أ. د. عادل الأسطة - المنهج البنيوي :

-شغل البنيويون أنفسهم في مجالات مختلفة ؛ في اللغويات وفي الأجناس البشرية وفي علم النفس وفي الموسيقى وأخيرا في الآداب . ولقد أفادوا من التفاصيل المعرفية والمصطلحات المتخصصة لفروع أخرى . أفادوا من نظرية المعلومات والاتصالات والسيموطيقا والإحصاء .


- نشأة البنيوية :

يعد عام ١٩١٦ عام نشأة البنيوية ، وقد نشأت في فرنسا . ويشار هنا إلى محاضرات ( فرديناند دي سوسير ) التي ثبت فيها مصطلحات أساسية توسع فيها في مؤتمر اللغويات العالمي الأول الذي عقد في العام ١٩٢٨ ( جاكبسون و تروبتسكي ) ، واكتسبت في الخمسينيات ، في مجال الأدب ، بواعث جديدة . وهنا يشار إلى دراسة ( كلاود ليفي شتراوس ) للأساطير . ١٩٦٦ / ١٩٦٧ .
وقد تطورت في روسيا ، في جامعة ( تارتو ) مجموعة من العلماء ، في فروع مختلفة ، وأسست " كتابات متعاقبة ( ١٩٦٤ ) تحت عنوان " العمل حول نظام الإشارات " .
ويعد الملهم الأول ، قي مجال الأدب ، المفكر الروسي ( يوري لوتمان ) الذي قدم ، بين عامي ١٩٥٨ - ١٩٦٢ ، محاضرات حول " بنية الشعر " ، ويعتبر كتابه أفضل كتاب ل إمكانية بنية الشعر ، وعلى الرغم من أنه شدد باستمرار على أنه مادي تاريخي ، إلا أنه رأى ، في الوقت نفسه ، ضرورة التركيز على الأدب باعتباره نوعا مختلفا ومكثفا .

2
مصطلح البنية :

أولا :
يعني مصطلح البنية ، ابتداء ، الصلة بين :

ليوضح هذا المعنى يقتبس ( لوتمان ) من ( تولستوي ) الرأي الآتي حول خاصية النصوص الفنية :
" إنها متاهة من التداخلات اللامحدودة التي تشكل جوهر الفن " " ومن الضروري أن يكون هناك أناس يقودون القاريء إلى هذه القوانين التي تبني أساس هذه التداخلات " .

ولا يراقب البنيويون المستويات الجزئية في عزلتها أو في توحدها الميكانيكي . إنهم يحددون ارتباط المستويات تحت بعضها البعض ويبينون صلتها بالبنية الكلية " .
يذهب ( ميخائيل ريفاتيري ) في مقالته عن قصيدة ( بودلير ) " القطط " إلى ما يلي :
" على الأقل نستطيع من كل هذا أن نستنتج أن القصيدة تمتلك مع بعضها بنى رابطة ومتممة لتأثير متبادل متميز " .
وينشأ من هذا التركيز على أولوية الشكل إزاء المحتوى .

ثانيا :
يعني مصطلح البنية التجريد والتعميم والنموذج :
يقع قانون البنية خلف الظواهر ، وهو مغلق ولا يقرأ مباشرة ، ويخفي الحقيقي نفسه ، لأن " الواقع الحقيقي ليس أبدا هو الظاهر. ، كما يقول ( ليفي شتراوس ) .
هناك نموذج أساسي . بنية عميقة ثابتة لا تتغير ، وقد أشار ( شتراوس ) إليها على أنها بناء علوي . ( بنية أساسية ، عالمية اللغة ، الثقافة ) .

ويعني مصطلح البنية ما كان يطلق عليه في خطاب علوم الأدب السابقة " جوهر العمل " .
ثمة بنية ثابتة تظهر تغيراتها على مستويات مختلفة . يفرز شكل اللغة مثلا إلى أربعة مستويات هي :
- الدلالي
- النحوي
- القواعدي
- الصوتي
و تنشأ منها مستويات اخرى هي
- الصرفي
- التركيبي
- العروضي
ويمكن ملاحظة وجود بنية واحدة في قصائد شاعر واحد . لقد حلل ( ريفاتيري ) قصيدة ثانية ل ( بودلير ) غير قصيدة " القطط " ولاحظ أن القصيدتين ، في النهاية ، هما تحولات البنية نفسها " .

في النظام الأكبر يمكن الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك .
من البنية الثابتة لأعمال أدبية مختلفة في لغة واحدة إلى لغة ممتدة في الثقافة ، إلى بنى ثابتة بين الأسطورة والحلم .

ثالثا :
- يعني مصطلح البنية " اللاتاريخية " .
يشتق من معنى النموذج والثبات والتعميم عدم التعلق بالزمن . لقد التفت ( شتراوس ) إلى الأسطورة ولاحظ أن لا أهمية لتتابع الزمن في أحداثها .
حاولت ( هيلجا جالاس ) أن تجعل من هذه النظرة فوق الزمنية ، في مجال الأدب ، نظرة مثمرة :
" ليس ثمة مواد تاريخية لبنية اللاوعي " .

[ ذهب الناقد الشامي كمال أبو ديب إلى تطبيق المنهج على نصوص ولم يقدمه نظريا ، وذلك في كتابه " جدلية الخفاء والتجلي " نحو منهج بنيوي لدراسة نصوص أدبية ، وحجته أن تقديم المنهج من خلال نماذج تطبيقية أفضل للقاريء العربي ، ولهذا خلا كتابه من شرح نظري وحفل بدراسات تطبيقية ]

- حين درس أبو ديب قصائد ل " أبو نواس " اختار ثلاثا منها ومنها :
يا ابنة الشيخ اصبحينا
ما الذي تنتظرينا

رأى أن القصيدة تتكون من مكونين هما الخمر و الأطلال ، وظاهريا يبدو للدارس التقليدي أن لا صلة بينهما ، وهذا ما يرفضه البنيويون الذين يبحثون عن الصلة بين المكونين ، وإلا لما أدرجهما الشاعر معا ، ولجعل من القصيدة قصيدتين .

وكما فعل ( ريفاتيري ) في دراسة قصيدة ثانية ل ( بودلير ) غير قصيدة " القطط " ليبرهن أن القصيدتين تمتلكان مع بعضهما بنى رابطة ومتممة ، يفعل أبو ديب ويري أن القصائد الثلاث تمتلك بنى رابطة ومتممة لتأثير متبادل .
إن القصيدتين أو الثلاث هما / هي في النهاية تحولات البنية ذاتها . [ أكثر قصائد " أبو نواس " تقوم على ثنائية الخمر / الأطلال ] .

واللاتاريخية تعني عدم الالتفات إلى الزمن ، فإذا كان أصحاب المنهج الاجتماعي الماركسي قالوا " أن لا زمن منزوع لذاته " فإن أصحاب المنهج البنيوي رأوا غير ذلك .
تتوقف يمنى العيد في كتابها عن المنهج البنيوي أمام الزمن في أسطورة أويب وتمعن النظر في الترتيب الزمني للأحداث وترى أنه لا يسير وفق تراتبية ١ / ٢ / ٣ /٤ / ٥ ، وإنما يبدأ الزمن من ٤ ف ٢ ف ١ ف ٥ وهكذا .
لا تبدأ الأسطورة بالنبوءة فالولادة فالتخلص من الوليد فتربيته في الغابة فعودته إلى طيبة فقتله أباه و ...
وإنما تبدأ بعودته إلى طيبة ومبارزته أباه ثم قتله والزواج من أمه وهكذا لا أهمية لتتابع الزمن .

3
ما هي أهم الملامح الخاصة للمنهج البنيوي ؟

١ - كشف الأنماط / الأنساق :

استنتج ( كلاود ليفي شتراوس ) نمطين رئيسين لبنية المجتمع :
- بنية التبادل ، وهي مزدوجة
- بنية الاتباع ، وهي أحادية وغير قابلة للعكس .

بخصوص الخطوة المنهجة في الأدب يستطيع المرء أن يتتبع مقالة البنيوي الفرنسي ( تزيفتيان تودوروف ) " قواعد القص " ( ١٩٧١ ) .
كان ( تودوروف ) يهدف إلى تطبيق بنى القواعد على الأعمال القصصية ، وإلى إيجاد التلاؤم بين القواعد والقص ، من أجل إثبات أن هناك قواعد عامة ليست مقتصرة على اللغة . إنها تمتلك ، بوضوح كامل ، حقيقة نفسية تجعل من البنية نفسها مقبولة خارج اللغة - يعني : بنية ثابتة لجميع الأنواع .
ولكي يبرهن على هذا فقد درس أنماط قصص مختلفة من " الديكاميرون " ل ( بوكاشيو ) .

لقد لاحظ :
" تبني حلقة البداية والنهاية لقصة ما ، تبني نسقا من الأحداث هو الثابت ، بينما يبني الخلل في أثناء جريان الحدث ، مع نتيجة عدم التوازن ، النسق الآخر من الأحداث / النسق المتحرك " .
ويعكس هذان النمطان أشكالا قواعدية أساسية : يعكس الثابت الصفة ، ويعكس النمط المتحرك الفعل .

٢ - مبدأ الإحالة : العكس / التحول

على سبيل المثال تراعي بنى القواعد كإحالات في بناء القص .
تبدو بنية ( متى - من ثم ) واضحة في فاعلية نص تبدو كتوتر ، وعلى مستوى آخر تحيل ، كبنية قواعد ، كربط طريقة الخطاب .
وتبدو البنية نفسها ( متى - منثم ) ، من جديد ، قابلة للبرهنة في ربط عمل ما ، ( كشروط في بداية القص ، ونتيجة في جريانه اللاحق ) ، وتترك نفسها ، في الختام ، تبرهن على البنية الأساسية للمنطق الشكلي .
( في كتابه " جدلية الخفاء والتجلي " لم يقدم الناقد كمال أبو ديب أرضية نظرية للمنهج البنيوي ، وحجته أن القاريء العربي سيجد صعوبة في فهم المادة النظرية ) .
عندما أنهت الطالبة / الآن الدكتورة أمل أبو حنيش رسالة الماجستير عن التناص في رواية إلياس خوري " باب الشمس " تواصلت مع الدكتورة اللبنانية يمنى العيد تسأليها إن كان لديها استعداد لمناقشة رسالتها عبر تقنية الفيديو كونفرنس ، فاعتذرت الدكتورة .
في اتصال هاتفي معي قلت فيه ليمنى العيد إنني أدرس صفحات من كتابها " المنهج البنيوي : تقنيات السرد " فسألتني إن كان الطلاب الذين أدرسهم يفهمون البنيوية ، فهي صعبة . كأنما هناك اتفاق بينها وبين الدكتور كمال .
هل تبدو البنيوية في النقد الأدبي العربي المعاصر مستوعبة ومفهومة ؟
أظن أن للدكتور كمال أبو ديب تجربة مع شعراء في الأردن حلل قصائدهم ذات نهار تحليلا بنيويا .
لعل القادم أسهل .

يتبع

خربشات
٢٠ نيسان / ٢٠٢٦
عادل الأسطة
( من كتاب مارين جريزي باخ . مناهج دراسة الأدب ) .

(من كتاب " مناهج دراسة الأدب " ل مارين جريزي باخ ، Maren Grisebach . بتصرف )

١٨ / نيسان / ٢٠٢٦
عادل الأسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...