الأدب هو العتبة الأخيرة لحماية الإنسان من تغول المادة وسلطة الآلة حوار مع الأديب الكبير/ محمد عبد الحافظ ناصف.. إعداد وحوار/ د. منال رشاد

في هذه المساحة من مرايا الفكر، لا نحاور مجرد كاتب، بل نطل على تجربة إنسانية وإدارية عريضة. يقف المبدع الكبير محمد عبد الحافظ ناصف اليوم على تقاطع طرق صعبة؛ بين إرث التاريخ وقلق المستقبل، وبين أزمات الواقع الجيوسياسي وضغوط الاقتصاد التي تعصر روح المثقف، هذا الحوار ليس مجرد أسئلة وأجوبة، بل هو محاولة لترميم وجداننا المتعب واستعادة توازننا الإنساني في زمن يتخلى فيه العالم عن ملامحه.



- س1: أستاذ محمد، نبدأ من خشبة المسرح التي شهدت تألقكم في (طلوع النهار أول الليل) و(وداعا قرطبة). هل تعتقد أن النص المسرحي يحتاج اليوم إلى ثورة في أدواته لقراءة واقعنا المعقد؟ وما الذي ينقص الكاتب المسرحي ليكون صوته مسموعا؟
- ج: المسرح بالنسبة لي ليس مجرد فرع أدبي، بل هو الركيزة التي تجسدت فيها وجهة نظري تجاه الحياة والوطن منذ بواكير احترافي للأدب، إن المسرح الحقيقي هو قراءة استشرافية للمستقبل، وقد سعيت في مشروعي (أرض الله- وداعا قرطبة- النهر- الفلنكات) إلى سبر أغوار التاريخ لفهم أسباب انكسار الدول المزدهرة.
المسرحي اليوم يجب ألا يكتفي بسرد الحدوتة، بل عليه أن يكون كاشفا للأمراض الاجتماعية والسياسية، فنص كأرض الله مثلا، كتبته كصرخة استباقية لما نشهده اليوم من تفكك في الكيان العربي أمام تربص القوى الغربية، ما ينقص الكاتب المسرحي هو الوعي الرؤيوي؛ أن يكتب وهو يقرأ ما وراء الأفق، ليحول المسرح إلى مختبر للحلول، لا مجرد مرآة تنقل القبح بصمت.



- س2: بالانتقال إلى الطفولة؛ الصغير اليوم هو الحلقة الأضعف أمام التغول الرقمي. كيف يمنحه أدب الطفل درعا ثقافيا ضد اغتراب الهوية؟ وهل الكتابة للطفل الآن هي فعل سياسي بامتياز؟
- ج: انحيازي للطفل نابع من إيماني بـفكرة المشروع؛ فالكتابة للطفل عندي ليست مجرد حكاية، بل هي بناء متكامل استخدمت فيه الترجمة (مثل سلسلة هيا نقرأ)، والدراما التلفزيونية (مثل حكايات رمضان أبو صيام)، وحتى الكوميكس لتبسيط المناهج بوعي المعلم والمبدع، نحن اليوم أمام حرب ناعمة تشنها منصات عالمية تروج لقيم هدامة كالشذوذ والعنف، وهنا تتحول الكتابة للطفل إلى فعل سياسي ووجودي لحماية الوعي من المحو. إننا بحاجة ماسة لـمثلث نجاة يجمع بين (القناة التلفزيونية- المنصة الرقمية- ودار النشر الكبرى) لتقديم محتوى تفاعلي يحترم الهوية المصرية والعربية، تماما كما حاولنا في تجربة "بتانة كوميكس" التي تشرك الطفل في بناء القصة وتلوينها، ليكون فاعلا لا مجرد مستهلك.

- س3: في روايتكم (بنات بالتيمور)، تتشابك المصائر بين الغربة والوطن. كيف يواجه الأديب تحدي الحفاظ على إنسانية الفرد أمام توحش المادة؟ وهل الأدب هو ملاذ النجاة الأخير؟
ج: "بنات بالتيمور" هي تشريح للعلاقة بين عالمين؛ المحلة الكبرى وجامعة بالتيمور، في هذا النص كنت أبحث عن الجمال الفني الكامن في عمق الإنسان، وتحديدا في فكرة الانتماء التي تقاوم الانكسار؛ الرواية تحمل نبوءة تحذيرية؛ فالبطل يواجه الغطرسة الأمريكية بحقيقة أن الإنفاق على الحروب بدلا من دعم الإنسانية سيعجل بفناء الحضارة. الأدب هنا هو الملاذ الذي يكشف قبح الغربة، وهو صرخة احتجاج ضد تشييء الإنسان في المجتمعات المادية، إنه يحاول أن يستبقي الرمق الإنساني الأخير في مواجهة الاغتراب الذي ينهش أرواح المهاجرين والباحثين عن ذواتهم خلف البحار.



- س4: من خلال اقترابك من نبض الناس في الأقاليم، كيف أثرت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة على الذائقة الأدبية؟ وهل تخشى أن يتحول الأدب إلى نخبوي ينفصل عن معاناة البسيط؟

ج: الأدب الحقيقي لا يعرف الانفصال؛ فهو ابن البيئة الشرعي، والأدب الجاد يولد دائما من رحم المعاناة. لست قلقا من نخبويته، لأن التجربة أثبتت أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية هي المختبر الذي ينتج أعظم النصوص، الإنسان البسيط، برغم انشغاله بلقمة العيش، يظل المحرك الأساسي للإبداع الصادق، الأدب الذي يلمس أوجاع الناس النفسية والأخلاقية والمادية سيجد طريقه دائما إلى قلوبهم، لأن المبدع الحقيقي لا يكتب فوق الناس، بل يكتب من بينهم، محولا أنينهم الصامت إلى صرخة جمالية باقية.

- س5: بصفتك كاتبا مهموما بالتراث، كيف تنظر إلى خطر تسطيح الهوية؟ وما رأيك في الروايات التي تفصل لتناسب ذائقة المترجم الغربي أو شاشات السينما؟
- ج: الكتابة بـوصفات جاهزة لإرضاء الآخر هي خروج صريح عن الصدق الفني، من يكتب لكي يترجم فقط، أو ليغازل شاشات السينما بمقاييس تجارية، فهو يقدم بحثا اجتماعيا أو تقريرا أمنيا وليس أدبا.
هناك فرق جوهري بين الرؤية الروائية والتقنية السينمائية؛ وهذا ما حاولت موازنته في رواية بلوتوث، حيث حافظت على طاقة السرد اللغوي مع تبني الحوار السينمائي. الكونية تبدأ من الصدق المحلي؛ لذا على المبدع أن ينغرس في تربته وناسه أولا، فمن يغازل المترجم الغربي يرتكب خيانة لخصوصية المكان التي ناضلنا طويلا لترسيخها.

- س6: نحن نعيش في عصر مادي صرف.. كيف ترى مهمة الأديب الآن في الموازنة بين جماليات النص وقسوة الواقع؟
- ج: الواقع قد يمتلئ بالقبح والمادية المفرطة، لكن مهمة الفن هي إعادة صياغة هذا الواقع بمقاييس جمالية لا تحببنا في القبح، بل تشير إليه بحدة وقسوة لتدفعنا نحو تغييره.
المسألة تكمن في اختيار القالب الإبداعي الأمثل؛ فبعض الأزمات تحتاج إلى تكثيف القصة، وبعضها يتفجر في نص مسرحي أو دراما تلفزيونية.
الأديب اليوم هو عين كاشفة؛ مهمته أن يشير إلى مواطن الخلل بقسوة وتحد، ليدفع المجتمع نحو مواجهة أزماته ومحاولة حلها بجمال الكلمة.

- س7: كثيرا ما يسبق الأديب الواقع بحدسه.. ما هي النبوءة التي تخبئها نصوصك القادمة؟ وكيف ترى مستقبل الإبداع البشري في ظل سطوة الذكاء الاصطناعي؟
- ج: لا يمكن لأحد التكهن بما سيتبقى من أثره، لكنني أراهن دائما على الصدق الفني، سواء كان الأثر في كتاب طفل أو عرض مسرحي أو رواية، فإن القيمة الحقيقية هي التي ستستقبلها الأجيال القادمة كرسالة حياة. رغم تغلغل الآلة، ستظل الكلمة المطبوعة التي تحمل صدق التجربة البشرية هي الحصن الأخير، النبوءة التي أحملها هي أن الأدب سيظل العتبة الأخيرة لحماية روح الإنسان، نحن نكتب لنبني جسرا بين ماضينا ومستقبلنا، والذكاء الاصطناعي مهما تطور، سيظل عاجزا عن محاكاة الصدق الفني وذاتية الأثر التي يتركها المبدع الحقيقي في وجدان المتلقي عبر الأزمان.
ختاما أشكركم في واحة أقلام ذهبية فالأدب مسؤولية، وأتمنى أن أكون دائما عند حسن ظن قرائي، مع خالص محبتي وتقديري.
وفي لفتة مهنية كريمة، طرح أديبنا الكبير محمد عبد الحافظ ناصف مقترحا لمناقشة الرواية السينمائية كقالب إبداعي جديد ومغاير داخل مجتمعنا النقدي صالون أقلام الذهبية، منطلقا من تجربته في رواية "بلوتوث"، وهي دعوة لفتح حوار حي ومباشر نناقش من خلاله تقاطع السرد الروائي مع التقنيات السينمائية، وكيف يمكن لهذا المزج أن يفتح آفاقا جديدة للمبدع والقارئ على حد سواء في لقاءاتنا القادمة.
في نهاية اللقاء يبقى حديث محمد عبد الحافظ ناصف بمثابة دعوة مفتوحة لاستعادة الإنسان من براثن المادية؛ هو لا يكتب ليسلي، بل ليزرع في قلب القارئ تلك البوصلة التي تهتدي بالجمال في مواجهة القبح، إنها كلمة أخيرة تذكرنا بأن الأدب الحقيقي هو الذي يترك خلفه أثرا لا يمحوه الزمن، وصدقا فنيا ينبض بالحياة في كل حرف.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...