ا. د. عادل الأسطة - خربشات ١٦ نيسان من كل عام

١
شجرة الجوز : مثل طائر فينيق مثل تموز مثل طائر العنقاء

شجرة الجوز هذه الأيام تخرجني من كوابيس ما يجري في الشام ومن دوائر العنف .
الليلة صحوت في الثانية عشرة والنصف وأشعلت التلفاز لفترة قصيرة . لم تكن الشام هي ما أرى . كانت ( بوسطن ) وتفجيراتها . هل أتابع الأخبار أم...؟
سأتناسى أخبار الشام حتى مطلع الفجر .
مطلع الفجر أصحو من نومي وأغلي الماء لشرب النسكفيه . أفحص السكر لأعرف نسبته وأبرمج طعام نهاري . أتردد . هل أتابع أخبار الشام ؟ ماذا كان نزار سيكتب لو عاش وشاهد ما يجري . أترك التلفاز على حاله ، وآخذ فنجان النسكفيه وأخرج إلى الشرفة .
مطر خفيف خفيف وثمة ظلام ما زال يلف السماء .أجلس ، في الشرفة ، وحيدا .
الناس نيام . قد أذن الليل بالبلج . وها هي أزمة الشام تشتد ، وليلها يمعن في الظلمة .
وحدها شجرة الجوز تصرفني عن التفكير بالحرب والدمار . أتذكر أبي الذي زرع شجرة الجوز وأترحم عليه وأنظر في أوراق الشجرة تنمو .لا الحكام العرب يحبون مناظر الأشجار تونع ولا اللحى القادمة ايضا .أبي أكثر اهتماما بالأشجار من الحكام كلهم ومن اللحى كلها ؛ اللحى المشغولة ببطونها ونكاح الجهاد أيضا.
صباح الخير يا أبي .
٢٠١٢

٢
السيد رئيس مجلس الأمناء المحترم :

كتب ( غراس ) " ما يجب أن يقال " فغضبت إسرائيل وأعلنت أنه شخص غير مرغوب فيه ، فإذا قلت أنا ما يجب أن يقال ، فهل أصبح شخصا غير مرغوب فيه .
سأقول إن مدة تولي رئيس الجامعة ونائبه قد انتهت أيضا .
تحياتي لكم
٢٠١٢

٣
محمود درويش و ( غونتر غراس ) :
" ما يجب أن يقال " و "عابرون في كلام عابر " :

الضجة التي أثارتها قصيدة ( غراس ) " ما يجب أن يقال " ذكرتني بالضجة التي أشعلتها قصيدة محمود درويش " عابرون في كلام عابر " ( 1988 ).
كلا الأديبين انفعل بحدث لافت يشغل الدنيا . الانتفاضة الفلسطينية شغلت الدنيا كلها لدرجة أن المفردة دخلت إلى المعاجم اللغوية العالمية ، والقنبلة الذرية الإيرانية التي هي في طريقها للإنجاز .إنها تشغل أمريكا واسرائيل واوروبا ، ومن ثم العالم .
ماذا قال محمود درويش ؟ وماذا قال ( غراس ) ؟ ماذا قالا حتى تقوم قيامتهما وحتى يتظاهر اليهود في باريس مطالبين بطرد الشاعر منها حيث كان يقيم ، وحتى تعلن دولة اسرائيل أن ( غراس ) غير مرغوب فيه ؟
درويش قال إن الاحتلال عابر وإن الفلسطينين لهم حق في أرضهم . كان لهم هذا الحق وما زال وسيظل " لنا ماض وحاضر ومستقبل ، ولنا الدنيا " .
هل خاطب الشاعر الجنود والمستوطنين حين قال " انصرفوا من برنا من بحرنا " و " خذوا موتاكم " أيضا ؟ أم أنه خاطب مواطني دولة اسرائيل ممن وفدوا إليها منذ العام 1882 ؟ وماذا قصد ب " دال " " برنا " و ب " دال " " بحرنا " ؟ هل قصد بحر غزة وأرض الضفة والبحر الميت أم قصد فلسطين كلها من نهر الأردن شرقا إلى البحر الأبيض المتوسط غربا ؟
أربكت الصياغة القراء ، فأثير الجدل ، وفي النهاية كتب نثرا : " فككوا المستوطنات أفكك القصيدة " ، وظل يدعو إلى التعايش بين الشعبين ، فعاد وكتب قصيدته " شتاء ريتا الطويل " . ريتا التي تسأله :
- هل أنت أنت ؟ فيجيبها : أنا هو .
و ( غراس ) الذي ينتمي إلى بلد له ماض مارس قتل اليهود وأجرم بحقهم كان يتعاطف مع دولة اسرائيل ، بل إنه قال في القصيدة إنه ما زال يتعاطف معها وسيظل ، ولكنه لاحظ نفاق الغرب وصمته ، فلم يعد يطيق هذا ، وضاق ذرعا به ، ورأى أن صمته جزء من صمت الغرب الذي يتعامل مع السلاح النووي في المنطقة بمعيارين هما الصمت على السلاح النووي الاسرائيلي وغض النظر عنه ، وملاحقة ما تقوم به إيران ومراقبته بعين لا تنام . ثمة سلاح نووي اسرائيلي يمكن أن يدمر ، وليس ثمة سلاح نووي في إيران حتى هذه اللحظة ، لأنه يشتبه بأنه موجود . لماذا يصمت الغرب على وجود السلاح النووي الإسرائيلي ويلاحق إيران التي لما تملكه ؟
و ( غراس ) يدعو إلى التعايش ، تعايش الشعوب جنبا إلى جنب ، في فلسطين وفي المناطق التي تقيم فيها شعوب تتعادى فيما بينها لخطر وهم مختلق .
ما يجب أن يقال ذكرتني ب " عابرون في كلام عابر " .
الشيء بالشيء يذكر والحكاية تتكرر ولا بد دائما من كاتب جريء يقول ما يجب أن يقال ، مع أن قول الحقيقة مر ومزعج .
تصور أنك تعمل في مؤسسة لا يجيز القانون لرئيسها أن يستمر في منصبه أكثر من 8 سنوات ثم يأتي ليطبق عليك قوانين اخترعها هو ! تصور !
لا بد من قول ما يجب أن يقال حتى لو دفع المرء ثمنا . لا بد من قول هذا للرئيس ونائبه .
١٦ / ٤ / ٢٠١٢

٤
بعض صور العرب في الأدب العبري :

من كتاب ( يورام كانيوك ) " 1948 " :

"وصلت الحشود السوداء إلى أعلى الجبل قرب بيت الشيخ . وقبل أن يكملوا احتلال الجبل ويقتلونا وقادتنا ، راحوا يمثلون بالجثث . لم يكن كل المصابين أمواتا ، ذبحوا الأحياء المضرجين بدمائهم بالسكاكين . رحنا نتراكض نحو أسفل الجبل دون توقف . أردنا أن نطلق النيران على هؤلاء الجزارين ، لكننا لم نستطع ، فلم يكن أحد من رفاقي يملك الذخيرة..........رأيناهم يقفون فوق الجثث التي مثلوا بها "ص67من 1948 من ترجمة جورج جريس فرح .
وأنا أقرأ هذا الكلام أتذكر ما يقوم به المستعربون في جنين وغيرها ، وربما عادت بي الذاكرة إلى صبرا وشاتيلا في 1982.
هل أراد الإسرائيليون أن يقلدونا ، ولكن بأيد كتائبية؟
وهل ارتدى بعض من شارك في حرب 1948 من الإسرائيليين ملابس الكتائب وأراد أن يثأر من الفلسطينيين؟
طبعا علينا ألا نقف أمام هذه الأسطر وعزلها عن بقية النص ، فالرواية/الكتاب تصور وحشية بعض اليهود في قتل العرب .
اعتقد أن على المرء أن ينظر إلى الصور كلها ، لا أن يقف أمام مقطع واحد،
٢٠١٤

٥
قصص لها قصص :

في العام 1986 كتبت أقصوصة عنوانها " الروائي " ، وقد استلهمت فكرتها من لقاء مع الروائية سحر خليفة .
كنت يومها في متنزه بلدية نابلس ومعي العائلة ، وأخبرتني سحر أنها ستغادر لتقيم في الأردن .
يومها كنت ، وما زلت ، من الداعين إلى البقاء في أرض الوطن . طبعا أنا غادرت إلى ألمانيا الغربية لأدرس الدكتوراه ، وعدت غير خائب في هذا الجانب . ولما كنت أكتب مقالا أسبوعيا في الشعب ، أنوع فيه ، فقد وجدتني أكتب أقصوصة " الروائي " التي تقوم على المفارقة : - يدعو الكاتب أهل وطنه إلى التجذر بالأرض وعدم مغادرتها ،ثم..ثم...والبقية عند محمود درويش وعزمي بشارة وسحر خليفة ، وجزئيا عند المرحوم عبد اللطيف عقل .
يقولون إنني كاتب مشاكس ناقم...الخ . ربما ! إنما أنا بشر مثلكم ، وقد يأتي يوم ويكتب فيه كاتب ما ، ما كتبته عن الأربعة المذكورة أسماؤهم .
على فكرة القصة منشورة في مجموعة "وردة لروز..وردة لفائزة " 1993، وهي مدرجة في موقع ديوان العرب وفي موقع جامعة النجاح الوطنية .
" وطني ليس حقيبة ، وأنا لست مسافر ، إنني العاشق والأرض حبيبة " محمود درويش .
إنني العاشق والريال والدينار و....و.....والمنفى وامتيازاته هم أرضي الحبيبة.
هل سأمارس ما مارسه هؤلاء ؟
ربما ! وربما يقول على مسمعي ، ذات نهار ، أحد المواطنين ، ما قاله أصدقاء عقل له ، في القدس ،1992، حين عاد بعد انتهاء الانتفاضة :
" أنا نبض التراب دمي فكيف أخون نبض دمي وارتحل " .
ربما !

٦
ندوة في المنتدى التنويري
ترجمة رواية (هرتسل) " أرض قديمة-جديدة " إلى العربية ونقض كنفاني وحبيبي ودرويش لها .

هذا المساء حاضرت في المنتدى التنويري عن رواية ( هرتسل ) وطروحاته وتزييف الترجمة . وكان لا بد من أن أتحدث عن نقض اﻷدب الفلسطيني لها .
الورقة كتبت في اﻷصل لجامعة قفصة في تونس لمؤتمر الخطاب السياسي وتعذر السفر . أعرف أنها صدرت في كتاب مع إوراق المؤتمر .
كنفاني رأى أنه كان بإمكاننا أن نجعل فلسطين أفضل بكثير من الحركة الصهيونية وأن ما يروجه الصهيونيون من إنجازات مبالغ فيه ، وأما حبيبي فقد ذهب مذهبا آخر وقال إن بناء الدولة إنما أنجزته اﻷيدي العاملة الفلسطينية الباقية وأيدي عمال الضفة الغربية وقطاع غزة ، وأن ما وصلت إليه البلاد من تطور زراعي وعمراني تم بجهود عمالنا لا كما يزعم الرجل الكبير الصهيوني . أما محمود درويش فهو لا يريد أن يرى مصانع اﻷلبان الحديثة ولا الشوارع المسفلتة . إنه لا يرى إلا قريته كما كانت يوم كان طفلا . لسان درويش يقول :
لا أريد جنتكم وأريد بؤس قريتي فهو أجمل من عمرانكم . جماليات الخراب . لا أريد جبنتكم الصفراء أريد غزالتي .
الندوة استمرت ساعة وكان عدد الحضور 20 فردا . وهذا جيد ويكفي .
كانت المدينة هذا المساء هادئة وديعة ولم أصغ إلى أم كلثوم ، فقد كنت الليلة المغني وآمل أن أكون أطربت الجمهور وأفدتهم .
٢٠١٥

٧
سميح القاسم ودحض أكذوبة الآخر :

غدا سأتحدث في مؤتمر جامعة بيت لحم عن سربية سميح القاسم " انا متاسف " ودحضه اكذوبة الآخر .
سأتحدث بملل عجيب ، يعني من وراء ظهري ، وكم أشعر بالندم لأنني قررت الذهاب .
أما كان الأجدر أن أجلس الجمعة في منزلي وأطبخ الخضار ، وأمارس الضجر . وعلى العموم فلن أقرأ ما كتبت ، وربما أنظر في بعض عبارات فقط .
يوم الجمعة يوم مقدس يجب أن يجلس المرء فيه ويطبخ ، ولو كان الطبيخ بائسا ، مثل طبيخي . أنا طباخ فاشل ، ولا أظن أن ما قاله مظفر النواب " بعض يسار صار للسلطة طباخا " ، لا أظن أنه ينطبق علي ، وأتمنى أن يفاجئني صديقي باعتذار عن الذهاب .

٨
كم أنا محظوظ : العظم في الشوربة

حقا كم أنا محظوظ !
غالبا ما أكون محظوظا . وغالبا ما يخطيء الآخرون باسمي .حتى الالمان أخطأوا بتاريخ ميلادي على شهادة الدكتوراه . لا أدري أفعلوا ذلك بقصد أم بغير قصد ؟ وبدلا من June كتبوا jule .
لقد اضطررت ألا أزور وأعدت الشهادة لهم ، حتى يصححوا الخطأ ، ولولا أبو نضال البنا لما أعادوها . هذه نكتة . هههههههههه .
في حفل تخرج الماجستير ، في الأردن ، بدلا من أن يقرأوا اسمي قرأوا اسم أخي عدنان ، وهو الوحيد الذي حضر حفل التخرج ، ونادوا عدنان لا عادل . هذا حدث .
ألم أقل لكم إنني محظوظ . ومع أنني لا أشرب الشوربة ، إلا أن العظم يطلع لي في الشوربة - أي والله : شو...ربا .
أمس كان حدث شيء مشابه للشوربة...شوربة .
وزارة الثقافة في السلطة الوطنية ، بضم السين وتسكين اللام ، أعلنت عن جائزة نجاتي صدقي للقصة القصيرة ، وكنت أحد المحكمين ، وأنا الذي صاغ المبررات ، وراجعت النص غير مرة ، ولم يخل من خطأ ، وكتبت اسمي : عادل الاسطة ، ووقعت البيان ، قبل أن ينشر ، وفوجئت وأنا أقرأ الخبر في الصحافة الالكترونية أن عادل سمارة هو عضو اللجنة ، لا عادل الاسطة ، فاتصلت بالأخ الشاعر عبد السلام عطاري أخبره بالأمر فضحك ظانا أنني أمزح .
ألم أقل : العظم في الشوربة...شو ..ربا ،، ووالله لا آخذ إلا راتبي ومكافأة فقط ، وما كتبته في نص " " ليل الضفة الطويل " ، من أنني منشار آخذ من محمود درويش وسميح القاسم ، كان من باب السخرية ، ولكن هات اقنع معارفي بأنني كنت أمزح .
المهم : ليلتكم مباركة ، إن شاء الله .
خربشات ، وأنا رجل محظوظ ، أي والله ، والعظم في الشوربة..شو..ربا.
٢٠١٥

٩
أدب العائدين : تمهيد

شغلتني نصوص العائدين منذ العام 1997 ، و وجدتني أكتب عنها مقالات نقدية أنشرها في جريدتي " اﻷيام " و " البلاد " ، وجمعت كثيرا من تلك الكتابات في كتاب صدر في طبعتين ؛ اﻷولى في غزة ( 1998 ) والثانية في دمشق ( 2008 ) . وقد راق الكتاب لدور نشر ولباحثين شباب رأوا أن يتخذوا منه نقطة ارتكاز لكتابة أطروحاتهم الجامعية ، ويبدو أن عبارة الشاعر أحمد دحبور في المقدمة التي كتبها للطبعة اﻷولى : " سيختلف الكثيرون مع هذا الكتاب وصاحبه ، وسيعطيه كثيرون أصواتهم ..... وليس إلا أن يتخفف القاريء من الآراء المسبقة ، ويشتبك مع أسئلة المؤلف وإجاباته ، حتى يكتشف لذة النص في كتاب إشكالي وغير مسبوق " ، يبدو أنها ساعدت على انتشار الكتاب وإعادة طباعته و توجيه الدارسين لدراسة اﻷدباء العائدين وأدبهم .
في بداية العام 2015 سيتصل بي الباحث أنس العيلة ، طالبا مني أن أجيب على أسئلة حول أدب العودة الذي يعد عنه أطروحة دكتوراه في جامعة ( السوربون ) ، عل مشرفه يقتنع أكثر وأكثر بأهمية الموضوع وجدوى دراسته ، وأعلمني أنس أن إجابات اﻷسئلة ستترجم إلى الفرنسية ، وستنشر ملحقا مع أطروحة الدكتوراه .
أعادتني اﻷسئلة إلى نصوص العائدين التي قرأتها وإلى نصوص أخرى لم أقرأها ، و وجدتني أجيب عن اﻷسئلة ، ثم أتوسع في الإجابة ، ووجدتني أنشر الإجابات في جريدة " اﻷيام " الفلسطينية على أربع حلقات ، ما إن انتهت حتى وجدتني أتابع الكتابة في الموضوع على مدار عشرين أسبوعا وأسبوع .
وسأركز على النثر بالدرجة اﻷولى : الرواية والقصة القصيرة والسيرة وأدب الشهادة ، مع إضاءات شعرية تكاد تقتصر على شعراء قليلين منهم محمود درويش وأحمد دحبور . وسأتوقف أمام نثر محمود درويش وكتابه " حيرة العائد " ﻷخوض في موضوع العودة وما كتبه
فيه الشاعر .
موضوع العودة كان المحرك اﻷساس ، وكان في أدب العائدين تحديدا ، وسينفتح هذا الموضوع على موضوعين آخرين أكثر من غيرهما : صورة اليهود والوقوف على اﻷطلال . ﻷول مرة يلتقي كثير من العائدين باليهود مباشرة ، وستلفت الكتابة عن اليهود نظرهم ، كما ستلفت الكتابة عنهم أيضا أدباء آخرين عرفوا اليهود ورأوهم وعاشوا معهم ، مثل محمود درويش ومحمود شقير وخليل السواحري ، خلافا لمريد البرغوثي وغسان زقطان وحسن خضر . والموضوع الثاني هو الوقوف على اﻷطلال : أطلال البروة وزكريا وحيفا ، وأطلال بيوت أقاموا فيها في رام الله ودير غسانة ، ورؤية المكان ، كالقدس ، وما طرأ عليه من تغيرات وتبدلات . وسيقف شاعر مثل محمود درويش على اﻷطلال ، بعد أن كان هاجم في بداية حياته الشعرية امرأ القيس لوقوفه على اﻷطلال . وسيخصص قسم من هؤلاء الكتاب مساحة لا بأس بها من كتابتهم لتذكر اﻷمكنة والناس ، وسيقارنون ، غالبا ، بين زمنين وبين مكان واحد في زمنين مختلفين ، وما جرى عليه من تغيرات وتبدلات ، وهو ما بدا في كتاب محمود شقير " ظل آخر للمدينة " وكتاب مريد البرغوثي " رأيت رام الله " وكتاب فاروق وادي " منازل القلب " .
في كتابي " أدب المقاومة ... من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " تناولت أشعار محمود درويش ومريد البرغوثي وأحمد دحبور من الشعراء العائدين ، ورواية يحيى يخلف " نهر يستحم في البحيرة " ( 1997 ) ، ولم تنقطع كتابتي . وكنت أكتب دون أن أميز بين كاتب عائد وكاتب مقيم ، ولهذا ضم كتابي أيضا كتابات عن علي الخليلي والمتوكل طه وعبد اللطيف عقل وآميل حبيبي وسحر خليفة . وسأخص أكرم هنية بقراءات قصصية عن مجموعتيه اللتين أصدرهما بعد عودته " أسرار الدوري " ( 2001 ) و " دروب جميلة " ( 2007 ) ، وسأكتب عن نصوص محمود درويش ومحمود شقير وزكريا محمد ....
هذا الكتاب " أدب العائدين : تساؤلات وقراءات " يختص بأدب العائدين فقط ، ولا يدرس أي كاتب أو شاعر كان مقيما في فلسطين قبل أوسلو ، وهو كتاب يتكون من قسمين ؛ اﻷول يضم عشرين مقالة ومقالة ، والثاني يعد قراءات تفصيلية لقصائد أو كتب ﻷدباء عادوا أو ﻷدباء عائدين أصدروا نصهم اﻷول في فلسطين ، وهو أيضا يضم كتابات عن أدباء زائرين ، مثل رشاد أبو شاور وربعي المدهون وفيصل حوراني ، فهؤلاء عادوا وسرعان ما رجعوا إلى المنفى ولكنهم أتوا على تجربة العودة ودونوها .
لا أزعم أنني درست النصوص كلها التي أنجزها العائدون ، فهناك أسماء لم أتمكن من الحصول على أعمالها ، وربما تكون قالت أشياء لافتة في الموضوع ، وهناك جوانب لم أركز عليها ، مع أنها قد تكون مهمة ،ولكني أزعم أنني اطلعت على قدر لا بأس به من نصوص العائدين وعالجتها ، منذ العام 2000 تقريبا ، وهي لا تبتعد عن عنوان الكتاب .
وأخيرا فإنني لا أدعي الكمال . لقد اجتهدت وقدمت إجاباتي على أسئلة مهمة ، وأثرت أسئلة لعلها تحفل بإجابات اخرى .
21 / 2 / 2016

١٠
" ويا ضيفي.. أأنت أنا كما كنا
فمن منا تنصل من ملامحه "
من قصيدة محمود درويش " في بيت امي " من ديوان
" لا تعتذر عما فعلت "2003

١١
(فرويد ) وحده لا يكفي :

من على فضائية الجزيرة ، قبل أيام قليلة ، أصغيت إلى امرأة فلسطينية تعبر عن حالة الشعب الفلسطيني .
قالت المرأة تخاطب الأجيال الشابة :
- كان الله في عونكم على أيامكم القادمة .
وأضافت :
- نحن شعب مريض . كلنا مرضى وأنا ايضا مريضة .
المرأة ذكرتني بجاري أبو علي . مرة قال لي : 80 . / . من الشعب الفلسطيني يحتاج إلى علاج نفسي .
من أيام عديدة أجدني ، في المنام ، أتقاتل مع زميل عمل يرفض أن يتيح المجال للأجيال القادمة .
و فوق هذا يحشر نفسه في أمور شخصية ، مثل كثيرين.
كنت أقول عن هذا الزميل : ( فرويد ) وحده لا يكفي لعلاجه نفسيا . إنه يحتاج إلى عشرة مثل ( فرويد ) .
نحن شعب مريض .
حتى أكون منصفا أقول :
- الشعب الإسرائيلي / اليهود أيضأ شعب مريض ، وأما العرب هناك في فلسطين فمحسوبون علينا .
2017/4/16

١٢

اليوم في مكتبة البلدية في الساعة الخامسة ندوتي عن الشاعر أحمد دحبور بمناسبة ذكراه السنوية الأولى.
سيتم توقيع 60 نسخة تبرعت بها وزارة الثقافة للحضور.
لا أحب عادة توقيع الكتب واللقاء في الأساس سببه كما ذكرت الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشاعر.
16/ 4/2018
نيابة عن "منتدى المنارة للثقافة والإبداع "مع أنني لست مبدعا فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في..."العالم العربي وتحت الاحتلال ".

١٣
سائق الصباح الهاديء :

قبل يومين آثرت ألا أستقل سيارة العمومي وحافلة الخط - الباص .
مرحبني سائق العمومي لأصعد ، وكان الباص على مرمى البصر .
ماذا يحدث في هذه الحالة ؟
إن استقللت سيارة العمومي فسوف يستاء سائق الباص ويقول:
- أهل الحي لا يستحقون أن نخدمهم . يطالبون بالباصات ويصعدون التاكسيات .
وإن استقللت الباص فسيقول سائق العمومي :
- كم هم بخلاء سكان الحي . إنهم يوفرون شيكلا وعند العودة معنا يطلبون منا أن نوصلهم إلى بيوتهم .
قلت:
- أريح السائقين من الكلام .
استقللت سيارة عمومي لم أر سائقها من فترة ، وهو ما عاد يأتي إلى الحي إلا نادرا . لقد اختار أحياء أخرى وفضلها على حينا .
قصصت على السائق ما جرى ، فقال لي :
- أنا مقتنع أن ما هو لك هو لك وما هو ليس لك فمحرم عليك .
وقال لي إنه ما عاد " يزاحر " وإن توقف لراكب و " زاحره " سائق آخر وتوقف للراكب نفسه وأقله معه ، فإنه لا يحتج ولا يغضب ويواصل سيره ، فالرزقة للسائق الآخر .
سائق العمومي ريفي من قرى نابلس وهو هاديء جدا .
هل تذكرت قصيدة محمود درويش " هو هاديء وأنا كذلك " ؟
هل تذكرت "صرع " بعض أساتذة الجامعات وحيلهم في السعي وراء ساعات إضافية؟
لما كنت رئيس قسم اللغة العربية قررت أن أستعين بحملة الماجستير من خريجي القسم لتدريس مساق اللغة العربية ذاهبا إلى أن هذا المساق يدرسه حامل الماجستير بكفاءة وعلى حملة الدكتوراه أن يدرسوا مساقات التخصص .
زملائي - حفظهم الله وباركهم - ثمنوا ما أقدمت عليه وظلوا لسنوات يمجدون خطوتي .
16 نيسان 2019

١٤

الست كورونا : حوشوا البنات من الشوارع ٤٩ :

الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود الذي درس في نابلس قادما من عنبتا رأى في المدينة ما لم يره في القرية . رأى الفتيات في الشوارع ، هو الريفي المحافظ الذي لم ير في شوارع عنبتا إلا الرجال ، فاستغرب الأمر وخاف على أخلاقه من الانحراف ، فكتب قصيدة فيها قدر من الدعابة مطلعها :
حوشوا البنات من الشوارع
أو حتموا لبس البراقع
ومنها :
فبناتكن موائع
وشبابكم والله مايع
تلك الكنافة لا يليق ..
بأن تمر أمام جائع .
الخ.. الخ ..
ويبدو أن الست كورونا حاشتنا كلنا من الشوارع ، لا البنات وحسب ، فقد ألزمت ٣ ونصف مليار إنسان على البقاء في البيوت .
ماذا يفعل شخص وحيد مثلي يقيم في بيت له حديقة فيها ساحة مبلطة ويحتاج إلى فيتامين D كتبه له مرة طبيب الأعصاب ؟
أتيت أمس على فكرة " البصبصة " وقصتي " البصاص " ، ولأننا حسنو النوايا فإن الجلوس في الحديقة قد يشعل مخيلة المرصى نفسيا أو الذين يأتون البيوت من شبابيكها أو من أبوابها في غياب أصحابها ، وهات يا أنا انسجاما مع هؤلاء المرضى .
لا جديد على ما يبدو ، ويخيل إلي أن الست كورونا ستلزمنا على البقاء في البيوت ١٢ أسبوعا . يعني بقي تسعة أسابيع يعلم الله وحده ماذا سيحدث فيها من مشاكل مع الآخرين .
من أشرطة الفيديو التي أصغيت إليها شريط يقرأ فيه قاريء قصيدة أو ما شابه تحت عنوان " وبتقل لي كورونا منين " يرى صاحب القصيدة أن الست جاءت عقابا لأن " قدم ميسي بمليون والعالم ساكن بالإيجار " .
والله اشتقنا لقدم ميسي وقدم رونالدو ، فأي عالم هو الساكن بالإيجار ؟
أحيانا نبالغ في الحديث عن واقع العلماء عموما ، علما بأن أخلاق كثيرين منهم أخلاق رجال الأعمال يدرسون ونصب أعينهم الثراء السريع والفيلا والسيارة آخر موديل وعدم التواضع ومداهنة الساسة ، بحيث لا يقوى كثيرون منهم على قول كلمة حق عند سلطان جائر أو رئيس متسلط .
هل الست كورونا جاءت لتنتقم للمظلومين ، حقا ، وهم أكثر ضحاياها ؟
حوشوا البنات من الشوارع وهذا هو المهم .
١٦ نيسان ٢٠٢٠

١٥
أنا والجامعة ٢٩ : حول الترقيات ، تجربة شخصية و ..

عندما غدوت عضو هيئة تدريس في الجامعة لم يكن مضى على تأسيسها خمس سنوات . يعني كانت الجامعة في أول عهدها ، ونظرا لأنها تقع في مدينة محتلة تسعى دولة إسرائيل إلى التخلص من سكانها ، لأنها تريد أرضا بلا شعب ، فقد كانت تتشدد في السماح لكفاءات علمية بالقدوم إلى الأراضي المحتلة ، ولم يكن أبناء هذه الأراضي من حملة الشهادات الجامعية العليا يستقرون فيها في مرحلة ازدهار النفط وانفتاح الأبواب على مصراعيها ، في دول الخليج ، لحملة الشهادات . هذا جعل الضفة الغربية تخلو من حاملي درجتي الماجستير والدكتوراه إلا ما ندر .
في أوضاع كهذه ، كما ذكرت من قبل ، فتحت الجامعة الناشئة أبوابها لحملة هذه الشهادات من فلسطينيي المنافي الذين تسمح لهم السلطات الإسرائيلية بالدخول . وكان قسم من هؤلاء ، وتحديدا من المتخصصين في العلوم الإنسانية ، حصلوا على شهاداتهم بالانتساب من جامعات عربية ، وكان أغلبهم مدرسي مدارس حملوا معهم روح معلم المدرسة لا روح الأستاذ الجامعي ، فهم ، عدا أنهم لم يدرسوا في جامعات ، حصلوا على شهاداتهم عن بعد وهكذا افتقدوا روح التعليم الجامعي وأخلاقياته الخاصة به .
ولأن التدريس الجامعي يتطلب من عضو هيئة التدريس أن يثقف نفسه وأن يكتب أبحاثا حتى يحصل على رتب أعلى ، فقد وجد قسم من هؤلاء أنفسهم مضطرين للكتابة .
كانت سياسة الترقيات في الجامعة تقوم أساسا على كتابة الأبحاث ، فلكي تترقى من رتبة أستاذ مساعد إلى رتبة أستاذ مشارك عليك أن تكتب ثلاثة أبحاث أصيلة ، ولكي تترقى من رتبة أستاذ مشارك إلى رتبة أستاذ دكتور عليك أن تكتب خمسة أبحاث أصيلة ، وقد ترقى كثير من هؤلاء الأساتذة ، لا لأنهم كتبوا أبحاثا أصيلة ونشروها في مجلات علمية محترمة ، وإنما لأن محكمي تلك الأبحاث كانوا ينظرون بعين العطف إلى جامعات الأرض المحتلة والعاملين فيها ، وهذا الرأي خلص إليه الدكتور عبد الستار قاسم في محاضرته بعد أن اطلع على تقارير ترقيات بعض المدرسين ، وهو ما قرأته أنا مرة في تحكيم بحث لي استأت جدا من محكمه لكتابة عبارة أوردها نصها " مراعاة لظروف صاحبه " وكان بإمكانه رفض البحث أصلا ، والبحث عموما بحث أصيل ويمكن أن أجادل المحكم في رأيه .
مما شاع في الجامعة حول الترقيات - وهذا كلام شائعات ولكنه قابل للتصديق - أن صاحب الأبحاث كان يعرف لمن أرسلت أبحاثه ، ما يدفعه للاتصال بالمحكم والتحدث معه ، وهناك من المحكمين من لم يرفض بحثا أرسل إليه من جامعات الأرض المحتلة ، هذا إذا غضضنا النظر عن ضعف بعض المحكمين . أما لماذا أرتأيت أن كلام الشائعات قابل للتصديق ، فلأنني خبرت الأمر شخصيا .
عندما أصبحت برتبة أستاذ دكتور وعهد إلي بتحكيم أبحاث كانت تأتي من خارج فلسطين ، كان بعض زملائي يوصونني خيرا بها ، وكنت أعرف أن أصحاب تلك الأبحاث اتصلوا بزملائي وأخبروهم بإرسال بحث إلى مجلة الجامعة لنشره ، وكان قسم من زملائي أعضاء في هيئة تحرير المجلة ، وغالبا ما اقترحوا اسمي لتحكيم البحث لأنني متخصص في موضوعه .
شخصيا لم أكن بعد تسليم بحثي لنشره أسأل إطلاقا لمن أرسل ، وكذلك فيما يخص الترقية إلى الرتبتين ؛ رتبة أستاذ مشارك ورتبة أستاذ دكتور ، وحين كنت أرقى كان الأساتذة الذين نظروا في ترقيتي يسألونني وأنا في عمان إن حصلت على الترقية ، وبعد أن أجيبهم يخبرونني بأنهم هم من رقوني .
في ترقيتي من رتبة أستاذ مساعد إلى رتبة أستاذ مشارك لعب معي رئيس الجامعة سيميائيا . كنت عرفت من النائب الأكاديمي الدكتور محمد حنون أن الردين إيجابيان ، وأن الأمر يحتاج إلى إقرار فقط ، ثم تراجعت لجنة الترقية وأخبرني الدكتور منذر صلاح أن هناك ردا إيجابيا وآخر سلبيا . ولم يقل الحقيقة لأمر في نفسه .
يقولون إن النذالة لا حد لها ، وأعتقد جازما أن كثيرين ممن تعاملت معهم في حياتي وخلطوا الخاص بالعام كانوا أنذالا بكل ما تعنيه كلمة " نذل " . لي أصدقاء أنذال ، ولي أقارب أنذال ، ولي زملاء أنذال ، وكل من خلط الشخصي بالعام والأكاديمي كان نذلا ، ولذلك فإن الأنذال الذين تعاملت معهم يقاربون أعداد وفيات الكورونا في إيطاليا وإسبانيا معا . النذالة لا حد لها .
الطريف أنني عرفت ممن رقاني أو ممن كان على صلة به أن تقرير الترقية كان إيجابيا ، فلماذا لم أرق حتى كتبت بحثين آخرين ؟
قرأت التقرير الذي كتبه الدكتور عبد الرحمن ياغي ، ونص قراره أن أرقى على أن أكتب بحثا آخر ، وأما تقرير الدكتور محمود ابراهيم فقد أبلغني الدكتور حسام التميمي نتيجته . نص التقرير على ترقيتي ولكن الدكتور كتب ، سهوا ، يرقى إلى رتبة أستاذ مساعد لا إلى رتبة أستاذ مشارك ، وقد طلب الدكتور محمود من طالبه في حينه أن يسلم التقرير إلى مكتب ارتباط جامعة النجاح الوطنية في الجبيهة .
في أثناء ذهابه إلى مكتب الارتباط قرأ الكتور حسام التقرير ولاحظ الخطأ الذي وقع فيه أستاذه ولم يعد إليه لينبهه ، فالصيغة كانت حاسمة جازمة " يرقى صاحب الطلب " .
إن كنت شخصيا مستعدا لمسامحة بعض الناس في الإساءة إلي فإنني لن أسامح من أساء إلى غيري ممن لا دخل لهم في الموضوع .
تصوروا أن يلجأ رئيس جامعة إلى محاربة عضو هيئة تدريس بأمور شخصية ، كأن يطلب من قريبته أن ترسل إليه رسالة يظن الرئيس أنها ذات مغزى فلعله يسكته ؟ لقد حدث هذا معي لا في أسوار الجامعة وحسب ، لقد مارس هذا السلوك الدنيء كثر ومنهم أدباء كبار وشعراء صاروا عالميين .
غالبا ما كنت أقرأ قصيدة مظفر النواب " في الحانة القديمة " وأقف أمام أسطرها التي تتحدث عمن باع اليابس والأخضر ، وكيف أن الشاعر سيبول عليه ويسكر .
النذالة إن بدأت فلا حد لها ، وقمة النذالة كانت تتمثل في ربط الأكاديمي بالشخصي .

١٦
ذاكرة أمس ٣١ :
" لله يا محسنين "

مع رمضان من كل عام تتجدد الحكاية :
" لله يا محسنين ومن مال الله "
ويكثر المتسولون في شوارع المدينة .
رفضت عشائر الخليل وحزب التحرير قانون الضمان الاجتماعي وأفشلوه مفضلين ما تقوم به التكايا وما يتبرع به المحسنون .
في مدينة نابلس ما يقارب المائة متسول على الأقل ، وهناك من يهمسون في الأذن ، وفيها بعض التكايا والجمعيات الخيرية ، والله أعلم من يستحق المال منهم ومن يأخذه استكسابا .
لا يحل المشكلة إلا الملفات في وزارة الشؤون الاجتماعية وفي البلدية وفي مصلحة الضرائب . يعني لا يحل المشكلة إلا السلطة الفلسطينية وأذرعها وتأسيس صندوق الضمان الاجتماعي ، أو أن نأخذ بما فعله أنا المتكلم في قصة نصري حجاج - يعني ليتخلص المواطن من أبنائه وبناته وزوجته ذبحا وخنقا ، فيوفر على الحكومة ويصبح مواطنا صالحا أدى خدمات جليلة حين أراح الحكومة من ثقل الديون الخارجية .
لا أعرف مقدار الديون الخارجية على سلطتنا العتيدة ، ومرة قرأت أن كل مواطن أردني يولد مدينا بأربعين ألف دينار أو قريبا من هذا الرقم . ( شدي حيلك يا مقاطعة وساعدي من يساعدونك لاكتشاف القنبلة النووية و " اللي بطلعلك بعين لازم تتطلعيله بعينتين " ) .
كنت أتجول أمس في شوارع البلدة القديمة العامرة بالمخللات والفلافل والكبة والحمص والعوامة وأصابع زينب والعصائر والتمر هندي و ... و .. والنعنع والبقدونس والجرجير والفجل والمواطنين والسيارات .
أمس تذكرت مقولة لعمر بن الخطاب ، درسناها ونحن ندرس " عبقرية عمر " للعقاد ، نصها :
" لو استقبلت من عمري ما استدبرت لأخذت من أموال الأغنياء وأعطيت الفقراء " ، وهذا السلوك لا تقدر عليه إلا الحكومة ، فإن لم تفعله فما على المواطنين إلا أن يحبوها على طريقة شخصية قصة Nasri Hajjaj ، أو ، في زمن الكورونا ، أن لا يضعوا الكمامة وأن يتقاربوا اجتماعيا ويحيوا حفلات الإفطار الجماعي وتعود الأعراس لتحيا في الصالات وتقام الولائم والحفلات في ليالي رمضان الملاح .
مواطن نصري حجاج الذي يحب الحكومة كان في تفكيره أسبق من ( بيل غيتس ) وفايروس كوفيد ١٩ معا ، والحكومة أحبته ورأت فيه مواطنا صالحا ، ف " البلاد إذا سمنت وارمة " على رأي مظفر النواب .
١٦ نيسان ٢٠٢١ .

١٧

لأجلك يا قدس :
محمود شقير و " حليب الضحى " ( مقالي اليوم في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه ١٨ نيسان ٢٠٢١ )

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

آخر ما قرأته لمحمود شقير هو قصصه القصيرة جدا " حليب الضحى " ( ٢٠٢١ ) ، وهو ليس أول إصدار له في هذا النوع الأدبي ، ففي ١٩٨٥ أصدر " طقوس للمرأة الشقية " ، وغدا اسمه مرتبطا به .
صارت القصة أشبه ببيت الشعر المنفرد أو بالبيتين القائمين بذاتهما أو بالمقطوعة الشعرية ، واقتربت حجما من فن ( الإبجرام ) الذي جسده أحمد مطر في لافتاته ، ما دفعني مرة إلى اقتفاء خطا طه حسين في كتابه " جنة الشوك " الذي قدم له بكتابة عن خصائص " الإبجرام " وكتب نماذج نثرية منه ، ويبدو أن ( الفيس بوك ) و ( تويتر ) وما شابههما شجعوا على شيوع الكتابات القصيرة ، فما عاد لدى كثيرين من القراء رغبة في قراءة النصوص الطويلة .
كيف نفسر إذن ميل شقير وكثيرين إلى كتابة الرواية ؟
الأمر يستحق وقفة متأنية حقا . أهي الجوائز مثلا ؟
عموما فإن ما يثيره المرء هو :
- ما مدى تلقي هذا الجنس الأدبي قراءة ونقدا وإعادة طباعة ؟ وما مدى علوقه في الذاكرة ؟ وما مدى الاستشهاد به في مناسبات اجتماعية أو سياسية أو دينية - إن ناسب مضمونه اللحظة أو الفكرة المخوض فيها أو الموضوع المتحدث عنه ؟ هل يمكن إنجاز ذلك كما هو الأمر في الشعر ، أم أنه - أي نوع القصة القصيرة جدا - لافتقاده الوزن والقافية يخفق فيما نجح الشعر فيه ؟
كثيرون من كتاب المقالات أو من الخطباء أو حتى من المثقفين يستشهدون بأبيات من الشعر ، فهل يمكن أن تكون " القصة القصيرة جدا " في قادم الأيام مثل الشعر ، أم أنها تكتب ، مثل قصيدة النثر ، لتقرأ ؟
أسئلة كثيرة تثار حول القصة القصيرة جدا وفاعليتها ، ويمكن أن تسعفنا دور النشر أو الكتاب أنفسهم بإحصائية عن رواجها ، علما بأن قسما من المتابعين لها سيقول إن مجالها هو وسائل التواصل الاجتماعي لا الكتاب الورقي .
هل دارت الأسئلة السابقة في أذهان كتاب القصة القصيرة جدا ومنهم شقير نفسه ؟
وأنت تقرأ " حليب الضحى " سيخطر ببالك مقولات نطق بها بعض الشعراء والنقاد وبعض كناب القصة القصيرة ؛ مقولات مثل وحدة الديوان أو وحدة المجموعة القصصية .
منذ أواسط ٨٠ القرن ٢٠ صار محمود درويش يصدر الديوان المكتمل وتخلى ، تقريبا ، عما كان يقوم به سابقا من جمع قصائد متنوعة معا في كتاب . من " ورد أقل " إلى " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " إلى " سرير الغريبة " إلى " حالة حصار " أنت تقرأ ديوانا يضم قصائد متجانسة تتمحور حول موضوع واحد وتتشابه في شكلها البنائي ، فهل ينحو شقير المنحى نفسه في مجموعاته القصصية القصيرة جدا ؟ وهل كان الأسبق في هذا الجانب عندما أصدر مجموعته " طقوس للمرأة الشقية " التي تمحورت حول المرأة واقتربت القصص كلها في بنائها ؟
إنني عموما أثير أسئلة وأمعن النظر في الأمر أكثر مما أقدم إجابات .
هل اختلفت " حليب الضحى " عن " طقوس للمرأة الشقية " في وحدة موضوعها وترابطها ؟ ( موضوع الأولى المرأة وموضوع الثانية متعدد وتشغل القدس مكانة كبيرة في تفكير الكاتب ) .
أحد تعريفات كلمة بنية هو " الصلة بين " ، فهل ثمة صلة بين القصص القصيرة في المجموعة ؟
تنقسم المجموعة إلى أربعة أقسام على النحو الآتي :
1 - من ص ١٠ إلى ص ٦٧ ويصدره بقول ل ( سلفادور دالي ) " لا تخف من الكمال فإنك لن تدركه " .
2 - من ص ٦٩ إلى ص ١٠٤ ويصدره بقول جلال الدين الرومي " بغير هذا الحب لا تكن "
3 - من ص ١٠٦ إلى ص ١٥٤ ويصدره بقول ( إميل سيوران ) " عندما أبكي بجوار زهرة تنمو بوتيرة متسارعة "
4 - من ص ١٥٦ إلى ص٢٠١٤ ويصدره بقول ( إميل سيوران )
" أجحد كل مخاوفي مقابل ابتسامة شجرة " .
وليس اقتباس تلك الأقوال غير مفكر فيه ، ويفترض أن يتأمل المرء فيها ويقرأها في ضوء ما تلاها .
في القصص هنا لا يوجد سارد واحد يسردها كما في " طقوس للمرأة الشقية " ، وإنما هناك ساردون ، ومع تعددهم فأظن أنهم في النهاية هم الكاتب نفسه ، فلا مستويات لغوية إطلاقا تعكس اختلاف بيئاتهم مثلا ، وإن تنوع المكان الذي تتحرك فيه الشخوص ما بين القدس ويافا وأريحا ، وإن اختلفت الأسماء في القصص .
كما لو أن القصة مقطوعة شعرية غنائية محورها العالم وانعكاسه على الذات . وما يعزز أن القصص صادرة عن شقير أنه غير قادر على نسيان موضوعه المحبب ، وهو القدس ، وأعماله السابقة التي تحضر إشاراته إليها وإلى شخوصها . يصدر " حليب الضحى " بسطر من روايته " ظلال العائلة " نظرت ليلى إلي بعينها الباقية ، ابتسمت وقالت : نتبنى طفلة " وفكرة التبني تحضر في " حليب الضحى " ، وهو يهدي مجموعته " إليها مرة أخرى ومرات .. إلى القدس وأخواتها الأخريات " و " إلى حفيدتي الخامسة عشرة : ريتا " . والإهداء يذكر بإهداء درويش قصيدته " تحت الشبابيك العتيقة " ( ١٩٦٧ ) من ديوان " آخرالليل " : " إلى مدينة القدس وأخواتها " وهوإهداء تخلص منه في سنوات لاحقة في طبعات لاحقة . وما يذكر بدرويش أيضا بعض قصص المجموعة في أسلوب كتابتها وفي بعض موضوعاتها . وأنت تقرأ بعض القصص تتذكر ديوان " حالة حصار " ( ٢٠٠٢ ) أو هذا ما تذكرته أنا . كما لو أنك تقرأ كتابة متقاربة جدا .
عندما كتبت الكلام السابق على حائط الفيس بوك الخاص بي أعاد القاص قراءته وتساءل عن مدى صحته ، وأنا بدوري أوضحت .
أسلوب البوح الهاديء الناعم الرقيق تجده في قصائد " حالة حصار " وتجده في " حليب الضحى " ، ولا شك أن القاص قاريء جيد لأشعار الشاعر ، وهو ما نلحظه في سيرة شقير الذاتية " تلك الأمكنة " التي صدرت مؤخرا .
خذ هذه القصة القصيرة جدا من المجموعة :
" شهيد

رشيد زوج نفيسة ، والد قيس ، قتله الجنود وهو عائد
إلى بيته في المساء .
قيل في تبرير الجريمة إنه لم يتوقف حين أمره الجنود
بالتوقف ،، فاطلقوا عليه النار .
الآن: نفيسة أرملة ، وقيس الصغير يتيم ،
ابنتنا قدس هي اخت قيس ، أمه نفيسة هي أم ابنتنا ؛
ونحن عائلة واحدة في السراء والضراء "
وما أكثر مقاطع " حالة حصار " في الكتابة عن الجنود الذين قتلوا فتيانا فلسطينيين .
وخذ أيضا القصة التي تليها " بدم بارد " ( ص ١٨٧ ) وقصة " حب " ( ص ١٩١ ) وقصة " حرية " ( ص ١٩٢ ) ، وإذا كنت قارئا لديوان الشاعر فلن تخطيء التشابه مع مقطوعات درويش .
قصة " حرية "

" نريد صباحا هادئا
خاليا من الطائرات التي تزرع الموت والدمار
خاليا من الجنود ومن المستوطنين والمستوطنات
تتجلى في فضائه حرية بكر لا تعرف الانكسار
قلنا قولنا هذا ونمنا على أمل ، واستيقظنا على آمال " .
وأنت تقرأ بعض القصص تشعر أنك تقرأ مقطوعات شعرية حقا .
خذ هذه المقطوعات من ديوان محمود درويش " حالة حصار " :

" يقيس الجنود المسافة بين الوجود
وبين العدم
بمنظار ذبابة ...

نقيس المسافة ما بين أجسادنا
والقذيفة ... بالحاسة السادسة "
و
" أصدقائي يعدون لي دائما حفلة
للوداع ، وقبرا مريحا يظلله السنديان
وشاهدة من رخام الزمن
فأسبقهم دائما في الجنازة :
من مات ... من ؟"
و :
" الشهيدة بنت الشهيدة بنت الشهيد
واخت الشهيد واخت الشهيدة كنة
أم الشهيد حفيدة جد شهيد
وجارة عم الشهيد ( الخ
... الخ ... )
ولا شيء يحدث في العالم المتمدن ،
فالزمن البربري انتهى ،
والضحية مجهولة الاسم ، عادية
والضحية .. مثل الحقيقة .. نسبية
( الخ ... الخ ... )"
الجمعة والسبت
١٦ و١٧ نيسان ٢٠٢١

١٨
" أم الياسمين " والفولكلور الشعبي :

تحضر الأجواء الشعبية التي تكاد تختفي ولا يعرفها الجيل الجديد في " أم الياسمين " حضورا لافتا . كأن القائمين على المسلسل يرمون إلى إحيائها ، وهذا ما رمى إليه الشاعر علي الخليلي في كتبه التراثية التي أنجزها في ٧٠ و ٨٠ القرن العشرين ؛ في التراث الفلسطيني والطبقات والبطل في الحكاية الشعبية وأغاني الأطفال في فلسطين والغول في الأدب الشعبي . وهذا أمر حسن .
في حلقة الليلة استحضار لمعتقدات وأساطير شعبية حول خلفة البنات وطرق التنبؤ بها : النوم على الجانب اليمين أو الشمال والنوم والإغراق فيه وتفضيل الطعام : أحلو أم مالح و ... و ... وفي حلقة الليلة يغني تعريفة للأطفال أغاني شعبية .
أما أبرز جانب تراثي فهو الحكواتي ، وقد أخفق المسلسل في هذا الجانب ايما إخفاق ، فلم ينجح في إبراز الحكواتي إبرازا جيدا ، وبدا الحكواتي البديل ساذجا .
فيما أعرفه وما سمعته أن الحكواتي كان حاضرا في نابلس في مقهى الشيخ قاسم / آسم ، وحبذا لو صور مشهد الحكواتي فيها واستحضرت معه الربابة .
في دمشق هناك مقهى اسمه مقهى النوفرة ، وفي شهر رمضان من كل عام يحضر الحكواتي بطقوسه وشعائره ، ويقرأ من إحدى السير الشعبية ، وحبذا لو استقصى القائمون على المسلسل حكاية الحكواتي في مدينة نابلس وماذا كان يقص وردة فعل الحضور إزاء قصه .
هل سيغدو سعيد مخبرا ؟
لم تحضر قصيدة " الفدائي " لإبراهيم طوقان حتى اللحظة ، علما بأن شخصية الفدائي حضرت في أكثر من حلقة .
" هو بالباب واقف
والردى منه خائف
فاهدأي يا عواصف
خجلا من جراءته
واقف لو تكلما
لفظ النار والدما "
ما زالت كراهية أبو أدهم وعداؤه لأبو أكرم تتفاقم وما زال هناك من يغذيها . يرفض أبو أدهم الاستحمام في حمام أبو بهجت لأن صابونته من صبانة أبو أكرم ، والطرطور أدهم يحذو حذو أبيه .
لا أوحش الله منك يا رمضان .
١٦ / ٤ / ٢٠٢٣ .

١٩
غزة ( ١٩٣ ) :
عناوين الفلسطيني الشخصية في غزة

عادل الاسطة

في ديوانه " هي أغنية ... هي أغنية " الصادر في العام ١٩٨٦ ، المكتوب من وحي حرب بيروت ١٩٨٢ كتب محمود درويش قصيدة عنوانها " أربعة عناوين شخصية " تتكون من أربعة مقاطع كل مقطع له عنوان يدل على عنوان شخصي له ، وعناوينه التي نعثر على إقامته فيها هي :
- متر مربع في السجن
- مقعد في قطار
- حجرة العناية الفائقة
- غرفة في فندق .
تذكرت القصيدة وأنا أفكر في السؤال عن أماكن إقامة معارفي في غزة من أقارب وأصدقاء وكتاب .
انقطع قسم من هؤلاء عن الكتابة لفترة من الوقت ، فسألت عن أخبارهم إن كانوا ما زالوا أحياء . كان جهاز الهاتف أو الكمبيوتر الذي يمكنهم من الكتابة يسهل الإلمام بالعنوان ، فقد تتصل بهم أو تقرأ أخبارهم في كتاباتهم ويومياتهم ، ثم لما عزت الكهرباء والنت لم يعد ذلك ممكنا .
العناوين الشخصية الأربعة للشاعر في المنفى ، ولفلسطينيين كثيرين مثله أيضا في المنفى صارت :
- في المشافي
- في مركز إيواء اللاجئين في المدارس
- في الخيام
- في الأنفاق
- الهيام في الشوارع ، ففي غزة آلاف المفقودين
- على شاطيء البحر
- عالق في معبر رفح
- في المقابر الجماعية
- تحت الأنقاض
- في سجون إسرائيلية طارئة ومقيمة
- عالق في الضفة الغربية
- في المنافي ينتظر العودة إلى القطاع .
أول أمس شغلتنا أخبار رد إيران على ما ألم بقنصليتها في الشام ، وأمس قرع الإسرائيليون جدران رؤوسنا بالحديث عن الريمونتادا الإسرائيلية ، فلا يمكن السكوت عما جرى ، ولا بد من تأديب الإيرانيين . هل ستسمح أمريكا لإسرائيل ؟ وما زال الحديث عن رد إسرائيلي يرد في نشرات الأخبار حتى فجر اليوم .
" ابن الحرام لا بنام ولا بخلي الناس تنام " يقول مثلنا الشعبي ، وهناك مثل آخر يقول " ما أجن من مجنون بلاحق بلد إلا بلد بتلاحق مجنون " . كيف يمكن إجراء استعارة تمثيلية من خلال المثل الأخير تنطبق على دولة إسرائيل ومحيطها من الأعداء - أي الشعوب العربية الإسلامية ، ولا أدخل في الحسبان أنظمة عديدة .
كان اللافت في أشرطة الفيديو أمس هو فرح أهل شمال قطاع غزة بحصولهم على ربطة خبز طازج اشتروها بسعر عادي أو بشرائهم بعض الخضار والفواكه مثل الباذنجان أو التفاح ، فقد صار ذلك ، بعد بضعة أشهر ، ممكنا .
ما زالت المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة مستمرة ومل الناس من الإقامة في الخيام فشرعوا يعودون ، من الجنوب ، إلى بيوتهم المهدمة في الشمال ، ولكن الجيش الإسرائيلي كان لهم بالمرصاد .
في نابلس وقراها ارتقى شاب فلسطيني من قرية سالم واثنان آخران من قرية عقربا ، فقد انفلت المستوطنون فتيان التلال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو المستعان به !
١٦ / ٤ / ٢٠٢٤

٢٠
غزة ( ١٩٣ ) :
عناوين الفلسطيني الشخصية في غزة
Adel Al-osta

في ديوانه " هي أغنية ... هي أغنية " الصادر في العام ١٩٨٦ ، المكتوب من وحي حرب بيروت ١٩٨٢ كتب محمود درويش قصيدة عنوانها " أربعة عناوين شخصية " تتكون من أربعة مقاطع كل مقطع له عنوان يدل عنوان شخصي له ، وعناوينه التي نعثر على إقامته فيه هي :
- متر مربع في السجن
- مقعد في قطار
- حجرة العناية الفائقة
- غرفة في فندق .
تذكرت القصيدة وأنا أفكر في السؤال عن أماكن إقامة معارفي في غزة من أقارب وأصدقاء وكتاب .
انقطع قسم من هؤلاء عن الكتابة لفترة من الوقت ، فسألت عن أخبارهم إن كانوا ما زالوا أحياء . كان جهاز الهاتف أو الكمبيوتر الذي يمكنهم من الكتابة يسهل الإلمام بالعنوان ، فقد تتصل بهم أو تقرأ أخبارهم في كتاباتهم ويومياتهم ، ثم لما عزت الكهرباء والنت لم يعد ذلك ممكنا .
العناوين الشخصية الأربعة للشاعر في المنفى ، ولفلسطينيين كثيرين مثله أيضا في المنفى صارت :
- في المشافي
- في مركز إيواء اللاجئين في المدارس
- في الخيام
- في الأنفاق
- الهيام في الشوارع ، ففي غزة آلاف المفقودين
- على شاطيء البحر
- عالق في معبر رفح
- في المقابر الجماعية
- تحت الأنقاض
- في سجون إسرائيلية طارئة ومقيمة
- عالق في الضفة الغربية
- في المنافي ينتظر العودة إلى القطاع .
أول أمس شغلتنا أخبار رد إيران على ما ألم بقنصليتها في الشام ، وأمس قرع الإسرائيليون جدران رؤوسنا بالحديث عن الريمونتادا الإسرائيلية ، فلا يمكن السكوت عما جرى ، ولا بد من تأديب الإيرانيين . هل ستسمح أمريكا لإسرائيل ؟ وما زال الحديث عن رد إسرائيلي يرد في نشرات الأخبار حتى فجر اليوم .
" ابن الحرام لا بنام ولا بخلي الناس تنام " يقول مثلنا الشعبي ، وهناك مثل آخر يقول " ما أجن من مجنون بلاحق بلد إلا بلد بتلاحق مجنون " . كيف يمكن إجراء استعارة تمثيلية من خلال المثل الأخير تنطبق على دولة إسرائيل ومحيطها من الأعداء - أي الشعوب العربية الإسلامية ، ولا أدخل في الحسبان أنظمة عديدة .
كان اللافت في أشرطة الفيديو أمس هو فرح أهل شمال قطاع غزة بحصولهم على ربطة خبز طازج اشتروها بسعر عادي أو بشرائهم بعض الخضار والفواكه مثل الباذنجان أو التفاح ، فقد صار ذلك ، بعد بضعة أشهر ، ممكنا .
ما زالت المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة مستمرة ومل الناس من الإقامة في الخيام فشرعوا يعودون ، من الجنوب ، إلى بيوتهم المهدمة في الشمال ، ولكن الجيش الإسرائيلي كان لهم بالمرصاد .
في نابلس وقراها ارتقى شاب فلسطيني من قرية سالم واثنان آخران من قرية عقربا ، فقد انفلت المستوطنون فتيان التلال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو المستعان به !!
١٦ / ٤ / ٢٠٢٤

٢١
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
مأساة الفلسطيني في حياته اليومية : الحمامات

عادل الأسطة

لم تقتصر حدود المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة الدائرة منذ ٧ أكتوبر على استخدام أسلحة القتال وحسب ، فقد اتسعت لتقتل في الفلسطيني كل ما هو إنساني ولتسلب منه أبسط حقوقه . لم تسلب منه الأمان والاستقرار ورغيف الخبز وحسب ، ولم تمنعه من ممارسة حياته اليومية المألوفة في العمل والدراسة والعلاج ، فقد حرمته ، منذ دمرت أماكن سكنه ، من ممارسة طقوسه وشعائره وعاداته اليومية التي ألفها كممارسة حياته الزوجية والذهاب إلى الحمام والاستحمام بحرية .
شغلت الكتابة عن الانتظار في طوابير طوابير ، من أجل قضاء حاجة الإنسان في مرحاض ما ، حيزا لا بأس به من كتابات كتاب وسائل التواصل الاجتماعي وكتاب اليوميات في الصحف ، ( كعاطف أبو سيف الذي أصدر يومياته في كتاب " وقت مستقطع للنجاة : يوميات حرب غزة " ) ، بل وصارت حجة لمعارضي أحداث ٧ أكتوبر في وجه من يؤيدونها ، وأمنية للأولين بأن يمر الأخيرون هم وعائلاتهم ، بما يعاني منه في هذا الجانب الغزيون ، حتى يعرفوا مدى معاناة الأهالي وقسوة حياتهم وما جرته عليهم الحرب .
وأنا أتابع ما يكتب وأهتم به ، وألفت نظر المشرفة على موقع " مبدعون فلسطينيون " إلى ما يكتب عن الحرب ، أرسلت إلي الكاتبة الغزية النشيطة نعمة حسن نصا تسرد فيه معاناة الناس اليومية بخصوص طقوس قضاء الحاجة أو الاستحمام ، وكنت من قبل قرأت شيئا من هذا في يوميات الروائي عاطف ابوسيف والناقد طلعت قديح . ونص نعمة يأتي على التمييز بين جرأة الأطفال وخجل النسوة والكبار . إنه يأتي على معاناتها وأطفالها في قضاء حاجتهم ، في بيوت أقاربهم ، وهذا يشعرها ، وهم غادون رائحون ، بالخجل ، وحين ترغب في الاستحمام وتمارس طقوسه ينتابها حذر شديد وحرص كبير .
تكتب نعمة نصا تحت عنوان " جسد الماء حرا : الضفاف مجرد وطن " وفيه نقرأ :
" أحاول اليوم بكل ما لي من قوة البحث عن حفنة ماء نظيفة .. موقد وبعض الورق .. مكان آمن للاستحمام .. الحب والحياة مرتبطان منذ بدء الخلق بنطفة ماء . أنا الآن أريد أن أستعيد فطرة الأشياء الأولى .. إنه يوم الاستحمام رغما عن أنف الحرب .. لا يمكنني الاستحمام داخل حمام المدرسة القذر .. ربما يعوزني الكثير من الشجاعة للوقوف في طابور ( التبول ) ، ولكني لم أستطع قتال نفسي للوقوف عارية في حمام عام يؤمه مئات الأشخاص لقضاء حاجتهم ... " .
وحكايات الحمامات العامة والمراحيض في سفر اللجوء الفلسطيني ، وفي المخيمات تحديدا ، حكايات كثيرة مر بها أجدادنا وآباؤنا واستمرت تقريبا عقدين من الزمان وسببت لهم مشاكل كثيرة ؛ اجتماعية وصحية وأخلاقية أيضا .
وإذا كانت النصوص الشعرية ، فيما قرأت ، لم تول هذا الجانب شأنا ، فلم تأت عليه ، فإن الرواية الفلسطينية خصته بكتابة فيها قدر من الجرأة لم يعتدها القاريء الفلسطيني ولم يألفها ، فلم يستسغ ما كتب ، وهنا آتي على روايتي سامية عيسى " حليب التين " ( ٢٠١١ ) و " خلسة في كوبنهاجن " ( ٢٠١٣ ) ، والثانية متممة للأولى وجزؤها الثاني ، وتعد أكثر النصوص جرأة في الكتابة ، ولهذا لم ترق لمثقفين وسياسين عديدين ، إذ رأوا فيها إساءة لأهالي المخيمات ولمسؤولي بعض التنظيمات الفلسطينية فيها .
تكتب سامية في " حليب التين " عن ضيق البيوت في مخيم " أوزو " في لبنان ، ما يمنع الفلسطيني من ممارسة طقوسه اليومية والبيولوجية منها بحرية . هكذا تنسلب منه خصوصيته ، فيمارس سلوكات تبدو غير سوية ، أو تدفع إلى الانحراف ، أو تحرمه من ممارسة حياته بحرية ، فيخضع لرغبات جسده ، دون أن يشعر بأنه مراقب ودون أن يشعر بإثم ما . وستولد هذه الحياة لديه ، وما ينجم عنها من سلوكات وطقوس سرية ، أمنيات يسعى إلى تحقيقها إن استطاع ، بل ويضعها في سلم أولوياته .
هكذا يغدو الحمام الذي افتقده ، في منزله في المخيم ، أو أقامه بشكل بائس ، في سلم اهتماماته إن امتلك شقة أو بنى منزلا ، وسيوليه جل عنايته وسيهتم ليس فقط بنظافته ، بل بجودته وفخامته واختيار أجود أصناف مواده . ويذهب الأمر إلى ما هو أكثر من ذلك ، فحسام ابن صديقة - التي كانت حماتها فاطمة تستمني في الحمام العام في المخيم وكان بعض الرجال يتلصصون عليها ويراقبونها - سيغدو " السمكري المعروف بمهارته لدى كل بيوتات الجالية في الغيتو في عموم كوبنهاجن " ( ١٢٣ ) .
ولعل من الصفحات التي تلفت النظر هي الصفحات التي تصف العلاقة الغرامية بين صديقة والشاعر الفلسطيني وليد في دبي حين التقيا هناك ، والدهشة التي انتابته حين رأى المرحاض في شقة صديقة :
" حين دخل وليد إلى المرحاض شعر أنه كمن أقحم في حلم . فوجيء بديكوره البديع . كان أشبه بقصر صغير من قصور ألف ليلة وليلة . سيراميك أزرق لا هو بالفاتح ولا هو بالغامق ، يغطي أرضيته . ومغطس عريض بعض الشيء أقل زرقة من الجدران المصنوعة من البورسلان الفاخر ، على جنباته فتحات معدنية مدورة من الكروم تنتهي برشاش معلق بأعلى الجدار ، وتفصل بين المغطس والحائط المقابل حافة صغيرة على جانبها جهاز ثبتت فيه ثلاثة أزرار كهربائية . بالقرب منها وعاء زجاجي شفاف يحتوي على أزهار مجففة وآخر مملوء بأملاح ذات لون برتقالي ، وزجاجات عديدة فيها سوائل ملونة لم يفهم ما هي ، وسلة صغيرة من القش تحتوي قطعا ملونة تشبه قطع الصابون تنبعث منها روائح الياسمين واللافندر والورد والليمون . ستارة بيضاء من طبقتين تتدلى من السقف على الجانب الفاصل ما بين المغطس وكرسي المرحاض ... " وأظن أن هذا يكفي حتى لا يثور ضدي لاجئو غزة وحتى لا تنتابهم حالة من التحسر تؤدي إلى الموت كمدا .
الله المستعان به على ما يلم بنا !

الثلاثاء ١٦ / ٤ / ٢٠٢٤
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢١ / ٤ / ٢٠٢٤ )

٢٢
عن المرحاض في المنفى في مراكز اللجوء في الدنمارك :

تحت عنوان " أنا ضايع " نقرأ في رواية سامية عيسى " خلسة في كوبنهاجن " عن زياد الذي كان يطيع أمير الجماعة طاعة عمياء ، فيقتل دون أن يسأل عن السبب ، ثم تورط فقرر الأمير تسليمه إلى السلطات اللبنانية ، فهرب إلى الدنمارك :
" هذا ال " زياد " كان ينتظر بالدور ساعتين أو أكثر كي يتمكن من دخول المرحاض الوحيد المتوافر في مركز اللجوء .. الدانمركي " ( ١٥١ ) .
أعتقد أن روايتي سامية عيسى " حليب التين " و " خلسة في كوبنهاجن " من أهم الروايات الفلسطينية التي يمكن أن يفيد منها دارس الرواية الفلسطينية دراسة اجتماعية .
يجب أن يقرأهما أدباء غزة إن كان لديهم وقت للقراءة .
١٦ / ٤ / ٢٠٢٤

٢٣
ما هو رأي الروائيين الفلسطينيين في الحكم الآتي الذي ورد في موسوعة الرواية الفلسطينية للدكتور يوسف حطيني :
" إن البيت هو أكثر أماكن الإقامة الاختيارية ورودا في الرواية الفلسطينية وثمة إشارات محدودة إلى القصور ، ومرد ذلك إلى عدم وجود أسر غنية ، بشكل متواتر في هذه الرواية ، حتى أن وصف القصور يحمل غالبا شعورا بالعداء تجاهها ، مما يلغي الألفة التي نجدها في البيت ، ذلك أن البيت هو ركننا في العالم . إنه ، كما قيل مرارا ، كوننا الأول ، فالأمن والحماية مرتبطان به ومن فقد بيته فقد الحماية " .... . ( ص ١١٣ ) .

٢٤
أهداني الصديق الروائي الدكتور صافي صافي روايته " عين التينة " ، وهي ، كما أرى ، متممة لروايته " زرعين " كما لو أنها الجزء الثاني منها ، فسارد الرواية الذي التقى في المنفى ، وهو في الجامعة ، الطالبة حنان المولودة في المنفى والمنحدرة أصول عائلتها من بيسان ، يظل بعد تخرجه وعودته إلى الوطن على تواصل معها ، وإن زار فلسطين ١٩٤٨ صور لها المكان الذي أقام فيه أهلها الذين يحافظون في المنفى على عاداتهم وتقاليدهم وإصرارهم على تزويج بناتهم من بيئتهم . يتوج التواصل بحصول حنان على تصريح يمكنها من زيارة بيسان حيث يصطحبها السارد ، ويطلعنا على تفاصيل رحلتهما معا ومع آخرين ويجول فينا بالجولان ومثلث الحدود الفلسطينية السورية اللبنانية ويعرفنا بالأماكن سائرا على خطى إميل حبيبي في " اخطية " والكتابة عن حيفا وخطى أسعد الأسعد في الكتابة عن القدس في " دروب المراثي " ، وقد يتذكر المرء رواية عدنية شبلي " تفصيل ثانوي " أيضا .
يقدم لنا صافي صافي صورة عن جغرافية فلسطين في مكان محدد منها كما كانت ويحكي عن التغييرات التي يقوم بها الصهيونيون لتغيير معالم البلاد . من ذلك مثلا تجفيف بحيرة الحولة التي يكتب عنها كيف كانت وكيف صارت .
عندما قرأت " زرعين " دونت ملاحظة " على خطى إميل حبيبي " وعندما انتهيت من قراءة " عين التينة " ترسخ لدي الرأي نفسه .
الرواية ذات بعد معرفي فيما يخص صفد والجولان وبيسان وبعض أنواع الشجر الذي عرفته فلسطين وأهمه شجرة التين ، حيث نقرأ عن قداسة الشجرة وأنواع التين ، ويخيل إلي أن الكاتب وهو يكتب كان يعتمد على الكتب المتخصصة والموسوعات ، فلم يكتب من الذاكرة أو اعتمادا على معلومات الدليل وحسب . خذ مثالا على ذلك حين يكتب عن بعض القرى التي تعد فلسطينية في الموسوعة الفلسطينية وسورية في الموسوعة السورية .
تنتهي الرواية باحتجاز المشاركين في الرحلة ليلا ، في غرفة على حاجز في بيسان ، ما يمكن السارد وحنان من الدفء العاطفي والاقتراب من بعضهما مع أنهما متزوجان وسبعينيان . أهي الرغبات المكبوتة لدى بعض الكتاب الفلسطينيين ؟
الرواية / النوفيلا تقع في ١٤٣ صفحة من الحجم المتوسط وقد صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين ، وهي مصوغة بلغة بسيطة سهلة ، وتدرج تحت عناوين فرعية كل عنوان يحكي عنه ما أدرج تحته .
مبارك صدور الرواية للروائي
Safi Ismael Safi
( كنت كتبت سلسلة مقالات عن الشغف بالمكان في الرواية الفلسطينية ، كنوع من الكتابة على جبهة الرد . كتبت عن Asad Alasad " دروب المراثي " و أحمد رفيق عوض " الحياة كما ينبغي " وأيضا عن إميل حبيبي وعدنية شبلي وعن رواية الكاتب " زرعين " وغيرهم
عادل الأسطة عادل الاسطةعين التينة :
إلى ياسر جوابرة وسامر القط وحنان باكير :

حول دلالة العنوان لرواية صافي صافي

" ربما تكون عين التينة هي واحدة من العيون التي انفجرت في فلسطين حسب اعتقادهم ، حين ضرب موسى الصخر في الأرض القاحلة ليشرب منها بنو إسرائيل
.. "
" هل عين التينة والدرباشية فلسطينيتان أم سوريتان ؟"
" وهناك قرى بمائة عين ، لكن هذه هي العين الوحيدة المسماة بشجرة مقدسة ، كما هناك عين في منطقة صفد مسماة بعين الزيتون "
" سميت العين بعين التينة نسبة لأشجار التين التي تملأ المكان .
أقصد عين التينة على الحدود السورية الفلسطينية ، وليست عين التينة في مناطق سورية أخرى ، كما في قضاء اللاذقية ، ولا التينة الفلسطينية ، ولا عيون التينة العديدة في أرجاء بلاد الشام "

١٦ نيسان ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...