وهذا حق لها .
هل نلوم الرئيس لأنه أتى بما لم يأت به الأوائل؟
لقد رفع نصاب من هم برتبة أستاذ من 9 ساعات إلى 12 ساعة اسبوعية فكافأ المجتهدين وجعل مدة العلاوة لمن لم يكتبوا أبحاثا 15 عاما ، بدلا من ستة .
هكذا الديك الفصيح من بيضه يصيح .
أنا " ديك فصيح . اقرأوا مقالي الأحد في الأيام .
كل شيء يدعو إلى السخرية .
ساسخر من نفسي .
٢٠١٢
٢
فاروق مواسي قال لي :
مرة قلت للشاعر الباحث القاص كشاجم فاروق مواسي :
- لو كنت أتقن العبرية لكتبت عن الأدب العبري الكثير معرفا به ، فأجابني ابو السيد
:
- جيد أنك لم تتقنها ، لأنك ستتعب لكثرة ما يكتبون .
الآن أدرك لماذا تخصص بعض عرب الداخل في الأدب المقارن ، ولكنهم منذ تخرجوا لم يكتبوا شيئا ، فلا استفادوا ولا أفادوا ، ولكن مؤسساتنا لا تسألهم ما داموا صامتين ولا يتدخلون في سياسة الباب العالي ، بل يمدحونها وينافقون ويقدمون خدمات .
غدا مقالي في الأيام عن (يورام كانيوك) وكتابه المترجم الى العربية: " 1948 "
٢٠١٤
٣
اليهود مثلنا :
اليهود ، أعني من في دولة اسرائيل ، مثلنا أيضا .
كنت فرغت من قراءة (يورام كانيوك ) " 1948 "، ولم أكن أعلم أنه توفي إلا بعد أن كتبت مقال الأحد وارسلته صباح الجمعة للأيام ، منطلقا من منطلق تجريبي حول القراءات :
- هل تتطابق القراءات؟
طبعا كان هذا خطأ ، فالصواب أن أقرأ القراءات السابقة قبل الكتابة وأن أفيد منها .
لحسن حظي أنني لم أقرأ مراجعات عربية للكتاب هذا تحديدا . وأما كتابات (كانيوك) السابقة ، مثل " ارتباكات عربي جيد " فكنت أعرف لها بعض المراجعات ، وقد عدت إليها وأفدت منها .
لفت نظري في الكتاب أشياء كثيرة ، منها مرايا الذات والآخر ، وهو موضوع يهمني ، ومنها ايضا صورة فلسطين في النص ، ومنها إشكالية التجنيس ، ومنها تشابه (كانيوك) واميل حبيبي ، ومنها كتابة الذاكرة ، واختلاف زمني الحوادث والكتابة ، وقد وقعت في خطأ في مقالي في الأيام سأصوبه لاحقا .
هل اليهود مثلنا ؟ أعني الذين أسسوا الدولة؟
كنت ، وأنا أقرأ ، أتذكر هذا السؤال ، ولاحظت أن (كانيوك) يقول ما نقوله بخصوص مؤسسي الثورة الفلسطينية ونهاياتها ، يقوله وهو يتحدث عن مؤسسي الدولة العبرية وما آلت إليه بعد حرب 1948 مباشرة .
هناك من يضحي ويستبسل ، وهناك من يبحث عن منافع ذاتية ، وكما يحزن الفتحاويون الحقيقيون لمآل فتح ، كان (يورام ) يأسى ويحزن لنهايات مشابهة ، حيث تبوأ اللصوص المناصب في حين....الخ...الخ
في ص 236 يكتب :
" وهؤلاء الذين كانوا قريبين من الطبق أخذوا أو اشتروا الأملاك المتروكة ببضع قروش.........وأما نحن الصغار ، الغالبية الغالبة من المحاربين البسطاء ، الذين بقوا أحياء وأنجزوا العمل ، فقد بقينا خارج اللعبة "
والحمد لله أننا ، نحن ، لم نحقق ما حققوا ، ومع ذلك هناك من لهط وشفط وهبش و...و...وفيروز تغني راجعين يا هوى راجعين،ولكن إلى
السويد
والدنمارك
والنرويج
و..و...وصباح الخير يا أهل لبنان، وهل أكرر مع محمود درويش : " الوداعا "
خربشات ،
وصباح الخير،ومع فيروز "يوم ويومين وجمعة وشهر وشهرين ،تعبت بعيني الدمعة والغايب واين"
١٢ نيسان ٢٠١٤
٤
من الأدب
العبري : ( يورام كانيوك ) " 1948" :
الزمن الروائي ، إن عددنا النص رواية ، هو خمسة اشهر من 1948 ، وزمن السرد هو بعد 62 سنة من الزمن الروائي .
يقدم لنا هذا الكتاب مدخلا جيدا للتعامل مع السيرة الذاتية والعلاقة بين الزمنين ، زمن السرد والزمن الكتابي من ناحية ، وزمن الحدث السيري /القصصي من ناحية ثانية .
ما مدى صدق الكتابة حقا؟وهل كان الكاتب موفقا في الكتابة عن الزمن المسترجع دون أن يسقط عليه رؤاه وتصوراته الآنية /اللحظية ؟
يورام كانيوك يفصح لنا أن هناك اكثر من 60 عاما ما بين زمن الحدث وزمن استرجاعه ، ويتساءل إن كان ما يرويه بعد ستين عاما حدث فعلا أم أنه كان يحلم بأن يحدث ، ويأتي أيضا على ذاكرته عجوزا . هل يروي بالضبط ما جرى أم أنه نسي شيئا وداخل بين أزمنة مختلفة ؟
يقر (كانيوك) بأن ذاكرته الآن غدت ضعيفة ، وبالتالي فإن ما يرويه قابل للمساءلة ، وبعيدا عن النص المكتوب يتساءل (كانيوك) في اعتراف لفيصل الحسيني بأنه هو قد يكون من قتل عبد القادر الحسيني ، وقد أتى (كانيوك) على سيرة عبد القادر وقدم له صورة تبدو مهينة .
لقد أبرزه كما أبرز الأدب الصهيوني الدعائي صورة القائد العربي ، وهذه الصورة تغاير الصورة التي قدمتها سحر خليفة .
سوف أحربش حول الموضوع ،
وقد أكتب مقالا للأيام فيه
٥
أكاد أجزم :
ما من رواية كتبها صاحبها عن مكان لا يعرفه جيدا أو لم يقم فيه إلا وقع في أخطاء معلوماتية أو خطأ على اﻷقل :
- السيدة من تل أبيب
- مصائر
- ترانيم الغواية
"زمن الخيول البيضاء"
- "مدينة الله"
أو عن شخوص تخيلوهم :
- أولاد الغيتو
أو..
حتى سحر خليفة التي تعرف نابلس جيدا لم تكن دقيقة في تحديد مكان المستوطنة في روايتها "حبي اﻷول" .
ولا أنسى رأي آميل حبيبي في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا".
كتب اميل : تتبعت طريق بطل الرواية سعيد . س فقادتني قدماي إلى الميناء لا إلى المكان الذي وصل إليه سعيد . س في الرواية.
12/4/2016
٦
أحمد دحبور: مجنون حيفا
سأكتب مقالا عن الشاعر أحمد دحبور وحيفا.
هل حضرت حيفا في أشعاره الأولى قبل عودته؟
زار الشاعر حيفا ولم يعد إليها. حيفا التي قالت له أمه، وهو في المخيم،عنها: إنها جنة الدنيا.
12/4/2017
٧
من رواية اميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " :
" قال : وهل الذي استشعر منهم بمختلف كثيرا عنك؟ أما أنت فتقمصت هرة ، وأما هو فتقمص شاعرا . وكلاكما يهرب حتى يتنفس ، ويختنق حتى لا يموت ، ومنهم من احترف الأدب عجزا ، ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه . وآخرون أخفوا عورة العجز بورقة الحكمة ، وآخرون بالفلسفة ، وبأن الزمان حاملهم لا محالة على العقرب القصير ، إن لم يكن حاملهم على العقرب الطويل ، إلى قيام الساعة ، و بأن الشعب غير مؤهل لغير ذلك ، وبما إلى ذلك من علل العليل ".
ولطالما توقفت أمام كلمتي الموقع والموقف ومحمود درويش ومن بعد طبعا عزمي بشارة .
أعتقد أن النص المقتبس يصلح مدخلا لدراسة جيل ثوريي 70 القرن 20 وما صاروا إليه في زماننا.
12/ 4/2018
٨
د.بسام أبو غزالة "العشق المر "2018 :
ما إن تنتهي من قراءة رواية د.بسام أبو غزالة " العشق المر " حتى تتذكر مقطعا شعريا لمحمود درويش ورد في قصيدة " طوبى لشيء لم يصل " من ديوان " محاولة رقم 7 " 1974 والمقطع هو :
" هذا هو الحزن الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي
هذا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب إلى الحبيب
إلا شهيدا أو شريد ".
يفترق جابر عن محبوبته زينب بسبب نكبة 1948. يقيم في لبنان وتقيم في نابلس ولا يعرفان عن بعضهما شيئا ثم يشاء القدر أن يلتقيا بعد 42 عاما ظل هو خلالها أعزب فيم تزوجت هي وأنجبت ثلاثة وترملت ، ويتفقان على الزواج ولكن " اجت الحزينة تفرح ما لقيتلهاش مطرح " .
يغزو صدام في 1990 الكويت حيث التقيا ، وإذ تغادر هي إلى الأردن لا يتمكن هو من دخولها بسبب وثيقة سفره اللبنانية فيعود إلى الكويت ، وتعتقله القوات العراقية وتقتله . وهكذا يقتل ويقتل حلمه مرتين ومثله زينب .
هذا هو العرس الفلسطيني " لا يصل الحبيب إلى الحبيب
إلا شهيدا أو شريد ".
الرواية هي الأولى للدكتور القومي التفكير بسام أبو غزالة ولنا معه ومعها موعد في 19/ 4/2018 في المنتدى التنويري في نابلس .
12/4/2018
٩
اليهود مثلنا 2 :
وأنا أحاضر عن القدس في الأدب العربي أتوقف أمام صورة اليهود في النصوص .
مثلا أمس وأول أمس ناقشت مجموعة خليل السواحري " مقهى البا شورة " وتوقفت أمام شخصية أبو بلطة فيها .
أبو بلطة هو صاحب المقهى الذي يبدأ اليهود يترددون عليه بعد احتلال القدس في 1967 ، ولا يروق لأبي بلطة سلوك الشباب اليهود ، فهم يدخنون الحشيش ويرتدون الملابس الفاضحة .
يحزن أبو بلطة لما هو فيه الآن ويتذكر شبابه في العام 1948 حيث كان بعصاه يغلق حي (مئة شعريم) ويتصدي لعشرات منهم ، فاليهود جبناء .
توقفت أمام رأينا في اليهود وجبنهم وتساءلت إن كان صحيحا ، وقلت للطلاب :
- اليهود مثلنا ، ورأينا في جبنهم غير صحيح ، ولكنهم كانوا أقليات حيث أقاموا ، فاضطهدهم الآخرون وجبنوا ، ثم لما قووا استقووا علينا ، والكلام يطول .
لم يرق كلامي للطلاب الذين أصروا على أن اليهود جبناء واستغربوا رأيي في أنهم مثلنا .
الكلام يطول
12 نيسان 2019
١٠
كما لو أني لا أعرف المدينة : باب الساحة في نابلس
عادل الاسطة
قبل عام تعرفت إلى طالبة أصولها مغربية وجنسيتها إيطالية وتقيم في لندن .
طلبت مني إكرام ، بتوجيه من زميل لي في الجامعة ، أن أساعدها في قراءة رواية خليل بيدس " الوارث " ، حتى تقدم مراجعة لها في إحدى مواد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها .
اقترحت إكرام إن لم يكن لدي مانع أن تزورني مرة كل أسبوع لنتحدث معا بالعربية التي تسعى إلى تعلمها كلغة أجنبية ، فهي عربية الأب إيطالية الأم ، وكان والداها يتكلمان الإيطالية ونادرا ما تكلم أبوها معها بالعربية وقليلا ما كانت تزور المغرب ، وإن زارته تكون الزيارة قصيرة غير كافية لتعلم اللغة .
اصطحبت إكرام إلى البلدة القديمة في جولات عديدة أعرفها عليها ، وقادتني أسئلة السكان وأصحاب المحلات إلى معرفة نابلس التي أتجول فيها منذ عقود دون أن أعرف خباياها ، وشاهدت أماكن لم أكن شاهدتها من قبل .
غالبا ما أجلس في نابلس في مقهى البرلمان ، وفيه أصغي إلى كبار السن يتحدثون عن القضايا الاجتماعية ، وقد دونت هذا عشرات المرات على صفحات الفيس بوك ، وكانت كتابتي تجد صدى لا بأس به .
عرفت مثلا أن هناك يهوديا واحدا كان يقيم في المدينة قبل العام 1948 وكان كندرجيا واسمه ( افشالوم ) وعرفت أن جامع الخضر في البلدة القديمة أقيم على قطعة أرض قدمتها الكنيسة للسكان ليقيموا عليها المسجد ، وعرفت معلومات عن أصول بعض العائلات وعن تحولها إلى الإسلام ، وعرفت أيضا أن أهل المدينة استغربوا قبل العام 1948 من مواطن زوج ابنته لرجل خليجي ، وظل السكان يخوضون في أمره حتى هج من نابلس إلى عمان . طبعا نابلس الآن اختلفت وصارت مدينة تضم في مبانيها اللاجئين والريفيبن والأجانب و..و..
الحكايا السابقة قليل من كثير سمعته ودونته.
أنا من محبي البلدة القديمة عموما وفيها قضيت أياما أزور بيتي خالتي الاثنتين اللتين أقامتا في البلدة القديمة ، ومع ذلك لا أزعم أنني عرفت نابلس معرفة جيدة .
مثلا لم أزر قصر آل عبد الهادي إلا في نهاية انتفاضة 1987 وهالني ما رأيت ، ولم أدخل قصر آل طوقان إلا العام الماضي بصحبة إكرام ، ولم أر دار عرفات إلا من أشهر حيث رافقت المحامي فؤاد نقارة في زيارة المهندس نصير عرفات ورأيت عوالم بدت لي غريبة ومذهلة .
الأماكن التي زرتها دفعتني لإثارة سؤال هو :
- لماذا لا تتحول البلدة القديمة في نابلس إلى منطقة سياحية يؤمها طلاب مدارسنا ويتجولون فيها ويتعرفون إلى مدننا القديمة والبناء العمراني فيها؟
مؤخرا انتهت بلدية نابلس من إعادة رصف ساحة باب الساحة ، والساحة الآن تبدو أجمل ، وهي ساحة غالبا ما يزورها المواطنون وغالبا ما تكون مسرحا لنشاطات اجتماعية في المناسبات الدينية والوطنية .
أعرف باب الساحة من عقود ، ولما كتبت سحر خليفة روايتها " باب الساحة " ارتبط اسم الرواية في ذهني أكثر من ارتباط المكان فيه ، علما بأنني أزور المكان يوميا تقريبا ولا أعود للرواية إلا عند الضرورة .
من أربعة أيام أو خمسة أيام جلست على المقاعد الخشبية التي وضعتها البلدية هناك ، وبعد وقت وجدتني أسلم على "أبو عماد حلاوة " وهو مواطن نابلسي في الحادية والثمانين من عمره ، وكنت تعرفت إليه من عقدين من السنوات ، فقد كان يتردد على المنتدى التنويري الذي استضافني مرارا لأحاضر فيه في موضوعات ثقافية ورموز أدبية .
أبو عماد كبابجي وهو صديق للشيوعيين منذ كان يافعا ، وقد أخبرني أنه كان مناصرا لعصبة التحرر الوطني وأنه ما زال نصيرا للشيوعيين ، وقال لي إن الديانات بقدر ما أفادت البشرية بقدر ما جرت الحروب بين أتباعها ، ما جعلني أردد على مسامعه أبيات المعري :
" في اللاذقية فتنة ما بين أحمد والمسيح
هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح .."
ومن " أبو عماد " عرفت معلومات لم أكن أعرفها من قبل ، فأدركت أنني كلما عشت أكثر اكتشفت صدق ما قاله أبو نواس في النظام :
"فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء "
ولقد حفظت شيئا وغابت عني أشياء .
من "أبو عماد " عرفت أن الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف كان في نابلس في باب الساحة وأنه شارك في معركة جنين .
تحدث " أبو عماد " عن تلك الأيام كما لو أنها تحدث أمامه الآن .لم تغب أسماء عبد الوهاب الشواف من الموصل المتمرد على عبد الكريم قاسم عن ذهنه ، ولم يغب طاهر الزبيدي القائد العام للقوات العراقية عن ذاكرته . بل إنه ذكر لي اسم عبد الكريم حسونه الذي ألقي القبض عليه وهو يحارب مع القوات اليهودية في معركة جنين . كان حسونة من بين اثني عشر مقاتلا من عصابات اليهود في حينه أسرهم الجنود العراقيون وجلبوهم إلى نابلس ومرروهم في باب الساحة . طلب الجنود العراقيون من المواطنين ألا يشتموا وألا يبصقوا وأخبروا المواطنين أن هؤلاء الأسرى يجب أن يعاملوا معاملة الأسير وأنه ستجري مبادلتهم بأسرى عرب وقعوا بأيدي مقاتلي العصابات الصهيونية . والوحيد الذي أعدمه العراقيون كان عبد الكريم حسونة فقد نظر إليه على أنه خائن ، وما زال أبو عماد يتذكر منظر جثة حسونة قرب جامع الحج نمر معلقة بحبل المشنقة .
سألت "أبو عماد " عن أفضل فترة شهدتها باب الساحة ، فأجاب :
- أقصر حكم من أيام العثمانيين.
أبو عماد يتحدث عن الحكم العثماني والانتداب البريطاني والجيش العراقي والحكم الأردني والاحتلال الإسرائيلي ، ويعرف أن حكم العراقيين كان عابرا ، ويعد وجودهم حكما فقد كانت منطقة شمال الضفة الغربية من مسؤولية الجيش العراقي ، خلافا لمناطق جنوب فلسطين وشمالها ومنطقة القدس .
تحدث أبو عماد عن شجاعة الجيش العراقي ونخوته وهبته لتحرير جنين ، وتحدث عن رجولة العراقيين وكرمهم ووصف لي ردة فعلهم عندما سمعوا أن العصابات الصهيونية استولت على جنين .
- منذ متى وأنت في المطعم يا أبا عماد؟
- منذ وعيت وكنت شاهدا في العام 1948 على ما جرى .
- ألم تغادر نابلس؟
- غادرتها إلى دمشق في أثناء ملاحقة الشيوعيين وزجهم في السجون في 50 القرن العشرين وسرعان ما عدت .
- وكيف الأوضاع الاقتصادية في هذه الأيام؟
الأوضاع الاقتصادية ليست جيدة ، ويقترح أبو عماد الآتي لباب الساحة :
- ماذا لو استأجرت البلدية هذه البناية وحولتها إلى محكمة شرعية لعقد قران بعض قرى الريف؟ إن هذا سيحيي المنطقة المحيطة بها كلها.
- هل ما زلت يساريا ؟
- إنني أحترم اليسار و أقدره .
أبو عماد في الثانية والثمانين من عمره وما زال يعمل في مطعمه ، فالجلوس في البيت مرض ولا بد من الحركة .
قال لي أبو عماد لم يبق من جيلي إلا هذا الرجل ، وأشار إلى رجل من آل حموضة ، وقال لي إنه أكبر منه بعام فقد ولد الرجل في 1935 وولد أبو عماد في 1936 .
مطعم ابو عماد يقابل جامع النصر ، وكان مكان الجامع قبل مئات السنين كنيسة . هكذا أخبرني . وخلف الجامع توجد حلويات الأقصى وهي أشهر حلويات في المدينة وتقتصر على الكنافة .
كما لو أنني لا أعرف المدينة ، كما لو أنني لا أعرف باب الساحة في نابلس .
الجمعة 12 نيسان 2019
١١
الست كورونا وداروين الفلسطيني ٤٤ :
كل صباح أصغي إلى إذاعة " أجيال " . أستمع إلى صوت عبد الباسط عبد الصمد وصوت فيروز وأتابع أخبار الصباح ، وقد أستمع إلى برنامج الست ميسون مناصرة ، ومنذ بداية الحديث عن الست كورونا صارت الست ميسون تردد عبارة " البقاء للأوعى " ، وهي محاكاة لعبارة ( داروين ) الشهيرة " البقاء للأصلح " ولقانون الغابة " البقاء للأقوى " .
السويد قررت اتباع " سياسة القطيع " - أي انتشروا في الأرض وتابعوا حياتكم بحرص والقوي يقاوم جسمه الفايروس والضعيف جسديا عليه أن ينتبه أو أنه سيموت . يعني السويد تأخذ بنصيحة الست ميسون مناصرة - إن سمعت بها .
ثمة ( داروين ) فلسطيني والأزمات تنتج العبقريات ، وأتمنى أن يخترع طبيب فلسطيني علاجا / لقاحا لفايروس كورونا .
أول شريط فيديو تابعته هذا الصباح أرسله إلي المحامي Fuad Suzy Nakkara وهو بث مباشر لتساقط أمطار غزيرة في مدينة حيفا .
شخصيا تذكرت الشاعر أحمد دحبور وكلام أمه له ، وهما في المنفى ، عن مدينتهما :
" حيفا جنة الدنيا "
وتذكرت أسطرا شعرية للشاعر راشد حسين قالها ، وهو في نيويورك ، يعبر فيها عن حنينه إلى حيفا :
" أتيت الطب في نيويورك أطلب منه مستشفى
فقالوا :
أنت مجنون ، ولن يشفى
أمامك جنة الدنيا ولست ترى سوى حيفا " .
لم أفعل هذا النهار ، من أيام الحجر الصحي ، أي شيء ، وشعرت بملل . الأجواء ماطرة وباردة ، والجار يرصد حركات جاره ، وقد أعدت قراءة دراسة عن ( دانيال ديفو ) والطاعون في لندن في ١٦٦٢ لأكتب عن طقوس دفن ثاني فقيد فلسطيني بالست كورونا ، وكنت أود إنجاز هذا في هذا الصباح ، ولكن لا بد من قراءة أكثر .
١٢ نيسان ٢٠٢٠ .
١٢
الست كورونا ونابلس هذا النهار ٤٥ :
اليوم ذهبت ، بعد ثلاثة أسابيع ، إلى المدينة للمرة الثانية علني أحضر دواء السكري و ( ليريكا ) .
حركة سيارات الخصوصي عادية ولكن حافلات العمومي ذات اللون الأصفر والأصفر والأسود غير موجودة .
أمام بنك فلسطين كان الناس يقفون بالعشرات . صيدلية أسامة مغلقة ، ولم أصرف الدواء من صيدلية الشعار فشركة التأمين تشترط موافقة . غريب .
كما لو أن الحركة في المدينة مغلقة المحلات ، وبعض المحلات الإغلاق فيها جزئي فثمة فتحة ما ، كما لو أن الحركة ربع حركة . كما لو أنه يوم جمعة ليس غير . ولو كنت أملك سيارة خصوصي لربما انتحلت يوميا عذرا للذهاب .
في الصيدلية يعقم الصيدلاني كل ما يأخذ وكل ما يعطي ؛ النقود والدواء و ..
ربما صرت من أنصار سياسة القطيع ولو كان الشعب الفلسطيني واعيا وعي أبناء الشعب السويدي لطالبت علنا باتباع سياسة القطيع ، ولكن ماذا أقول ووعي شعبنا يفوق وعي الشعب السويدي بعشرات المرات ؟ إنني أخاف لهذا نفاد الماء قبل نفاد المعقمات .
البنك يرسل إلي رسالة يحثني على التعامل الإلكتروني وعن بعد ، فلا ضرورة للذهاب إلى البنك ، ومثله شركة الاتصالات Paltel .
شخصيا لا أنجز أي معاملة بنكية الكترونيا عدا استخدام الصراف الآلي ، وأرجو أن يعلم البنك بهذا .
ربما يمدح أصحاب السيارات الخاصة الست كورونا فقد أراحتهم من أزمة السيارات ، وربما يمدحها المشاؤون فيمشون ولا يخافون من سيارة تدهسهم .
نابلس في الأوضاع الحالية تبدو مدينة هادئة وديعة ، ولهذا لم ترق لي ، لا هي ولا الست كورونا .
ولأنني اليوم ذهبت ، على غير العادة منذ بدء فرض الإغلاق ، إلى المدينة فسوف أكتب مرتين
١٢ نيسان ٢٠٢٠
١٣
سهرة مع أبو إبراهيم ١٨ :
البحث في السيرة الذاتية ل أبو إبراهيم
بعد أن قرأت قصة " تعرفت على وجهي " أخذت أبحث عن السيرة الذاتية ل أبو إبراهيم - أي الدكتور محمد اشتية رئيس الوزراء الفلسطيني - لأعرف إن كان اعتقل في فترة من حياته ، ف أبو إبراهيم المولود في نابلس / قرية تل من مواليد العام ١٩٥٨ ودرس في جامعة بير زيت بين ١٩٧٦ و ١٩٨١ وعمل في جريدة الشعب التي أبعد رئيس تحريرها القاص أكرم هنية في العام ١٩٨٦ ، وهذه الفترة ١٩٧٦ إلى ١٩٨٦ كانت فترة صعود القوى الوطنية وقد تعرض كثيرون إلى الاعتقال .
سبب بحثي عن السيرة الذاتية ل أبو إبراهيم هو معرفة فيما إذا كان اعتقل ، فالشخصية التي تتكلم في قصة " تعرفت على وجهي " ، واسمها رمزي إبراهيم ، تعتقل وتوضع في زنزانة انفرادية لمدة ٥٩ يوما ، وتعاني فيها معاناة كبيرة ، وحين تخرج من الزنزانة لتقابل بعض زوارها ، بعد تدخل من الصليب الأحمر ، تنظر إلى وجهها في المرآة فترى وجه شخص آخر مختلف وتكاد لا تعرف ذاتها .
للأسف فإنني لم أعثر في سيرة الكاتب على معلومات تقول لنا إنه اعتقل ، وإلا لكنت وحدت بين الكاتب وأنا المتكلم - رمزي إبراهيم - في قصته .
يروي لنا السارد بعض حياة السجن والسجناء ويصف معنوياتهم المرتفعة والأغاني التي يغنونها مثل " يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما " وما شابه .
لم تكن الشخصية الساردة تعيش قبل اعتقالها في بحبوحة ، فحياتها عادية وهي تعيش في غرفة أشبه بغرفة الزنزانة ، فليس فيها من حياة الرفاهية أي شيء . جدران باهتة تزينها صور لزعيم عربي هو عبد الناصر ولوحة امرأة جميلة ترتدي فستانا أحمر وصورته ، وأما صورة والديه فيضعها تحت وسادته .
كم تغيرت ملامحه خلال الفترة التي قضاها في الزنزانة :
" لست أدري لماذا ارتجفت يداي حينما رفعت المرآة لأرى وجهي ، وكأنني بت غريبا عن وجهي ، أو وجهي غريب عني "
" من هو هذا الرجل الذي يظهر في مرآتي ؟ ربما احتفظت المرآة بصورة رجل آخر في ذاكرتها وهو من أراه الآن ."
أنا المتكلم رمزي إبراهيم المعتقل رقم ٢٣٤ يصبح رقما ، ولكنه يتأكد أن الصورة في المرآة هي صورته نفسه .
هل اعتقل أبو إبراهيم ؟
كتاب القصة القصيرة الفلسطينية في الأرض المحتلة عانى قسم منهم من الاعتقال والإبعاد ، لا لأنهم كتاب قصة قصيرة وحسب ، وإنما لأنهم نشيطون سياسيا . أبعد خليل السواحري ومحمود شقير ومحمود قدري وأكرم هنية وسجن كتاب كثر أيضا ، وقد حفلت كتاباتهم بتصوير عالم السجن ومعاناتهم فيه أو بالكتابة عن الإبعاد .
هل أنا المتكلم في القصة السجين رمزي إبراهيم هو الدكتور محمد اشتية ؟
لا بد من التأكد .
الآن صار أبو إبراهيم ممتلئا والبركة في طعام أم إبراهيم ومخدة ريش النعام القادمة من نيروبي وسبحان مغير الأحوال !
في إحدى قصائد محمود درويش ، ولعلها قصيدته في رثاء راشد حسين أو رثاء عز الدين القلق يتحاور الراثي مع المرثي قبل وفاة أو اغتيال المرثي :
"- هل تغيرت ؟
- تغيرت ولم تذهب حياتي سدى !"
وكلنا تغيرنا . من منا لم يتغير ؟ ومحمود درويش نفسه ، ابن العائلة الفقيرة ، عاش في آخر ثلاثة عقود من حياته عيشة الملوك ، ومرت عليه في شبابه أيام ضنك وأخرى عاش فيها في الزنزانة ، وقد كتبت مرة مقالا مفصلا عن تجربة السجن في شعره .
وإن شاء الله تنتهي الحلقات العشرون وفوقها حلقة وأبو إبراهيم " مطول روحه " علي ، فلا أعتقل . هل يمكن أن أكرر ذات يوم سطر مظفر النواب :
" خجلت أقول له قاومت الاستعمار ، فشردني وطني " ، مع أن ما أعانيه من المقاطعة بعض جحيم حقا .
صباح الخير يا أبو إبراهيم وارفعوا رقابتكم عني وعن هاتفي وصفحة الفيس بوك الخاصة بي ، وما خفف عني في اليومين الماضيين أن الأمير حمزة بن الحسين تعرض أيضا ، ولو ليوم واحد أو شهر واحد ، للمراقبة من أخيه جلالة الملك عبد الله الثاني .
صباح الخير يا أبو إبراهيم ، ودبرها " بركن على إيدك تنحل " .
١٢ نيسان ٢٠٢١
١٤
في ذكرى ميلاد راوية المخيم أحمد دحبور : العودة إلى رثاء غسان كنفاني
( مقالي اليوم في جريدة الأيام الفلسطينية ١٧ نيسان ٢٠٢٢ )
عادل الأسطة
في ٢٠ نيسان ١٩٤٦ ولد أحمد دحبور في حيفا ، والمدهش أنه توفي في الثامن من الشهر نفسه . كنا نتوقف أمام ولادة غسان كنفاني في العام ١٩٣٦ وتصيبنا الدهشة حين نعرف أنه استشهد عن ٣٦ عاما أيضا . والمدهش هذه المرة أيضا أن الشاعر الذي نشأ في مخيمات اللجوء وآثر أن يكون في باكورة شعره راوية المخيم ، فكتب :
" اسمع - أبيت اللعن - راوية المخيم /افتح له عينيك وافهم :/هذي الصفائح والخرائب والبيوت/ فيها كبرت /
بها كبرت /وفوضتني عن جهنم "
المدهش أن ما نطق به جسده على أرض الواقع ، أيضا في نيسان ٢٠٠٢ ونيسان ٢٠٢٢ ، أبناء مخيم جنين .
وأنا أفكر في الكتابة عن الذكرى الخامسة لرحيل أحمد انشغلت بالكتابة عن قراءة كنفاني في فلسطين التاريخية ، مؤجلا الكتابة عن الرحيل إلى الكتابة عن الميلاد ؛ ميلاد غسان وميلاد أحمد الذي ارتضى لنفسه منذ استشهد الأول أن يواصل رحلته في الكتابة كدليل ومحرض على بؤس واقع اللجوء ومواصلة رحلة الفلسطيني في ضرورة العودة إلى الوطن مهما كانت التضحيات ، وهذا دفعني إلى إعادة قراءة قصيدتيه في غسان وهما " الدليل " و" إنهم يقتلون حميدو " ، وقد كنت أتيت عليهما العام الماضي في مقالي " نيسان وبرقوقه وأدباء المقاومة " ( ١١ نيسان ٢٠٢١ ) .
كتب أحمد قصيدته " الدليل " في تموز ١٩٧٢ عام استشهاد غسان ، ولا أعدها شخصيا قصيدة رثاء مع أنه أهداها " إلى دم غسان كنفاني .. الدليل والمحرض " ، فليس فيها من سمات قصائد الرثاء المتوارثة أية سمة ، فلم يعدد فيها مناقب المرثي وصفاته ، وإنما كتب فيها عن الأطراف التي تقتل الفلسطيني أو تسهم في قتله :
" يكون لكم من الغازين أعداء ومن امرائكم أعداء
يكون لكم من الصحراء رمل يهلك الأحشاء
وحنجرة مطهمة مروضة بدينار
يكون لكم دم في الماء "
ولا يضع ثقته إلا بالفقراء ، فالأمراء ومن ركب المطايا الذين ناشدهم وافتخر بهم الشاعر القديم " ألستم خير من ركب المطايا ؟" لا يصل منهم سوى الصدى ، بل إنهم حين حارب الفلسطيني تدخلوا طالبين منه التوقف ، وكانت النتيجة أن استدار الأعداء نحو الفلسطينيين " ورموا بنا في الماء " . لقد صار حال الفلسطيني حال سيف الدولة يحيط به الأعداء من كل جانب ، وليس تصدير الشاعر قصيدته بقول المتنبي عبثا " وسوى الروم خلف ظهرك روم ، فعلى أي جانبيك تميل " .
تظهر قصيدة " إنهم يقتلون حميدو " ( ٨ / ٧ / ١٩٨٠ ) صورة لغسان أكثر مما تبرزه الأولى . وعلى الرغم من مرور ٨ سنوات على استشهاده فلم يجف حبره ولم تستقر شظاياه على الأرض وما زال صوت الانفجار يفضي إلى النبض حتى ليقتبس الرعد مما يفيض به القلب . القصيدة المخصصة للكتابة عن حميدو الفقير اللاجيء الذي كانت جدته تحدثه طفلا عن فلسطين أحب بلاده وحين كبر اختار فلسطين والبندقية فقتل ، ولكن من قتله ؟ ولماذا ؟
" لا الصهاينة المجرمون / ولا شركات الأذى / إنهم أهله الأقربون .. / فلماذا يموت الفدائي ؟ / ولماذا يراق دمه على غير حيفا ؟ كيف نشهد هذي العجائب كيفا ؟ " .
القصيدة المخصصة لحميدو تظهر صورة لغسان الذي يقص قصة حميدو ويقول إن هناك عربا يتاجرون بالدم الفلسطيني وإن فلسطين في فواتيرهم ليست البندقية ، فما هي صورة غسان ؟
يحب الدعابة ويجيد الكتابة ويضحك حتى حدود الفضيحة ويفتك بالمازحين ولا يغضبون ويقارن بين الذبيحة والصيد ، ويرى أننا نحن الذبيحة والصيد والصيادون وإلا فكيف يقتلون حميدو ؟ ولم يرو هذا لأحمد أحد ، فقد كانت للأخير مع غسان قصة عن غرابة إحدى لياليه لخصها فيما سبق .
كان أحمد في بداياته الشعرية لا يثق إلا بالفقراء ، وكان يعول عليهم فقط ، فقد رأى في الحكام متاجرين بالقضية ، ولم ينعكس هذا في قصيدتيه في رثاء غسان وحسب ، وهو هنا عموما يتطابق وغسان وهو ما جسده في روايته " أم سعد " (١٩٦٩) وفي رؤيته لثورة ١٩٣٦ . لقد برز أيضا في أشعار أحمد الأولى التي كتبها في ٦٠ و٧٠ ق ٢٠ ، ويمكن هنا العودة إلى قصيدته " العودة إلى كربلاء " ( أيلول ١٩٧١) والاقتباس منها للتدليل على ذلك ، بل ويمكن أيضا العودة إلى ما كتبه في مقدمة أعماله الشعرية الكاملة ( ١٩٨٣) .
في " العودة إلى كربلاء " يكتب :
" يا كربلاء الذبح والفرح المبيت والمخيم والمحبة _ كل الوجوه تكشفت كل الوجوه / ورأيت : كان السيف في كفي ، / وكنت لنظرة الفقراء كعبه / ورأيت من باعوك ، / باعونا معا "
وعن فقره في المخيم يكتب :
" كنا في ثكنة خالد بن الوليد - مخيم اللاجئين الفلسطينيين في حمص - نعاني فقرا إضافيا ، ربما يتميز عن فقر جيراننا في المخيم ، فالأخ الكبير ، جمل المحامل أو عمود البيت ، بين السجن أو المنفى بسبب أفكاره السياسية ، والأب الذي يغسل الموتى ويسحر في رمضان ويقرأ على القبور ، لا يجد في بطالته المقنعة هذه ، ما يكسب به قوتنا الكافي ... (ص ٢١ من ا.ك ) .
في الوقت الذي كنت أقرأ فيه أشعار الشاعر كنت أتابع ما يجري في مخيم جنين إثر ما قام به رعد حازم في تل أبيب ، وعدت إلى أشعار مظفر النواب في جنين ( ٢٠٠٢) وفي تل الزعتر ( ١٩٧٦ ) فلاحظت تقاطعات بين الشاعرين وكنفاني في الكتابة عن الفقراء ومخاطبتهم وتمجيدهم والتعويل في الثورة عليهم ، وفي الكتابة عن الزعماء وعدم الثقة فيهم ونفض اليد منهم . ترى هل أصاب البنيويون حين كتبوا عن الصلة بين النصوص ، فأحد معاني كلمة " بنية " هو " الصلة بين " ؟!
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
( الثلاثاء ١٢ إلى الخميس ١٤ نيسان ٢٠٢٢)
١٥
تداعيات حول شريط فيديو لإعدام متعاون :
( مقالي الأحد ١٦ / ٤ / ٢٠٢٣ في جريدة الأيام الفلسطينية )
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
في الأسبوع الماضي عمم شريط فيديو لإعدام شاب فلسطيني متعاون مع العدو ، فأصغيت إليه غير مرة . قال الشاب ابن العشرينيات إنه تم إسقاطه من خلال تصويره وهو يمارس فعلا شاذا .
خاف الشاب من الفضيحة فتورط في الخيانة وأسهم في قتل مقاومين ، وفي النهاية في تصفيته ، وهكذا لم ينج ولم تكن النتيجة التي آل إليها أخف وطأة من الفضيحة الاجتماعية التي يمكن تجاوزها ببساطة متناهية أقلها تغيير المدينة التي يقيم فيها والإقامة في مدينة أخرى لا يعرفه فيها أحد ، هذا إذا افترضنا أنه على درجة كبيرة من السذاجة ، ففي أيامنا هذه يمكن تكذيب أي شريط بالادعاء بأنه مفبرك ، وليس هناك أسهل من الفبركة ، وحكاياتها كثيرة ليس أقلها ما كتبه سميح القاسم في إحدى رسائله إلى محمود درويش حين كتب عن سلاح الإشاعة في المجتمعات الرأسمالية حين تريد التخلص من معارض سياسي . لم يكن للمعارض أخوات ومع ذلك ظلت تتهمه في شرف أخته .
وأنا أمعن النظر في الشريط أخذت أتساءل عن مدى إسهام الفصائل السياسية والمؤسسات الاجتماعية في ما وصل إليه هذا الشاب وغيره ، وأتساءل أيضا إن كان مجتمعنا مجتمعا لا يتسامح ولا يغفر في قضايا أخلاقية واجتماعية ترتكب في كل زمان وفي كل مكان منذ بدء الخلق ، فيسهم في دفع أبنائه إلى الوقوع في شرك المحتل ليرتد الأثر السلبي عليه ، فيساء إلى عوائل كاملة .
تداعيات الشريط أعادتني إلى أعمال أدبية صور أصحابها فيها نماذح وقعت في شرك العمالة أو نماذج حاول الإسرائيليون ابتزازها لإسقاطها ، وقد امتلك بعضها الشجاعة للمواجهة ورفض التعاون أو الاستمرار فيه . هنا يمكن أن اتوقف أمام رواية إميل حبيبي " المتشائل " ورواية إلياس خوري " باب الشمس " .
في الأولى يخدم بطلها سعيد دولة الاحتلال ولكنه في لحظة يقرر عدم الاستمرار ، ما يثير حنق رجل المخابرات فيهدده بأنه سيفضحه في مجتمعه . يمتلك سعيد الشجاعة ويصر على رفضه فتفرض عليه الشرطة الإقامة الجبرية ، فيبيع البطيخ ويعلق ورقة الإقامة الجبرية على جدار البسطة " حلوا عني واركبوا غيري " يخاطب سعيد ضابط المخابرات .
في الثانية يهدد رجال المخابرات نهيل المرأة الفلسطينية التي تحمل من يونس زوجها الفدائي المتسلل بأنهم سيفضحونها إن لم تخبرهم عن مكانه ، وأنها حملت بالحرام ، فترد عليهم :
" مخجل سرقتم البلاد وطردتم أهلها وتأتون لتعطوني دروسا في الأخلاق . يا سيدي نحن أحرار ولا يحق لأحد أن يسألني عن حياتي الجنسية " .
كأنما يقدم لنا الكاتبان رأيهما فيما ينبغي أن نكون عليه إن ضغطت علينا المخابرات الإسرائيلية للتعاون معها . ومن المؤكد أن كثيرين من أبناء شعبنا لا يمتلكون الوعي الذي امتلكه الكاتبان ، ولكن من قال إن الوعي الوطني مقترن دائما بالوعي الثقافي . ثمة وعي غريزي لدى أكثر ، إن لم يكن كل ، أبناء شعبنا بأن التعاون مع المحتل سلوك خياني مرفوض ، فلماذا يقع إذن قسم منا في شراك العدو ؟
لن أحلل الظاهرة اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا ، ولكني أذكر نماذج أدبية صورت طرق الإسقاط ، منها رواية أسعد الأسعد " ليل البنفسج " (١٩٨٩) ورواية يحيى السنوار " الشوك والقرنفل "(٢٠٠٤) ورواية حسام شاهين " زغرودة الفنجان " ( ٢٠١٥) ورواية هيثم جابر " الشهيدة " (٢٠١٦) وقصص وليد الهودلي " وهكذا أصبح جاسوسا " (٢٠١٩) وقبلها " ستائر العتمة "(٢٠٠٣) وآخر رواية في الموضوع كتبها سليم أنقر من الطيبة " أيد في الخفاء "(٢٠٢٢) ، هذا إذا لم نقارب بعض الأفلام مثل " صالون هدى " .
في الأعمال السابقة غالبا ما يتم الإسقاط من خلال تصوير الشخصية في وضع لا يقبله المجتمع الفلسطيني ؛ صورة أو شريط فيديو لفتاة تمارس الجنس مع شخص دون علاقة يقرها المجتمع ، أو صورة أو شريط فيديو لشاب مع فتاة يهودية ، أو يتم الإسقاط من خلال استغلال حاجة الشخصية إلى تصريح عمل في الداخل الفلسطيني أو السفر إلى خارج فلسطين لإكمال الدراسة أو للعلاج ، إذ تستغل حاجة الشخصية في لحظة حرجة كأن لم يبق لها لإنهاء الدراسة سوى عام ، وقد يتم الإسقاط بطريقة ناعمة دبلوماسية يقنع رجال المخابرات فيها مناضلا سياسيا بأن الدولة الإسرائيلية تنشد السلام وأنه سيحل في النهاية ولكنه بحاجة إلى قيادات مرنة للتفاوض معها ، وهكذا تورط السجين وتعقد معه اتفاقات وقد تخرجه من سجنه ليلعب دور المناضل المعتدل لتحقيق الأهداف الفلسطينية المنشودة التي لن تتحقق بالمقاومة العسكرية ، وقد يتم الإسقاط بتوريط الفلسطيني بمشاريع تجارية يتورط فيها بشيكات لا يقدر على سدادها فيقدم خدمات مقابل ذلك ، أو قد يتم الإسقاط من خلال غرفة العصافير داخل السجون .
هذا ما خلصت إليه ، وتصف الأعمال المذكورة عواقب السقوط وتأثيره السلبي على المجتمع ، وغالبا ما تكون نهايات المتعاونين القتل أو النبذ أو الهروب ، وقد يموت بعض هؤلاء ميتة مشرفة فينتقم من الضابط الذي جنده ويقتله .
لا أريد أن أفصل القول أو أكثر من الاقتباسات ، ولكني سأنهي المقالة بما يقترحه هيثم جابر في روايته " الشهيدة " كمخرج :
" ثم في أسوأ الظروف لنفرض أنهم نفذوا تهديدهم ونشروا الصور .. كل القضايا اللاأخلاقية والزنا والسرقة والرشوة أهون ألف مرة من الخيانة .. وعندما يعلم أبناء شعبك أنك رفضت أن تكون خائنا وعميلا للمحتل لذلك تم فضحك وستكبر في عيون أبناء شعبك وستصبح بطلا ومناضلا بدل خائن وعميل للمحتل " .
( ملاحظة : أكثر النصوص المشار إليها أنجزت عنها كتابات في الجرائد وفي الفيس بوك وتجدونها على موقع الانطولوجيا
- وهكذا أصبح جاسوسا وأدب السجون ، الأيام الفلسطينية ٢ / ٦ / ٢٠١٨
- زغرودة الفنجان ، جريدة القدس وموقع الانطولوجيا
- يحيى السنوار ، موقع الانطولوجيا - سهرة مع أبو إبراهيم في روايته " الشوك والقرنفل "
- ملاحظة ثانية : بعد نشر المقال في الجريدة ذكرني الكاتب جميل السلحوت بأنه كتب في روايتيه " برد الصيف " ( ٢٠١٣ ) و " هوان النعيم " ( ٢٠١٢ ) عن الإسقاط ) وقد عدت إليهما وهما جزءان من رباعية ترصد فترة الحكم الأردني للضفة الغربية وفترة الحكم الإسرائيلي بعد حرب حزيران ١٩٦٧ وفيهما نقرأ عن " أبو سالم " الذي يقدم خدمات للاحتلال ويتم إسقاطه من خلال تصويره وهو يمارس الجنس مع فتاة يهودية مرسلة له ومن خلال حاجته لتصريح زيارة إلى الأردن ومن خلال المال .
( الأربعاء والخميس ١٢ و ١٣ / ٤ / ٢٠٢٣)
١٦
" أم الياسمين " : شباب نابلس الأطفال
هل قدم مسلسل " أم الياسمين " صورة حقيقية لشباب نابلس في نهاية عشرينيات القرن ٢٠ وبداية ثلاثينياته ؟
يبدو شباب نابلس بسطاء سذجا تابعين لآبائهم غير قادرين على مواجهة الصعاب ، بل يمكن نعتهم بأنهم إمعات .
في حلقة الليلة اعتقل أكرم لشكوى رفعها أبو أدهم متهما إياه بأنه هو من أطلق النار على ابنه أدهم .
يولول أكرم ويبكي ويطلب حضور أبيه ، فهو لا يحتمل أن يسجن . هل يختلف أدهم ونادر عنه ؟
ربما يرى شباب نابلس الحاليون في الصورة التي قدمت لشباب المدينة في تلك الفترة إهانة لهم أيضا ، بخاصة حين يقارنونها بصورتهم الآن ؛ صورتهم التي دفعت منذ ١٩٦٧ حتى الآن ثمنا كبيرا ، فمن هم الآن في سن الثلاثة المذكورين ، إلا أقلهم ، يسجنون ويقاومون ويستشهدون و ... .
في ثلاثينيات القرن العشرين عرفنا من شباب المدينة إبراهيم طوقان الذي تغرب ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت وقارع الانتداب البريطاني وأظن أنه كتب غير نشيد يمجد الشباب ومنها نشيد موطني :
" الشباب لن يكل
همه أن يستقل أو يبيد " .
من المؤكد أن المسلسل سيثير جدلا بين أبناء نابلس بهذا الخصوص .
١٢ / ٤ / ٢٠٢٣ .
١٧
غزة ( ١٨٨ ) :
عيد فطر دموي
كما في شاتيلا وصبرا في العام ١٩٨٢ سال الدم الفلسطيني في العيد ، وكان عيدنا دمويا .
في اليوم الثاني من أيام عيد الفطر واصل الجيش الإسرائيلي غاراته العنيفة على مدينة غزة ومخيماتها في المنطقة الوسطى .
لم تسلم الأسواق التي حج إليها المواطنون ليتبضعوا من قليل موادها . فاجأهم القصف فهربوا وتشتت العائلة . صرخت الأم كالمجنونة تبحث عن أطفالها ممن كانوا معها واهتم أحياء بجثامين من ارتقوا . صار سوق فراس كتلة من نار وغبار ، ولم يسلم مخيم النصيرات الذي صب الإسرائيليون جام غضبهم عليه فأمطروه بأحزمة نارية .
وأنا أتابع صفحة مخيم النصيرات توزعت بين ضحك وبكا ، وعرفت من صفحات أخرى أن سعر السيجارة الواحدة بلغ خمسين شيكلا ، فبلغ سعر علبة الدخان ١٠٠٠ شيكل . هل من ضرورة للدخان ؟ هل احتاج أهل غزة إلى نصيحة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي " اللي بيعلى ثمنه ما تشترهوش "؟ وهل ينقص أهل غزة في محنتهم نصائح المترفين المنعمين المشاركين في المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة بشكل أو بآخر ؟
في أحد أشرطة الفيديو زار صحفي ما إحدى المقابر والتقى بثلاثة أطفال أكبرهم ربما في الثالثة عشرة من عمره . كانوا جالسين ، جانب قبر والديهما ، يبكون . هل سيخفف الصحفي ببعض عباراته وشواكله من حجم المصيبة ؟ هل ستكفي عبارة :
- أنت رجل وعيب أن تبكي ؟
هل ستكفي لحل المصيبة ؟
آلاف الأطفال في غزة كان عيدهم أمس أسود . كان عيدا حزينا افتقدوا فيه آباءهم وأمهاتهم وبيوتهم وضاعت أمانيهم .
ماذا تجدي الكلمات والوحش انفلت ؟
ليس لليهودي الإسرائيلي الصهيوني المشارك في هذه المقتلة أو الساكت عنها ، ليس له قلب !!
أمريكا صارت شبه متأكدة أن الأسرى الإسرائيليين صاروا في خبر كان .
كل عيد وأهل غزة وشعبنا بوضع أفضل .
نابلس ١٢ / ٤ / ٢٠٢٤
١٨
غزة ( ١٨٩ ) ثانية :
يبدو أنها ستستفحل ويبدو أنها ، كما قال السسنوار ، ستحرق الأخضر واليابس .
حتى اللحظة حرقت غزة ، ويبدو أن ليس هناك ما يبشر .
هل إسرائيل ناوية على طهران مثل غزة والضاحية في ٢٠٠٦ ؟ وإلا ما معنى إبراز صورة لطهران والكتابة تحتها " إيران قبل "؟
هل سيكتب الشيخ حسن نصرالله ، مع صورة :
" تل أبيب وحيفا قبل وبعد " .
يبدو أن أمطار نيسان ستكون غزيرة وسيكون نيسان ، لا آذار ، أقسى الشهور .
طهران قبل
تل أبيب قبل
حيفا قبل
دمشق قبل
بيروت قبل
غزة قبل وبعد ...
إنها الحرب قد تثقل القلب ، وأمريكا تتهيأ وسفنها تستعد .
هجوم إيراني مرتقب لردع إسرائيل و ... .
اليوم ١٨٩ لمقتلة غزة ومهلكتها وحرب الإبادة فيها . هل نتمنى أمنية حفار القبور في قصيدة بدر شاكر السياب ؟
" فلتعم الحرب هذا الكون و ... "
عيد فطر بالصلاة على النبي ، والزعران يعربدون . إنهم المختارون !!
لا حول ولا قوة إلا بالله الرائي المشاهد المتفرج السامع المحايد على ما يبدو . ربما لحكمة عقلي قاصر عن استيعابها .
لا بأس من قراءة نص سردي عن الحمامات في غزة . الأطفال يستحمون غير عابئين بمن يرى مقدماتهم ومؤخراتهم ، فماذا تفعل الصبايا والعواجيز و ... و ... .
ما كتبته القاصة نعمة حسن لفت نظري حقيقة وأعادني إلى ما كتبه الأدباء الفلسطينيون عن الحمامات في المخيمات الفلسطينية . هل تتذكرون ما كتبته الروائية الفلسطينية سامية عيسى في روايتيها " حليب التين " ٢٠١١ و " خلسة في كوبنهاجن " ٢٠١٣ ؟
لعلني أخصص الأحد ٢١ / ٤ / ٢٠٢٤ للكتابة في هذا الموضوع ، فمقالي الأحد القادم ١٤ / ٤ / ٢٠٢٤ عنوانه " فدوى طوقان " مع لاجئة في العيد " .
اللهم نسألك الذي تراه مناسبا .
١٢ / ٤ / ٢٠٢٤
١٩
غزة ( ١٩٠ ) :
النووي البطيء
في صفحة مخيم النصيرات قرأت للتو جملة تعبر عن عذاب من تبقى صامدا فيه بعاني يوميا من جحيم الحصار والحرب التي اشتدت في يومي العيد الأخيرين :
" ارموا علينا نووي وبكفي موت بطيء "
وفي اليومين الأخيرين صبت القوات الإسرائيلية جام غضبها على المخيم .
في صفحات بعض كتاب غزة مثل د. هيا فريج و طلعت قديح إدراج لصورة شخصية عما تركته الحرب في ملامحهما . أدرج طلعت صورتين له ؛ واحدة قبل أن تندلع الحرب وثانية بعد ستة أشهر من اندلاعها ، وعقبت ، لما رأيت البون الشاسع بين الصورتين ، عقبت :
- لقد هرمتم .
وهيا فريج ممن يكتبون نصوصا لافتة عن الحرب وقد بقيت في شمال قطاع غزة رافضة المغادرة متشبثة بمدينتها متحدية آخذة بما قرأت وتعلمت من أشعار توفيق زياد " هنا باقون " واستفت ترب الأرض ولم ترحل ، بخلاف من ترك القطاع وغادر من الكتاب . وفي المجزرة والمقتلة الجارية لا أحد يلوم أحدا وترفع لمن صمد القبعات .
أمس بدأت شرارة حرب ما . في الجنوب اللبناني وفي قرى الضفة الغربية ؛ في قرية المغير وللتو في قرية أبو فلاح جارة قرية ترمسعية ، حيث بثت مكبرات الصوت نداءات وجهت إلى الشباب ليهبوا دفاعا عن القريتين .
الضفة الغربية على صفيح ساخن ، على الرغم من سخرية الصحفي مجدي محسن ممن يكتفون بتعليقات مثل : أنت بحجم وطن و با كبير وهلم جرا . مجدي كتب أنه إن بقينا نكتب عبارات مثل هذه فسوف نجد أنفسنا في الأزرق / الأردن وفي الأنبار / العراق ، ما جعلني أعقب بأسلوب لا يخلو من سخرية ودعابة :
ومن كانت منيته بالأزرق أو في الأنبار
فليس يموت في نابلس أو هودلة .
حالة تعبانة يا ليلى والحديث عن اشتراك إيران في الحرب شغل أمس وسائل الإعلام .
١٣ / ٤ / ٢٠٢٤
٢٠
عادل الأسطة
[ يا إمرأة
يا معرفة
ما حاجتي لكما ؟
لماذا لم تموتا مثل موت الآلهة ؟
من أطلق الماضي علي كاخطبوط حول روحي التائهة ؟
من دس في خمري سموم المعرفة ؟
ما حاجتي للمعرفة ؟
ما حاجتي للمعرفة ؟ ]
( محمود درويش ، هي أغنية .. هي أغنية ، من قصيدة " أوديب " ١٩٨٦ )
وأنا جالس على الدرج أمعنت النظر في مصير كثير من الطلاب الذين درستهم . شعرت بالحزن وتألمت وتمنيت لو لم أتعلم وكنت عاملا . مجرد عامل لا يقرأ ولا يكتب .
لا بد من استرجاع مآلات بعض طلابي !
في مجموعتي القصصية الأولى " فصول في توقيع الاتفاقية " ١٩٧٩ كتبت قصة " أين ذهب فيصل ؟ " .
حقا أين ذهب فيصل ؟
١٢ / ٤ / ٢٠٢٥
١٢ نيسان ٢٠٢٦