(1)
في التاريخ القديم أول مرتحل و مهاجر ومتنقل عشوائي ومُطارَد ومطارِد في الطبيعة اسمه: هو.. إنسان مجهول الهوية والصفات والملامح، بل حتى مجهول الهدف والاتجاه والرؤية. عاش في الغابات بين الوحوش الضارية، افترسته وافترسها. أكلته وأكلها. كان يخافها وتخافه على مدار النهار والليل. لكنه تدرّج في الحذر منها ومن ثم صيدها. ومع كل هذه الاحتراسات الفردية التي بات يتقنها، فهو طعمٌ سهل للأفاعي والنمور والأسود والدببة. وكانت هي أيضاً صيداً له لا بد منه.
ذلك الـ هو عرف الجوع والبرد والدفء، فأخذ الأماكن العلوية من الأشجار وسراديب الجبال سكناً له. وطارد الطبيعة بالتفاصيل اليومية التي كان يعيشها قبل أن يخبّئه ليل الغابات والكهوف الجبلية في حفرةٍ أو كهفٍ أو حتى ثقبٍ يتوسع لجسده العاري. لذلك ليس له اسم لأنه لا يعرفه ولا يحتاجه، ولا كنية له ولا بلاد ولا مكان. الأسماء لاحقة حضارية. والأمكنة تتحرك معه ما دامت له أقدام وسيقان يمشي ويركض ويزحف بها.
لا يحتاج اسمه ما دام لا يتكلم. وما دام النداء بأصوات الطبيعة بينه وبين الآخرين، فهي الأبجدية الملازمة التي تعلّمه ما لا يعلم. وكان على الـ هو والـ هي معه استثمار أدوات الطبيعة بالمناغاة والأصوات الغريبة التي عليهما اتقانها من حيث طلب متلازمات الحياة اليومية كنداءات عشوائية، لا مبرمجة تخرج من حنجرة غير مدربة على المناداة الاسمية. صرخة جوع أو صيد أو حتى شغف.
إنه شخص مجهول يتنقل؛ على قدمين عريضتين حافيتين؛ في الغابات الكثيفة التي ليس لها آخِر. على ضفاف الأنهار الطافحة بالمياه الجارية. يطارد الحيوانات في البراري الشاسعة أو تطارده. يأكل الطين والأغصان والأرانب والثمار وحتى الأشواك. وعندما يرتوي ماءً يبحث عن جدول غيره. فالمسافة بين جدول وجدول هي العطش الذي عرفه بعفوية كائن لا يعرف ماذا يريد؛ فهو مخلوق بري بصفات كائن متوحش. عيناه حفرتان ناريتان. يحمرُّ لونهما في حالة الجوع والصراع مع الطبيعة. لا يتكلم إلا بأصوات بريّة أو غابوية تثير الهلع دائماً، كأنه خُلق لصوتٍ لا يخرج من حنجرته الناعمة. بل يخرج من أعماق فوضوية غير منظمة على الأكثر.
يبني أمامه معبداً من أغصان غليظة ويعبد نفسه مع إنه لا يعرفها بشكل صحيح؛ غير إنه يصونها بالفطرة في سرديات الوعي التلقائي عنده. قدرته على الحفاظ على نفسه غريزية. يواجه الخطر بشجاعة محارب لديه الأسلحة كلها من تلك التي لا يملكها. يُجيل ببصره الى السماء ، فهو يدرك - بالفطرة- أن هناك نوراً ما يحميه ويدفع المطر على رأسه ليورق، وينشر على ظلاله الزرعَ والضرعَ وكل الكائنات التي تعيش معه بغريزة الحياة التي حولهم.
لا يعرف كيف يعبد النور، لأنه بلا شريعة. لا يعرف المستقبل لأنه لا يعرف الغد. فمثله لا يحفل بالغد. لا يعرف الزمن ولا يهمه الأمر بشيء، فالزمن متوقف على يومه الواحد، ساعة عاطلة من أزهار برية جفّت تحت الشمس. نهاره يسحب ليلاً طويلاً ولا أكثر من هذا. لذلك يولد كل فجر؛ يولد معه الصباح بارداً والطبيعةَ والأنهارَ والغابات والسماء. يتفرس في الأفق الأزرق بلا نهاية. بأعجوبة السماء الممتدة فوقه، يطمئن قلبه لها؛ لكنه يخاف من مظاهرها القوية، المخيفة، الراعدة والصاهلة.
إنه إنسان الخوف والمصير القلِق المستمر.
(2)
الـ هو سيد المكان وأيقونته المطلة على الحياة غير المعروفة. المنافس الوحيد له ذاته التائهة في البر والبحر والأنهار والغابات؛ سيد نفسه الوحيدة قبل أن تجتمع بغيرها؛ يوم كانت الجغرافية مفتوحة، ملتصقة ببعضها التصاق الظفر باللحم. وكان التاريخ لا زمنياً يتسرب كالهواء. قرونٌ عديدات أتينَ وانصرفنَ وذُبنَ كالفقاعات في ارتحال الحياة والمكان والزمن. كانت دورة الحياة متشابهة الى حد كبير(الشجرة تشبه الشجرة. الماء يشبه الماء. الفريسة تشبه الفريسة في الافتراس والموت.) لكنها غنية بالطبيعة على الأرجح. غنية بالإنسان الأول الذي سكنها عارياً بأربع أرجل مُشعرة وخشنة ومحرشفة كشجرة لم يمسسها الماء. لا عيب يُشعره بالحياء. ولا أبجدية دينية تُلزمه بالحشمة. فكل شيء عارٍ أمامه. الغابة. الطيور. البحر. النهر. السماء. الأرض. الليل. النهار. الفصول. المطر. الشمس. حتى الحياة كانت أمامه وحوله ومعه وفيه عارية كطفلٍ وليد خرج الآن من رحم السماء أو الأرض.
العُري كان أول الحياة.
(3)
الـ هو رجل. رائحة المرأة حوله ألهمت غريزته البدائية بأمورٍ لا يعرفها. لكنها تدفقت من مفاصله وقلبه وعينيه وارتعش جسده للحظات قبل أن يذبل. الفطرة في الأنثى دلّتها على رجل يمشي عكس الرياح ويزمجر مثلها. أن تكون قريبة من بيتٍ وهمي تبنيه على نهر يجري فيها، ومعها كائن يمشي على أربع كما لو كان يزحف, فمشت مثله وتدحرجت من أعلى التل الأبيض لتسقط في حضنه القوي، حضن الوحش الحامي الذي تمرّس؛ بالتدريج؛ على أن يعرف ضوء القمر. لذلك بنت سقيفة من خيال تظلّل جسدها العاري هو أيضاً. لم تكن لديها عوْرة. كان جسدها واحداً أحداً. لا توجد عورة في زمن كان يجري في عروقها كالساقية السعيدة (نحن ابتكرنا تسمية العورة لنخفي سوءاتنا الكثيرة)
قبل ملايين السنوات؛ كان كل شيء عارياً.. حتى الهواء.
(4)
الـ هو أو الـ هي كانا من روح فيهما واحدة. يتنفسان من جسد واحد وضلعٍ مستقيمٍ واحد. يتمرأيان في ورق أخضر متهدل من الأشجار كالقمصان الممزقة. مرآة الشجرة تعكس عريهما لكن لا يفهمانه. ليست هناك أسباب لمعرفة من أين تجري اللذة. يقتسمان النهار بالمطاردات الكثيرة بين أحشاء الغابات. يرتحلان من دون أن يفهما معنى الرحيل. ينامان فوق الأشجار وبين الأغصان كالنسانيس الخائفة من شيء يطاردها.
يأكلان النباتات الغضة ولحوم الحيوانات الطرية وغير الطرية. يلبسان منها جلودها ويتقنفذان في مغارة مهجورة آخر النهار. يتكوران كالأجنّة في بئر ركد الماء فيه. يبنيان بيتاً من الأغصان والأوراق. يحتضنان بعضهما- طلباً للدفء- لكنهما ينصهران في لذة جسدية لم يتأكدا كيف تجري وأين ولماذا. يضحكان بصوت له شبيهٌ في الغابات فينصتان له قلقَين، ثم ينفصلان تحت شعور بأن جسديهما قد شبعا من سر الليل الآسر، وعليهما الحذر من الليل المظلم.
إنهما كائنا الغابة والنهر والأحراش والبر. أسّسا حضارة بيولوجية في الطبيعة، قبل أن يعرفا أن الحضارات لا يبنيها إلا رجل وامرأة. أنثى وذكر. لذلك قامت الطبيعة على كتفيهما وقلبيهما وجسديهما وروحيهما في الأفق الذي رحلا اليه وتزاوجا وتناسلا وأكثرا من الطيور والأولاد والبنات والأزهار والثمار لتتوازن معهما وحولهما الطبيعة. فبقيا يمارسان الحياة بطريقة مشاعة، ليس فيها تردد. ليس معروفاً لديهما الخجل والحياء والشريعة والحرام والحلال. إنهما أكثر براءة من النسيم الربيعي العابر.
عادة ما ينظران الى السماء وهما مستلقيان على العشب البارد، ينظران الى المجهول والغموض. إنهما لا دينيان لكنهما- بالفطرة- يخافان من السماء؛ ففيها رعود وبروق وزمجرة وأمطار وحالوب صلب وبرد لاذع وشتاء طويل. كائنان فطريان غريزيان, يخشيان الطبيعة أكثر من خشيتهما للسماء. يؤمنان بالبراري والشمس والنجوم والأنهار والغيوم والأمطار. يؤمنان بأن وجودهما ضروري مع الوحوش والسباع والضباع في صراع البقاء الدائم.
(5)
الـ هو المجهول يمكن - ببساطة- أن نتخيله عارياً في يوم شتائي غزير المطر. باحثاً عن طعام في الغابة بين الأشجار، يصطاد الغزلان البرية والسمك النهري والجراد والنباتات والحشرات بغريزة الجوع. يمكن أن نتصوره طويلاً، عضِلاً، بوجه قردي وأسنان طاحنة وفكوك حيوانية عريضة. لن يخذلنا الخيال في أن نستقدم ذلك الإنسان في أيامه القديمة التي سبقت العالَم والتاريخ، وتوطنت في الجغرافية الواسعة، حيث الأشجار والفواكه والخضار ومختلف النباتات، والأنهار المتدفقة وأسماكها الوفيرة، والغزلان والأرانب ولحوم الخيول التي ظهرت بعد مئات الآلاف من السنين؛ حينما ولدتها الطبيعة وألقتها في الحياة، من دون أن نتحفظ على إنسان ما قبل العصور بأنه كانت به حاجة لأن يشكّل مجموعاتٍ قبلية صغيرة تتكافل في ما بينها في أسَرٍ متقاربة، تحاول أن تصنع لها مطبخاً صغيراً، تمهيداً لاستقرارها. لكن هذا كان محالاً قبل اكتشاف النار بالحجارة. وبزوغ يوم جديد وُلدت فيه الناس والحصى والنار والطبخ والشواء. وقبل أن تكون الخيول والحمير والكلاب تتبع أثره الفوضوي الذي يريد أن يستقر.
(6)
الـ هو البدائي لم تحجزه الجغرافية . لا تحد من تنقله شبه العاري، وإذا ما كان يعيش يومه بغريزة البقاء الأعمى المتاحة له، فإن الانتقال من مكان الى آخر يسهّل عليه العبور الى بقعة أخرى فيها ما يمكّنه من أن يجمع الثمار والنباتات ويقتنص الحيوانات بأدوات صيد بسيطة وبدائية.
ومن الطبيعي بأن المكان الذي ينتقل منه لا يتذكره بالضبط. فغيره- مثله- يزحف مع الأرض كنسلٍ عابرٍ للتاريخ, لا لأنه بلا ذاكرة وينسى المكان، بل لأن الترحال بين الأمكنة يُشابه الأمكنة عليه. لا مكان يضمن سلامته (صار الوعي ضرورة له) ولا زمن يأوي وجوده اليومي. وبالتالي فالترحّل هو ذلك الذي قادته من مكان الى آخر، ومن بلد ممطر الى بلد أكثر دفئاً. ومن غابة وحوش ضارية الى غابة استوائية.
قادته الغريزة بأقدامه الجماعية الى أمكنة خضراء وصفراء وبيضاء وأنهار وجبال وشلالات وينابيع ونباتات وحيوانات صغيرة وكبيرة، مفترسة وأليفة، من دون أن يخضع الى شروط الجغرافية التي قد تكون قاسية عليه. على أمل أن تهيّء له جغرافيةُ المكان الآخر أعشاباً ونباتاتٍ وطيوراً وحيواناتٍ لحمية وحبوباً وشعيراً وعصيدة ساخنة.
النار أوجدت الإنسان البدائي, أدامت من وجوده الأزلي. فتعلّم أن يمشي على قدمين ليستقيم عموده الفقري.
(7)
كان من الثابت والأكيد بأنه انسانٌ مجهول. لا اسم له. وصفته صحائف الأقدمين بما هو ليس عليه. افترضته وحشاً بروح بشرية. قد يكون هكذا ولكنه تطور ومشى وعرف النار وطبخ عليها لحوم الأفراس والقرود والأسماك. لم يكن يائساً ولا سعيداً لأنه لا يعرفهما (السعادة واليأس من صنع حضارتنا) لم تذكره الأديان لكونه خميرة بشرية على الأرض. تصنيفه ضمن القوافل البشرية الأولى يحتاج الى مراجعات جغرافيّة وفكرية من دون نظريات. كُتُب التاريخ عنه غير كافية لأن نعرفه في يومياته التي تتطلب منه الارتحال والترحيل والهجرة الموضعية مع الأمكنة أينما تكنْ، من دون استشارات ولا جوازات سفر ولا أوراق مرور ولا جغرافية حراسات وأسلحة وعسس وأمن وتفتيش، لهذا توجّب أن ننظر الى إن سلوكه الميداني تلقائي وعفوي وفطري وطبيعي في الطبيعة التي توفرت له، بين النباتات والحيوانات وحليبها، والثمار والأشجار والأنهار.
(8)
الـ هو المعاصر لا يظهر عارياً في الأماكن العامة، فثمة مبادئ وقيم وتقاليد وأديان سماوية ووضعية تمنعه. ثقافة العيب كالنصل أمامه. العري نشاز في المجتمعات كافة، حتى البدائية الغابوية الأفريقية تستر عوراتها بورق الشجر، مثل آدم وحواء حينما هبطا على الأرض عاريين بسرديات الأسطورة في الانتقال من مكان الى مكان.
العيب حديث وقديم في المجتمعات. الحياء شعبة من شعب الإيمان، والإيمان سلوك. الله يرى الجميع؛ مسلمين ومسيحيين وبوذيين وهندوساً وملحدين وكفرة ومشركين وشاذين بلا ذاكرة دينية أو طبع بشري حتى. مجتمعات ما بعد الزراعة والصناعة والالكترونيات؛ الأوربية والشرق أوسطية واللاتينية والأفريقية والقطبية والجنوبية والغربية منها تواصل الحياة بقماش ساتر. لا تحبّ العري التام. تخافه ربما. نصف العري جائز ورُبع العري مقبول. والعري كاملاً لا يوجد إلا في أفلام البورنو التعيسة. تغيرت فطرة الإنسان. صارت الفطرة تجارة وبيعاً وشراءً. لم يعد الجسد ممكناً.
صار الجسد دمية في الحانات.
(9)
الإنسان القديم مشاعي. عارٍ. لكنه كان يحرص على أن لا تنكشف عورته الشخصية. يتنسم الهواء البحري والبري والزراعي في آنٍ واحد ثم يبتسم لنفسه، لكنه يحرص على تغطية جزئه الأسفل؛ العوْرة المخفية بين السيقان حتى لو لم يعرف شرائع الأديان. الحلال والحرام فيها. لأنها فطرة الخلق: أن تكون بلا عورة مرئية. الإخفاء فطري. كأنهم يخفون صواريخَ ومسدساتٍ وبنادقَ نووية. لذلك اندمجوا مع الطبيعة. ناسبوها وصاهروها وامتثلوا لها بطرائق متعددة. أكلوا منها وتزوجوا فيها وناموا تحت أشجارها الطويلة. لا يحلمون في الغد لأنهم يعتقدون بأنهم ماتوا في ظلام الليل. وعندما يستفيقون مع صباح الطيور والحيوانات، يعتقدون بأنهم غيرهم..! كما لو إن الطبيعة تلِد؛ كل صباح؛ بشراً وصيادين وحفاةٍ ورعاة أقوياء وماشية وطيوراً وغزلاناً وأرانبَ وأيائلَ وبحراُ وأنهاراً وأمواجاً. تلد غيرهم من جديد. لذلك لا أسماء لهم، ولا صفات ولا ملامح، سوى من أجسادهم العارية.
(10)
غريزة الطعام فطرية كما هي غريزة الجنس. الإنسان ما قبل التاريخ يمارس الجنس ولا يعرفه. كما يمارس أكل الحيوانات والنباتات ولا يعرف معنى أن يملأ جوفه بها. لا يهمه أن تكون الحبوب ذات فائدة لجسده، أو حليب الأفراس أو اللحوم أو الحساء. ولم يعرف كيف يختار من الثدييات ما يلائم صحته الجسدية، ولا من الزواحف والطيور والبيوض والأسماك والرخويات والحشرات من الجراد والخنافس. ولم يكن يعنيه الشواء الا بعد اكتشاف النار. فتغير مزاج الرائحة في أنفه وروحه. فولد الطبخ وولد المطبخ البسيط واستقرت الأسرة على نحوٍ تدريجي. أصبحت تعرف الليل والنهار والشمس والنجوم والنسيم العليل.
تغيرت رائحة المرأة أيضاً.
(11)
ليس للـ هو علاقة بالقوانين، حتى مع القبيلة الطوطمية التي تُقلّص من حركته على وفق ما تراه في الفرد القبيلي، من واجبات يؤديها دِينَاً بدائياً يسلّم فيها روحه الى القبيلة وأفرادها كجماعة أنشأت لقاءها هناك، لتمنع عنها أذى الطبيعة وهجمات الوحوش الضارية. وتتجمّع القبيلة على مثال طوطمي يحميها من الكوارث والمجاعة والحيوانات المفترسة وهيجانات الطبيعة كما يعتقد. لذلك تبعت الخيال والوهم الذي صار أساطير ندرسها ونحللها. نتفق أم لا نتفق عليها.
(12)
أنشِأت القرية البدائية، وحاز التجمع البشري على مقبولية جماعية. فالقوة في المجموع والحياة كما هي وكيفما اتفق. وأصبحت ملايين السنوات التي مضت منسية مع الأسلاف الراحلين, غادر الـ هو العصر الحجري القديم بعيداً عن النار، عن الطبخ والمطبخ والخبز والشواء والأُسرة، سوى من غريزة البقاء والتناسل الفوضوي. أكثر من مليوني ونص سنة باعدنا الزمن عن الإنسان العاري. وبقينا ننظر الى احتمالات الكتب وصحائف التوثيق غير الدقيقة والنظريات الاركيولوجية، نتطلع الى الأطعمة والألبسة في معاينة الحقب الزمنية المارّة على هذا الكوكب البائس. ونتخيل الانسان الأول في صراعه مع وجوده ضد الطبيعة ومشتقاتها. قبل أن يشهد ثورة العصر الحجري الزراعية مع الأجيال المتعاقبة التي غادرت البداوة وسكنت وهدأت في مستوطنات صغيرة، وعرفت الطريق النسبي الى الحياة عبر الزراعة والنار والمطبخ والجنس.. ثم المحراث.
(13)
لم يعد الانسان الأول عارياً.
أخفى ما يجب أن يخفيه بطريقة ماهرة. لبس الثياب من أوراق الشجر. ثم الصوف والوبر من الحيوانات. مشى على قدمين أقل تشققاً. وعاش حتى هذا اليوم. لكن بطريقة أخرى. هي طريقة الحيوان البدائي الذي لا يغادره، لكن هذه المرة ليس بالمنجل والسهم والقوس، بل امتلك حيوانات نووية أكثر قدرة على النطح والعِراك والألم .. والموت المجاني أيضاً.
في التاريخ القديم أول مرتحل و مهاجر ومتنقل عشوائي ومُطارَد ومطارِد في الطبيعة اسمه: هو.. إنسان مجهول الهوية والصفات والملامح، بل حتى مجهول الهدف والاتجاه والرؤية. عاش في الغابات بين الوحوش الضارية، افترسته وافترسها. أكلته وأكلها. كان يخافها وتخافه على مدار النهار والليل. لكنه تدرّج في الحذر منها ومن ثم صيدها. ومع كل هذه الاحتراسات الفردية التي بات يتقنها، فهو طعمٌ سهل للأفاعي والنمور والأسود والدببة. وكانت هي أيضاً صيداً له لا بد منه.
ذلك الـ هو عرف الجوع والبرد والدفء، فأخذ الأماكن العلوية من الأشجار وسراديب الجبال سكناً له. وطارد الطبيعة بالتفاصيل اليومية التي كان يعيشها قبل أن يخبّئه ليل الغابات والكهوف الجبلية في حفرةٍ أو كهفٍ أو حتى ثقبٍ يتوسع لجسده العاري. لذلك ليس له اسم لأنه لا يعرفه ولا يحتاجه، ولا كنية له ولا بلاد ولا مكان. الأسماء لاحقة حضارية. والأمكنة تتحرك معه ما دامت له أقدام وسيقان يمشي ويركض ويزحف بها.
لا يحتاج اسمه ما دام لا يتكلم. وما دام النداء بأصوات الطبيعة بينه وبين الآخرين، فهي الأبجدية الملازمة التي تعلّمه ما لا يعلم. وكان على الـ هو والـ هي معه استثمار أدوات الطبيعة بالمناغاة والأصوات الغريبة التي عليهما اتقانها من حيث طلب متلازمات الحياة اليومية كنداءات عشوائية، لا مبرمجة تخرج من حنجرة غير مدربة على المناداة الاسمية. صرخة جوع أو صيد أو حتى شغف.
إنه شخص مجهول يتنقل؛ على قدمين عريضتين حافيتين؛ في الغابات الكثيفة التي ليس لها آخِر. على ضفاف الأنهار الطافحة بالمياه الجارية. يطارد الحيوانات في البراري الشاسعة أو تطارده. يأكل الطين والأغصان والأرانب والثمار وحتى الأشواك. وعندما يرتوي ماءً يبحث عن جدول غيره. فالمسافة بين جدول وجدول هي العطش الذي عرفه بعفوية كائن لا يعرف ماذا يريد؛ فهو مخلوق بري بصفات كائن متوحش. عيناه حفرتان ناريتان. يحمرُّ لونهما في حالة الجوع والصراع مع الطبيعة. لا يتكلم إلا بأصوات بريّة أو غابوية تثير الهلع دائماً، كأنه خُلق لصوتٍ لا يخرج من حنجرته الناعمة. بل يخرج من أعماق فوضوية غير منظمة على الأكثر.
يبني أمامه معبداً من أغصان غليظة ويعبد نفسه مع إنه لا يعرفها بشكل صحيح؛ غير إنه يصونها بالفطرة في سرديات الوعي التلقائي عنده. قدرته على الحفاظ على نفسه غريزية. يواجه الخطر بشجاعة محارب لديه الأسلحة كلها من تلك التي لا يملكها. يُجيل ببصره الى السماء ، فهو يدرك - بالفطرة- أن هناك نوراً ما يحميه ويدفع المطر على رأسه ليورق، وينشر على ظلاله الزرعَ والضرعَ وكل الكائنات التي تعيش معه بغريزة الحياة التي حولهم.
لا يعرف كيف يعبد النور، لأنه بلا شريعة. لا يعرف المستقبل لأنه لا يعرف الغد. فمثله لا يحفل بالغد. لا يعرف الزمن ولا يهمه الأمر بشيء، فالزمن متوقف على يومه الواحد، ساعة عاطلة من أزهار برية جفّت تحت الشمس. نهاره يسحب ليلاً طويلاً ولا أكثر من هذا. لذلك يولد كل فجر؛ يولد معه الصباح بارداً والطبيعةَ والأنهارَ والغابات والسماء. يتفرس في الأفق الأزرق بلا نهاية. بأعجوبة السماء الممتدة فوقه، يطمئن قلبه لها؛ لكنه يخاف من مظاهرها القوية، المخيفة، الراعدة والصاهلة.
إنه إنسان الخوف والمصير القلِق المستمر.
(2)
الـ هو سيد المكان وأيقونته المطلة على الحياة غير المعروفة. المنافس الوحيد له ذاته التائهة في البر والبحر والأنهار والغابات؛ سيد نفسه الوحيدة قبل أن تجتمع بغيرها؛ يوم كانت الجغرافية مفتوحة، ملتصقة ببعضها التصاق الظفر باللحم. وكان التاريخ لا زمنياً يتسرب كالهواء. قرونٌ عديدات أتينَ وانصرفنَ وذُبنَ كالفقاعات في ارتحال الحياة والمكان والزمن. كانت دورة الحياة متشابهة الى حد كبير(الشجرة تشبه الشجرة. الماء يشبه الماء. الفريسة تشبه الفريسة في الافتراس والموت.) لكنها غنية بالطبيعة على الأرجح. غنية بالإنسان الأول الذي سكنها عارياً بأربع أرجل مُشعرة وخشنة ومحرشفة كشجرة لم يمسسها الماء. لا عيب يُشعره بالحياء. ولا أبجدية دينية تُلزمه بالحشمة. فكل شيء عارٍ أمامه. الغابة. الطيور. البحر. النهر. السماء. الأرض. الليل. النهار. الفصول. المطر. الشمس. حتى الحياة كانت أمامه وحوله ومعه وفيه عارية كطفلٍ وليد خرج الآن من رحم السماء أو الأرض.
العُري كان أول الحياة.
(3)
الـ هو رجل. رائحة المرأة حوله ألهمت غريزته البدائية بأمورٍ لا يعرفها. لكنها تدفقت من مفاصله وقلبه وعينيه وارتعش جسده للحظات قبل أن يذبل. الفطرة في الأنثى دلّتها على رجل يمشي عكس الرياح ويزمجر مثلها. أن تكون قريبة من بيتٍ وهمي تبنيه على نهر يجري فيها، ومعها كائن يمشي على أربع كما لو كان يزحف, فمشت مثله وتدحرجت من أعلى التل الأبيض لتسقط في حضنه القوي، حضن الوحش الحامي الذي تمرّس؛ بالتدريج؛ على أن يعرف ضوء القمر. لذلك بنت سقيفة من خيال تظلّل جسدها العاري هو أيضاً. لم تكن لديها عوْرة. كان جسدها واحداً أحداً. لا توجد عورة في زمن كان يجري في عروقها كالساقية السعيدة (نحن ابتكرنا تسمية العورة لنخفي سوءاتنا الكثيرة)
قبل ملايين السنوات؛ كان كل شيء عارياً.. حتى الهواء.
(4)
الـ هو أو الـ هي كانا من روح فيهما واحدة. يتنفسان من جسد واحد وضلعٍ مستقيمٍ واحد. يتمرأيان في ورق أخضر متهدل من الأشجار كالقمصان الممزقة. مرآة الشجرة تعكس عريهما لكن لا يفهمانه. ليست هناك أسباب لمعرفة من أين تجري اللذة. يقتسمان النهار بالمطاردات الكثيرة بين أحشاء الغابات. يرتحلان من دون أن يفهما معنى الرحيل. ينامان فوق الأشجار وبين الأغصان كالنسانيس الخائفة من شيء يطاردها.
يأكلان النباتات الغضة ولحوم الحيوانات الطرية وغير الطرية. يلبسان منها جلودها ويتقنفذان في مغارة مهجورة آخر النهار. يتكوران كالأجنّة في بئر ركد الماء فيه. يبنيان بيتاً من الأغصان والأوراق. يحتضنان بعضهما- طلباً للدفء- لكنهما ينصهران في لذة جسدية لم يتأكدا كيف تجري وأين ولماذا. يضحكان بصوت له شبيهٌ في الغابات فينصتان له قلقَين، ثم ينفصلان تحت شعور بأن جسديهما قد شبعا من سر الليل الآسر، وعليهما الحذر من الليل المظلم.
إنهما كائنا الغابة والنهر والأحراش والبر. أسّسا حضارة بيولوجية في الطبيعة، قبل أن يعرفا أن الحضارات لا يبنيها إلا رجل وامرأة. أنثى وذكر. لذلك قامت الطبيعة على كتفيهما وقلبيهما وجسديهما وروحيهما في الأفق الذي رحلا اليه وتزاوجا وتناسلا وأكثرا من الطيور والأولاد والبنات والأزهار والثمار لتتوازن معهما وحولهما الطبيعة. فبقيا يمارسان الحياة بطريقة مشاعة، ليس فيها تردد. ليس معروفاً لديهما الخجل والحياء والشريعة والحرام والحلال. إنهما أكثر براءة من النسيم الربيعي العابر.
عادة ما ينظران الى السماء وهما مستلقيان على العشب البارد، ينظران الى المجهول والغموض. إنهما لا دينيان لكنهما- بالفطرة- يخافان من السماء؛ ففيها رعود وبروق وزمجرة وأمطار وحالوب صلب وبرد لاذع وشتاء طويل. كائنان فطريان غريزيان, يخشيان الطبيعة أكثر من خشيتهما للسماء. يؤمنان بالبراري والشمس والنجوم والأنهار والغيوم والأمطار. يؤمنان بأن وجودهما ضروري مع الوحوش والسباع والضباع في صراع البقاء الدائم.
(5)
الـ هو المجهول يمكن - ببساطة- أن نتخيله عارياً في يوم شتائي غزير المطر. باحثاً عن طعام في الغابة بين الأشجار، يصطاد الغزلان البرية والسمك النهري والجراد والنباتات والحشرات بغريزة الجوع. يمكن أن نتصوره طويلاً، عضِلاً، بوجه قردي وأسنان طاحنة وفكوك حيوانية عريضة. لن يخذلنا الخيال في أن نستقدم ذلك الإنسان في أيامه القديمة التي سبقت العالَم والتاريخ، وتوطنت في الجغرافية الواسعة، حيث الأشجار والفواكه والخضار ومختلف النباتات، والأنهار المتدفقة وأسماكها الوفيرة، والغزلان والأرانب ولحوم الخيول التي ظهرت بعد مئات الآلاف من السنين؛ حينما ولدتها الطبيعة وألقتها في الحياة، من دون أن نتحفظ على إنسان ما قبل العصور بأنه كانت به حاجة لأن يشكّل مجموعاتٍ قبلية صغيرة تتكافل في ما بينها في أسَرٍ متقاربة، تحاول أن تصنع لها مطبخاً صغيراً، تمهيداً لاستقرارها. لكن هذا كان محالاً قبل اكتشاف النار بالحجارة. وبزوغ يوم جديد وُلدت فيه الناس والحصى والنار والطبخ والشواء. وقبل أن تكون الخيول والحمير والكلاب تتبع أثره الفوضوي الذي يريد أن يستقر.
(6)
الـ هو البدائي لم تحجزه الجغرافية . لا تحد من تنقله شبه العاري، وإذا ما كان يعيش يومه بغريزة البقاء الأعمى المتاحة له، فإن الانتقال من مكان الى آخر يسهّل عليه العبور الى بقعة أخرى فيها ما يمكّنه من أن يجمع الثمار والنباتات ويقتنص الحيوانات بأدوات صيد بسيطة وبدائية.
ومن الطبيعي بأن المكان الذي ينتقل منه لا يتذكره بالضبط. فغيره- مثله- يزحف مع الأرض كنسلٍ عابرٍ للتاريخ, لا لأنه بلا ذاكرة وينسى المكان، بل لأن الترحال بين الأمكنة يُشابه الأمكنة عليه. لا مكان يضمن سلامته (صار الوعي ضرورة له) ولا زمن يأوي وجوده اليومي. وبالتالي فالترحّل هو ذلك الذي قادته من مكان الى آخر، ومن بلد ممطر الى بلد أكثر دفئاً. ومن غابة وحوش ضارية الى غابة استوائية.
قادته الغريزة بأقدامه الجماعية الى أمكنة خضراء وصفراء وبيضاء وأنهار وجبال وشلالات وينابيع ونباتات وحيوانات صغيرة وكبيرة، مفترسة وأليفة، من دون أن يخضع الى شروط الجغرافية التي قد تكون قاسية عليه. على أمل أن تهيّء له جغرافيةُ المكان الآخر أعشاباً ونباتاتٍ وطيوراً وحيواناتٍ لحمية وحبوباً وشعيراً وعصيدة ساخنة.
النار أوجدت الإنسان البدائي, أدامت من وجوده الأزلي. فتعلّم أن يمشي على قدمين ليستقيم عموده الفقري.
(7)
كان من الثابت والأكيد بأنه انسانٌ مجهول. لا اسم له. وصفته صحائف الأقدمين بما هو ليس عليه. افترضته وحشاً بروح بشرية. قد يكون هكذا ولكنه تطور ومشى وعرف النار وطبخ عليها لحوم الأفراس والقرود والأسماك. لم يكن يائساً ولا سعيداً لأنه لا يعرفهما (السعادة واليأس من صنع حضارتنا) لم تذكره الأديان لكونه خميرة بشرية على الأرض. تصنيفه ضمن القوافل البشرية الأولى يحتاج الى مراجعات جغرافيّة وفكرية من دون نظريات. كُتُب التاريخ عنه غير كافية لأن نعرفه في يومياته التي تتطلب منه الارتحال والترحيل والهجرة الموضعية مع الأمكنة أينما تكنْ، من دون استشارات ولا جوازات سفر ولا أوراق مرور ولا جغرافية حراسات وأسلحة وعسس وأمن وتفتيش، لهذا توجّب أن ننظر الى إن سلوكه الميداني تلقائي وعفوي وفطري وطبيعي في الطبيعة التي توفرت له، بين النباتات والحيوانات وحليبها، والثمار والأشجار والأنهار.
(8)
الـ هو المعاصر لا يظهر عارياً في الأماكن العامة، فثمة مبادئ وقيم وتقاليد وأديان سماوية ووضعية تمنعه. ثقافة العيب كالنصل أمامه. العري نشاز في المجتمعات كافة، حتى البدائية الغابوية الأفريقية تستر عوراتها بورق الشجر، مثل آدم وحواء حينما هبطا على الأرض عاريين بسرديات الأسطورة في الانتقال من مكان الى مكان.
العيب حديث وقديم في المجتمعات. الحياء شعبة من شعب الإيمان، والإيمان سلوك. الله يرى الجميع؛ مسلمين ومسيحيين وبوذيين وهندوساً وملحدين وكفرة ومشركين وشاذين بلا ذاكرة دينية أو طبع بشري حتى. مجتمعات ما بعد الزراعة والصناعة والالكترونيات؛ الأوربية والشرق أوسطية واللاتينية والأفريقية والقطبية والجنوبية والغربية منها تواصل الحياة بقماش ساتر. لا تحبّ العري التام. تخافه ربما. نصف العري جائز ورُبع العري مقبول. والعري كاملاً لا يوجد إلا في أفلام البورنو التعيسة. تغيرت فطرة الإنسان. صارت الفطرة تجارة وبيعاً وشراءً. لم يعد الجسد ممكناً.
صار الجسد دمية في الحانات.
(9)
الإنسان القديم مشاعي. عارٍ. لكنه كان يحرص على أن لا تنكشف عورته الشخصية. يتنسم الهواء البحري والبري والزراعي في آنٍ واحد ثم يبتسم لنفسه، لكنه يحرص على تغطية جزئه الأسفل؛ العوْرة المخفية بين السيقان حتى لو لم يعرف شرائع الأديان. الحلال والحرام فيها. لأنها فطرة الخلق: أن تكون بلا عورة مرئية. الإخفاء فطري. كأنهم يخفون صواريخَ ومسدساتٍ وبنادقَ نووية. لذلك اندمجوا مع الطبيعة. ناسبوها وصاهروها وامتثلوا لها بطرائق متعددة. أكلوا منها وتزوجوا فيها وناموا تحت أشجارها الطويلة. لا يحلمون في الغد لأنهم يعتقدون بأنهم ماتوا في ظلام الليل. وعندما يستفيقون مع صباح الطيور والحيوانات، يعتقدون بأنهم غيرهم..! كما لو إن الطبيعة تلِد؛ كل صباح؛ بشراً وصيادين وحفاةٍ ورعاة أقوياء وماشية وطيوراً وغزلاناً وأرانبَ وأيائلَ وبحراُ وأنهاراً وأمواجاً. تلد غيرهم من جديد. لذلك لا أسماء لهم، ولا صفات ولا ملامح، سوى من أجسادهم العارية.
(10)
غريزة الطعام فطرية كما هي غريزة الجنس. الإنسان ما قبل التاريخ يمارس الجنس ولا يعرفه. كما يمارس أكل الحيوانات والنباتات ولا يعرف معنى أن يملأ جوفه بها. لا يهمه أن تكون الحبوب ذات فائدة لجسده، أو حليب الأفراس أو اللحوم أو الحساء. ولم يعرف كيف يختار من الثدييات ما يلائم صحته الجسدية، ولا من الزواحف والطيور والبيوض والأسماك والرخويات والحشرات من الجراد والخنافس. ولم يكن يعنيه الشواء الا بعد اكتشاف النار. فتغير مزاج الرائحة في أنفه وروحه. فولد الطبخ وولد المطبخ البسيط واستقرت الأسرة على نحوٍ تدريجي. أصبحت تعرف الليل والنهار والشمس والنجوم والنسيم العليل.
تغيرت رائحة المرأة أيضاً.
(11)
ليس للـ هو علاقة بالقوانين، حتى مع القبيلة الطوطمية التي تُقلّص من حركته على وفق ما تراه في الفرد القبيلي، من واجبات يؤديها دِينَاً بدائياً يسلّم فيها روحه الى القبيلة وأفرادها كجماعة أنشأت لقاءها هناك، لتمنع عنها أذى الطبيعة وهجمات الوحوش الضارية. وتتجمّع القبيلة على مثال طوطمي يحميها من الكوارث والمجاعة والحيوانات المفترسة وهيجانات الطبيعة كما يعتقد. لذلك تبعت الخيال والوهم الذي صار أساطير ندرسها ونحللها. نتفق أم لا نتفق عليها.
(12)
أنشِأت القرية البدائية، وحاز التجمع البشري على مقبولية جماعية. فالقوة في المجموع والحياة كما هي وكيفما اتفق. وأصبحت ملايين السنوات التي مضت منسية مع الأسلاف الراحلين, غادر الـ هو العصر الحجري القديم بعيداً عن النار، عن الطبخ والمطبخ والخبز والشواء والأُسرة، سوى من غريزة البقاء والتناسل الفوضوي. أكثر من مليوني ونص سنة باعدنا الزمن عن الإنسان العاري. وبقينا ننظر الى احتمالات الكتب وصحائف التوثيق غير الدقيقة والنظريات الاركيولوجية، نتطلع الى الأطعمة والألبسة في معاينة الحقب الزمنية المارّة على هذا الكوكب البائس. ونتخيل الانسان الأول في صراعه مع وجوده ضد الطبيعة ومشتقاتها. قبل أن يشهد ثورة العصر الحجري الزراعية مع الأجيال المتعاقبة التي غادرت البداوة وسكنت وهدأت في مستوطنات صغيرة، وعرفت الطريق النسبي الى الحياة عبر الزراعة والنار والمطبخ والجنس.. ثم المحراث.
(13)
لم يعد الانسان الأول عارياً.
أخفى ما يجب أن يخفيه بطريقة ماهرة. لبس الثياب من أوراق الشجر. ثم الصوف والوبر من الحيوانات. مشى على قدمين أقل تشققاً. وعاش حتى هذا اليوم. لكن بطريقة أخرى. هي طريقة الحيوان البدائي الذي لا يغادره، لكن هذه المرة ليس بالمنجل والسهم والقوس، بل امتلك حيوانات نووية أكثر قدرة على النطح والعِراك والألم .. والموت المجاني أيضاً.