حين يكتب الشعراءُ العربُ عن الحب، يكتبون عن الحبيبة البعيدة أو المتمنعة أو الممنوعة.
أما الزوجة، فنادرا ما يكتبون عنها. وأغلبُ هذا النادر في الشكوى من خيانتها، أو من عذلها لزوجها على البَـذْلِ والإنفاق، وعلى السفر والتطواف.. أو في تشكيها من شيبه وشيخوخته.. أو في رثائها بعد موتها.
يحكون في المصادر القديمة عن (جُحْـرٍ آكِلِ الـمُـرار) الجد الأعلى لامرئ القيس، وعن خيانة زوجه (هند) له مع عدوه، وكيف قتلها، واستخلصَ من خيانتها درساً نظمه شعرا، فقال:
إنَّ مَـنْ غَــرَّهُ النساءُ بشيءٍ
بعد هندٍ لَـجاهلٌ مـغـرورُ
حُـلْوَةُ العين واللسان، وَمُـرٌّ
كـلُّ شيءٍ أَجَـنَّ منها الـضـمـيـرُ
كـلُّ أُنـثى، وإنْ بدا لك منها
آيـةُ الحب، حُـبُّـها خَـيْـتَـعُـورُ
والخَـيْـتَـعُـورُ هو كلُّ شيء يزول ويضمحلُّ بسرعةٍ مثل السراب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى الجاحظُ في (البيان والتبيين) هذه القطعة الجميلة للشاعر الجاهلي القديم عَـبِـيـد بن الأبرص الأسدي (معاصر امرئ القيس):
تلك عِـرْسي غَضْبَى تريد زِيالي
ألِـبَـيْــنٍ تُـــريـدُ أم لِــدَلالِ
إنْ يكـنْ طِـبُّـكِ الفراقَ فلا أَحْفِـلُ
أنْ تَعْطِفي صدورَ الجِـمالِ
أو يَـكُنْ طِبُّـكِ الـدَّلالَ، فَلَوْ في
سالفِ الـدهرِ والسنينَ الـخَـوَالِي
وأنتِ بيضاءُ كالـمَـهَاةِ وإِذْ آتيكِ
نَـشْـوانَ مُـرْخِـيـاً أَذْيَـالي
فاتركي خَـطَّ حاجِبَيْـكِ وعـيشي
معنا بالرجاء والـتَّأْمَـالِ
زَعَـمَـتْ أنني كَبِـرْتُ وأني
قَـلَّ مالي وضَـنَّ عني الـمَـوالي
وصَـحَا باطلي وأصبحتُ شيخاً
لا يُـؤَاتي أمثالَها أمثالي
إنْ تَـرَيْـني تغَـيَّـرَ الرأسُ مني
وعَلَا الشيبُ مَفْـرِقي وقَـذالي
فَبِما أدخلُ الخِـباء على
مهضومةِ الكَشْحِ طَفْلَةٍ كالغَـزالِ
فَتَعَاطيتُ جِيدَها، ثم مالَتْ
مَيَلانَ القضيبِ بين الـرمالِ
ثم قالت: فِـدىً لنفسِكَ نفسي
وفِداءً لمال أهلكَ مـالي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى المفضَّلُ الضَّبِّي للشاعر الجاهلي الجُمَيْح الأسدي قولَه عن زوجِه من قصيدة:
1ــ أَمْسَـتْ أُمامَةُ صمتاً ما تُكَلِّمُنا
مجنونةٌ؟ أم أَحَسَّتْ أهلَ (خَـرُّوبِ)؟
2 ــ مَـرَّتْ براكبِ مَلْهُوزٍ فقال لها:
ضُـرِّي الجُمَيْحَ ومُسِّيهِ بتعذيبِ
3 ــ ولو أصابَـتْ لَقالَتْ وهي صادقَـةٌ:
إنَّ الرِّياضَةَ لا تُـنْـصِـبْـكَ للشّْـيـبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ أُمامة: زوجُ الشاعر
صمتاً: مصدرٌ قامَ مقامَ المشتق: أي صامتةً. والتعبيرُ بالمصدر هنا دَالٌّ: فكأنها، من طول صمتها، أصبحَتْ كلُّها صمتاً
(خَـرُّوب): ديارُ أهل الزوجة الذين يُحرِّضونها عليه.
2 ــ الجَمَلُ الـمَلْهوز: المَوْسومُ بسِمَةِ أهله. وكانت كلُّ قبيلةٍ تَسِمُ جِمالَها بسمة خاصة.
3 ــ الرياضة هنا: الترويض. كأن الزوجة تريد، بتحريض من أهلها، أن تُـرَوِّضَ زوجَها الشاعرَ الشيخَ على الطاعة والامتثال. ولكن الترويضَ لا ينفع مع الشيوخ الشِّـيـب. لذلك ينصحها الشاعرُ بألا تُتْعبَ نفسَها.
والنحاةُ والبلاغيون يستشهدون بالشطر الأخير من هذا البيت على إنشائية الخَبَر.. فجملة (لا تُنْصِبْكَ للشيب) هي خبرُ (إِنَّ). ورغم أنها خبرٌ في النحو، فهي إنشاءٌ في البلاغة لأنها جملةٌ طَلَبيةٌ بالنهي في (لا تُنْصِبْكَ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى ابنُ سلام في الطبقات بسنده قال:
تزوجَ النابغةُ (الجعدي) امرأةً من بني المجنون.. فنازعَتْه وادَّعَـتِ الطلاقَ، فكان يراها في منامه، فقال:
1 ــ مالي وما لابنة المجنونِ تَطْرُقُـني
بالليل؟ إنَّ نهاري منكِ يـكفيني
2 ــ لا أجْـذَعُ الـبَـوَّ، بَـوَّ الـزَّعْـمِ أرْأَمُهُ
ولا أُقيمُ بـدار العَـجْـزِ والـهُـونِ
3 ــ وشَـرُّ حَـشْـوِ خِـباءٍ أنـت مُـولِجُـهُ
مجنونةٌ هُـنَّـبَـاءٌ بنتُ مَـجْـنونِ
4 ــ تسْتَـخْـنِثُ الـوَطْبَ لم تنقُضْ مَريرتَهُ
وتأكـلُ الـحَـبَّ صِـرْفاً غَـيْـرَ مَطْحونِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ ابنة المجنون: يقصد: امرأة من بني المجنون
2 ــ البَوّ: جلدُ ولد الناقة، إذا هلك، يُحْشَى تبناً، ويُقَـرَّبُ منها لتدرَّ عليه اللبن. ولا أجذعه: لا أحبسه
أرأمه: أعطف عليه. والشاعرُ يقصد بصورة البو وعطف الناقة هنا: أنه لا يُخدَعُ بالأكاذيب.
3 ــ حشو الخباء: الزوجة
هُـنَّـبَاء: حمقاء حمقاً فاحشاً
ويلعب الشاعرُ في هذا البيت على العلاقة الصوتية بين جنون المرأة وحمقها، وبين كونها من بني المجنون، وقوله عنها: (حَشْوُ خِباء) تعبير عن ازدرائه لها.
4 ــالـوَطْـبُ: قِرْبَةٌ من الجلد تُدبغُ وتُتَّـخَـذُ سِقاءً خاصاً باللبن.
تستخنثُ الوطبَ: تثني فاه إلى الخارج لتشرب منه مباشرةً، بدل أن تصب منه في كوب.
لم تنقض مريرةَ الوطب: لم تَـحُـلَّ رباطَه لِلهفتها، ويبلغ شَـرَهُها أنها تأكل الحَـبَّ غير مطحون وغير مأدوم. واستعمل ساخراً: كلمة (صِرْفاً) التي تعني الخمر دون مزاج، للدلالة على الحَـبِّ غير المطحون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى ابنُ سلام في الطبقات، قال:
كانت عند الـشَّـمَّاخ (بن ضرار الذبياني) امرأةٌ من بني سُلَيْم.. فنازَعَتْهُ، وادَّعَتْ عليه طلاقاً، وحضرَ معها قومُها (من بني سليم)، فأعانوها، واختصموا إلى كثير بن الصلت، وكان عثمانُ أقْعَدَه للنظر بين الناس.. فرأى كثير على الشماخ يميناً، فالتَوَى الشماخُ باليمين (رفضَ الحَـلِفَ)، يُحَرِّضُهم عليها، ثم حَلَفَ. وقال:
أتَتْني سُلَيْمٌ قَضُّها وقَضيضُها
تُمَسِّحُ حولي بالبقيع سِبَالَها
يقولون لي: يا احلفْ، ولستُ بحالِـفٍ
أُخاتِلُهمْ عنها لِـكَـيْـمَا أنالَـها
فَـفَـرَّجْـتُ هَمَّ النفس عني بِحَـلْـفَـةٍ
كما شَـقَّـتِ الشقراءُ عنها جِـلالَها
وفي ديوان الشماخ (تحقيق صلاح الدين الهادي):
يُروَى أن الشماخَ تزوج امرأةً من بني سليم.. وكان قد ضربها وكسرَ يدَها، فأتت أهلَها وادَّعَتْ عليه طلاقاً، واختصموا إلى كثير بن الصلت.. فأنكر الشماخُ أنه ضربها، فاستحلفوه، فجعل يُغلظُ عليهم أمرَ اليمينِ وشدتَها عليه، ليرضوْا بها منه، حتى رَضُوا، فحَلَفَ لهم وانصرف. )
ويَشَبِّهُ الشماخُ خروجَه من هذه المشكلة بعد أن حلفَ، بخروج الفرس من جلالها (ما يُلبسونه الفرسَ صيانةً لها). هكذا يقول ابنُ قتيبة وهو يشرح البيتَ في كتاب المعاني الكبير. ويرى محمود شاكر محققُ الطبقات أن تفسيرَ ابنِ قتيبةَ غيرُ حَسَن، وأن الأحسنَ أن نرى الشقراءَ في البيت امرأةً حسناء بيضاء تخرج من كلَّـتِها أو قُـبَّـتِها أو ثيابِها المُوَشَّاة.
وأنا إلى تفسير ابن قتيبة أَمْيَلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويُرْوَى عن أعشَى بني الحِـرْمَاز، وكان صحابياً، أنه شكا إلى النبي صلى اللهُ عليه وسلم من زوجته التي هـربَتْ وتركتْه. قال: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأنشدتُه:
يا مالكَ الناس وَدَيَّانَ العَـرَبْ
تَنْمي إلى ذروة عبدِ الـمُـطَّـلِـبْ
تلك قُرومٌ سادةٌ قِدْماً نُـجُـبْ
أشكو إليك ذِرْبَـةً من الـذِّرَبْ
ذهبتُ أبغيها الطعامَ في رَجَـبْ
فَخَـلَـفَـتْـني بنزاعٍ وهَـرَبْ
وتَرَكَتْـني وَسْطَ عيشٍ ذي أَشَـبْ
أَكْـمَـهَ لا أُبصرُ عُقدةَ الـكُـرَبْ
أخْلَفَتِ العهدَ ولَـطَّـتْ بالـذَّنَـبْ
وهُـنَّ شَـرُّ غالبٍ لِـمَـنْ غَـلَـبْ
قال: فجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول عند ذاك: (وهُـنَّ شَـرُّ غالبٍ لمن غَلَبْ).
وروى الرواةُ أن النبيَّ أعاد زوجته إليه، وكان اسمُها (مَعاذَة)، فقال:
لَعَمْـرُكَ ما حبي مَعاذَةَ بالذي
يُغَـيِّـرُهُ الواشي ولا قِـدَمُ العهدِ
ولا سوءُ ما جاءتْ به، إذْ أزالَها
غُـواةُ الـرجالِ إذْ يُنادونها بعدي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غير أن هناك شعراءَ، على ندرتهم، أحبوا زوجاتهم وتحدثوا عن هذا الحب في شعرهم. ومنهم القاضي شُريح الكندي قاضي عُمَرَ على الكوفة الذي قال عن زوجته زينب:
رأيتُ رجالاً يضربون نساءَهم
فَشَـلَّـتْ يميني يومَ أضربُ زينبَا
أَأَضربُها في غير ذنبٍ أَتَتْ به
وما العدلُ مني ضربُ من ليس مذنبا
فزينبُ شمسٌ والنساءُ كواكبٌ
إذا طَلَعَتْ لم تُـبْـدِ منهنَّ كوكبا
وكلُّ مُـحِـبٍّ يمنحُ الـودَّ إلْفَـهُ
ويعذرُهُ يوماً إذا هو أذْنَـبَـا
ويقول الحماسيّ:
وما أنا بالساعي إلى أُمِّ عـاصِمٍ
لأضربَها، إني إذنْ لَـجَـهولُ
لكِ البيتُ إلا فينةً تحبسينها
إذا حانَ من ضيفٍ عليَّ نُـزولُ
وما أنا بالمُقْتات ما في وعائها
لأعلمَه، إني إذنْ لَـسَـؤولُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهناك شعراءُ طلقوا زوجاتهم، ثم ندموا وتحدثوا في شعرهم عن حبهم وعن ندمهم. وربما كان أقدمهم عبد الله بن أبي بكر الصديق، فقد أكرهه أبوه على طلاق زوجته، فطلقها، ثم ندم، وأخذ يقول فيها الأشعارَ ويهيم بها حتى رَقَّ له أبوه، فسمحَ له بمراجعتها.
ومن قوله فيها:
ولم أر مثلي طَـلَّـقَ اليومَ مثلَها
ولا مثلَها في غير جُـرْمٍ تُـطَـلَّـقُ
ويروون أشعاراً للفرزدق في (نًـوار) بعد أن طلقها، منها قولُه:
ندمتُ ندامةَ الـكُـسَـعِـيِّ لَـمَّا
غَـدَتْ مني مُـطَـلَّـقَـةً نَـوَارُ
وكانتْ جَـنَّـتي فخرجتُ منها
كَـآدَمَ حين لَـجَّ به الـضِّـرارُ
وكنتُ كَـفاقِـئٍ عينَيْه عَـمْـداً
فأصبحَ ما يُضيء له الـنهـارُ
ولو رَضِـيَـتْ يدايَ بها وقَـرَّتْ
لَكانَ لها على الـقَـدَرِ الخِـيَـارُ
وما فارقتُها شِبَعاً، ولكنْ
رأيتُ الـدهرَ يـأخـذُ ما يُـعارُ
ومن هؤلاء الشعراء أبو قطيفة (عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط)، الذي طلقَ زوجَه، ثم قال:
فيا أسفا لِفُرْقة أمِّ عَـمْـرٍو
ورحلة أهلها نحو الـعراقِ
فليس إلى زيارتها سبيلٌ
ولا حتى القيامة من تلاقِ
لَعَـلَّ اللهَ يُرجعُها إلينا
بموتٍ من حَـليلٍ أو طَـلاقِ
فأرجع شامتاً وتَـقَـرّ عيني
ويجمع شملُنا بعد افتـراق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن الشعراء من كتموا حبهم لزوجاتهم حتى فضحه موتُ الزوجات، فقالوا فيهنَّ رثاءً يُفَـتِّـتُ الأكباد:
يقول جرير في زوجته المتوفاة قصيدةً مؤثرةً مطلعها:
لولا الحياءُ لَعادني اسْتعبارُ
ولَزرتُ قبركِ، والحبيبُ يُـزارُ
ويقول فيها:
ولقد أراكِ كُسِيتِ أجملَ منظـرٍ
ومع الجمــال سكينةٌ وَوَقَـارُ
والـريحُ طيبةٌ إذا استقبلتِـها
والعِـرْضُ لا دَنِسٌ ولا خَـوَّارُ
صَـلَّى الملائكةُ الـذين تُـخُـيِّـرُوا
والصالحون عليكِ والأبـرارُ
كان الخليطُ هُمُ الخليط فأصبحوا
مُتَبَـدِّلين وبالديـارِ ديـارُ
لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتـفَـرَّقوا
لـيـلٌ يَـكُـرُّ عليهـمُ ونـهـارُ
وأورد أبو تمام في باب المراثي من حماسته قطعةً مؤثرة لشاعر اسمه(مُـوَيْلِـك المزموم) يقول فيها:
امْـرُرْ على الـجَـدَثِ الذي حَـلَّتْ به
أُمُّ الـعلاء، فنادِها لـوْ تـسـمـعُ
أَنَّـى حَـلَلْـتِ وكنتِ جِـدَّ فَـروقَـةٍ
بـلـداً يـمُـرُّ بـه الشجاعُ فـيَـفْـزعُ
صَلَّى عليكِ اللهُ من مَقْـبورةٍ
إذْ لا يُـلائمُكِ الـمـكانُ الـبَـلْـقَـعُ
فَلَقد تركتِ صغـيـرةً مـرحومـةً
لم تـدْرِ ما جَـزَعٌ عليكِ فَـتَـجْـزَعُ
فَقَـدَتْ شَمائلَ من لِـزامكِ حُلْوَةً
فتبيتُ تسهـرُ ليلَها وتَـفَـجَّـعُ
فإذا سمعتُ أَنينَها في ليلها
طَـفِـقَـتْ عليكِ جُفونُ عيني تَـدْمَـعُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و(اللِّـزامُ) في قوله (فقَدَتْ شمائلَ من لِـزامكِ حُلْوَةً) هو الـعِـناق. وكذلك التلازمُ والالتزام. يقول الـعَـرْجي:
(فَتَلازَما عند الفراقِ صَـبابَـةً
أَخْـذَ الـغـريمِ بفضلِ ثوبِ الـمُـعْـسِـرِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن الشعراء من يولَعُ بزوجات الآخرين، ويفتخر بالوصول إليهنَّ رغم أزواجهنَّ. وربما كان أجملُ ما قيل في ذلك وأقدمُهُ هو قولُ امرئ القيس:
سموتُ إليها بعدما نامَ أهلُها
سُمُوَّ حَبابِ الماء حالاً على حالِ
فقالت: سَباكَ اللهُ، إنك فاضحي
ألستَ ترى السُّـمَّـارَ والناسَ أحوالي؟
فقلتُ: يمينَ اللهِ أبرحُ قاعداً
ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوْصالي
حلفتُ لها بالله حِلْـفَةَ فاجِـرٍ
لَـناموا، فما إنْ مِنْ حديثٍ ولا صَالِ
فلما تنازعنا الحديثَ وأَسْـمَـحَـتْ
هصرتُ بغصنٍ ذي شَماريخَ مَـيَّالِ
فأصبحتُ معشوقاً وأصبحَ بعلُها
عليه القَتامُ سيئَ الظَّـنِّ والبالِ
يَغُطُّ غطيطَ البَـكْـرِ شُـدَّ خِناقُهُ
لِيقتلَني، والمرءُ ليس بِـقَـتَّـالِ
أَيقتلني والمَـشْـرَفِـيُّ مُضاجِعي
ومَسْـنونةٌ زُرْقٌ كأنياب أغْـوالِ..
أما الزوجة، فنادرا ما يكتبون عنها. وأغلبُ هذا النادر في الشكوى من خيانتها، أو من عذلها لزوجها على البَـذْلِ والإنفاق، وعلى السفر والتطواف.. أو في تشكيها من شيبه وشيخوخته.. أو في رثائها بعد موتها.
يحكون في المصادر القديمة عن (جُحْـرٍ آكِلِ الـمُـرار) الجد الأعلى لامرئ القيس، وعن خيانة زوجه (هند) له مع عدوه، وكيف قتلها، واستخلصَ من خيانتها درساً نظمه شعرا، فقال:
إنَّ مَـنْ غَــرَّهُ النساءُ بشيءٍ
بعد هندٍ لَـجاهلٌ مـغـرورُ
حُـلْوَةُ العين واللسان، وَمُـرٌّ
كـلُّ شيءٍ أَجَـنَّ منها الـضـمـيـرُ
كـلُّ أُنـثى، وإنْ بدا لك منها
آيـةُ الحب، حُـبُّـها خَـيْـتَـعُـورُ
والخَـيْـتَـعُـورُ هو كلُّ شيء يزول ويضمحلُّ بسرعةٍ مثل السراب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى الجاحظُ في (البيان والتبيين) هذه القطعة الجميلة للشاعر الجاهلي القديم عَـبِـيـد بن الأبرص الأسدي (معاصر امرئ القيس):
تلك عِـرْسي غَضْبَى تريد زِيالي
ألِـبَـيْــنٍ تُـــريـدُ أم لِــدَلالِ
إنْ يكـنْ طِـبُّـكِ الفراقَ فلا أَحْفِـلُ
أنْ تَعْطِفي صدورَ الجِـمالِ
أو يَـكُنْ طِبُّـكِ الـدَّلالَ، فَلَوْ في
سالفِ الـدهرِ والسنينَ الـخَـوَالِي
وأنتِ بيضاءُ كالـمَـهَاةِ وإِذْ آتيكِ
نَـشْـوانَ مُـرْخِـيـاً أَذْيَـالي
فاتركي خَـطَّ حاجِبَيْـكِ وعـيشي
معنا بالرجاء والـتَّأْمَـالِ
زَعَـمَـتْ أنني كَبِـرْتُ وأني
قَـلَّ مالي وضَـنَّ عني الـمَـوالي
وصَـحَا باطلي وأصبحتُ شيخاً
لا يُـؤَاتي أمثالَها أمثالي
إنْ تَـرَيْـني تغَـيَّـرَ الرأسُ مني
وعَلَا الشيبُ مَفْـرِقي وقَـذالي
فَبِما أدخلُ الخِـباء على
مهضومةِ الكَشْحِ طَفْلَةٍ كالغَـزالِ
فَتَعَاطيتُ جِيدَها، ثم مالَتْ
مَيَلانَ القضيبِ بين الـرمالِ
ثم قالت: فِـدىً لنفسِكَ نفسي
وفِداءً لمال أهلكَ مـالي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى المفضَّلُ الضَّبِّي للشاعر الجاهلي الجُمَيْح الأسدي قولَه عن زوجِه من قصيدة:
1ــ أَمْسَـتْ أُمامَةُ صمتاً ما تُكَلِّمُنا
مجنونةٌ؟ أم أَحَسَّتْ أهلَ (خَـرُّوبِ)؟
2 ــ مَـرَّتْ براكبِ مَلْهُوزٍ فقال لها:
ضُـرِّي الجُمَيْحَ ومُسِّيهِ بتعذيبِ
3 ــ ولو أصابَـتْ لَقالَتْ وهي صادقَـةٌ:
إنَّ الرِّياضَةَ لا تُـنْـصِـبْـكَ للشّْـيـبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ أُمامة: زوجُ الشاعر
صمتاً: مصدرٌ قامَ مقامَ المشتق: أي صامتةً. والتعبيرُ بالمصدر هنا دَالٌّ: فكأنها، من طول صمتها، أصبحَتْ كلُّها صمتاً
(خَـرُّوب): ديارُ أهل الزوجة الذين يُحرِّضونها عليه.
2 ــ الجَمَلُ الـمَلْهوز: المَوْسومُ بسِمَةِ أهله. وكانت كلُّ قبيلةٍ تَسِمُ جِمالَها بسمة خاصة.
3 ــ الرياضة هنا: الترويض. كأن الزوجة تريد، بتحريض من أهلها، أن تُـرَوِّضَ زوجَها الشاعرَ الشيخَ على الطاعة والامتثال. ولكن الترويضَ لا ينفع مع الشيوخ الشِّـيـب. لذلك ينصحها الشاعرُ بألا تُتْعبَ نفسَها.
والنحاةُ والبلاغيون يستشهدون بالشطر الأخير من هذا البيت على إنشائية الخَبَر.. فجملة (لا تُنْصِبْكَ للشيب) هي خبرُ (إِنَّ). ورغم أنها خبرٌ في النحو، فهي إنشاءٌ في البلاغة لأنها جملةٌ طَلَبيةٌ بالنهي في (لا تُنْصِبْكَ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى ابنُ سلام في الطبقات بسنده قال:
تزوجَ النابغةُ (الجعدي) امرأةً من بني المجنون.. فنازعَتْه وادَّعَـتِ الطلاقَ، فكان يراها في منامه، فقال:
1 ــ مالي وما لابنة المجنونِ تَطْرُقُـني
بالليل؟ إنَّ نهاري منكِ يـكفيني
2 ــ لا أجْـذَعُ الـبَـوَّ، بَـوَّ الـزَّعْـمِ أرْأَمُهُ
ولا أُقيمُ بـدار العَـجْـزِ والـهُـونِ
3 ــ وشَـرُّ حَـشْـوِ خِـباءٍ أنـت مُـولِجُـهُ
مجنونةٌ هُـنَّـبَـاءٌ بنتُ مَـجْـنونِ
4 ــ تسْتَـخْـنِثُ الـوَطْبَ لم تنقُضْ مَريرتَهُ
وتأكـلُ الـحَـبَّ صِـرْفاً غَـيْـرَ مَطْحونِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ ابنة المجنون: يقصد: امرأة من بني المجنون
2 ــ البَوّ: جلدُ ولد الناقة، إذا هلك، يُحْشَى تبناً، ويُقَـرَّبُ منها لتدرَّ عليه اللبن. ولا أجذعه: لا أحبسه
أرأمه: أعطف عليه. والشاعرُ يقصد بصورة البو وعطف الناقة هنا: أنه لا يُخدَعُ بالأكاذيب.
3 ــ حشو الخباء: الزوجة
هُـنَّـبَاء: حمقاء حمقاً فاحشاً
ويلعب الشاعرُ في هذا البيت على العلاقة الصوتية بين جنون المرأة وحمقها، وبين كونها من بني المجنون، وقوله عنها: (حَشْوُ خِباء) تعبير عن ازدرائه لها.
4 ــالـوَطْـبُ: قِرْبَةٌ من الجلد تُدبغُ وتُتَّـخَـذُ سِقاءً خاصاً باللبن.
تستخنثُ الوطبَ: تثني فاه إلى الخارج لتشرب منه مباشرةً، بدل أن تصب منه في كوب.
لم تنقض مريرةَ الوطب: لم تَـحُـلَّ رباطَه لِلهفتها، ويبلغ شَـرَهُها أنها تأكل الحَـبَّ غير مطحون وغير مأدوم. واستعمل ساخراً: كلمة (صِرْفاً) التي تعني الخمر دون مزاج، للدلالة على الحَـبِّ غير المطحون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى ابنُ سلام في الطبقات، قال:
كانت عند الـشَّـمَّاخ (بن ضرار الذبياني) امرأةٌ من بني سُلَيْم.. فنازَعَتْهُ، وادَّعَتْ عليه طلاقاً، وحضرَ معها قومُها (من بني سليم)، فأعانوها، واختصموا إلى كثير بن الصلت، وكان عثمانُ أقْعَدَه للنظر بين الناس.. فرأى كثير على الشماخ يميناً، فالتَوَى الشماخُ باليمين (رفضَ الحَـلِفَ)، يُحَرِّضُهم عليها، ثم حَلَفَ. وقال:
أتَتْني سُلَيْمٌ قَضُّها وقَضيضُها
تُمَسِّحُ حولي بالبقيع سِبَالَها
يقولون لي: يا احلفْ، ولستُ بحالِـفٍ
أُخاتِلُهمْ عنها لِـكَـيْـمَا أنالَـها
فَـفَـرَّجْـتُ هَمَّ النفس عني بِحَـلْـفَـةٍ
كما شَـقَّـتِ الشقراءُ عنها جِـلالَها
وفي ديوان الشماخ (تحقيق صلاح الدين الهادي):
يُروَى أن الشماخَ تزوج امرأةً من بني سليم.. وكان قد ضربها وكسرَ يدَها، فأتت أهلَها وادَّعَتْ عليه طلاقاً، واختصموا إلى كثير بن الصلت.. فأنكر الشماخُ أنه ضربها، فاستحلفوه، فجعل يُغلظُ عليهم أمرَ اليمينِ وشدتَها عليه، ليرضوْا بها منه، حتى رَضُوا، فحَلَفَ لهم وانصرف. )
ويَشَبِّهُ الشماخُ خروجَه من هذه المشكلة بعد أن حلفَ، بخروج الفرس من جلالها (ما يُلبسونه الفرسَ صيانةً لها). هكذا يقول ابنُ قتيبة وهو يشرح البيتَ في كتاب المعاني الكبير. ويرى محمود شاكر محققُ الطبقات أن تفسيرَ ابنِ قتيبةَ غيرُ حَسَن، وأن الأحسنَ أن نرى الشقراءَ في البيت امرأةً حسناء بيضاء تخرج من كلَّـتِها أو قُـبَّـتِها أو ثيابِها المُوَشَّاة.
وأنا إلى تفسير ابن قتيبة أَمْيَلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويُرْوَى عن أعشَى بني الحِـرْمَاز، وكان صحابياً، أنه شكا إلى النبي صلى اللهُ عليه وسلم من زوجته التي هـربَتْ وتركتْه. قال: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأنشدتُه:
يا مالكَ الناس وَدَيَّانَ العَـرَبْ
تَنْمي إلى ذروة عبدِ الـمُـطَّـلِـبْ
تلك قُرومٌ سادةٌ قِدْماً نُـجُـبْ
أشكو إليك ذِرْبَـةً من الـذِّرَبْ
ذهبتُ أبغيها الطعامَ في رَجَـبْ
فَخَـلَـفَـتْـني بنزاعٍ وهَـرَبْ
وتَرَكَتْـني وَسْطَ عيشٍ ذي أَشَـبْ
أَكْـمَـهَ لا أُبصرُ عُقدةَ الـكُـرَبْ
أخْلَفَتِ العهدَ ولَـطَّـتْ بالـذَّنَـبْ
وهُـنَّ شَـرُّ غالبٍ لِـمَـنْ غَـلَـبْ
قال: فجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول عند ذاك: (وهُـنَّ شَـرُّ غالبٍ لمن غَلَبْ).
وروى الرواةُ أن النبيَّ أعاد زوجته إليه، وكان اسمُها (مَعاذَة)، فقال:
لَعَمْـرُكَ ما حبي مَعاذَةَ بالذي
يُغَـيِّـرُهُ الواشي ولا قِـدَمُ العهدِ
ولا سوءُ ما جاءتْ به، إذْ أزالَها
غُـواةُ الـرجالِ إذْ يُنادونها بعدي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غير أن هناك شعراءَ، على ندرتهم، أحبوا زوجاتهم وتحدثوا عن هذا الحب في شعرهم. ومنهم القاضي شُريح الكندي قاضي عُمَرَ على الكوفة الذي قال عن زوجته زينب:
رأيتُ رجالاً يضربون نساءَهم
فَشَـلَّـتْ يميني يومَ أضربُ زينبَا
أَأَضربُها في غير ذنبٍ أَتَتْ به
وما العدلُ مني ضربُ من ليس مذنبا
فزينبُ شمسٌ والنساءُ كواكبٌ
إذا طَلَعَتْ لم تُـبْـدِ منهنَّ كوكبا
وكلُّ مُـحِـبٍّ يمنحُ الـودَّ إلْفَـهُ
ويعذرُهُ يوماً إذا هو أذْنَـبَـا
ويقول الحماسيّ:
وما أنا بالساعي إلى أُمِّ عـاصِمٍ
لأضربَها، إني إذنْ لَـجَـهولُ
لكِ البيتُ إلا فينةً تحبسينها
إذا حانَ من ضيفٍ عليَّ نُـزولُ
وما أنا بالمُقْتات ما في وعائها
لأعلمَه، إني إذنْ لَـسَـؤولُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهناك شعراءُ طلقوا زوجاتهم، ثم ندموا وتحدثوا في شعرهم عن حبهم وعن ندمهم. وربما كان أقدمهم عبد الله بن أبي بكر الصديق، فقد أكرهه أبوه على طلاق زوجته، فطلقها، ثم ندم، وأخذ يقول فيها الأشعارَ ويهيم بها حتى رَقَّ له أبوه، فسمحَ له بمراجعتها.
ومن قوله فيها:
ولم أر مثلي طَـلَّـقَ اليومَ مثلَها
ولا مثلَها في غير جُـرْمٍ تُـطَـلَّـقُ
ويروون أشعاراً للفرزدق في (نًـوار) بعد أن طلقها، منها قولُه:
ندمتُ ندامةَ الـكُـسَـعِـيِّ لَـمَّا
غَـدَتْ مني مُـطَـلَّـقَـةً نَـوَارُ
وكانتْ جَـنَّـتي فخرجتُ منها
كَـآدَمَ حين لَـجَّ به الـضِّـرارُ
وكنتُ كَـفاقِـئٍ عينَيْه عَـمْـداً
فأصبحَ ما يُضيء له الـنهـارُ
ولو رَضِـيَـتْ يدايَ بها وقَـرَّتْ
لَكانَ لها على الـقَـدَرِ الخِـيَـارُ
وما فارقتُها شِبَعاً، ولكنْ
رأيتُ الـدهرَ يـأخـذُ ما يُـعارُ
ومن هؤلاء الشعراء أبو قطيفة (عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط)، الذي طلقَ زوجَه، ثم قال:
فيا أسفا لِفُرْقة أمِّ عَـمْـرٍو
ورحلة أهلها نحو الـعراقِ
فليس إلى زيارتها سبيلٌ
ولا حتى القيامة من تلاقِ
لَعَـلَّ اللهَ يُرجعُها إلينا
بموتٍ من حَـليلٍ أو طَـلاقِ
فأرجع شامتاً وتَـقَـرّ عيني
ويجمع شملُنا بعد افتـراق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن الشعراء من كتموا حبهم لزوجاتهم حتى فضحه موتُ الزوجات، فقالوا فيهنَّ رثاءً يُفَـتِّـتُ الأكباد:
يقول جرير في زوجته المتوفاة قصيدةً مؤثرةً مطلعها:
لولا الحياءُ لَعادني اسْتعبارُ
ولَزرتُ قبركِ، والحبيبُ يُـزارُ
ويقول فيها:
ولقد أراكِ كُسِيتِ أجملَ منظـرٍ
ومع الجمــال سكينةٌ وَوَقَـارُ
والـريحُ طيبةٌ إذا استقبلتِـها
والعِـرْضُ لا دَنِسٌ ولا خَـوَّارُ
صَـلَّى الملائكةُ الـذين تُـخُـيِّـرُوا
والصالحون عليكِ والأبـرارُ
كان الخليطُ هُمُ الخليط فأصبحوا
مُتَبَـدِّلين وبالديـارِ ديـارُ
لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتـفَـرَّقوا
لـيـلٌ يَـكُـرُّ عليهـمُ ونـهـارُ
وأورد أبو تمام في باب المراثي من حماسته قطعةً مؤثرة لشاعر اسمه(مُـوَيْلِـك المزموم) يقول فيها:
امْـرُرْ على الـجَـدَثِ الذي حَـلَّتْ به
أُمُّ الـعلاء، فنادِها لـوْ تـسـمـعُ
أَنَّـى حَـلَلْـتِ وكنتِ جِـدَّ فَـروقَـةٍ
بـلـداً يـمُـرُّ بـه الشجاعُ فـيَـفْـزعُ
صَلَّى عليكِ اللهُ من مَقْـبورةٍ
إذْ لا يُـلائمُكِ الـمـكانُ الـبَـلْـقَـعُ
فَلَقد تركتِ صغـيـرةً مـرحومـةً
لم تـدْرِ ما جَـزَعٌ عليكِ فَـتَـجْـزَعُ
فَقَـدَتْ شَمائلَ من لِـزامكِ حُلْوَةً
فتبيتُ تسهـرُ ليلَها وتَـفَـجَّـعُ
فإذا سمعتُ أَنينَها في ليلها
طَـفِـقَـتْ عليكِ جُفونُ عيني تَـدْمَـعُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و(اللِّـزامُ) في قوله (فقَدَتْ شمائلَ من لِـزامكِ حُلْوَةً) هو الـعِـناق. وكذلك التلازمُ والالتزام. يقول الـعَـرْجي:
(فَتَلازَما عند الفراقِ صَـبابَـةً
أَخْـذَ الـغـريمِ بفضلِ ثوبِ الـمُـعْـسِـرِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن الشعراء من يولَعُ بزوجات الآخرين، ويفتخر بالوصول إليهنَّ رغم أزواجهنَّ. وربما كان أجملُ ما قيل في ذلك وأقدمُهُ هو قولُ امرئ القيس:
سموتُ إليها بعدما نامَ أهلُها
سُمُوَّ حَبابِ الماء حالاً على حالِ
فقالت: سَباكَ اللهُ، إنك فاضحي
ألستَ ترى السُّـمَّـارَ والناسَ أحوالي؟
فقلتُ: يمينَ اللهِ أبرحُ قاعداً
ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوْصالي
حلفتُ لها بالله حِلْـفَةَ فاجِـرٍ
لَـناموا، فما إنْ مِنْ حديثٍ ولا صَالِ
فلما تنازعنا الحديثَ وأَسْـمَـحَـتْ
هصرتُ بغصنٍ ذي شَماريخَ مَـيَّالِ
فأصبحتُ معشوقاً وأصبحَ بعلُها
عليه القَتامُ سيئَ الظَّـنِّ والبالِ
يَغُطُّ غطيطَ البَـكْـرِ شُـدَّ خِناقُهُ
لِيقتلَني، والمرءُ ليس بِـقَـتَّـالِ
أَيقتلني والمَـشْـرَفِـيُّ مُضاجِعي
ومَسْـنونةٌ زُرْقٌ كأنياب أغْـوالِ..