1ـــ أول ما أستهل به
كان بي شوق عارم لتسَلُّم ديوان (( أنين في مرايا الروح )) للشاعر المتخلق المتزن حسن ميري، ولما لم يسمح الظرف انطلت علي فكرة تناوله مخطوطا في انتظار الكتاب الورقي.. الديوان من تقديم الفاضل محمد محضار/ الرمح الأريب الذي لا يتخلف عن اقتحام المنابر والمجالس الشعرية، لتقديم خدمات جليلة للأدب والأديب، لنفض الغبار عنهما والرفع من شأنهما، ليصبحا في مصاف الأدب العالمي، في ظل غياب وزارة الثقافة التي من واجب عليها التعريف بالأدباء وتتبع جديدهم، وفي ظل إغماض بيت الشعر عينيه عن المنجزات الأدبية الجديدة للرفع من شأنها، وفي ظل تخلي الإعلام بجميع وسائله عن مواكبة الإشعاع الفكري واقتفاء أثر الجديد، وتشجيع الشباب على العطاء الفكري، حيث بقيت المهام موكولة إلى جمعيات المجتمع المدني لتولي الأمر ..
2ـــ العنوان عنصر من العتبة النصية
هو العتبة الأولى التي يضع فيها المتلقي قدمه قبل ولوج عوالم الكتاب واقتحام محتواه ومباشرته بالقراءة، فهو البوصلة التي تصحبه إلى حقوله والسير به بين ممراته، أو بعبارة أخرى هو المصباح اليدوي الذي يسلط الضوء على نصوصه المتفرقة ليتحقق التطابق معه كعنوان رئيسي .. فالعنوان كما يبدو لدى كل مبدع مصيبة عظمى في اختياره، قد لا يهتدي إليه إلا بعد صعوبة، أو قد يتركه حتى متمِّ المنجز خاصة إذا توخى منه تلميحا مدهشا يجذب القارئ، بل هناك من المبدعين من تخَلّوا على عنونة نصوصهم، بعدما أرهقهم العنوان الرئيسي للمنجز.. والعنوان الذي بين أيدينا ((أنين في مرايا الروح)) هو العنوان الذي اختاره شاعرنا حسن ميري، جملة تامة تتكون من أربعة ألفاظ، يتم إعرابها كالتالي : أنين / مبتدأ مرفوع ــ في /حرف جر ــ مرايا اسم مجرور بالكسرة المقدرة على الألف تعذرا وهو مضاف ــ الروح مضاف إليه / وشبه الجملة ( من الجار والمجرور) في محل رفع خبر المبتدأ.. هذا من حيث المبنى الإعرابي.. ومن حيث المعنى اللغوي، فالجملة صيغت بأسلوب غير مباشر في علاقة بلاغية خصبة جمعت الألفاظ المتباعدة التي تفصل بينها حدود، لتخلق جملة جميلة ممتعة، يمكن أن نحللها كالتالي (أنين) صوت رخو مهموس يصدر عن الإحساس بالألم أو الوجع، نقول أنين مريض/ أنين حزين، / أنين شاكٍ بضرر ما، وأحيانا قد يدل الأنين على صوت صادر من بعض عناصر الطبيعة كرمز أو إيحاء لحفيف الورق، أو خرير المياه، أو طنين النحل، أو هدير عاصفة، أو هزيم الرعد.. لكن في الغالب الأنين هو التأوه من شيء ضار وغير محمود.. ولفظة مرايا يعرفها الجميع مفردها مرآة /جسم مادي ملموس، عبارة عن صفيحة من الزجاج مصقولة تعكس صورة الشيء الذي أمامها، نستعملها للتزيين أو لتسوية هندام، أو للحلاقة.. ومفردة (الروح) هي النفس/ أو الجوهر، خَفية وغير مادية لا تظهر أو ترى بالعين المجردة، لا يعلم كنهها إلا الله (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء: 85) والتي تخبَّط في شعابها كبارُ العلماء لمعرفة أسرارها ولم يصلوا إلى أي شيء، والروح هي حياة الكائنات البشرية والحيوانية، ويُمكن أن نطلقها حتى على النباتات.. إذاً كما نلاحظ المفردات جميعها لا علاقة للواحدة بالأخرى من حيث المعني / ألفاظ تدل على أشياء مادية ملموسة وأخرى خفية لا تُرى بالعين.. وإذا تمعنا في الجملة ككُل (أنين في مرايا الروح) نحس بشيء ما يدغدغنا لطرح سؤال أو أسئلة/ هل المرايا تئن؟ هل للمرايا حنجرة؟؟ هل لها فم حتى تحدثَ أنينا؟؟ هل للروح مرايا ؟؟ والسؤال الأكبر الرئيسي هو ما علاقة الأنين بالمرايا وما علاقة المرايا بالروح؟ ولكن الشاعر بلمسة التمرس والحنكة جمع بينها في علاقة مجازية ترميزية شمولية، لتخلق صورة شعرية جذابة يُبيّن من خلالها ما يتصدع في الداخل، وما تعج به الذات من آلام، وما يمتلئ به العمق من أوجاع حبيسة القفص الصدري، وتحضرني مجموعة الأديبة المغربية زهرة رميج في تقاطع بهي تحت عنوان (( أنين الماء)) التي ترمز بها إلى الأوضاع المزرية والضياع والتيه والمعاناة..
3ــ المحتوى والمتن الشعري
محتوى الكتاب هو جوهر المادة المكتوبة/الشعر لدى الشاعر حسن ميري، ويشمل الأفكار والآراء، والمعلومات التي يعرضها المؤلف في نصوص شعرية رتبها في تنسيق بهي بين دفتين بعد أن اختار لهما الألوان واللوحة، وكل العناصر المطلوبة والهادفة.. وتعددت ثيمات المحتوى ومواضيعه في تنوع خصب، نهَل شاعرنا حسن ميري بعضَها من الواقع، واستمد غيرَها من الهموم الإنسانية، وأخرى اجتباها من تجاربه الشخصية الذاتية وما اطلع عليه من تجارب الغير، تترجم بشكل أو بآخر وعيَ الشاعر وأحاسيسه وتأملاته وأفكاره، ليشاركها مع قرائه.. ومن بين الثيمات :
ـــ توحد الشاعر مع الشعر حد الذوبان
يتحدث شاعرنا حسن ميري عن اللحظة التي يختلي فيها إلى نفسه بشكل شيق، فيغمره الطوفان الشعري وهو يحاور الذات في صمت رهيب وتأمل فريد، يعاقر الكلمات بحثا في الزوايا الدامسة التي تحيطه، عن نبراس ضوء يضيء العتمة المفرطة، ولا تخرجه منها إلا الأحبار والصحيفة البيضاء والأقلام، لمنازلة القصيدة التي أوقعت الشاعر في كمينها وأرغمته على أن يكتبها، حيث كانت تتمنع في بادئ الأمر، لكن وعلى غفلة منه تأتيه طيعة مطأطئة الرأس...
كُنْتُ أَتَّبِعُ المَعْنَى،
وَصَوْتِي يَتَعَثَّرُ بِالحُرُوفِ،
أَبْحَثُ عنِ اسْتِعارَةٍ وَمَجازٍ،
فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ هذِهِ القَصِيدَةِ.
وليس هذا فحسب بل صار شاعرنا جلوازَ القصيدة يحرسها في معبد الشعر، يقتفي أثر المجاز، راكضا خلف عمق المعنى وغور الدلالة، يشعل فوانيس حروفه لتتقد جذوتها في روح المتلقي، ولعشاق الحرف يقيم الصلاة؛ فشاعرنا حسن ميري يسرد لقرائه كيف يُنَضّد بوحَه على الورق من عمق القلب بصدق، وما تستدعيه الخلجات النفسية، وما يحس به من وجع ويساوره من ألم...
أنقش كلماتي
بمداد النزيف
وأعصر من وجعي قافية
ومن خلجاتي وزنا
حين ينتاب شاعرنا حسن ميري القلق و يقتنصه شَرَك التوتر، ينقب في لغة مفقودة ليُحكِم القبض على الدلالة مستدعيا ما امتلأ به جرابه؛ ولما تجتاحه نوبة البوح يركض بين ظلال الغموض ورحابة اللغة، باحثا عن المعنى في قلب المجاز، فيُسرج خيول الحروف العنيدة راكضا في ميدانها الفسيح، ثم ينهال على البياض بعدته الشعرية ليرصع سبيكة القصيدة بفصوص مشكلة بجميع الألوان، فيَخلق لوحات وهّاجة وكأنها بريشة فنان تشكيلي؛ فالشعر إذا قدره ومعبده يسكن شاعرنا حسن ميري كالجن الأزرق ليؤكد لنا أن أي شاعر لا يكتب من فراغ، بل لابد من هزّة نفسية يستدعي التر التراكمات وما لملمه من ثقافة الأسلاف، وما عاينه وعايَشه من قضايا مؤلمة، وهموم إنسانية مقبلة من المحيط، وما يأمله ويحلم به أن يكون على أنقاض ما هو كائن، بالإضافة إلى الموهبة ( لا تكفي النية في كتابة الشعر بل لابد من شحذ هذا الشيء الغريب المسمى موهبة أو إلهاما بالتجربة المعمقة) على حد قول (نبيل منصر) ص184 / كتاب أمشي كأني واحد غيري /محمود درويش قصيدة لاتنتهي
فمن خلال هذه العناصر كلها وبُعْد تصوره العميق ينسج شاعرنا قصائده عبر مراحل متلاحقة، تبدأ بالكتابة والتشطيب حين لا يقتنع بما بين يديه، ثم مرحلة التنقيح والتصحيح بكل ما تعنيه الكلمة من صقل اللغة وانسجام مفرداتها وعدم شحنها بالفائض الذي لا يؤدي أي معنى، وتشذيبها من الدودة الزائدة حتى لا تشوش على القارئ، وأخيرا مرحلة الاقتناع بجودتها والاطمئنان إليها لتقديمها إلى القراء .. وقد تتراوح القصائد ما بين السهلة الطيعة التي تستغرق وقتا قصيرا لا تتجاوز يوما واحدا، ومنها التي تستعصي على الشاعر فتكلفه مدة أطول تدوم أسابيع أو شهورا، ومنها التي تتمنع ما يدفع الشاعر إلى تمزيق المسودة والنهوض قلقا إلى إشعار آخر.. وشاعرنا حسن ميري لما دخل غابة الشعر، تاه في رحاب دوامة لا مخرج لها، لم يعد يميز فيها نفسه من بين الكائنات، فتأبط بوْصلة الأقلام ليضيء المعتم من السراديب، حتى يلوح له منفذ..
اكتبيني
بلا عنوان بلا هُوية
لا أنكر أن لي بطاقة فنان
مجهول المستقبل
(( قصيدة /اقلام ماجنة ))
تأمل عميق للذات الشاعرة في واقع اكتنفته أسرار مبهمة، أمَمٌ تتبجح بالقوة تجُر البساط من تحت أخرى ضعيفة، وشرذمة من البشر تُحكِم قبضتها على السُّلط تطأ بنعالها أخرى، فتسلب منها كرامتها وحقوقها، و مَن يحاول أن يعبر أو ينتقد، أو يضع إصبعه على الحقيقة، أو يكشف الغطاء عما يجري في الكواليس، فلينتظر السوط يتبعه حتى عتبة بيته..
ـــ تواضع الشاعر رغم علو كعبه
فشاعرنا حسن ميري عرفه زملاؤه ذاك الرجل المتزن الهادئ الذي لا يتسابق على المنابر، والذي يخاف من الغلط ، بل ويرعبه ارتكابه بعض الزلات أو الأخطاء، يتحاشى كل ما يسبب الألم للآخرين أو يغضبهم .. يكتفي بقدراته الشعرية التي بين يديه ولا يبحث عن الأضواء، يمارس شغبه الشعري الجميل تحت الظل، وبكل تواضع يكشف حقيقة نفسه أنه ليس مكتملا، ولا هو نور ساطع في الأ عالي ولا هو قديس، ولا هو وليّ صالح، بل بشر قد يخطئ ويصيب، أو بلغة أخرى هو مجرد غيمة أتت بها الريح فهطلت لتسقي الأراضي القاحلة،..
فلست قديسا ولا وهجا مقدسـا
أنا بشر يخطئ ويصلح ما بدا لي
فشاعرنا ينحني تواضعا، لأنه ممتلئ وفي جعبته الكثير، ينطبق عليه البيت الشهير (مَلأَى السَّنَابِلِ تَنْحَنِي بِتَوَاضُعٍ.. وَالْفَارِغَاتُ رُؤُوسُهُنَّ شَوَامِخُ) للشاعر العربي أبو طيب المتنبي ..لا يريد أن يكشف نفسه تحت هالة من الغرور، ويرفض تماما ركوب صهوة الأنانية ليقول ها أنا، بل يفضل أن يترك الأمر لعمله الشامخ فهو الذي يقدمه، ولأخلاقه الفاضلة هي التي تُلبِسه ثوب الطهر والنقاء والانسجام مع نفسه ومع مَن حواليه، مؤمنا أن المرء الذي يعلو نجمُه هو من يسمو بعمله، ويرتقي به باحثا عن الأفضل بمثابرته والمواكبة دون توقف، وأن يكون العمل هادفا يخدم الإنسانية ويترك الأثر.. هذا النوع من العمل هو الذي يُتوّجه ويُجلسه على عرش الخلود ...
ــ الشعر عصارة التأمل للحياة والكون
لا يمكن لأي شاعر أن يقول لنفسه كن شاعرا فيكون، وإنما التأمل الثاقب للكون في بعديه الإنساني والطبيعي ومصير كل منهما، بالإضافة إلى ما يملكه الشاعر من حذلقة وعدة شعرية لغوية وبلاغية والحنكة والتمرس في الصياغة، وشاعرنا كغيره لم يأته الشعر طيعا بلمسة زر، ولا بحثا عن اللقب، وإنما بتأمله للوجود ومصير الإنسان الذي سيؤول إلى التراب، حيث سيواجه عاقبته في ظلمة القبر بمفرده بعد أن ترك أفراد عشيرته وقبيلته ومحبيه، ثم لايني يخاطبه أن العمر مجردُ رمشة عين ويسير نحو العدم .. يقول في قصيدة / مهلا :
ألم تر كيف يتحول الكائن
إلى غبار في ليل الأجداث
وكأنه بذلك ينصحه وينبهه إلى الصحو من غفلته، ومن تيهه في فِتَن الدنيا ليدرك أن العمر ينسرب كالماء من بين الأصابع في غفله منه وهو لا يدري.. ..فالشعر أصبح أداته التي تخفف عنه من ألمه، واستوطن مهجة الشاعر بلا حدود، حتى أصبح يعتقد أن كل ما حوله شعرا، لقّبَه بالقداس يدخل معبده ناسكا متعبدا فيقيم الصلاة في محراب الخلود، ويشعل الشوقَ في المجاز، ثم يوجه خطابه إلى القصيدة وكأنها أنثى فيراها القصيدة المعلقة التي لم يهتد إليها الشاعر، الأنثى المعشوقة ليطفئ بوَصْلها نار عشقه اللافح، فيستعيد فيها شتاته، ويرتق تمزقه الحاصل، وينتعش بلذيذ الكلمات في حضرة معشوقته، والتغني بنشيد الولاء لها ..
تعالي
نُقيمُ صلاةَ العشقِ
في محرابِ الخلود
نُشعلُ الشوقَ في المجاز
فهو يدعوها لمعبد الشعر/ الخلوة الموقرة، التي يداوم فيها التحليق على أجنحة الخيال، لينشدا تراتيل الروح على البياض، ويحول تأمله وبُعْد نظره وما يأمله نبضُه ويرجو إلى كلمات، فتبرد نار المُتيَّم عشقا حين يلتقي الخافقان ...فإذا ما تمعنا في معجم هذه القصيدة نلمس أن أغلبية ألفاظها تنحني لما هو شعري وتعبدي : الخلود / قداس الشعر/ نبضي/ المجاز/ حروفي، أي تُزاوج بين الشاعر والمتعبد، بل تضعهما في كفة واحدة، فلا فرق هنا بين الشاعر الشغوف بالشعر حد الذوبان الذي يتعلق بقصيدة منتظرة ليقلعها ندفة ندفة من مباطن المجهول، وبين ذاك الناسك المتعبد المتعلق بخالقه، الذي يقيم مناسكه في خلوته لإرضاء خالقه ..
تعالي...
لقدّاسِ الشعر
ونُنشدُ تراتيلَ الروحِ
ــ من قصيدة (انصهار)
فحين يبلغ الإلهام ذروته، ونعجب بفتنة هذه الهبة المسماة شعرا وتلهب دواخلنا، لابد وأن تَختلس منا حقها بالتغني بنعمتها، هذه البوصلة الراقية التي تخرجنا أحيانا من طامة الضيق لنتوسع في مجالها، ومن قبو القمع لنسمو بتعبيرنا على أبراجها عما يشطح في دواخلنا، ولا يفوتني أن أذكر شذرات من قصيدتي (أيتها المتخفية بين اقراط الزمن ) التي وصفت فيها قصيدتي ب(شهر زاد عشيقتي)، و(أنا شهريار عشيقها) أطاردها وهي تتغنج وتتمنع وكلما اقتربت منها تبتعد... إلى متم القصيدة أقول :
تعالي عشيقتي
استحمي في ماء عيني
تمطي فوق جبيني
تفاحك مالح وعشقته
فالشعر هو تلك القبة الزجاجية التي تحمينا من طلقات الزمن الرصاصية، بل هو ماء الحياة، الذي يزرع فينا الروح لما تصل إلى رمقها الأخير لتتجدد وتنتعش .. والشاعر كالطائر الحر الكونُ كلُّه ملك له يحلق أنًّى شاء، لا أحد بإمكانه إجباره على المكوث في مكان محدد، أو إرغامه على التعبير حول موضوع معين، أو الكتابة تحت الطلب، فإبداعه ليس للمساومة، ولا يباع ولايشترى، ولا يخضع لإملاءات أو أوامر، ولا يُقيَّد بميزان أو يخضع لقاعدة ..
حروفي لا تخضع للضبط
ولا تركع في محراب القوافي
ـــ إلهام الشعر كوحي النبوءة
فالإلهام كما النبوءة لا فرق بينهما، وحتى يوضح شاعرنا حسن ميري لقرائه أكثر، استنجد بهم ليدثروه من آفة الشعر التي كبدته المرارة، لما أدركته وامتلأ بها، في ظل عدم الاعتراف بقوة الكلمة و فلْقِها القشرة عن الحقيقة، وأهداف الثقافة من أجل بناء الأمة والإنسان يقول :
دثروني بدفءِ الحرف
فما عادَ عيشُ القصيدةِ
يُستدفأُ به من بردِ المشاعرِ
وسطَ صقيعِ اللامبالاةِ
خوفٌ ضمني محتشد اجتاحت عاصفته الشاعر وجعلته يتماهى مع قصة الرسول صلى الله عليه وسلم، لما نزل عليه الوحي بغار حيراء في بدايته، وجاء إلى زوجته خديجة يرتعد خوفا وقال لها زملوني / زملوني أي غطوني ودثروني طلبا للدفء لما سرت قشعريرة باردة في بدنه خوفا؛ وليزول عنه الرعب طمأنته خديجة فنزلت سورة (المدثر) ،( يا أيها المدثر وقم فأنذر ...) صدق الله العظيم .. فالشاعر لا يختلف عن النبي كما جاء في بحث الشاعر المصطفى فرحات،( فكلاهما يحتضنان ما هو منزل من السماء النبوءة والشعر)؛ وشاعرنا لمْ تفزعْه هُمَزة الشعر بقدر ما أرعبته لُمزة اللامبالاة، خاصة لما يتحمَّل الكاتب عبْء نشْر عصارة دماغه والمؤسسات الثقافية التي يرجو بركتها في سبات عميق، لا تلتفت إليه ولو بكلمة في الموضوع، وكذلك لما يبقى المنتوج الأدبي حبيس الرفوف، ولا تبرمَجُ منه نصوصٌ في مقررات النشء ليبتلوا بعدوى الإبداع.. ومع ذلك مازالت لهفة الشعر تطرب شاعرنا حسن ميري، وله أمل الاستمرارية وعدم العودة إلى الوراء ، أو إلى القهقرة، راكبا صهوة التحدي والمواصلة مواجها انتصاب القمم الشاهقة وقسوة النتوءات المعترضة، من أجل الارتقاء بشعره حتى آخر المطاف، فشوكة الإبداع انغرست في العمق وانتهى الأمر، ولا عائقَ أو عثر يستطيع إقلاعها ..
ــ استدعاء التذكر في جلال الحاضر
يوجه شاعرنا خطابه إلى (الأنت ) ضمير المخاطب بصيغة المتكلم بطريقة مضمرة وغير صريحة، يركض خلف الحقيقة سالكا الكهوف والأغوار بقممها المنتصبة، وفجاجها الوعرة للقبض على المأمول الهارب، يفك خيوط الأسئلة الملحة المتشابكة، فيصطدم بجدار من سراب يهوي به إلى الدرك الأسفل لمّا تفتقد الأسئلة الإجابة..
كم شققت من دروب مظلمة
ترجو بها الغاية المواربة
أما زلت تبحث عن أنماط جديدة
ولا تثنيه ريح البحث في بطون التيه عن منفذ يؤدي إلى مرفأ وضيء، ليصل مبتغاه وتنتهي الأتعاب، ولكنها مجرد هواجس تعكس الصراع النفسي للذات الشاعرة بين ما تحلم به ككائن طموح يسعى إلى التغيير، وما يعتريه من تعقيد يستحيل معه تحقيقه، مجسدا الذكريات العصيبة التي مرّ منها، وما ساورته من مِحَن لتحقيق ما ترغب فيه النفس، لكن بأسلوب التخفي وعدم المباشرة.. وأحيانا أخرى يتحدث شاعرنا حسن ميري بالمباشر موظفا أسلوب المتكلم ليصف لنا حاله في هدأة الليل لما تتفاقم أسئلة قادمة من بعيد، يستعصي عليه إيجاد جواب لها، فيعيش في صمته الرهيب وسكون الليل المخيم، بين وجع الذكريات الملحة والحلم وعدم التعبير عنه، رغبة في استراحة محارب ليعود إلى البحث عن الجديد، غير أن القريحة الأمّارة بالتنقيب والعطاء لم ترحمه مما جعله يندم..
بات الليل يساومني
بتفاصيل من ماض بعيد
والنجوم تنتظر ردّي
على أسئلة بلا بريد
ـــ الوحدة والغياب في النفس
الشعر سوسة تغرد بين الجلد والعظام، حين تتوغل لا تكبحها رادعة، ولا تزجرها عن توغلها مانعة، تسري ببرود مع الدم في العروق حتى تبلغ النخاع، فتصيب الشاعر بعدوى شعرية يركبُه معها السعار، ولما تنغرس شوكته بعمق يمسك ناصية طريقه دون توقف، أو العودة إلى الخلف، فتمتلكه عادات وقواعد غريبة لم تكن له من قبل، فتراه في الحافلة أو السيارة يستدعي عوالم ترفعه إلى السموات السبع حد الإغماء، يحاور نبضه/ يحرك مشاعره/ يختبر حدسه/ يستشير ذهنه في عزلة مطلقة لا ينتبه إلى ما حوله حتى ولو كان وسط الجماعة.. وشاعرنا حسن ميري كغيره من الشعراء ابتلِيَ بهوس الشعر حد النزف لما اجتاحته عاصفته دون علم، فتعاهدا على ميقات غير معلوم لا يعرفه سواهما، ومنذ وقتها ركب بوصلة السهاد والانزواء في خلوته، يهامس أفكاره على إيقاع نبضه وحفيف وحدته..
أيتها اللعينة،
كيف تسللتِ إلى الفؤاد
دون مراعاةٍ للمكان؟
كنتُ أرتّب صمتي
على رفّ الكتمان،
فشاعرنا لا يدري والباب موارب من أي شق اقتحمت القصيدة خلوته في عز الليل ـــ والهدوء لا تخترقه إلا أضواء، و نوارسه وحمامه لا تشعُر بما يزعجها ـــ كيف جلست على كرسي الإلهام تجدل المعاني وتنسج المجاز، وتنضد حبات حروفها في خيط لؤلئي براق؟؟؟ .. وصْفٌ دقيق للحظات الشعرية التي يُدمِن فيها الشاعر الخلوة وسيل الشعر يتدفق منهمرا؛ فليست الخلوة أن يكون المبدع بالضرورة منفردا ومُغلَقا عليه، وإنما الخلوة لما يتحد الشاعر مع فراشات الشعر وهي تتراقص أمامه ليقبض عليها في نسيج شعري مبهر..
ــ العشق الصوفي وحرارة الشوق إلى الأنثى
مهما كان الشاعر مهتما بقضايا الإنسان في شمولها، ومكترثا بالكون بأسئلته الوجودية الجامحة، ومهما عُنِيَ بمصيره الحتمي، لا يُغنيه محموده عن أن تتسلل مشاعرُه صوب الأنثى/ المرأة في حلة غزلية ناعمة وجذابة، جرّه إليها الحنين حين لاحت على شاشة الذكرى بعضُ أشرطتها الجميلة، وتركت في عمقه خصالا نبيلة، أو وشمَت داخلَه فضائلُ مميّزة للمحبوبة، فطفقَ يخاطب أنثاه مستحضرا اللحظات الأولى مع معشوقته على مائدة الأمل، مشتاقا إلى عطر ضفائرها، مادّاً لها يده مفروشة بتحيات الورد ونسائم الود، مناشدا الله ألا تقطع وصله، وهو العاشق المتيم :
أُنشِدكِ الله…
لا تقطعي وصلَ متيم،
ولا تهجري الحب الذي سقيناه فينا.
مستعطفا إياها ألا تتركه فريسة للأحزان الكافرة، بعدما لملما شتاتهما ليحلما من جديد بما يُسعِد روحيهما ويسر قلبيهما، لأنه لم تعد له قدرة على الصبر ولا تحَمُّل الهجر من جديد، الذي يكبده أحزانا بحرارة لا تطاق، متضرعا إليها أن تترفق بقلبه الذي احتضنها.. ومن الأنثى إلى بعض الظواهر الاجتماعية التي شغلت باله..
ـــ هجرة الشباب وعرضتهم للغرق
ومن ضمن القضايا التي هزت أرجاء شاعرنا حسن ميري وفجرت إحساسه، هجرة الشباب الذي تعدمهم أمواج البحر دون ذنب مرتكب أو جرم غير مغتفر، فقط بحثا عن لقمة عيش يسدون بها رمق عوَزِهم، فيشخص الواقعة بأسلوب فني جميل لما تتشظى الموجة وتفتح أبواب الموت وتنشء مقصلة العدم فيفتضح الأمر، وينتفض الزبد ليقاوم الغرق، وزرقة المياه تتوارى خلف الصخب ولا من يعيد هيجان البحر إلى سكونه، والريح شاهدة على النازلة تقرأ سفر الغرقى ..
والريحُ تقرأُ سفرَ الغرقى
بصوتٍ مبحوح
كأنها تبشّرُ بالمحو،
أو تفتحُ للهاويةِ باباً
لا يُغلَق.
تعبير غير صريح مطرز بما هو ترميزي تخييلي مطلق متخطيا وجه التحديد، لتصبح القصيدة عالمية تُثارُ في أي زمان ومكان، وهذه من براعة الشاعر وقوة أسلوبه وحنكته المتمرسة في انتقاء اللفظ والصياغة المُتمكِّن منها، ليخلق لوحة فنية درامية تلهب الألباب..
ــ فقدان الثقة وعدم تصديق الوعود الكاذبة
فالشاعر حسن ميري تعود على أسلوب الصدق في حياته/ في تعامله /في سلوكه /في وعوده، استقاه من تربيته السديدة، وما تعَلَّمه من تجاربه وتجارب غيره، فأدرك حقائق الأشياء، وعَلِم أن المبادئ الصحيحة مقوماتُها التفكيرُ والاستدلالُ وتركيبُ التصوُّرات الهادفة والبناءة، والتصديقات بكل ما تعنيه الكلمة من حكمة ودقة وتعقل، فربى نفسه ودربها عليها، ولم يعد قادرا على مجاراة أساليب الرياء والبهتان ولا تصديق الوعود الكاذبة، أو الثقة في الإملاءات الفارغة، أوالاطمئنان إلى الشعارات الماكرة، فانسحب من منبر الكلام الذي لا يأتي بنتيجة، مُعلِنا رفضه للهراء غَيرِ خَاضِعٍ لِلمَنْطِقٍ.. ومن وجهة أخرى يعترف الشاعر بالواضح أن الكلام في هذا الزمن لم تعد له آذان مصغية، خاصة إذا كان يدل على مطلب، أو يكشف عن حقيقة، أو يصدر عن نبش ثاقب في جوهر الأشياء، فإنه يُجابَه بالتغاضي إن لم نقل بالرفض..
قلت
قلت لا
وألْفُ لام على الكلام
ما عاد يغريني البهاء
الملفوظ في الحروف
ـــ القضايا وهموم الإنسان
لقد اختزل شاعرنا العالم في هذا الديوان، فكما وهب لنفسه مساحة ليُطلع قراءه على لعنة الشعر الظريفة التي سكنت عفاريتُها سحنتَه، وما يعانيه من معارك لمواجهة القصيدة العنيدة، وسَهَره ليالي منزويا /متأملا /معتكفا/ مستفسرا يحاور الذات والزمن ومناطق المجهول حول الانتظار الذي طال ،وضيَّع عليه لحظات من عمره هدراً، وما الانتظار إلا ما يحلم به الشاعر/ المأمول الذي يسعى إليه جاهدا للقبض عليه / الغد المشرق الذي تتغير فيه الأوضاع ويتمتع فيه الإنسان بالعيش الكريم وكافة الحقوق الإنسانية :
حدِّثيني
عن غيابٍ أسرعَ إليه النسيان
عن انتظارٍ أحرَّ من النار
عن لحظةٍ ضاعت
بمقدار حديثٍ.
ولم يدخر الشاعر جهدا حول هموم الإنسان برمته /الشباب الذين يغادرون وطنهم بحثا عن مورد الرزق، والذين يعلق عملهم في مشجب الريح بشهاداتهم، فيسقطون ضحايا العطالة، والذي يرمز إليهم بنوارس تغادر أعشاشها، والأطفال الذين تصطادهم خيبات الحروب ولإهمال وعدم الاهتمام، والشيوخ الذين يقضون زهرات أعمارهم في تقديم خدمات جليلة للوطن فيستهدفهم النسيان واللامبالاة في خريف العمر وكأنهم لم يساهموا في الاقتصاد، والفقراء الذين يُعوزهم الحصولُ على لقمة العيش، والمشردون المتسكعون في الشوارع والطرقات.. هذه الظواهر المستفحلة تختزلها قصيدة (( ليلة الزفاف)) بطرق انزياحية ترميزية يخاطب فيها الشاعر خيال القارئ وفكره ..
4ـــ الجانب الفني ومواطن الجمال
أي شاعر لا يباشر بإخراج منجزه الأدبي في مضمومة مهما كان نوعه شعرا أو سردا أو مقالات إلا بعد تصميم فني يعبق بالجمال شكلا ومضمونا، ليسلب لب القارئ، فيختار اللون المناسب لغلافه، ويصطفي اللوحة اللائقة، وينتقي العنوان الملائم؛ ومن حيث المضمون يتعب الشاعر في البحث عن عناصر الجمال من إيقاع وموسيقى وخيال وتصوير بكل ما تتطلبه بلاغة اللغة من متانة وجمالية الأسلوب وتنويعه للتعبير، وشاعرنا حسن ميري أثرى الديوان شكلا ومضمونا مما جعله يجذب المتلقي من أول نظرة ومن أول اطلاع..
ـــ البلاغة اللغوية ومتانة الأسلوب
شاعرنا حسن ميري موسوعة كبرى، نهل معجمه من كنوز ومشارب ثقافية متنوعة عميقة، فكوَّن لغة حصيفة ثاقبة، تشبعت بما هو مجازي وترميزي وأسطوري وتراثي، وأدبي، وتاريخي، وفلسفي، ( يشتق لغته من طبيعة التجربة التي يعاني منها، ومن مفهومه الخاص لدور اللغة في عملية الإبداع الشعري ) ص:204 /كتاب ظاهرة الشعر الحديث /السنة الثانية من سلك البكالوريا / للكاتب أحمد المعداوي المجاطي ؛ فتعمَّقَ في بحورها حد التخمة بما تعنيه البلاغة من معنى، ومن سِلالها الممتلئة انتقى مواطن الجمال ليطرز قصائده ويعمق دلالتها بما يلهب العقول ويدهش النفوس، للوصول إلى كنه الأشياء وجوهرها بتراكيب لغوية، تعزف على أوتار الدهشة واللذة النفسية لدى القارئ النموذجي قافزا عن المعتاد؛ ولأوضح أكثر سأجرد بعض المفاهيم القوية التي تستدعي من القارئ البحث ليستوعب معانيها وقَصْدَ الكاتب في توظيفها :
ـــ تآخت الأحلامُ عند مشارفِ "إليوس"، ((وإليوس هي العلامة التجارية الرائدة في مصر في مجال صناعة لمبات الليد عالية الجودة وأدوات التوصيل والإكسسوارات الكهربائية))
قصيدةٌ منحوتةُ الخيالِ
تُضاهي فرسانَ الشعرِ
بين "مجنة" و"ذي المجاز".((مجنة وذي المجاز هما من أشهر أسواق العرب التجارية والثقافية في الجاهلية وصدر الإسلام، وتقعان قرب مكة المكرمة. تأتي مجنة في العشر الأواخر من ذي القعدة بمر الظهران، بينما يقع ذي المجاز خلف عرفة ويُعقد في الأيام الثمانية الأولى من ذي الحجة، وكلاهما شهد نشاطاً تجارياً، ثقافياً، ودعوة نبوية))
لم تبلغْ عكاظَ مقامًا،
ولا قصدتِ التماهي مع القوافي.
هناكَ شاعرٌ يكبرُ في وهج الانصهار،
يسرعُ الخطوَ نحو "المهلهل"(( هو الشاعر عدي بن ربيعة الملقب ب "المهلهل" لأنه أول من رقّق أسلوب الشعر، فجعله سهل اللفظ رقيق المعاني.
ـــ وحكاياتِ "الفردوس المفقود".((الفردوس المفقود (بالإنجليزية: Paradise Lost) ملحمة شعرية للكاتب الإنكليزي جون ملتون كتبها في عام 1667. في عشر كتب وتبعها الطبعة الثانية عام 1674 ...
ـــ وحاضرٍ تسكنه أحلامُ "ديزني"((.شركة والت ديزني والمعروفة باسم ديزني هي إحدى شركات وسائل الإعلام والترفيه في العالم.))
ـــ"هاري بوتر"، هاري بوتر هو شخصية خيالية في سلسلة من سبعة كتب للكاتبة البريطانية جوان رولينغ التي تحكي حكاية الصبي الساحر هاري بوتر، منذ اكتشافه لحقيقة كونه ساحراً، وحتى بلوغه سن السابعة عشر، فتكتشف ماضيه، وعلاقاته السحريّة، وسعيه للقضاء على سيد الظلام لورد فولدمورت.
في عزِّ الليلِ بانَتْ سعادُ، (التماهي مع قصيدة كعب بن زهير )
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ
مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُجزَ مَكبولُ
ـــ بحورِ "الفراهيدي".
ـــ "كورسو كومو" ((10 كورسو كومو هو مجمع تسوق وطعام في ميلانو، إيطاليا، مبناه الأصلي في ميلانو، يضم مساحة عرض ومكتبة ومقهىو حديقة وبوتيك وله فروع دولية في طوكيو وسيول وشنغهاي. يجمع بين المنافذ التي تعرض وتبيع الأعمال الفنية والموضة والموسيقى والتصميم والمأكولات والثقافة. تأسس في عام 1990 على يد صاحبة المعرض والناشر كارلا
ـــ "القاضي شريح"."فـزينبُ شمسٌ والنساءُ كواكبُ ... إذا طلعتْ لم تُبدِ منهنَّ كوكبا". ينسب في الغالب إلى القاضي شريح في زوجته زينب بنت جرير، وهو يمدح جمالها وحضورها الطاغي الذي يغطي على غيرها، وقد استعار شطر البيت الأخير من قصيدة للنابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر.
"فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب".
ـــ قضى بحبسي في "زاويرا"((،سجن زاويرا هو موقع أثري وتاريخي يُعرف بأنه المكان الذي سُجن فيه النبي يوسف (ع) في مصر، ويقع تحديداً في منطقة سقارة قرب الجيزة. يضم الموقع بقايا سرداب تحت الأرض (السرابيوم) وغرفاً حجرية، ويُعد مزاراً سياحياً وتاريخياً يثير الاهتمام رغم الإهمال الذي طاله.))
ــــ "حصان طروادة ": أسطورة إغريقية ترمز للخدعة العسكرية، حيث بنى اليونانيون حصاناً خشبياً ضخماً اختبأ داخله جنودهم، وتظاهروا بالانسحاب ليدخله الطرواديون كـ"هدية"، ثم خرج الجنود ليلاً وفتحوا أبواب المدينة، مسقطين حصونها المنيعة التي صمدت لعشر سنوات
ـــ "يوم بعات" : آخر وأعنف معارك الجاهلية بين الأوس والخزرج في يثرب، وقع قبل الهجرة النبوية بنحو 5 سنوات. انتصرت فيه الأوس وحلفاؤها...
وغيرها من المفاهيم التي ارتقت بقصائد شاعرنا حد الألق والتي سأدرجها كالتالي
"غرناطة"/"ولّادة/ "الخنساء"/واد الملوك/ الإغريق،/ سوزاني."ابن خلدون" و"المتنبي"/"الباقلاني"يوسفَ" /"نفرتيتي" /"خوفو"/سوارُ كسرى./"زليخةُ" /"القادسية" /ِ "بن العاص"/"هولاكو/" "العراق."/"عمر/ "هوميروس"/"الأوديسة"/"عنترة"/" متردّم؟"/"المتنبي"/"عبقر"/ "هامانَ"/ "القسطنطينية"/"الحسناءِ والغول"./"جلجامش"/"الشافعيُّ"
ليس من السهل تطريز اللغة بتنويع مفاهيمي مكثف، إن لم يكن شاعرنا ممتلئ الجعبة، ويتوفر على العدة ...
ـــــ الإيقاع الداخلي والموسيقى الخارجية
قبل أن تكون القصيدة عروسا في كامل زينتها، وتخرج بحلتها المبهرة، لابد من شحنها بكل المقومات الشعرية، وتطريزها على الوجه الأكمل لغة وبلاغة وأسلوبا وانتقاء للمعجم، واختيار الصياغة الطروب التي تربك القارئ بإيقاعها الداخلي أو موسيقاها الخارجية، لتعزف نشيدها برنين حرفها بمفردها، ناهيك عن القافية وما تمتلكه أحيانا من رد الصدى بشكل قوي، وشاعرنا ضرب النوعين في العمق ودون تكلف ( ليسمو إلى تفكير جديد في الأنماط الفنية والثقافية) ص 56 كتاب / مساءلات جديدة للشعرية العربية / في ضوء الثابت والمتحول لأدونيس تأليف رضوان بن عربية ..
لا تَكْتُمِي سِرًّا كُنْتِ كاتِمَهُ
وأفْصِحِي بالحب وبِالغَزَلِ
أنا الّذي سُقْتُ كَلامًا حافِظَهُ
سَجِيَّةَ شاعِرٍ في الحُبِّ لم يَمَلِ
وقُلْتُ شِعْرًا كُنْتُ ناظِمَهُ
أبْياتَ مَدْحٍ، وَصْفُها كَالمَثَلِ
فالقافية هنا تقوم صوتيا على ر وي اللام، (قد جاءت لتآزر الحالة النفسية للشاعر، وهي الخروج من واقع ميؤوس منه إلى واقع أفضل مرغوب فيه) ص 70 /كتاب حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر / د. حسن الغرفي ..ولا يني الشاعر يطرب قراءه بالإيقاع الداخلي، والذي هو عبارة عن ترنمات موسيقية داخلية للقصيدة نفسها تعكس خلجات النفس التي يتلقفها المتلقي عبر صور هامسة مربكة، تضرب الوجدان دون إذن، تاركة وقعها بأثر فني لا يقاوم .. بالتكرار كما نلمس في هذه الشذرات:
تَكَلَّمي
فما عادَ الصَّمتُ لُغَتي
ولا ذَرَّةُ فِعلٍ تُغْريني
تَكَلَّمي
والتكرار ليس لملء فراغ تعذر على شاعرنا إيجاد المفردة المناسبة، وإنما هو أسلوب فني يعتمد البلاغة في إعادة الكلمات داخل جب القصيدة، لتقوية المعنى، أو لتأكيد الفكرة وتوضيح الغاية منها، أو لإحداث إيقاع داخلي يثير الانفعال، ويترك الأثر في المتلقي، ويتلون الأسلوب في فنون أخرى تجلب اهتمام القارئ كأنسنة الشيء وإضفاء عليه صفات وملامح بشرية كأنه إنسان ..
ــــ أنسنة القصيدة في طيف أنثى
يؤنسن شاعرنا القصيدة ويخاطبها وكأنها أنثى أمامه يدعوها أن تتكلم و تستمر ملهبة بجذوتها ولا تنطفئ ولا تحضن الحزن، يتعاطف معها متوسلا إليها أن تفسح المجال للحروف لتتناسل وتنطلق في الأجواء فراشات ملونة تبهر، فهي العذراء المقدسة التي تعلن البدايات، وتشعل النور في كبد الدجى، مطالبا إياها أن تحلق في ملكوت الله وتنشر سلام الخلد في نفس أضناها الصمت، كأنها بشر تحس تسمع وترى وستلبي طلبه :
يا جذوة الحب
حلقي في الملكوت
وانشري سلام الخلد
في نفوس
وأحيانا يرى القصيدة امرأة في حلة من البهاء، تتبختر في فساتينها فتجر رداءها المذيّلَ من القوافي، وعلى رأسها تاج تتباهى به والضفائر مكلّلة بجدائل حريرية من الحروف، وفي معصمها سوار صيغَ من ذهب الأوهام ..
رَأَيتُ القَصيدةَ اليَتِيمَةَ
تَجُرُّ أذيالَ المَعاني
على رَأسِها القَوافي
وفي مِعصَمِها
سِوارٌ مِن وَهمِ الأمانِ
لاحظوا هذه المتعة الفنية في تحويل شاعرنا القصيدة إلى امرأة تتغنج بحِليها متبخترة في أذيال اللغة، تتوهج بتاج الحروف على رأسها وتُلَوّح بأساور المعاني في معصمها، دقة متناهية الوصف في جلال الصور الشعرية، التي ركَّبها شاعرنا من كلمات متنافرة/ متباعدة لا علاقة لها ببعضها ليخلق انسجاما في حلة من الجمال ... وهذه الرؤيا لم تنزل وحيا على الشاعر ولا قرأها في كتب، أو نقلها من دواوين غيره، بل تمثّلها مما رآه في الواقع بعد تأمل فريد خفق له القلب، واهتز له النبض من خلال نظرة الشاعر الفلسفية للقصيدة في أبعادها الكونية والجمالية للحياة، وعلاقة القصيدة بما وراء الوصف الظاهر للواقع بالعين المجردة، من أجل كشف المجهول وبناء عوالم جديدة يسطع فيها الحب ليبدد الحزن والقلق، محولة المكفهر من الواقع إلى بقع ساحرة.. ولن يأتي هذا إلا بعد أن يخلو الشاعر إلى نفسه في سكون بهيمي للروح، تطوقه ربقة الصمت، ينصت لعمقه محاورا ذاته، ينبش في جذع اللغة عن فصوص الكلمات التي تشبع نهمه..
ما أجمل غرائب الكلام
مع سكون الروح
حين تسمع صوتا خافتا
في السحر
يتقاطع شاعرنا حسن ميري مع مطلع القصيدة (سَمِعتُ صوتاً هاتفاً في السَّحَر) لرباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي وغناء أم كلثوم، ومَن مِن الشعراء لم تكبده قصيدة معاناة السهر لحظة صفاء روحي ونوراني، ليعارك متعة سكون الليل واهتزاز المشاعر، وإنارة السراديب المعتمة بفانوس التأمُّل، والبحث في جعبته عما يُسْكِن صرير الحروف، لينجبها كاملة الأطراف جميلة الأوصاف يعشقها القراء ويلاحقونها فرادى وجماعات ليقتفوا أثرها ويستمتعوا ببهائها ..؟؟؟
ـــ أسلوب الحوار وتبادل الحديث
لقد امتهن شاعرنا فن القول بجميع أساليبه، موظفا ضمير الغائب وأحيانا المتكلم متعجبا تارة، متسائلا أخرى، ولم تغنِه رغبته القوية عن الحوار، ليتبادل رونق الحديث مع القصيدة ممزقا الصمت.. وما الحوار إلا مونولوج فردي يفصح فيه الشاعر عن أفكاره الداخلية ومشاعره ومواقفه مع نفسه، وما يدور في خلده من الخلجات وحرارة المشاعر، ومعاركه الداخلية مع أحلامه وما يرغب فيه بهدف كشف خبايا النفس وترميم تمزقاتها.. لاحظوا هذه المتعة الفنية الجميلة التي كلما امتصصتم ثليجتها وتذوقتم لوزها اللذيذ إلا وطلبتم المزيد ..
قالت وما يمنعك
أن ترحل فوق الغمام
وتجعلنا حروفَ لحنٍ جميلا
قلت ضللتُ عن درب القصيد
فما وجدتُ إلا سرابا
وغدى حلمي بين يدي قتيلا
هو صراع نفسي لتحقيق طموح في خُلد الشاعر عبْر قصيدة مكتملة يحول فيها المذموم إلى جميل، والقاصي إلى دان، والمجهول إلى معلوم، والناقص إلى مكتمل، رغبة التغيير الملحة تملّكَت الشاعر، لكن في غياب الأدوات والإمكانات يعيش أزمة نفسية خانقة لا يطفئ جذوتَها إلا سيلُ الشعر لما يعانق الكلمات ويشيد من القوافي ملاذه الفاتن، يحقق فيه ولو بالوهم حلمَه الجميل، يحملُ فيه للصبحِ أسراره وفي الريح يبعثرُ وجْده.. وهذا ديدن كل شاعر غَرِق حتى لِمّته في متاهات عوالم مأمولة..
5ــ ما أختتم به في آخر الأمر
الديوان(( أنين في مرايا الروح)) تنوع شعري خصب شكلا ومضمونا، لم تأت ثمرته من شجرة شاحبة، أو من هضبة جدباء، بل من عصارة أفكار وحدس وتأمل وانفعال وتوتر ومشاعر، وأوضاع موبوءة مقبلة من الواقع ، وهموم وقضايا إنسانية متفشية ( كان يدفعه إلى ذلك دافع داخلي نفسي ليبعده عن سحب أحزانه الكثيرة ) على حد قول الدكتور مسلك ميمون ص:80 من كتاب جدلية الشعر والذات في شعر إسماعيل زويريق
جاب شاعرنا بتأمله مناحي الكون انطلاقا من ذاته ككائن بخصائصه الشخصية ، مرورا بالقضايا والهموم الإنسانية القاهرة، وقوفا عند عوالم كونية وجودية متسلحا بحدسه، محلقا على أجنحة الخيال، باحثا عن التغيير/ وعن الاكتمال بوسيلة اللغة وحرية التعبير عن قلقه، للتخلص من صراعه المحتد مع ما يجب أن يكون مفروضا وفي نفس الوقت مرفوضا، وترميم الذات ورتق التمزق النفسي الحاصل، فطرَقَ عدة أبواب أخذت من اهتمام الشاعر حيزا كبيرا، تمثلها بأسلوب شيق ضارب في عمقه السهل الممتنع، ولغة ثرة متينة مشحونة باستعارات بلاغية وصور شعرية اعتمدت المجاز والترميز، تشاكس القارئ بما تعكسه من ألوان جذابة وكأنها سرب من الفراش..
****المصادر
ـــ،(( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)) (الإسراء/ الآية 85.
ـــ (كتاب أمشي كأني واحد غيري) /( قصيدة لا تنتهي) محمود درويش ص184 تأليف الدكتور نبيل منصر .
ـــ"مَلأَى السَّنَابِلِ تَنْحَنِي بِتَوَاضُعٍ.. وَالْفَارِغَاتُ رُؤُوسُهُنَّ شَوَامِخُ/ الشاعر العربي أبو طيب المتنبي.
ـــ التقاطع مع سورة المدثر (دثروني )/ القرآن الكريم.
ـــ (النبوءة والشعر) فكلاهما يحتضنان ما هو منزل من السماء /بحث الشاعر المغربي المصطفى فرحات.
ـــ ( مساءلات جديدة للشعرية العربية / في ضوء الثابت والمتحول) لأدونيس ص 56 تأليف رضوان بن عربية
ـــ (حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر) ص 70 د. حسن الغرفي.
ـــ القصيدة (سَمِعتُ صوتاً هاتفاً في السَّحَر) لرباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي وغناء أم كلثوم.
ـــ ظاهرة الشعر الحديث /السنة الثانية من سلك البكالوريا ص:204 / للشاعر أحمد المعداوي المجاطي.
ـــ ( أنين في مرايا الروح) للشاعر المغربي حسن مير .
ـــ (جدلية الشعر والذات في شعر إسماعيل زويريق) ص80: للدكتور مسلك ميمون.
ـــ قصيدة (أيتها المتخفية بين أقراط الزمن)/ مالكة عسال
كان بي شوق عارم لتسَلُّم ديوان (( أنين في مرايا الروح )) للشاعر المتخلق المتزن حسن ميري، ولما لم يسمح الظرف انطلت علي فكرة تناوله مخطوطا في انتظار الكتاب الورقي.. الديوان من تقديم الفاضل محمد محضار/ الرمح الأريب الذي لا يتخلف عن اقتحام المنابر والمجالس الشعرية، لتقديم خدمات جليلة للأدب والأديب، لنفض الغبار عنهما والرفع من شأنهما، ليصبحا في مصاف الأدب العالمي، في ظل غياب وزارة الثقافة التي من واجب عليها التعريف بالأدباء وتتبع جديدهم، وفي ظل إغماض بيت الشعر عينيه عن المنجزات الأدبية الجديدة للرفع من شأنها، وفي ظل تخلي الإعلام بجميع وسائله عن مواكبة الإشعاع الفكري واقتفاء أثر الجديد، وتشجيع الشباب على العطاء الفكري، حيث بقيت المهام موكولة إلى جمعيات المجتمع المدني لتولي الأمر ..
2ـــ العنوان عنصر من العتبة النصية
هو العتبة الأولى التي يضع فيها المتلقي قدمه قبل ولوج عوالم الكتاب واقتحام محتواه ومباشرته بالقراءة، فهو البوصلة التي تصحبه إلى حقوله والسير به بين ممراته، أو بعبارة أخرى هو المصباح اليدوي الذي يسلط الضوء على نصوصه المتفرقة ليتحقق التطابق معه كعنوان رئيسي .. فالعنوان كما يبدو لدى كل مبدع مصيبة عظمى في اختياره، قد لا يهتدي إليه إلا بعد صعوبة، أو قد يتركه حتى متمِّ المنجز خاصة إذا توخى منه تلميحا مدهشا يجذب القارئ، بل هناك من المبدعين من تخَلّوا على عنونة نصوصهم، بعدما أرهقهم العنوان الرئيسي للمنجز.. والعنوان الذي بين أيدينا ((أنين في مرايا الروح)) هو العنوان الذي اختاره شاعرنا حسن ميري، جملة تامة تتكون من أربعة ألفاظ، يتم إعرابها كالتالي : أنين / مبتدأ مرفوع ــ في /حرف جر ــ مرايا اسم مجرور بالكسرة المقدرة على الألف تعذرا وهو مضاف ــ الروح مضاف إليه / وشبه الجملة ( من الجار والمجرور) في محل رفع خبر المبتدأ.. هذا من حيث المبنى الإعرابي.. ومن حيث المعنى اللغوي، فالجملة صيغت بأسلوب غير مباشر في علاقة بلاغية خصبة جمعت الألفاظ المتباعدة التي تفصل بينها حدود، لتخلق جملة جميلة ممتعة، يمكن أن نحللها كالتالي (أنين) صوت رخو مهموس يصدر عن الإحساس بالألم أو الوجع، نقول أنين مريض/ أنين حزين، / أنين شاكٍ بضرر ما، وأحيانا قد يدل الأنين على صوت صادر من بعض عناصر الطبيعة كرمز أو إيحاء لحفيف الورق، أو خرير المياه، أو طنين النحل، أو هدير عاصفة، أو هزيم الرعد.. لكن في الغالب الأنين هو التأوه من شيء ضار وغير محمود.. ولفظة مرايا يعرفها الجميع مفردها مرآة /جسم مادي ملموس، عبارة عن صفيحة من الزجاج مصقولة تعكس صورة الشيء الذي أمامها، نستعملها للتزيين أو لتسوية هندام، أو للحلاقة.. ومفردة (الروح) هي النفس/ أو الجوهر، خَفية وغير مادية لا تظهر أو ترى بالعين المجردة، لا يعلم كنهها إلا الله (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء: 85) والتي تخبَّط في شعابها كبارُ العلماء لمعرفة أسرارها ولم يصلوا إلى أي شيء، والروح هي حياة الكائنات البشرية والحيوانية، ويُمكن أن نطلقها حتى على النباتات.. إذاً كما نلاحظ المفردات جميعها لا علاقة للواحدة بالأخرى من حيث المعني / ألفاظ تدل على أشياء مادية ملموسة وأخرى خفية لا تُرى بالعين.. وإذا تمعنا في الجملة ككُل (أنين في مرايا الروح) نحس بشيء ما يدغدغنا لطرح سؤال أو أسئلة/ هل المرايا تئن؟ هل للمرايا حنجرة؟؟ هل لها فم حتى تحدثَ أنينا؟؟ هل للروح مرايا ؟؟ والسؤال الأكبر الرئيسي هو ما علاقة الأنين بالمرايا وما علاقة المرايا بالروح؟ ولكن الشاعر بلمسة التمرس والحنكة جمع بينها في علاقة مجازية ترميزية شمولية، لتخلق صورة شعرية جذابة يُبيّن من خلالها ما يتصدع في الداخل، وما تعج به الذات من آلام، وما يمتلئ به العمق من أوجاع حبيسة القفص الصدري، وتحضرني مجموعة الأديبة المغربية زهرة رميج في تقاطع بهي تحت عنوان (( أنين الماء)) التي ترمز بها إلى الأوضاع المزرية والضياع والتيه والمعاناة..
3ــ المحتوى والمتن الشعري
محتوى الكتاب هو جوهر المادة المكتوبة/الشعر لدى الشاعر حسن ميري، ويشمل الأفكار والآراء، والمعلومات التي يعرضها المؤلف في نصوص شعرية رتبها في تنسيق بهي بين دفتين بعد أن اختار لهما الألوان واللوحة، وكل العناصر المطلوبة والهادفة.. وتعددت ثيمات المحتوى ومواضيعه في تنوع خصب، نهَل شاعرنا حسن ميري بعضَها من الواقع، واستمد غيرَها من الهموم الإنسانية، وأخرى اجتباها من تجاربه الشخصية الذاتية وما اطلع عليه من تجارب الغير، تترجم بشكل أو بآخر وعيَ الشاعر وأحاسيسه وتأملاته وأفكاره، ليشاركها مع قرائه.. ومن بين الثيمات :
ـــ توحد الشاعر مع الشعر حد الذوبان
يتحدث شاعرنا حسن ميري عن اللحظة التي يختلي فيها إلى نفسه بشكل شيق، فيغمره الطوفان الشعري وهو يحاور الذات في صمت رهيب وتأمل فريد، يعاقر الكلمات بحثا في الزوايا الدامسة التي تحيطه، عن نبراس ضوء يضيء العتمة المفرطة، ولا تخرجه منها إلا الأحبار والصحيفة البيضاء والأقلام، لمنازلة القصيدة التي أوقعت الشاعر في كمينها وأرغمته على أن يكتبها، حيث كانت تتمنع في بادئ الأمر، لكن وعلى غفلة منه تأتيه طيعة مطأطئة الرأس...
كُنْتُ أَتَّبِعُ المَعْنَى،
وَصَوْتِي يَتَعَثَّرُ بِالحُرُوفِ،
أَبْحَثُ عنِ اسْتِعارَةٍ وَمَجازٍ،
فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ هذِهِ القَصِيدَةِ.
وليس هذا فحسب بل صار شاعرنا جلوازَ القصيدة يحرسها في معبد الشعر، يقتفي أثر المجاز، راكضا خلف عمق المعنى وغور الدلالة، يشعل فوانيس حروفه لتتقد جذوتها في روح المتلقي، ولعشاق الحرف يقيم الصلاة؛ فشاعرنا حسن ميري يسرد لقرائه كيف يُنَضّد بوحَه على الورق من عمق القلب بصدق، وما تستدعيه الخلجات النفسية، وما يحس به من وجع ويساوره من ألم...
أنقش كلماتي
بمداد النزيف
وأعصر من وجعي قافية
ومن خلجاتي وزنا
حين ينتاب شاعرنا حسن ميري القلق و يقتنصه شَرَك التوتر، ينقب في لغة مفقودة ليُحكِم القبض على الدلالة مستدعيا ما امتلأ به جرابه؛ ولما تجتاحه نوبة البوح يركض بين ظلال الغموض ورحابة اللغة، باحثا عن المعنى في قلب المجاز، فيُسرج خيول الحروف العنيدة راكضا في ميدانها الفسيح، ثم ينهال على البياض بعدته الشعرية ليرصع سبيكة القصيدة بفصوص مشكلة بجميع الألوان، فيَخلق لوحات وهّاجة وكأنها بريشة فنان تشكيلي؛ فالشعر إذا قدره ومعبده يسكن شاعرنا حسن ميري كالجن الأزرق ليؤكد لنا أن أي شاعر لا يكتب من فراغ، بل لابد من هزّة نفسية يستدعي التر التراكمات وما لملمه من ثقافة الأسلاف، وما عاينه وعايَشه من قضايا مؤلمة، وهموم إنسانية مقبلة من المحيط، وما يأمله ويحلم به أن يكون على أنقاض ما هو كائن، بالإضافة إلى الموهبة ( لا تكفي النية في كتابة الشعر بل لابد من شحذ هذا الشيء الغريب المسمى موهبة أو إلهاما بالتجربة المعمقة) على حد قول (نبيل منصر) ص184 / كتاب أمشي كأني واحد غيري /محمود درويش قصيدة لاتنتهي
فمن خلال هذه العناصر كلها وبُعْد تصوره العميق ينسج شاعرنا قصائده عبر مراحل متلاحقة، تبدأ بالكتابة والتشطيب حين لا يقتنع بما بين يديه، ثم مرحلة التنقيح والتصحيح بكل ما تعنيه الكلمة من صقل اللغة وانسجام مفرداتها وعدم شحنها بالفائض الذي لا يؤدي أي معنى، وتشذيبها من الدودة الزائدة حتى لا تشوش على القارئ، وأخيرا مرحلة الاقتناع بجودتها والاطمئنان إليها لتقديمها إلى القراء .. وقد تتراوح القصائد ما بين السهلة الطيعة التي تستغرق وقتا قصيرا لا تتجاوز يوما واحدا، ومنها التي تستعصي على الشاعر فتكلفه مدة أطول تدوم أسابيع أو شهورا، ومنها التي تتمنع ما يدفع الشاعر إلى تمزيق المسودة والنهوض قلقا إلى إشعار آخر.. وشاعرنا حسن ميري لما دخل غابة الشعر، تاه في رحاب دوامة لا مخرج لها، لم يعد يميز فيها نفسه من بين الكائنات، فتأبط بوْصلة الأقلام ليضيء المعتم من السراديب، حتى يلوح له منفذ..
اكتبيني
بلا عنوان بلا هُوية
لا أنكر أن لي بطاقة فنان
مجهول المستقبل
(( قصيدة /اقلام ماجنة ))
تأمل عميق للذات الشاعرة في واقع اكتنفته أسرار مبهمة، أمَمٌ تتبجح بالقوة تجُر البساط من تحت أخرى ضعيفة، وشرذمة من البشر تُحكِم قبضتها على السُّلط تطأ بنعالها أخرى، فتسلب منها كرامتها وحقوقها، و مَن يحاول أن يعبر أو ينتقد، أو يضع إصبعه على الحقيقة، أو يكشف الغطاء عما يجري في الكواليس، فلينتظر السوط يتبعه حتى عتبة بيته..
ـــ تواضع الشاعر رغم علو كعبه
فشاعرنا حسن ميري عرفه زملاؤه ذاك الرجل المتزن الهادئ الذي لا يتسابق على المنابر، والذي يخاف من الغلط ، بل ويرعبه ارتكابه بعض الزلات أو الأخطاء، يتحاشى كل ما يسبب الألم للآخرين أو يغضبهم .. يكتفي بقدراته الشعرية التي بين يديه ولا يبحث عن الأضواء، يمارس شغبه الشعري الجميل تحت الظل، وبكل تواضع يكشف حقيقة نفسه أنه ليس مكتملا، ولا هو نور ساطع في الأ عالي ولا هو قديس، ولا هو وليّ صالح، بل بشر قد يخطئ ويصيب، أو بلغة أخرى هو مجرد غيمة أتت بها الريح فهطلت لتسقي الأراضي القاحلة،..
فلست قديسا ولا وهجا مقدسـا
أنا بشر يخطئ ويصلح ما بدا لي
فشاعرنا ينحني تواضعا، لأنه ممتلئ وفي جعبته الكثير، ينطبق عليه البيت الشهير (مَلأَى السَّنَابِلِ تَنْحَنِي بِتَوَاضُعٍ.. وَالْفَارِغَاتُ رُؤُوسُهُنَّ شَوَامِخُ) للشاعر العربي أبو طيب المتنبي ..لا يريد أن يكشف نفسه تحت هالة من الغرور، ويرفض تماما ركوب صهوة الأنانية ليقول ها أنا، بل يفضل أن يترك الأمر لعمله الشامخ فهو الذي يقدمه، ولأخلاقه الفاضلة هي التي تُلبِسه ثوب الطهر والنقاء والانسجام مع نفسه ومع مَن حواليه، مؤمنا أن المرء الذي يعلو نجمُه هو من يسمو بعمله، ويرتقي به باحثا عن الأفضل بمثابرته والمواكبة دون توقف، وأن يكون العمل هادفا يخدم الإنسانية ويترك الأثر.. هذا النوع من العمل هو الذي يُتوّجه ويُجلسه على عرش الخلود ...
ــ الشعر عصارة التأمل للحياة والكون
لا يمكن لأي شاعر أن يقول لنفسه كن شاعرا فيكون، وإنما التأمل الثاقب للكون في بعديه الإنساني والطبيعي ومصير كل منهما، بالإضافة إلى ما يملكه الشاعر من حذلقة وعدة شعرية لغوية وبلاغية والحنكة والتمرس في الصياغة، وشاعرنا كغيره لم يأته الشعر طيعا بلمسة زر، ولا بحثا عن اللقب، وإنما بتأمله للوجود ومصير الإنسان الذي سيؤول إلى التراب، حيث سيواجه عاقبته في ظلمة القبر بمفرده بعد أن ترك أفراد عشيرته وقبيلته ومحبيه، ثم لايني يخاطبه أن العمر مجردُ رمشة عين ويسير نحو العدم .. يقول في قصيدة / مهلا :
ألم تر كيف يتحول الكائن
إلى غبار في ليل الأجداث
وكأنه بذلك ينصحه وينبهه إلى الصحو من غفلته، ومن تيهه في فِتَن الدنيا ليدرك أن العمر ينسرب كالماء من بين الأصابع في غفله منه وهو لا يدري.. ..فالشعر أصبح أداته التي تخفف عنه من ألمه، واستوطن مهجة الشاعر بلا حدود، حتى أصبح يعتقد أن كل ما حوله شعرا، لقّبَه بالقداس يدخل معبده ناسكا متعبدا فيقيم الصلاة في محراب الخلود، ويشعل الشوقَ في المجاز، ثم يوجه خطابه إلى القصيدة وكأنها أنثى فيراها القصيدة المعلقة التي لم يهتد إليها الشاعر، الأنثى المعشوقة ليطفئ بوَصْلها نار عشقه اللافح، فيستعيد فيها شتاته، ويرتق تمزقه الحاصل، وينتعش بلذيذ الكلمات في حضرة معشوقته، والتغني بنشيد الولاء لها ..
تعالي
نُقيمُ صلاةَ العشقِ
في محرابِ الخلود
نُشعلُ الشوقَ في المجاز
فهو يدعوها لمعبد الشعر/ الخلوة الموقرة، التي يداوم فيها التحليق على أجنحة الخيال، لينشدا تراتيل الروح على البياض، ويحول تأمله وبُعْد نظره وما يأمله نبضُه ويرجو إلى كلمات، فتبرد نار المُتيَّم عشقا حين يلتقي الخافقان ...فإذا ما تمعنا في معجم هذه القصيدة نلمس أن أغلبية ألفاظها تنحني لما هو شعري وتعبدي : الخلود / قداس الشعر/ نبضي/ المجاز/ حروفي، أي تُزاوج بين الشاعر والمتعبد، بل تضعهما في كفة واحدة، فلا فرق هنا بين الشاعر الشغوف بالشعر حد الذوبان الذي يتعلق بقصيدة منتظرة ليقلعها ندفة ندفة من مباطن المجهول، وبين ذاك الناسك المتعبد المتعلق بخالقه، الذي يقيم مناسكه في خلوته لإرضاء خالقه ..
تعالي...
لقدّاسِ الشعر
ونُنشدُ تراتيلَ الروحِ
ــ من قصيدة (انصهار)
فحين يبلغ الإلهام ذروته، ونعجب بفتنة هذه الهبة المسماة شعرا وتلهب دواخلنا، لابد وأن تَختلس منا حقها بالتغني بنعمتها، هذه البوصلة الراقية التي تخرجنا أحيانا من طامة الضيق لنتوسع في مجالها، ومن قبو القمع لنسمو بتعبيرنا على أبراجها عما يشطح في دواخلنا، ولا يفوتني أن أذكر شذرات من قصيدتي (أيتها المتخفية بين اقراط الزمن ) التي وصفت فيها قصيدتي ب(شهر زاد عشيقتي)، و(أنا شهريار عشيقها) أطاردها وهي تتغنج وتتمنع وكلما اقتربت منها تبتعد... إلى متم القصيدة أقول :
تعالي عشيقتي
استحمي في ماء عيني
تمطي فوق جبيني
تفاحك مالح وعشقته
فالشعر هو تلك القبة الزجاجية التي تحمينا من طلقات الزمن الرصاصية، بل هو ماء الحياة، الذي يزرع فينا الروح لما تصل إلى رمقها الأخير لتتجدد وتنتعش .. والشاعر كالطائر الحر الكونُ كلُّه ملك له يحلق أنًّى شاء، لا أحد بإمكانه إجباره على المكوث في مكان محدد، أو إرغامه على التعبير حول موضوع معين، أو الكتابة تحت الطلب، فإبداعه ليس للمساومة، ولا يباع ولايشترى، ولا يخضع لإملاءات أو أوامر، ولا يُقيَّد بميزان أو يخضع لقاعدة ..
حروفي لا تخضع للضبط
ولا تركع في محراب القوافي
ـــ إلهام الشعر كوحي النبوءة
فالإلهام كما النبوءة لا فرق بينهما، وحتى يوضح شاعرنا حسن ميري لقرائه أكثر، استنجد بهم ليدثروه من آفة الشعر التي كبدته المرارة، لما أدركته وامتلأ بها، في ظل عدم الاعتراف بقوة الكلمة و فلْقِها القشرة عن الحقيقة، وأهداف الثقافة من أجل بناء الأمة والإنسان يقول :
دثروني بدفءِ الحرف
فما عادَ عيشُ القصيدةِ
يُستدفأُ به من بردِ المشاعرِ
وسطَ صقيعِ اللامبالاةِ
خوفٌ ضمني محتشد اجتاحت عاصفته الشاعر وجعلته يتماهى مع قصة الرسول صلى الله عليه وسلم، لما نزل عليه الوحي بغار حيراء في بدايته، وجاء إلى زوجته خديجة يرتعد خوفا وقال لها زملوني / زملوني أي غطوني ودثروني طلبا للدفء لما سرت قشعريرة باردة في بدنه خوفا؛ وليزول عنه الرعب طمأنته خديجة فنزلت سورة (المدثر) ،( يا أيها المدثر وقم فأنذر ...) صدق الله العظيم .. فالشاعر لا يختلف عن النبي كما جاء في بحث الشاعر المصطفى فرحات،( فكلاهما يحتضنان ما هو منزل من السماء النبوءة والشعر)؛ وشاعرنا لمْ تفزعْه هُمَزة الشعر بقدر ما أرعبته لُمزة اللامبالاة، خاصة لما يتحمَّل الكاتب عبْء نشْر عصارة دماغه والمؤسسات الثقافية التي يرجو بركتها في سبات عميق، لا تلتفت إليه ولو بكلمة في الموضوع، وكذلك لما يبقى المنتوج الأدبي حبيس الرفوف، ولا تبرمَجُ منه نصوصٌ في مقررات النشء ليبتلوا بعدوى الإبداع.. ومع ذلك مازالت لهفة الشعر تطرب شاعرنا حسن ميري، وله أمل الاستمرارية وعدم العودة إلى الوراء ، أو إلى القهقرة، راكبا صهوة التحدي والمواصلة مواجها انتصاب القمم الشاهقة وقسوة النتوءات المعترضة، من أجل الارتقاء بشعره حتى آخر المطاف، فشوكة الإبداع انغرست في العمق وانتهى الأمر، ولا عائقَ أو عثر يستطيع إقلاعها ..
ــ استدعاء التذكر في جلال الحاضر
يوجه شاعرنا خطابه إلى (الأنت ) ضمير المخاطب بصيغة المتكلم بطريقة مضمرة وغير صريحة، يركض خلف الحقيقة سالكا الكهوف والأغوار بقممها المنتصبة، وفجاجها الوعرة للقبض على المأمول الهارب، يفك خيوط الأسئلة الملحة المتشابكة، فيصطدم بجدار من سراب يهوي به إلى الدرك الأسفل لمّا تفتقد الأسئلة الإجابة..
كم شققت من دروب مظلمة
ترجو بها الغاية المواربة
أما زلت تبحث عن أنماط جديدة
ولا تثنيه ريح البحث في بطون التيه عن منفذ يؤدي إلى مرفأ وضيء، ليصل مبتغاه وتنتهي الأتعاب، ولكنها مجرد هواجس تعكس الصراع النفسي للذات الشاعرة بين ما تحلم به ككائن طموح يسعى إلى التغيير، وما يعتريه من تعقيد يستحيل معه تحقيقه، مجسدا الذكريات العصيبة التي مرّ منها، وما ساورته من مِحَن لتحقيق ما ترغب فيه النفس، لكن بأسلوب التخفي وعدم المباشرة.. وأحيانا أخرى يتحدث شاعرنا حسن ميري بالمباشر موظفا أسلوب المتكلم ليصف لنا حاله في هدأة الليل لما تتفاقم أسئلة قادمة من بعيد، يستعصي عليه إيجاد جواب لها، فيعيش في صمته الرهيب وسكون الليل المخيم، بين وجع الذكريات الملحة والحلم وعدم التعبير عنه، رغبة في استراحة محارب ليعود إلى البحث عن الجديد، غير أن القريحة الأمّارة بالتنقيب والعطاء لم ترحمه مما جعله يندم..
بات الليل يساومني
بتفاصيل من ماض بعيد
والنجوم تنتظر ردّي
على أسئلة بلا بريد
ـــ الوحدة والغياب في النفس
الشعر سوسة تغرد بين الجلد والعظام، حين تتوغل لا تكبحها رادعة، ولا تزجرها عن توغلها مانعة، تسري ببرود مع الدم في العروق حتى تبلغ النخاع، فتصيب الشاعر بعدوى شعرية يركبُه معها السعار، ولما تنغرس شوكته بعمق يمسك ناصية طريقه دون توقف، أو العودة إلى الخلف، فتمتلكه عادات وقواعد غريبة لم تكن له من قبل، فتراه في الحافلة أو السيارة يستدعي عوالم ترفعه إلى السموات السبع حد الإغماء، يحاور نبضه/ يحرك مشاعره/ يختبر حدسه/ يستشير ذهنه في عزلة مطلقة لا ينتبه إلى ما حوله حتى ولو كان وسط الجماعة.. وشاعرنا حسن ميري كغيره من الشعراء ابتلِيَ بهوس الشعر حد النزف لما اجتاحته عاصفته دون علم، فتعاهدا على ميقات غير معلوم لا يعرفه سواهما، ومنذ وقتها ركب بوصلة السهاد والانزواء في خلوته، يهامس أفكاره على إيقاع نبضه وحفيف وحدته..
أيتها اللعينة،
كيف تسللتِ إلى الفؤاد
دون مراعاةٍ للمكان؟
كنتُ أرتّب صمتي
على رفّ الكتمان،
فشاعرنا لا يدري والباب موارب من أي شق اقتحمت القصيدة خلوته في عز الليل ـــ والهدوء لا تخترقه إلا أضواء، و نوارسه وحمامه لا تشعُر بما يزعجها ـــ كيف جلست على كرسي الإلهام تجدل المعاني وتنسج المجاز، وتنضد حبات حروفها في خيط لؤلئي براق؟؟؟ .. وصْفٌ دقيق للحظات الشعرية التي يُدمِن فيها الشاعر الخلوة وسيل الشعر يتدفق منهمرا؛ فليست الخلوة أن يكون المبدع بالضرورة منفردا ومُغلَقا عليه، وإنما الخلوة لما يتحد الشاعر مع فراشات الشعر وهي تتراقص أمامه ليقبض عليها في نسيج شعري مبهر..
ــ العشق الصوفي وحرارة الشوق إلى الأنثى
مهما كان الشاعر مهتما بقضايا الإنسان في شمولها، ومكترثا بالكون بأسئلته الوجودية الجامحة، ومهما عُنِيَ بمصيره الحتمي، لا يُغنيه محموده عن أن تتسلل مشاعرُه صوب الأنثى/ المرأة في حلة غزلية ناعمة وجذابة، جرّه إليها الحنين حين لاحت على شاشة الذكرى بعضُ أشرطتها الجميلة، وتركت في عمقه خصالا نبيلة، أو وشمَت داخلَه فضائلُ مميّزة للمحبوبة، فطفقَ يخاطب أنثاه مستحضرا اللحظات الأولى مع معشوقته على مائدة الأمل، مشتاقا إلى عطر ضفائرها، مادّاً لها يده مفروشة بتحيات الورد ونسائم الود، مناشدا الله ألا تقطع وصله، وهو العاشق المتيم :
أُنشِدكِ الله…
لا تقطعي وصلَ متيم،
ولا تهجري الحب الذي سقيناه فينا.
مستعطفا إياها ألا تتركه فريسة للأحزان الكافرة، بعدما لملما شتاتهما ليحلما من جديد بما يُسعِد روحيهما ويسر قلبيهما، لأنه لم تعد له قدرة على الصبر ولا تحَمُّل الهجر من جديد، الذي يكبده أحزانا بحرارة لا تطاق، متضرعا إليها أن تترفق بقلبه الذي احتضنها.. ومن الأنثى إلى بعض الظواهر الاجتماعية التي شغلت باله..
ـــ هجرة الشباب وعرضتهم للغرق
ومن ضمن القضايا التي هزت أرجاء شاعرنا حسن ميري وفجرت إحساسه، هجرة الشباب الذي تعدمهم أمواج البحر دون ذنب مرتكب أو جرم غير مغتفر، فقط بحثا عن لقمة عيش يسدون بها رمق عوَزِهم، فيشخص الواقعة بأسلوب فني جميل لما تتشظى الموجة وتفتح أبواب الموت وتنشء مقصلة العدم فيفتضح الأمر، وينتفض الزبد ليقاوم الغرق، وزرقة المياه تتوارى خلف الصخب ولا من يعيد هيجان البحر إلى سكونه، والريح شاهدة على النازلة تقرأ سفر الغرقى ..
والريحُ تقرأُ سفرَ الغرقى
بصوتٍ مبحوح
كأنها تبشّرُ بالمحو،
أو تفتحُ للهاويةِ باباً
لا يُغلَق.
تعبير غير صريح مطرز بما هو ترميزي تخييلي مطلق متخطيا وجه التحديد، لتصبح القصيدة عالمية تُثارُ في أي زمان ومكان، وهذه من براعة الشاعر وقوة أسلوبه وحنكته المتمرسة في انتقاء اللفظ والصياغة المُتمكِّن منها، ليخلق لوحة فنية درامية تلهب الألباب..
ــ فقدان الثقة وعدم تصديق الوعود الكاذبة
فالشاعر حسن ميري تعود على أسلوب الصدق في حياته/ في تعامله /في سلوكه /في وعوده، استقاه من تربيته السديدة، وما تعَلَّمه من تجاربه وتجارب غيره، فأدرك حقائق الأشياء، وعَلِم أن المبادئ الصحيحة مقوماتُها التفكيرُ والاستدلالُ وتركيبُ التصوُّرات الهادفة والبناءة، والتصديقات بكل ما تعنيه الكلمة من حكمة ودقة وتعقل، فربى نفسه ودربها عليها، ولم يعد قادرا على مجاراة أساليب الرياء والبهتان ولا تصديق الوعود الكاذبة، أو الثقة في الإملاءات الفارغة، أوالاطمئنان إلى الشعارات الماكرة، فانسحب من منبر الكلام الذي لا يأتي بنتيجة، مُعلِنا رفضه للهراء غَيرِ خَاضِعٍ لِلمَنْطِقٍ.. ومن وجهة أخرى يعترف الشاعر بالواضح أن الكلام في هذا الزمن لم تعد له آذان مصغية، خاصة إذا كان يدل على مطلب، أو يكشف عن حقيقة، أو يصدر عن نبش ثاقب في جوهر الأشياء، فإنه يُجابَه بالتغاضي إن لم نقل بالرفض..
قلت
قلت لا
وألْفُ لام على الكلام
ما عاد يغريني البهاء
الملفوظ في الحروف
ـــ القضايا وهموم الإنسان
لقد اختزل شاعرنا العالم في هذا الديوان، فكما وهب لنفسه مساحة ليُطلع قراءه على لعنة الشعر الظريفة التي سكنت عفاريتُها سحنتَه، وما يعانيه من معارك لمواجهة القصيدة العنيدة، وسَهَره ليالي منزويا /متأملا /معتكفا/ مستفسرا يحاور الذات والزمن ومناطق المجهول حول الانتظار الذي طال ،وضيَّع عليه لحظات من عمره هدراً، وما الانتظار إلا ما يحلم به الشاعر/ المأمول الذي يسعى إليه جاهدا للقبض عليه / الغد المشرق الذي تتغير فيه الأوضاع ويتمتع فيه الإنسان بالعيش الكريم وكافة الحقوق الإنسانية :
حدِّثيني
عن غيابٍ أسرعَ إليه النسيان
عن انتظارٍ أحرَّ من النار
عن لحظةٍ ضاعت
بمقدار حديثٍ.
ولم يدخر الشاعر جهدا حول هموم الإنسان برمته /الشباب الذين يغادرون وطنهم بحثا عن مورد الرزق، والذين يعلق عملهم في مشجب الريح بشهاداتهم، فيسقطون ضحايا العطالة، والذي يرمز إليهم بنوارس تغادر أعشاشها، والأطفال الذين تصطادهم خيبات الحروب ولإهمال وعدم الاهتمام، والشيوخ الذين يقضون زهرات أعمارهم في تقديم خدمات جليلة للوطن فيستهدفهم النسيان واللامبالاة في خريف العمر وكأنهم لم يساهموا في الاقتصاد، والفقراء الذين يُعوزهم الحصولُ على لقمة العيش، والمشردون المتسكعون في الشوارع والطرقات.. هذه الظواهر المستفحلة تختزلها قصيدة (( ليلة الزفاف)) بطرق انزياحية ترميزية يخاطب فيها الشاعر خيال القارئ وفكره ..
4ـــ الجانب الفني ومواطن الجمال
أي شاعر لا يباشر بإخراج منجزه الأدبي في مضمومة مهما كان نوعه شعرا أو سردا أو مقالات إلا بعد تصميم فني يعبق بالجمال شكلا ومضمونا، ليسلب لب القارئ، فيختار اللون المناسب لغلافه، ويصطفي اللوحة اللائقة، وينتقي العنوان الملائم؛ ومن حيث المضمون يتعب الشاعر في البحث عن عناصر الجمال من إيقاع وموسيقى وخيال وتصوير بكل ما تتطلبه بلاغة اللغة من متانة وجمالية الأسلوب وتنويعه للتعبير، وشاعرنا حسن ميري أثرى الديوان شكلا ومضمونا مما جعله يجذب المتلقي من أول نظرة ومن أول اطلاع..
ـــ البلاغة اللغوية ومتانة الأسلوب
شاعرنا حسن ميري موسوعة كبرى، نهل معجمه من كنوز ومشارب ثقافية متنوعة عميقة، فكوَّن لغة حصيفة ثاقبة، تشبعت بما هو مجازي وترميزي وأسطوري وتراثي، وأدبي، وتاريخي، وفلسفي، ( يشتق لغته من طبيعة التجربة التي يعاني منها، ومن مفهومه الخاص لدور اللغة في عملية الإبداع الشعري ) ص:204 /كتاب ظاهرة الشعر الحديث /السنة الثانية من سلك البكالوريا / للكاتب أحمد المعداوي المجاطي ؛ فتعمَّقَ في بحورها حد التخمة بما تعنيه البلاغة من معنى، ومن سِلالها الممتلئة انتقى مواطن الجمال ليطرز قصائده ويعمق دلالتها بما يلهب العقول ويدهش النفوس، للوصول إلى كنه الأشياء وجوهرها بتراكيب لغوية، تعزف على أوتار الدهشة واللذة النفسية لدى القارئ النموذجي قافزا عن المعتاد؛ ولأوضح أكثر سأجرد بعض المفاهيم القوية التي تستدعي من القارئ البحث ليستوعب معانيها وقَصْدَ الكاتب في توظيفها :
ـــ تآخت الأحلامُ عند مشارفِ "إليوس"، ((وإليوس هي العلامة التجارية الرائدة في مصر في مجال صناعة لمبات الليد عالية الجودة وأدوات التوصيل والإكسسوارات الكهربائية))
قصيدةٌ منحوتةُ الخيالِ
تُضاهي فرسانَ الشعرِ
بين "مجنة" و"ذي المجاز".((مجنة وذي المجاز هما من أشهر أسواق العرب التجارية والثقافية في الجاهلية وصدر الإسلام، وتقعان قرب مكة المكرمة. تأتي مجنة في العشر الأواخر من ذي القعدة بمر الظهران، بينما يقع ذي المجاز خلف عرفة ويُعقد في الأيام الثمانية الأولى من ذي الحجة، وكلاهما شهد نشاطاً تجارياً، ثقافياً، ودعوة نبوية))
لم تبلغْ عكاظَ مقامًا،
ولا قصدتِ التماهي مع القوافي.
هناكَ شاعرٌ يكبرُ في وهج الانصهار،
يسرعُ الخطوَ نحو "المهلهل"(( هو الشاعر عدي بن ربيعة الملقب ب "المهلهل" لأنه أول من رقّق أسلوب الشعر، فجعله سهل اللفظ رقيق المعاني.
ـــ وحكاياتِ "الفردوس المفقود".((الفردوس المفقود (بالإنجليزية: Paradise Lost) ملحمة شعرية للكاتب الإنكليزي جون ملتون كتبها في عام 1667. في عشر كتب وتبعها الطبعة الثانية عام 1674 ...
ـــ وحاضرٍ تسكنه أحلامُ "ديزني"((.شركة والت ديزني والمعروفة باسم ديزني هي إحدى شركات وسائل الإعلام والترفيه في العالم.))
ـــ"هاري بوتر"، هاري بوتر هو شخصية خيالية في سلسلة من سبعة كتب للكاتبة البريطانية جوان رولينغ التي تحكي حكاية الصبي الساحر هاري بوتر، منذ اكتشافه لحقيقة كونه ساحراً، وحتى بلوغه سن السابعة عشر، فتكتشف ماضيه، وعلاقاته السحريّة، وسعيه للقضاء على سيد الظلام لورد فولدمورت.
في عزِّ الليلِ بانَتْ سعادُ، (التماهي مع قصيدة كعب بن زهير )
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ
مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُجزَ مَكبولُ
ـــ بحورِ "الفراهيدي".
ـــ "كورسو كومو" ((10 كورسو كومو هو مجمع تسوق وطعام في ميلانو، إيطاليا، مبناه الأصلي في ميلانو، يضم مساحة عرض ومكتبة ومقهىو حديقة وبوتيك وله فروع دولية في طوكيو وسيول وشنغهاي. يجمع بين المنافذ التي تعرض وتبيع الأعمال الفنية والموضة والموسيقى والتصميم والمأكولات والثقافة. تأسس في عام 1990 على يد صاحبة المعرض والناشر كارلا
ـــ "القاضي شريح"."فـزينبُ شمسٌ والنساءُ كواكبُ ... إذا طلعتْ لم تُبدِ منهنَّ كوكبا". ينسب في الغالب إلى القاضي شريح في زوجته زينب بنت جرير، وهو يمدح جمالها وحضورها الطاغي الذي يغطي على غيرها، وقد استعار شطر البيت الأخير من قصيدة للنابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر.
"فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب".
ـــ قضى بحبسي في "زاويرا"((،سجن زاويرا هو موقع أثري وتاريخي يُعرف بأنه المكان الذي سُجن فيه النبي يوسف (ع) في مصر، ويقع تحديداً في منطقة سقارة قرب الجيزة. يضم الموقع بقايا سرداب تحت الأرض (السرابيوم) وغرفاً حجرية، ويُعد مزاراً سياحياً وتاريخياً يثير الاهتمام رغم الإهمال الذي طاله.))
ــــ "حصان طروادة ": أسطورة إغريقية ترمز للخدعة العسكرية، حيث بنى اليونانيون حصاناً خشبياً ضخماً اختبأ داخله جنودهم، وتظاهروا بالانسحاب ليدخله الطرواديون كـ"هدية"، ثم خرج الجنود ليلاً وفتحوا أبواب المدينة، مسقطين حصونها المنيعة التي صمدت لعشر سنوات
ـــ "يوم بعات" : آخر وأعنف معارك الجاهلية بين الأوس والخزرج في يثرب، وقع قبل الهجرة النبوية بنحو 5 سنوات. انتصرت فيه الأوس وحلفاؤها...
وغيرها من المفاهيم التي ارتقت بقصائد شاعرنا حد الألق والتي سأدرجها كالتالي
"غرناطة"/"ولّادة/ "الخنساء"/واد الملوك/ الإغريق،/ سوزاني."ابن خلدون" و"المتنبي"/"الباقلاني"يوسفَ" /"نفرتيتي" /"خوفو"/سوارُ كسرى./"زليخةُ" /"القادسية" /ِ "بن العاص"/"هولاكو/" "العراق."/"عمر/ "هوميروس"/"الأوديسة"/"عنترة"/" متردّم؟"/"المتنبي"/"عبقر"/ "هامانَ"/ "القسطنطينية"/"الحسناءِ والغول"./"جلجامش"/"الشافعيُّ"
ليس من السهل تطريز اللغة بتنويع مفاهيمي مكثف، إن لم يكن شاعرنا ممتلئ الجعبة، ويتوفر على العدة ...
ـــــ الإيقاع الداخلي والموسيقى الخارجية
قبل أن تكون القصيدة عروسا في كامل زينتها، وتخرج بحلتها المبهرة، لابد من شحنها بكل المقومات الشعرية، وتطريزها على الوجه الأكمل لغة وبلاغة وأسلوبا وانتقاء للمعجم، واختيار الصياغة الطروب التي تربك القارئ بإيقاعها الداخلي أو موسيقاها الخارجية، لتعزف نشيدها برنين حرفها بمفردها، ناهيك عن القافية وما تمتلكه أحيانا من رد الصدى بشكل قوي، وشاعرنا ضرب النوعين في العمق ودون تكلف ( ليسمو إلى تفكير جديد في الأنماط الفنية والثقافية) ص 56 كتاب / مساءلات جديدة للشعرية العربية / في ضوء الثابت والمتحول لأدونيس تأليف رضوان بن عربية ..
لا تَكْتُمِي سِرًّا كُنْتِ كاتِمَهُ
وأفْصِحِي بالحب وبِالغَزَلِ
أنا الّذي سُقْتُ كَلامًا حافِظَهُ
سَجِيَّةَ شاعِرٍ في الحُبِّ لم يَمَلِ
وقُلْتُ شِعْرًا كُنْتُ ناظِمَهُ
أبْياتَ مَدْحٍ، وَصْفُها كَالمَثَلِ
فالقافية هنا تقوم صوتيا على ر وي اللام، (قد جاءت لتآزر الحالة النفسية للشاعر، وهي الخروج من واقع ميؤوس منه إلى واقع أفضل مرغوب فيه) ص 70 /كتاب حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر / د. حسن الغرفي ..ولا يني الشاعر يطرب قراءه بالإيقاع الداخلي، والذي هو عبارة عن ترنمات موسيقية داخلية للقصيدة نفسها تعكس خلجات النفس التي يتلقفها المتلقي عبر صور هامسة مربكة، تضرب الوجدان دون إذن، تاركة وقعها بأثر فني لا يقاوم .. بالتكرار كما نلمس في هذه الشذرات:
تَكَلَّمي
فما عادَ الصَّمتُ لُغَتي
ولا ذَرَّةُ فِعلٍ تُغْريني
تَكَلَّمي
والتكرار ليس لملء فراغ تعذر على شاعرنا إيجاد المفردة المناسبة، وإنما هو أسلوب فني يعتمد البلاغة في إعادة الكلمات داخل جب القصيدة، لتقوية المعنى، أو لتأكيد الفكرة وتوضيح الغاية منها، أو لإحداث إيقاع داخلي يثير الانفعال، ويترك الأثر في المتلقي، ويتلون الأسلوب في فنون أخرى تجلب اهتمام القارئ كأنسنة الشيء وإضفاء عليه صفات وملامح بشرية كأنه إنسان ..
ــــ أنسنة القصيدة في طيف أنثى
يؤنسن شاعرنا القصيدة ويخاطبها وكأنها أنثى أمامه يدعوها أن تتكلم و تستمر ملهبة بجذوتها ولا تنطفئ ولا تحضن الحزن، يتعاطف معها متوسلا إليها أن تفسح المجال للحروف لتتناسل وتنطلق في الأجواء فراشات ملونة تبهر، فهي العذراء المقدسة التي تعلن البدايات، وتشعل النور في كبد الدجى، مطالبا إياها أن تحلق في ملكوت الله وتنشر سلام الخلد في نفس أضناها الصمت، كأنها بشر تحس تسمع وترى وستلبي طلبه :
يا جذوة الحب
حلقي في الملكوت
وانشري سلام الخلد
في نفوس
وأحيانا يرى القصيدة امرأة في حلة من البهاء، تتبختر في فساتينها فتجر رداءها المذيّلَ من القوافي، وعلى رأسها تاج تتباهى به والضفائر مكلّلة بجدائل حريرية من الحروف، وفي معصمها سوار صيغَ من ذهب الأوهام ..
رَأَيتُ القَصيدةَ اليَتِيمَةَ
تَجُرُّ أذيالَ المَعاني
على رَأسِها القَوافي
وفي مِعصَمِها
سِوارٌ مِن وَهمِ الأمانِ
لاحظوا هذه المتعة الفنية في تحويل شاعرنا القصيدة إلى امرأة تتغنج بحِليها متبخترة في أذيال اللغة، تتوهج بتاج الحروف على رأسها وتُلَوّح بأساور المعاني في معصمها، دقة متناهية الوصف في جلال الصور الشعرية، التي ركَّبها شاعرنا من كلمات متنافرة/ متباعدة لا علاقة لها ببعضها ليخلق انسجاما في حلة من الجمال ... وهذه الرؤيا لم تنزل وحيا على الشاعر ولا قرأها في كتب، أو نقلها من دواوين غيره، بل تمثّلها مما رآه في الواقع بعد تأمل فريد خفق له القلب، واهتز له النبض من خلال نظرة الشاعر الفلسفية للقصيدة في أبعادها الكونية والجمالية للحياة، وعلاقة القصيدة بما وراء الوصف الظاهر للواقع بالعين المجردة، من أجل كشف المجهول وبناء عوالم جديدة يسطع فيها الحب ليبدد الحزن والقلق، محولة المكفهر من الواقع إلى بقع ساحرة.. ولن يأتي هذا إلا بعد أن يخلو الشاعر إلى نفسه في سكون بهيمي للروح، تطوقه ربقة الصمت، ينصت لعمقه محاورا ذاته، ينبش في جذع اللغة عن فصوص الكلمات التي تشبع نهمه..
ما أجمل غرائب الكلام
مع سكون الروح
حين تسمع صوتا خافتا
في السحر
يتقاطع شاعرنا حسن ميري مع مطلع القصيدة (سَمِعتُ صوتاً هاتفاً في السَّحَر) لرباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي وغناء أم كلثوم، ومَن مِن الشعراء لم تكبده قصيدة معاناة السهر لحظة صفاء روحي ونوراني، ليعارك متعة سكون الليل واهتزاز المشاعر، وإنارة السراديب المعتمة بفانوس التأمُّل، والبحث في جعبته عما يُسْكِن صرير الحروف، لينجبها كاملة الأطراف جميلة الأوصاف يعشقها القراء ويلاحقونها فرادى وجماعات ليقتفوا أثرها ويستمتعوا ببهائها ..؟؟؟
ـــ أسلوب الحوار وتبادل الحديث
لقد امتهن شاعرنا فن القول بجميع أساليبه، موظفا ضمير الغائب وأحيانا المتكلم متعجبا تارة، متسائلا أخرى، ولم تغنِه رغبته القوية عن الحوار، ليتبادل رونق الحديث مع القصيدة ممزقا الصمت.. وما الحوار إلا مونولوج فردي يفصح فيه الشاعر عن أفكاره الداخلية ومشاعره ومواقفه مع نفسه، وما يدور في خلده من الخلجات وحرارة المشاعر، ومعاركه الداخلية مع أحلامه وما يرغب فيه بهدف كشف خبايا النفس وترميم تمزقاتها.. لاحظوا هذه المتعة الفنية الجميلة التي كلما امتصصتم ثليجتها وتذوقتم لوزها اللذيذ إلا وطلبتم المزيد ..
قالت وما يمنعك
أن ترحل فوق الغمام
وتجعلنا حروفَ لحنٍ جميلا
قلت ضللتُ عن درب القصيد
فما وجدتُ إلا سرابا
وغدى حلمي بين يدي قتيلا
هو صراع نفسي لتحقيق طموح في خُلد الشاعر عبْر قصيدة مكتملة يحول فيها المذموم إلى جميل، والقاصي إلى دان، والمجهول إلى معلوم، والناقص إلى مكتمل، رغبة التغيير الملحة تملّكَت الشاعر، لكن في غياب الأدوات والإمكانات يعيش أزمة نفسية خانقة لا يطفئ جذوتَها إلا سيلُ الشعر لما يعانق الكلمات ويشيد من القوافي ملاذه الفاتن، يحقق فيه ولو بالوهم حلمَه الجميل، يحملُ فيه للصبحِ أسراره وفي الريح يبعثرُ وجْده.. وهذا ديدن كل شاعر غَرِق حتى لِمّته في متاهات عوالم مأمولة..
5ــ ما أختتم به في آخر الأمر
الديوان(( أنين في مرايا الروح)) تنوع شعري خصب شكلا ومضمونا، لم تأت ثمرته من شجرة شاحبة، أو من هضبة جدباء، بل من عصارة أفكار وحدس وتأمل وانفعال وتوتر ومشاعر، وأوضاع موبوءة مقبلة من الواقع ، وهموم وقضايا إنسانية متفشية ( كان يدفعه إلى ذلك دافع داخلي نفسي ليبعده عن سحب أحزانه الكثيرة ) على حد قول الدكتور مسلك ميمون ص:80 من كتاب جدلية الشعر والذات في شعر إسماعيل زويريق
جاب شاعرنا بتأمله مناحي الكون انطلاقا من ذاته ككائن بخصائصه الشخصية ، مرورا بالقضايا والهموم الإنسانية القاهرة، وقوفا عند عوالم كونية وجودية متسلحا بحدسه، محلقا على أجنحة الخيال، باحثا عن التغيير/ وعن الاكتمال بوسيلة اللغة وحرية التعبير عن قلقه، للتخلص من صراعه المحتد مع ما يجب أن يكون مفروضا وفي نفس الوقت مرفوضا، وترميم الذات ورتق التمزق النفسي الحاصل، فطرَقَ عدة أبواب أخذت من اهتمام الشاعر حيزا كبيرا، تمثلها بأسلوب شيق ضارب في عمقه السهل الممتنع، ولغة ثرة متينة مشحونة باستعارات بلاغية وصور شعرية اعتمدت المجاز والترميز، تشاكس القارئ بما تعكسه من ألوان جذابة وكأنها سرب من الفراش..
****المصادر
ـــ،(( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)) (الإسراء/ الآية 85.
ـــ (كتاب أمشي كأني واحد غيري) /( قصيدة لا تنتهي) محمود درويش ص184 تأليف الدكتور نبيل منصر .
ـــ"مَلأَى السَّنَابِلِ تَنْحَنِي بِتَوَاضُعٍ.. وَالْفَارِغَاتُ رُؤُوسُهُنَّ شَوَامِخُ/ الشاعر العربي أبو طيب المتنبي.
ـــ التقاطع مع سورة المدثر (دثروني )/ القرآن الكريم.
ـــ (النبوءة والشعر) فكلاهما يحتضنان ما هو منزل من السماء /بحث الشاعر المغربي المصطفى فرحات.
ـــ ( مساءلات جديدة للشعرية العربية / في ضوء الثابت والمتحول) لأدونيس ص 56 تأليف رضوان بن عربية
ـــ (حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر) ص 70 د. حسن الغرفي.
ـــ القصيدة (سَمِعتُ صوتاً هاتفاً في السَّحَر) لرباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي وغناء أم كلثوم.
ـــ ظاهرة الشعر الحديث /السنة الثانية من سلك البكالوريا ص:204 / للشاعر أحمد المعداوي المجاطي.
ـــ ( أنين في مرايا الروح) للشاعر المغربي حسن مير .
ـــ (جدلية الشعر والذات في شعر إسماعيل زويريق) ص80: للدكتور مسلك ميمون.
ـــ قصيدة (أيتها المتخفية بين أقراط الزمن)/ مالكة عسال