رانيا الحمامي - عيدان في سبعينية الاستقلال : حان لتونس أن توقظ قرطاجها

يقولون إن شدة الفرح تجعل العيد عيدين. لكن هذه السنة، لسنا أمام تعبير بل حقيقة. العيد عيدان فعلاً. عيد الفطر بما يحمله من صفاء داخلي بعد صيام، وسبعينية الاستقلال بما تختزنه من معنى وذاكرة ومسار بعد استعمار، رغم تعاكس الصوم في صفائه وما يبنيه داخلنا والاستعمار بقسوته وما يهدمه. وكأن هذه اللحظة تدفعنا إلى قراءة ما نعيشه لا كاحتفال عابر، بل كطبقة مزدوجة من المعنى، حيث يتجاور تهذيب النفس مع استحضار مسار وطن لتكون رسالة علوية الينا : الطريق إلى إصلاح الوطن يمرّ أولاً عبر إصلاح أنفسنا ، فلا نهضة لوطننا العزيز لا يسبقها اصلاح في الانسان ولا بناء جماعيا دون مراجعة فردية صادقة.

سبعون سنة على استقلال تونس، مسار يفرض - بعيدا على الاحتفالات البروتوكولية - قراءة عميقة للحرية كمسار سياسي عيدان في سبعينية الاستقلال : حان لتونس أن توقظ قرطاجها

الكاتبة والمهندسة : رانيا الحمامي



يقولون إن شدة الفرح تجعل العيد عيدين. لكن هذه السنة، لسنا أمام تعبير بل حقيقة. العيد عيدان فعلاً. عيد الفطر بما يحمله من صفاء داخلي بعد صيام، وسبعينية الاستقلال بما تختزنه من معنى وذاكرة ومسار بعد استعمار، رغم تعاكس الصوم في صفائه وما يبنيه داخلنا والاستعمار بقسوته وما يهدمه. وكأن هذه اللحظة تدفعنا إلى قراءة ما نعيشه لا كاحتفال عابر، بل كطبقة مزدوجة من المعنى، حيث يتجاور تهذيب النفس مع استحضار مسار وطن لتكون رسالة علوية الينا : الطريق إلى إصلاح الوطن يمرّ أولاً عبر إصلاح أنفسنا ، فلا نهضة لوطننا العزيز لا يسبقها اصلاح في الانسان ولا بناء جماعيا دون مراجعة فردية صادقة.

سبعون سنة على استقلال تونس، مسار يفرض - بعيدا على الاحتفالات البروتوكولية - قراءة عميقة للحرية كمسار سياسي واجتماعي ومراجعة عميقة، فسبعون عاما لا تُقاس بطولها، بل بكثافة ما راكمته من تحولات واختبارات.

عندما حصلت تونس على استقلالها، لم تكن أمامها دولة جاهزة بل مشروع دولة. وكانت المهمة الأولى تأسيسية بامتياز: بناء الإدارة، تعميم التعليم عبر إصلاحات استشرافية، وإرساء منظومة صحية عمومية، وصياغة هوية وطنية جامعة. وقد تجسد هذا التوجه بوضوح في إصدار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، التي شكّلت تحولاً اجتماعياً عميقاً في وضع المرأة والأسرة. فبعد أن كانت نسبة الأمية تفوق 80% في الخمسينات، انخفضت تدريجياً إلى أقل من 20% في العقود الأخيرة، في مؤشر واضح على نجاح خيار التعليم.

خلال الفترة الممتدة بين الستينات والثمانينات، تشكّل ما يمكن تسميته بـ"العقد الاجتماعي التونسي": طبقة وسطى صاعدة، تعليم عمومي واسع، وبرامج تنموية كبرى. فكانت تجربة التعاضد في الستينات، ثم التحول نحو الاقتصاد المنفتح في السبعينات مع تنمية السياحة والصناعات التصديرية. وقد حققت تونس في بعض الفترات نسب نمو قاربت 5% سنوياً، وارتفعت نسبة التمدرس في التعليم الابتدائي إلى أكثر من 90%. غير أن هذا المسار لم يكن خطياً، فقد رافقته اختلالات اقتصادية واجتماعية ظهرت خاصة في أواخر السبعينات، دفعت الى احتجاجات مثل أحداث جانفي 1978 (الخميس الأسود)، ثم انتفاضة الخبز سنة 1984.

فكان 7 نوفمبر 1987 مرحلة جديدة سعت الى إعادة الاستقرار والنمو، والى توسيع البنية التحتية، وتحديث الاقتصاد، خاصة في مجالات الاتصالات والصناعات الموجهة للتصدير. وقد ساهم ذلك في تخفيض نسبة الفقر من حوالي 30% في الثمانينات إلى أقل من 15% في بداية الألفينات، مع تحسن مؤشرات الصحة والتعليم. لكن رافق هذا المسار قيود سياسية، ما جعل التوازن بين التنمية والحرية هشا.

ثم كان 14 جانفي 2011 - ليس مجرد حدث سياسي - نقطة تحول تاريخية أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، لم تُلغِ ما سبقها، بل كشفت اختلالاته وفتحت أفقاً جديداً، تجسّد في دستور 2014، وفي تجربة ديمقراطية فريدة في المنطقة، رغم ما رافقها من صعوبات اقتصادية واغتيالات. فمنذ 2011، تراوحت نسب النمو بين 1% و2% في المعدل، مع ارتفاع نسبة البطالة إلى حدود 15% وطنياً، وتجاوزها 30% في بعض الجهات الداخلية، وتدهور قيمي وتعليمي وهو ما يعكس عمق التحديات.

اقتصادياً، لم تكن تونس دولة غنية بالموارد الطبيعية، لكنها استثمرت في الإنسان. هذا الاختيار أنتج كفاءات معترفاً بها دولياً، حيث يُقدّر عدد التونسيين المقيمين بالخارج بأكثر من 1.8 مليون، يساهمون بتحويلات مالية تمثل حوالي 5% من الناتج الداخلي الخام. كما أن آلاف المهندسين والأطباء يغادرون سنوياً، في مؤشر على جودة التكوين من جهة، وصعوبة الاستيعاب الداخلي من جهة أخرى.

اجتماعياً، حافظت تونس على خصوصية لافتة في محيطها: مجتمع مدني نشط، تجلّى في دور الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات أخرى، وقدرته على لعب دور وطني، كما حدث في الحوار الوطني سنة 2013. كما تبلغ نسبة مشاركة النساء في التعليم العالي أكثر من 60%، وهو مؤشر قوي على التحول الاجتماعي العميق الذي عرفته البلاد.

في البعد الدولي، لم تكن تونس معزولة يوما. منذ الاستقلال، نسجت علاقات قوية مع شركائها الأوروبيين، جعلت المبادلات التجارية تفوق 70%. كما طورت علاقاتها مع إفريقيا في السنوات الأخيرة، في توجه استراتيجي جديد. والحفاظ على هذه العلاقات وتطويرها لم يعد خيارا، بل ضرورة في عالم مترابط.

في مقابل هذا المسار، برز منذ 2011 خطاب يشكك في قيمة الاستقلال أو يقلل من شأنه. وهو خطاب يتجاهل أن دولا عديدة ما تزال تعيش صراعات على السيادة، وأن غياب الاستقلال يعني غياب القرار الوطني ويتجاهل ما عاشته تونس من بناء وتشييد ونمو موثق. النقد ضروري، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى إنكار للتاريخ.

في سبعينية الاستقلال، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف ننتقل من دولة بُنيت منذ 1956 إلى دولة تُجدّد نفسها في أفق 2050؟ هنا تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية واضحة: اقتصاد منتج قائم على المعرفة، قادر على تحقيق نسب نمو تتجاوز 5%، خفض البطالة إلى أقل من 10% عبر الاستثمار والتشغيل، رفع نسبة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 30% من الإنتاج الطاقي، وتعزيز الطبقة الوسطى التي تميل اليوم الاضمحلال، وتحسين جودة التعليم والصحة وربطها بالتكنولوحيات الحديثة و اعادة تجذير الهوية والقيم في المجتمع.

الاستقلال اليوم لم يعد معركة تحرير أرض، بل معركة قيم وانفتاح وتجذر وجودة: جودة التعليم، جودة القرار، جودة الحياة. وهو نضال مستمر، يتطلب وعيا جماعيا وانخراطا فعليا.

وهنا تلتقي رمزية الفطر مع معنى الاستقلال. الفطر ليس فقط نهاية صوم بل بداية صفاء وتجدد والاستقلال ليس نهاية استعمار بل مسار يتجدد. بينهما خيط واحد: بناء الفرد و بناء الدولة باستمرار وتجدد بعد أن تطهر الفرد بالصيام والوطن بالاستقلال.

رحم الله من ساهم في استقلال تونس، من قادة الحركة الوطنية ومناضلين مجهولين، والوفاء لهم يكون بمواصلة البناء. سبعون سنة مضت، لا لنكتفي بها، بل لننطلق منها نحو مرحلة جديدة، يكون عنوانها: تونس توقظ قرطاجها، وتُصالح بين تاريخها ومستقبلها.

رانيا الحمامي

ومراجعة عميقة، فسبعون عاما لا تُقاس بطولها، بل بكثافة ما راكمته من تحولات واختبارات.

عندما حصلت تونس على استقلالها، لم تكن أمامها دولة جاهزة بل مشروع دولة. وكانت المهمة الأولى تأسيسية بامتياز: بناء الإدارة، تعميم التعليم عبر إصلاحات استشرافية، وإرساء منظومة صحية عمومية، وصياغة هوية وطنية جامعة. وقد تجسد هذا التوجه بوضوح في إصدار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، التي شكّلت تحولاً اجتماعياً عميقاً في وضع المرأة والأسرة. فبعد أن كانت نسبة الأمية تفوق 80% في الخمسينات، انخفضت تدريجياً إلى أقل من 20% في العقود الأخيرة، في مؤشر واضح على نجاح خيار التعليم.

خلال الفترة الممتدة بين الستينات والثمانينات، تشكّل ما يمكن تسميته بـ"العقد الاجتماعي التونسي": طبقة وسطى صاعدة، تعليم عمومي واسع، وبرامج تنموية كبرى. فكانت تجربة التعاضد في الستينات، ثم التحول نحو الاقتصاد المنفتح في السبعينات مع تنمية السياحة والصناعات التصديرية. وقد حققت تونس في بعض الفترات نسب نمو قاربت 5% سنوياً، وارتفعت نسبة التمدرس في التعليم الابتدائي إلى أكثر من 90%. غير أن هذا المسار لم يكن خطياً، فقد رافقته اختلالات اقتصادية واجتماعية ظهرت خاصة في أواخر السبعينات، دفعت الى احتجاجات مثل أحداث جانفي 1978 (الخميس الأسود)، ثم انتفاضة الخبز سنة 1984.

فكان 7 نوفمبر 1987 مرحلة جديدة سعت الى إعادة الاستقرار والنمو، والى توسيع البنية التحتية، وتحديث الاقتصاد، خاصة في مجالات الاتصالات والصناعات الموجهة للتصدير. وقد ساهم ذلك في تخفيض نسبة الفقر من حوالي 30% في الثمانينات إلى أقل من 15% في بداية الألفينات، مع تحسن مؤشرات الصحة والتعليم. لكن رافق هذا المسار قيود سياسية، ما جعل التوازن بين التنمية والحرية هشا.

ثم كان 14 جانفي 2011 - ليس مجرد حدث سياسي - نقطة تحول تاريخية أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، لم تُلغِ ما سبقها، بل كشفت اختلالاته وفتحت أفقاً جديداً، تجسّد في دستور 2014، وفي تجربة ديمقراطية فريدة في المنطقة، رغم ما رافقها من صعوبات اقتصادية واغتيالات. فمنذ 2011، تراوحت نسب النمو بين 1% و2% في المعدل، مع ارتفاع نسبة البطالة إلى حدود 15% وطنياً، وتجاوزها 30% في بعض الجهات الداخلية، وتدهور قيمي وتعليمي وهو ما يعكس عمق التحديات.

اقتصادياً، لم تكن تونس دولة غنية بالموارد الطبيعية، لكنها استثمرت في الإنسان. هذا الاختيار أنتج كفاءات معترفاً بها دولياً، حيث يُقدّر عدد التونسيين المقيمين بالخارج بأكثر من 1.8 مليون، يساهمون بتحويلات مالية تمثل حوالي 5% من الناتج الداخلي الخام. كما أن آلاف المهندسين والأطباء يغادرون سنوياً، في مؤشر على جودة التكوين من جهة، وصعوبة الاستيعاب الداخلي من جهة أخرى.

اجتماعياً، حافظت تونس على خصوصية لافتة في محيطها: مجتمع مدني نشط، تجلّى في دور الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات أخرى، وقدرته على لعب دور وطني، كما حدث في الحوار الوطني سنة 2013. كما تبلغ نسبة مشاركة النساء في التعليم العالي أكثر من 60%، وهو مؤشر قوي على التحول الاجتماعي العميق الذي عرفته البلاد.

في البعد الدولي، لم تكن تونس معزولة يوما. منذ الاستقلال، نسجت علاقات قوية مع شركائها الأوروبيين، جعلت المبادلات التجارية تفوق 70%. كما طورت علاقاتها مع إفريقيا في السنوات الأخيرة، في توجه استراتيجي جديد. والحفاظ على هذه العلاقات وتطويرها لم يعد خيارا، بل ضرورة في عالم مترابط.

في مقابل هذا المسار، برز منذ 2011 خطاب يشكك في قيمة الاستقلال أو يقلل من شأنه. وهو خطاب يتجاهل أن دولا عديدة ما تزال تعيش صراعات على السيادة، وأن غياب الاستقلال يعني غياب القرار الوطني ويتجاهل ما عاشته تونس من بناء وتشييد ونمو موثق. النقد ضروري، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى إنكار للتاريخ.

في سبعينية الاستقلال، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف ننتقل من دولة بُنيت منذ 1956 إلى دولة تُجدّد نفسها في أفق 2050؟ هنا تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية واضحة: اقتصاد منتج قائم على المعرفة، قادر على تحقيق نسب نمو تتجاوز 5%، خفض البطالة إلى أقل من 10% عبر الاستثمار والتشغيل، رفع نسبة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 30% من الإنتاج الطاقي، وتعزيز الطبقة الوسطى التي تميل اليوم الاضمحلال، وتحسين جودة التعليم والصحة وربطها بالتكنولوحيات الحديثة و اعادة تجذير الهوية والقيم في المجتمع.

الاستقلال اليوم لم يعد معركة تحرير أرض، بل معركة قيم وانفتاح وتجذر وجودة: جودة التعليم، جودة القرار، جودة الحياة. وهو نضال مستمر، يتطلب وعيا جماعيا وانخراطا فعليا.

وهنا تلتقي رمزية الفطر مع معنى الاستقلال. الفطر ليس فقط نهاية صوم بل بداية صفاء وتجدد والاستقلال ليس نهاية استعمار بل مسار يتجدد. بينهما خيط واحد: بناء الفرد و بناء الدولة باستمرار وتجدد بعد أن تطهر الفرد بالصيام والوطن بالاستقلال.

رحم الله من ساهم في استقلال تونس، من قادة الحركة الوطنية ومناضلين مجهولين، والوفاء لهم يكون بمواصلة البناء. سبعون سنة مضت، لا لنكتفي بها، بل لننطلق منها نحو مرحلة جديدة، يكون عنوانها: تونس توقظ قرطاجها، وتُصالح بين تاريخها ومستقبلها.

* كاتبة و مهندسة تونسية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...