د. رشيد هيبا - صورة من علاقة المغاربة بشخص النبي... قراءة في كتاب : " الرسول في الأدب المغربي الحديث عند الدكتور زكي كنون

التصميـــــــــم

تمهيـــــد
I/ في تأصيل الصورة المحمدية في الذاكرة المغربية
 العناية المبكرة بالتدوين والتأليف في مجال السيرة النبوية وشمائل الرسول
 احتفال المغاربة بعيد المولد النبوي.
 همزية وبردة البوصيري بين التأثير والتلقي.
 التصوف سبيل نحو ترسيخ الصورة المحمدية في الذاكرة المغربية.
II/ امتدادات الصورة المحمدية في الأدبية المغربية – حصر الإعلام والمجلات-
 فن الرسائل.
 نظم الأشعار.
 الخطاب السردي والمحبة المحمدية.
 منجز الدراسات في الأدبية المغربية الحديثة.
III / الصورة المحمدية في الأدبية المغربية – حصر القيم والدلالات –
خاتمـــــة
لائحة المراجع


المقدمة :
إن الشخصية المغربية تفردت وتميزت بمحبة الرسول  والانشغال بمدحه، فكانت المدائح النبوية من فنون الشعر التي أذاعها التصوف. وهي تعتبر لونا من ألوان التعبير عن المحبة الصادقة للرسول ، وهي باب من الأدب الرفيع، لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص، وتعتبر البيئة المغربية، خير مكان يرتع فيه هذا الفن ويكبر، نظرا للحب الكبير الذي يكنه المغاربة لنبيهم، ولعل من أهم مظاهر هذا الاهتمام الكبير، الثراء الأدبي والشعري الذي ميز مؤلفات المغاربة وإبداعاتهم، خاصة موضوع الاهتمام بشخصية الرسول ، حيث نجد مثلا كتاب " الشفا " لأبي الفضل القاضي عياض، الذي اشتهر في المشرق والمغرب، واحتفل به الناس، وعبروا من خلاله عن شوقهم العظيم لشخصية الرسول .
كما أن المغاربة عبروا عن هذا الحب والشوق، من خلال المعارضات الشعرية الكثيرة لبردة الإمام محمد شرف الدين البوصيري، وهمزيته.
لقد ظلت سيرة رسول الله  النموذج المثالي للحياة الإنسانية الحقة بكل أبعادها، والمعين العذب الذي لا ينضب على مر العصور والأجيال، ونالت من عناية العلماء قديما وحديثا، ما لم تنله سيرة نبي أو زعيم، وسيرة الرسول  لا تزال تحظى بمكانة مرموقة في الدراسات الحديثة والمعاصرة، رغم تباعد المسافة الزمنية بين العصر الراهن، وعصر النبوة، وكان للشعر في الثقافة العربية السبق في هذه العناية، حيث نظم الشعراء قصائد في مناسبات كثيرة، واستحضروا من خلالها الشمائل والفضائل والمواقف النبوية الكثيرة، ليتحول هذا المنزع الشعري الإنساني، شكلا من أشكال الاحتفاء بشخصية الرسول  على اعتبار أن المديح النبوي هو ذلك الشعر الذي يهتم بمدح النبي  وذلك بذكر صفاته الخُلقية والخِلقية، وإظهار الشوق لرؤيته وزيارة قبره، والأماكن المقدسة التي ترتبط بحياة الرسول  وهذه المدائح النبوية بحسب تعريف الدكتور زكي مبارك هي " فن من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، وهي لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع، لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص" ، وهذه المدائح النبوية ضمن دائرة الأدب المغربي القديم أو الحديث كانت تشكل مبعث افتخار وتعبير عن انتماء للهوية العربية، الإسلامية، رغم بعد المسافة بين أهل المغرب وأهل المشرق، خاصة في بلاد الحجاز.
كما أن هذه المدائح والأشعار المرتبطة بشخصية الرسول  ، ساهمت في استفزاز ملكات الدارسين الذين جمعوا بين عنصر البحث العلمي الأكاديمي، وبين العاطفة المرتبطة بمحبة الرسول ، وقد تجلى هذا الأمر في دراسات كثيرة لعل أهمها منجز الدكتور أحمد زكي كنون رحمه الله، من خلال كتاب" محمد  في الأدب المغربي الحديث – إشارات ونماذج – وهذا المنجز العلمي بحسب الدارس، كان بسبب مجموعة من العوامل ذكرها في مقدمة الكتاب:
 محبة الرسول ، والاهتمام به من خلال الأدب العربي الحديث.
 إنجاز أطروحة الدكتوراه في نفس الموضوع تحت إشراف الدكتور محمد الكتاني.
 التواضع العلمي لدى الدارس، فقد أشار إلى اللوم الذي تلقاه من بعض الأحبة، الذي استغربوا عدم إشارته لما كتبه المغاربة عن رسول الإنسانية ضمن أطروحته.
 تطور البحث الأكاديمي في الجامعة المغربية عامة
 وجود دراسات وأبحاث في الموضوع، حيث أشار الدارس إلى المنجز في الموضوع، لدى المرحوم محمد الدناي، والدكتور أحمد العراقي، والدكتور عبد الله بنصر العلوي، وكل هؤلاء الدارسين يشتركون نفس الفضاء العلمي، وهو كلية - الآداب والعلوم الإنسانية ، ظهر المهراز – فاس – إن مثل هذه العوامل وغيرها كحضور الرسول  قويا في قلوب وعقول المغاربة ، واهتمام الشراح المغاربة بقصيدة البردة وشروحها، وهمزيته كذلك تقديم مستفيض لمجموعة من نماذج المخطوطات والمطبوعات التي اهتمت بالبردة والهمزية ، قد ساهمت في إخراج هذه الدراسة.
I/ في تأصيل الصورة المحمدية في الذاكرة المغربية
إن محبة النبي ، هي الميل إلى ما يوافق الإنسان، وهذه الموافقة إما أن تكون بتحقيق اللذة الداخلية بإدراكه، أو تكون للاستلذاذ العقلي، كحب الصالحين والعلماء. وقد اجتمعت هذه الأسباب الموجبة للمحبة كلها في حقه ، ومحبة الرسول  لها فضل وثواب عظيم، حيث قال تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" ، وهذه المحبة فرض على كل مسلم، حيث قال ابن قدامة المقدسي: وأعلم أن الأمة مجمعة على أن الحب لله ولرسوله فرض" ، وهذه المحبة الغامرة في الذات وفي الحياة عامة تؤدي إلى تحقيق الطمأنينة والسعادة ، وقد ركز الدكتور أحمد زكي كنون في كتابه " محمد صلى الله عليه وسلم في الأدب المغربي الحديث على اهتمام المغاربة على "اختلاف مستوياتهم الثقافية والفكرية والاجتماعية بمحمد ، اهتماما كبيرا وعميقا، لكبير حبهم له عليه السلام ، وحب المغاربة للرسول الكريم ولأل بيته الأطهار وصحابته الأبرار أمر واضح الدلالة، وقد تجلت مظاهر هذه المحبة من خلال:
 العناية المبكرة بالتدوين والتأليف في مجال السيرة النبوية، وشمائل الرسول وصفاته الخُلقية والخِلقية، وكتاب " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " للقاضي عياض من أحسن كتب الشمائل النبوية التي تتناول حقوق النبي محمد، وتعريفا بشخصيته وصفاته، وهو عمل مرجعي هام في التراث الإسلامي، يجمع بين العلوم العقدية والفقهية والأدبية، وقد نال شهرة واسعة في العالم الإسلامي، وخاصة في المغرب، ومن المعلوم أن هذا الكتاب ألف في الفترة التي اشتد فيها الصراع بين أهل السياسة وأهل الفقه وعلماء المذهب... ، أثناء الصراع المذهبي بين المرابطين والموحدين.
 احتفال المغاربة منذ وقت مبكر بالمولد النبوي، واتخاذهم هذه المناسبة عيدا رسميا، فقد ترسخت حفلات المولد النبوي في المجتمع المغربي، وترسم عيد المولد نفسه كعيد ديني ثالث أواخر القرن السابع الهجري على عهد بني مرين.
وتطور هذا الاحتفال بعيد المولد النبوي، واتخذ مظاهر الأبهة والفخامة على عهد المنصور الذهبي السعدي، إذ أخذ يقيم سنويا في قصره البديع بمراكش موسما أدبيا كبيرا ومهرجانا شعريا متخصصا ازدهر فيه سعد والأمداح وتكريم الرسول أيما ازدهار ، إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف نمط تعبيري عن أسمى مشاعر حب المسلمين للنبي، وإظهار المحبة ومشاعر الكلف الصادقة هو أمر تعبدي واجب، وليس مجرد احتفالات ذات أبعاد ثقافية واجتماعية وتراثية أو طقوسية، فالاحتفال بعيد المولد النبوي لدى المغاربة، هو احتفال برمز القيم الإنسانية ومثال الكمال البشري، والعلماء والأدباء المغاربة مازالوا يؤلفون على شاكلة القدماء تصانيف ومؤلفات في إظهار محبة سيد الأنام، وإمام المتقين، وخاتم النبيئين، لإظهار أحقية المغاربة وحجيتهم للاحتفال بعيد المولد النبوي، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
 سفر الدر المنظم في مولد النبي المعظم لأبي القاسم العزفي.
 كتاب المورد الهني في المولد السني للحافظ العراقي.
 كتاب حسن المقصد في عمل المولد للإمام السيوطي.
 التأليف المولدية في التعريف بما أفرد بالتصنيف في المولد الشريف، للإمام الحافظ محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني.
ويبدوا أن الاحتفال بعيد المولد النبوي في المغرب كان ظاهرة عامة بين جميع المغاربة، سلاطين وأمراء وعلماء وأدباء، بل انتقل هذا الاحتفال إلى الدوائر الشعبية، من خلال التراث الشعبي، خاصة فن الملحون، وأسهم شاعر الملحون في نشر سيرة الرسول ، ومكارم أخلاقه وسط جمهور المتلقين العاديين أو العاميين على وجه الخصوص ، فشاعر الملحون وهو يمدح الرسول لم ينس خاصية من شمائله أو صفاته أو فضائله، أو معجزاته التي تحدثت عنها كتب السير النبوية إلا وذكرها ونظم فيها شعرا ملحونا في " أسلوب سردي تاريخي في الغالب" فالمديح النبوي يحتل مكانة بارزة في الثقافة المغربية، ويحظى باهتمام بالغ من المغاربة، ويعتبر جزءا هاما من تراثهم الديني والاجتماعي، ويعكس هذا الاهتمام تعبيرا عن الحب والتقدير العميق للنبي محمد .
 همزية وبردة البوصيري بين التأثير والتلقي:
يعتبر محمد شرف الدين البوصيري (608 هـ/1211 م/ 696 هـ/1296 م)، إمام مادحي الرسول ، ولم يبلغ احد مبلغ عظيما في مدح الرسول كمثله، فهو الشاعر المصري مثوى ومولدا، الصنهاجي أصلا، والمغربي ميلا كما أفصح عن ذلك في قصيدة مدح بها الشيخ الناصح أبا محمد صالح (ت631 هـ/1233 م) :
وما أنا من دكالة غير أنني
كنسبة سلمان لبيت نبيه
نسبت إليهم نسبه الصدق في الحب
وما كان منهم من قبيل ولا شعب

لقد جمع البوصيري بين النكهة الصوفية الروحانية وبين الموهبة الشعرية، لتصل ذروة الشاعرية الفذة عنده من خلال قصيدتي "البردة" و "الهمزية" اللتين انتشر ذكرهما في الآفاق حتى أضحتا قبسا يستمد منه الشعراء وهجهم وألقهم الشعري، كما يستمد منه الشراح والدارسون بغيتهم، وقد كان لهاتين القصيدتين حضور واسع في الثقافة المغربية عموما، وفي التقاليد السماعية المغربية خاصة، لقد حظيت البردة على مر القرون بشروح مشرقية وأخرى مغربية.
واهتم العلماء والأدباء المغاربة بشرح البردة والهمزية، واجتهد الشراح في إظهار مدى حبهم للرسول، من خلال سبر أغوار هاتين المدحتين تفسيرا وتعليقا وقد ذكر الدكتور احمد زكي كنون نماذج لهذه الشروح المغربية ، سواء المخطوطة أو المطبوعة، نذكر منها على سبل المثال:
 الأنوار القدسية في شرح الهمزية لأحمد بن عجيبة
 لوامع أنوار الكوكب الدري في شرح همزية البوصيري لمحمد بن احمد بنيس.
 شرخ الهمزية لعبد الحق السنباطي (مخطوط)
 شرح البردة : لمحمد بن أحمد البساطي : مخطوطة بالمكتب العامة بتطوان رقم : 288
 شرح البردة : لأبي زيد عبد الرحمن الماجري، مخطوطة، الخزانة الحسنية – الرباط رقم 321 ، 191 ...
إن شراح البردة، أو الهمزية، ينطلقون من حدود نظرية التلقي التقليدية، فالقصيدتان تشكلان أصلا من أصول التنوع الكبير في التأويل، وهما بالنسبة للشراح ليستا مجرد نص شعري فقط، بل هي تجربة روحية تتفاعل معها قلوب المتلقين وتتجاوز حدود الزمان والمكان، إن مقولة القارئ / المتلقي أثيرت منذ القديم، خاصة في التداول الشعري، والشروحات ضمن نظرية التلقي في الشعر العربي القديم، هي مقاربة نقدية تسلط الضوء على دور المتلقي في عملية فهم النص الشعري، لأن النص ليس مجرد وعاء للمعنى، بل هو مجال للتفاعل بين النص والمتلقي، حيث يساهم القارئ في بناء المعنى من خلال خلفيته الثقافية وخبراته السابقة، وقد تجلت هذه الرؤية عند رواد النقد الأدبي القديم كالجاحظ، وعبد القاهر الرجاني وحازم القرطاجني.
إن الشروح العربية القديمة للشعر من خلال تركيزها على المتلقي وأثره في فهم النص، ساهمت في تأسيس نظرية التلقي الحديثة، وهذه الشروح التي تناولت أساليب البلاغة والصور الفنية والتراكيب... قدمت مفاهيم حول كيفية تفاعل المتلقي مع النص وتأثيره على المعنى، كما أن هذه الشروح قدمت إطارا مفاهيميا ساهم في تطوير الوعي النقدي ومدى أهمية المتلقي في عملية التلقي فاشتغال النص الشعري يؤدي على جمالية التلقي، والنص بحسب ايز – لا يستطيع أن يعمل قبل أن يقرأ، فمن المستحيل وصف أثره دون تحليل عملية القراءة ، والتواصل لا يكتمل إلا بتكامل بنية النص وعملية القراءة، ليصبح النص مرتبطا بوعي القارئ ، وقد اختلفت جهود الشراح في قراءة وتأويل القصيدتين فمنهم بحسب الدكتور أحمد زكي كنون من عمل علي سبر أغوار هاتين المدحتين تفسيرا وتعليقا، ومنهم من اختار شرحها شعرا، وفي ذلك يبرز جهد المتلقي للنص المشروح، والمبدع للشرح شعرا ، وهذا الشرح يعكس ثقافة الشارح وذوقه وعلمه الممثل لعصره وبيئته ، ونظرية التلقي واختلافها من قارئ/ عالم إلى آخر، ولد شروحا على الشروح، وحواشي تتضمن إضافات وجب إبراز جماليتها، وهذا الأمر بحسب الدارس الدكتور أحمد زكي كنون أدى إلى " لا تناهي القراءات" . إن الشروح كأداة نقدية قديمة قد ولدت لدى الشارح تصورات متنوعة عن جماليات الشعر النبوي من خلال قصيدتي البردة والهمزية للإمام البوصيري وشكلت تصورا تأصيليا لحضور المحبة المحمدية في الذاكرة المغربية.
 التصوف سبيل نحو ترسيخ الصورة المحمدية في الذاكرة المغربية.
لقد اختار المغاربة منهجا سلوكيا ربانيا يقيم صرح الأخلاق، ويحفظ مقام التقوى والإحسان ، فمنذ اعتناق الإسلام أدرك المغاربة أن روح الدين هو تزكية النفس وتطهيرها من السوء والعيوب، فكان التصوف وسيلة للتحلي بمكارم الأخلاق، والتحرر من عالم المادة، والارتقاء بالنفس إلى مراتب الكمال المعرفي والروحي، والتصوف بحسب الشيخ الجنيد " هو الخروج عن كل خلق ديني، والدخول في كل خلق سني" ، وقد استطاع التصوف الإسلامي أن يساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار الروحي، ونشر صور مشرقة عن روح التسامح والتعاون والتعايش التي يدعو إليها الإسلام.
وذلك بإتباع المنهج النبوي القائم على المحبة والرفق واللين، والمطلع على تاريخ المغرب، يلاحظ مدى إدراك المغاربة لأهمية البعد الروحي، انطلاقا من إدراك كنه التصوف وأبعاده الروحية والدينية، على اعتبار أن منهج التصوف من الدعامات الأساسية للاستقرار الروحي، وتحقيق الأمن والطمأنينة بالمغرب، فقد تمسك المغاربة بثوابت الهوية الدينية اعتقادا وعبادة وسلوكا، والتعلق بالرسول  عند المتصوفة المغاربة، سبيل أوحد للوصول إلى المحبة الإلهية ، والنصوص الصوفية لها تأثير عميق في النفوس لأنها تثير الانفعال الوجداني والمتعة الفنية بسبب عمقها الدلالي والرمزي .
ويذهب الدكتور أحمد زكي كنون رحمه الله في كتابه " محمد صلى الله عليه وسلم في الأدب الحديث" إلى أهمية التأليف والمصادر الصوفية في التأصيل للمحبة المحمدية لدى المغاربة، وقد حدد هذه المؤلفات في ثلاث وهي :
 دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار .
 كتاب " مفتاح الأسرار في ما يتعلق بالصلاة على سيد الأبرار" لسيدي محمد بن إدريس الدياغ.
 كتاب " مفرح القلوب ومفرج الكروب" لسيدي محمد بن عبد السلام بوستة.
إن كتب التصوف المغربي، ذات أهمية كبيرة في تأصيل المحبة النبوية ، ذلك أنها تقدم إطارا نظريا وعمليا لترسيخ هذه المحبة في قلوب المسلمين، وتتميز مثل هذه المصادر التي ذكرها الدكتور أحمد زكي كنون وغيرها، بتركيزها على الجانب العملي والسلوكي، مما يجعلها قريبة من الواقع وذات تأثير فعال في حياة الأفراد، إذ يؤكد الدارس على أهمية هذه المؤلفات في تحقيق المحبة المحمدية، " فكتاب دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في الصلاة على النبي المختار"، للإمام محمد بن سليمان الجزولي، له تأثير على المغاربة، ويعتبر هذا الكتاب من أشهر كتب التراث الصوفي في المغرب والعالم الإسلامي، ولهذا الكتاب منزلة عظيمة في نفوس المغاربة، فقد تنافسوا في حفظه، وخصوا له مواسم للتبرك به وختمه، وهو من أجل الكتب المؤلفة في الصلاة على النبي الكريم، وهو دليل على تعلق المغاربة بالرسول ، حتى أن علماء المغرب خصصوا لهذا الكتاب شروحات هامة ومفيدة ككتاب " الأنوار اللامعات في الكلام على دلائل الخيرات" للعارف الفاسي، وكتاب " مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات" للعلامة محمد المهدي بن احمد الفاسي، وغيرها من الشروحات، التي تؤكد على الارتباط الصوفي العميق، ومحبة الرسول ، هذا الكتاب وجد بالمغرب أرضا خصبة، بل أصبح أكثر تداولا في العالم العربي، واعتبر كتاب "دلائل الخيرات" ثاني أكثر الكتب انتشارا وقبولا ومدارسة في العالم الإسلامي بعد القرآن الكريم، وقد اهتم به الناس قديما وحديثا، وشرحوه ومدحوه وعلقوا عليه، وجزءوه إلى سبعة أجزاء ، واعتبر البعض أن قراءة دلائل الخيرات، وملازمة من يتدبرون معانيه، مع التفكير في عظمة الرسول الكريم، أمر يؤدي على تحقيق السعادة والطمأنينة .
إن كتب التصوف التي أشار إليها الدكتور أحمد زكي كنون رحمه الله تعد من أهم المصادر الروحية التي توصل للمحبة النبوية المحمدية في ذاكرة المغاربة، وهذه الكتب الصوفية ذات أهمية كبيرة في تحقيق السكينة والأمن الروحي، حيث تقدم إرشادات ومفاهيم تساهم في تزكية النفس والوصول إلى مقام الإحسان.
II/ امتدادات الصورة المحمدية في الأدبية المغربية: حصر الأعلام والمجالات
إن المحبة النبوية المحمدية ظلت مستمرة وممتدة عبر التطور التاريخي بالمغرب، وظل هذا الامتداد راسخا لدى العلماء والأدباء المغاربة في العصر الحديث، منذ بداية القرن العشرين، وقد اهتم الأدباء المغاربة في العصر الحديث بمحبة الرسول الكريم، وتجلت هذه المحبة في إبداعاتهم الشعرية والنثرية، وظهر هذا الاهتمام بالصورة المحمدية في الأدبية المغربية الحديثة من خلال مجموعة من الأجناس التي ذكرها الدكتور احمد زكي كنون رحمه الله وهذه الأجناس هي :
 فن الرسائل :
يعتبر هذا الجنس الأدبي وسيلة تواصلية وشكلا من أشكال الكتابة النثرية غير السردية، وهي كذلك جسر للتواصل الفكري والثقافي والاجتماعي والروحي، والرسائل في الثقافة المغربية تنوعت ما بين رسائل سياسة وأخرى إخوانية، كما ظهر نوع من الرسائل المعنوية، وهي رسائل ذات بعد رمزي وروحي مرتبط برمز الأمة الإسلامية محمد  ، وقد أشار الدكتور احمد زكي كنون رحمه الله إلى أن المغاربة تميزوا ببعث بعضهم رسائل مع بعض الحجاج أو المعتمرين تلقى على القبر النبوي الشريف، إفصاحا عن تعلقهم بمحمد الرسول الكريم" ، كرسالة أبو العباس احمد بن المأمون البلغيتي، حيث أمر الشاعر حامل الرسالة بقراءتها في القبر الشريف، ثم إلقائها داخل الشباك، وهذا الأمر يعتبر مظهرا من مظاهر الحب المحمدي الذي تجسد عبر فن الرسالة لدى المغاربة في العصر الحديث، مما يقتضي معه، إنجاز دراسات وأبحاث حول في الرسالة ومضامينها الدينية والوجدانية ودورها في تحقيق المحبة المحمدية.
 نظم الأشعار :
لقد كان الشعراء يحملون بعض زائري الروضة الشريفة أشعارا تلقى أمام القبر الشريف، تعبيرا عن الحنين والشوق، ذلك أن الأحوال لم تسعف الشاعر بالسفر إلى الروضة الشريفة، كأحمد بن المأمون البلغيتي، ويشير الدارس أن بعض الشعراء " لفرط حبهم، وكبير تعلقهم بالذات المحمدية يحضر الرسول الكريم في منامهم" ، كالشاعر حمدون بن الحاج السلمي، الذي عده " شيخه الطيب بنكيران من نظراء البوصيري في والأمداح النبوية .
فقد أطال الشاعر وأجاد في مدح سيد الأنام محمد  ، وعالجت أشعار حمدون بن الحاج أغراضا شعرية مختلفة يأتي في طليعتها المديح النبوي، وقد عده الدكتور احمد العراقي مبرزا في هذا الغرض الشعري ، ويتضمن ديوان الشاعر :
 معارضة شعرية لهمزية البوصيري
 تخميسا لهمزية البوصيري ويقع هذا التخميس في ثمانية وخمسين ومئتي بيت من الشعر ، وهي من بحر الحقيق.
 الوتريات : ويقع في ثمان وعشرين قصيدة على عدد حروف الهجاء، وكل وثرية تقع في واحد وعشرين بيتا من الشعر على وزن بحر الطويل .
إن حضور مثل هذه الأغراض الشعرية المرتبطة بالمديح النبوي في الأدب المغربي الحديث، مرتبط أساسا بتأثير البوصيري، حتى أصبح المغرب معروفا بقصيدة المديح النبوي، وقد كانت معارضة بردة البوصيري وتخميسها، وكذا بعض الأنماط الأخرى كقصائد التوسل والتصليات والوتريات والتوجيهات، وأيضا الموشحات والملحون، مجالا فسيحا لدى الشعراء لتنويع إبداع قصيدة المديح النبوي، خاصة في الأدب المغربي القديم والحديث .
إن مثل هذه النماذج التي قدمها الدارس، لهؤلاء الشعراء وغيرهم ممن تم إدراجهم في هذا الكتاب، يؤكد على عميق حب الشعراء المغاربة في العصر الحديث لرسول الله ، وحرصهم على ذكر خصاله وأخلاقه المثالية، وصفاته المجيدة، مع التزام بنهج السابقين في مدحه سواء من حيث ترتيب أغراض المديح النبوي، أو من حيث بناء القصيدة ونمطها الفني، وقد تطرق الدكتور احمد زكي كنون رحمه الله إلى نماذج من شعراء العصر الحديث، كمحمد كنون ومحمد الحلوي وحسن الطريبق، وامحمد الإدريسي وأمينة المريني وعبد الكريم الوزاني، كما أن التجربة الشعرية المعاصرة أكدت حضور مضامين صورة المحبة المحمدية النبوية وقدم الناقد أمثلة على الحضور، عند أحمد مفدي، وحسن الامراني، حيث ارتبطت المحبة المحمدية بواقع الأمة من خلال الإبعاد الوجودية والروحية الصوفية.
ويبدو أن الشعراء المغاربة المعاصرين وهم يعبرون عن المحبة المحمدية، تعاملوا مع التراث تعاملا واعيا ، وهذا التعامل مع الذات المحمدية يفرض إنتاج خطاب جديد للمسلم المعاصر، تتجلى فيه حقوق النبي الكريم، وسيرته القيادية بمنهج معاصر جديد.
 الخطاب السردي والمحبة المحمدية :
إن استثمار الخطاب السردي لدى الأدباء المغاربة المعاصرين، كان وسيلة لدى البعض للتعبير عن المحبة المحمدية، ذلك أن هذا الخطاب السردي يلعب دورا هاما في التعبير عن المحبة المحمدية، ويساهم في إبراز جوانب متعددة من هذه المحبة من خلال مختلف الأساليب السردية ويسمح هذا الخطاب بنقل التجارب الشخصية والعلاقة العاطفية مع النبي ، ويسهم في تعزيز الهوية الثقافية والدينية للمجتمع المغربي، وتبرز أهمية الخطاب السردي الحديث في تعزيز محبة الرسول، وتقريب صورة هذه المحبة، من خلال جعل سيرة الرسول  أكثر قربا وواقعية للمتلقي المعاصر عبر استخدام أساليب سردية حديثة، ولغة تتناسب مع العصر، كما أن هذا الخطاب السردي يساهم في تجديد الإيمان، والتأثير العاطفي / الصوفي، وربط الماضي بالحاضر، والتأكيد على منظومة القيم الإسلامية، وقد اجتهد بعض الباحتين الأدباء في كتابة السيرة النبوية بأسلوب سردي، ومن هؤلاء على سبيل المثال ليلى أبو زيد التي ألفت كتاب " حياة الرسول  باللغة الانجليزية سنة 2009، وقد أشارت المؤلفة على دواعي تأليف هذا الكتاب " جاءت الفكرة على اثر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول التي جعلتني أفكر في المساهمة في التعريف بالإسلام في الغرب عن طريق كتابة حياة الرسول باللغة الانجليزية.
لقد اختارت الكاتبة هذا النمط من الكتابة من اجل تحقيق تواصل مع الآخر، فهي كانت تتوخى تغيير نظرة الغرب عن الإسلام، من خلال سرد سلس وسهل وممتع مرتبط بحياة الرسول الكريم، واختيار اللغة الانجليزية للحديث عن الرسول نابع من أن التواصل مع الغرب يجب أن يكون بلغته حتى يتم تقليص الهوة بين الغرب والشرق، فالالتباس موجود لدى شريحة كبيرة من الناس في الغرب، لكن الحقيقة لا يمكن حجبها، فمحمد  خير الخلق وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفعاله وتصرفاته أمر إلهي، والطعن في بعض جوانب حياته أمر مجانب للصواب، والكاتبة ليلى أبو زيد من خلال هذا الكتاب، ومن خلال الخطاب السردي ساهمت في تجديد الخطاب الديني وتكييفه مع متطلبات العصر، مما جعل هذا الخطاب السردي أكثر ملاءمة للمتلقي المعاصر.
 منجز الدراسات في الأدبية المغربية الحديثة :
لقد عمل الدكتور أحمد زكي كنون على تخصيص حيز مهم في هذا الكتاب الذي اهتم بالمحبة المحمدية في أرقى تجلياتها، وحضورها في الأدبية المغربية الحديثة على رصد أهم التصورات والدراسات والمساهمات العلمية، وجدير بالذكر أن الدرس الأدبي/ النقدي الحديث تعود إرهاصاته الأولى بالمغرب إلى العشرينيات من القرن العشرين ليتطور هذا المنجز العلمي / النقدي عبر مراحل في الجامعات المغربية، وتتطور الأدوات والمفاهيم التي تكشف خبايا النص الأدبي، وارتباطا بموضوع الدرس الأدبي، فقد أكد الدكتور أحمد زكي كنون على كثافة المشاركات العلمية والأبحاث التي اهتمت بالمدحة النبوية المغربية، فإجادة المبدعين المغاربة، أدباء وشعراء وكتاب، دفع الكثير من الدارسين والباحثين المهتمين إلى دراسة وتحليل ومقاربة هذه الأعمال الإبداعية وقد اختار الدارس في هذا الكتاب نماذج هؤلاء الدارسين المبرزين:
 الأستاذ عبد الكريم التواتي: أحد علماء القرويين المرموقين، ألف كتاب " حياة الرسول  النبوية متسلحا بالأحاديث الشريفة وما ورد في القرآن الكريم، ويحيلنا الدارس في سياق التطرق لعمل الأستاذ عبد الكريم التواتي، على مجموعة من المؤلفات المغربية الحديثة في الصلاة والسلام على خير البرية، وهي تجمع ما بين مصنفات ومقالات ودراسات مرتبطة بالمولد النبوي وبالشمائل المحمدية، والتشوق إلى البقاع المقدسة...
 منجز الدكتور عباس الجراري رحمه الله : لقد أعاد الدكتور عباس الجراري نشير مقال له عن " المولد النبوي في الأدب المغربي" ، وهذا المقال متضمن في كتاب " الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه"، ويذهب الدكتور عباس الجراري رحمه الله إلى أن المولد النبوي في الأدب المغربي" ظاهرة أدبية تتسم ملامحها بالمعنى والطرافة، وتكشف أبعادها عن رباط وثيق يلحم بين الإبداع الفني والضمير الديني في انصهار بين الذاتية الفردية لأدبائنا، والذات الجماعية لجماهير شعبنا خلال التاريخ ، وهذا تأكيد من الدكتور عباس الجراري على قيمة حضور المولد النبوي في الكتابات الأدبية المغربية، وهو بهذا التأكيد يركز على جانب منظومة القيم لدى المغاربة من خلال تفانيهم وتعلقهم بمحبة الرسول وآل بيته، وقد قسم الدكتور عباس الجراري الإبداع في هذا المجال إلى شعر ونثر، وحصر النثر في ثلاث أقسام وهي : السيرة والمولديات والشروح والحواشي ، أما الشعر فقد قسمه الدارس إلى ستة أنواع وهي: نظم الكتب في السيرة النبوية الشريفة والمعارضات والتخميسات، ودواوين خاصة بالمديح النبوي والقصائد المفردة والموشحات ثم فن الملحون، وقد فصل الدكتور عباس الحراري في كل هذه الأنواع بالدرس والتمحيص محددا بذلك تميز الدرس الأدبي والنقدي الحديث بالمغرب. وعلاقة الدراسة بصورة المحبة المحمدية.
 منجز الدكتور عبد الله بنصر العلوي: يعتبر الدكتور عبد الله بنصر العلوي أحد أهم رواد الدراسات المغربية المعاصرة بالمغرب والوطن العربي، والحديث عن أعماله ومنجزاته العلمية يحتاج إلى ندوات ودراسات كثيرة ومستفيضة، ولهذا تم الحديث عنه في هذا الكتاب لكثرة الدراسات والأعمال التي أنجزها الدكتور عبد الله بنصر العلوي حول موضوع " المدحة النبوية، وقد أورد أحمد زكي كنون مقالتين له أساسيتين في الموضوع هما :
• الكتابة الصوفية في الأدبية المغربية الجلال والجمال
• في المدحة النبوية المغربية، أبحاث وأوراق
لقد تطرق الدكتور عبد الله بنصر العلوي في المقال الأول لتطور المدحة النبوية من منظور تاريخي، فالغرب الإسلامي كان رائدا في هذا الموضوع، لتعلق هؤلاء بالرسول، وهذا التعلق تحول إلى تعبير فني، فصارت المدحة النبوية غرضا قائما الذات، ونالت هذه القصيدة بحسب الدارس اهتماما وحظا كبيرا من عناية المجتمع في مجالسه واحتفالاته الدينية، بمناسبة ليلة القدر، أو الإسراء أو الهجرة، وبذلك كان الغرب الإسلامي أكثر اهتماما بالمديح النبوي ، أما في المقالة الثانية فيتناول الدكتور عبد الله بنصر العلوي موضوع المدحة النبوية من وجهة نظر فنية مشيرا على أن المذهب الغرامي أثر عند العارفين في قصيدة المديح النبوي وهذه العلاقة تشكل النموذج الأسمى لمحبة الرسول الكريم، ويذهب الدارس إلى أن قصائد " المعارضات والتربيع والتخميس والتعشير والتشطير والوتريات والتوجيهات والبديعيات والموشحات والازجال ... قد وجدت مجالا فسيحا في قصيدة المديح النبوي ، وللدارس مقالات أخرى ذكرها الدكتور أحمد زكي كنون، وكلها تذهب في سياق واحد وهو التأسيس لمشروع هوية المدحة النبوية المغربية سواء من خلال التنظير أو التطبيق، وهذا المشروع يتكامل مع الرؤية الشاملة للوعي الفردي أو الجماعي وهو وعي تتحقق من خلاله صورة المحبة النبوية الخالصة لرسول الأمة.
 منجز الدكتور محمد الدناي رحمه الله : ينطلق الدكتور احمد زكي في تتبع الصورة المحمدية في المنجز النقدي للدكتور محمد الدناي من خلال مقال له حول " قصيد المديح النبوي الجديدة" ، لقد نبه الدكتور محمد الدناي في بداية المقال إلى أن التأريخ للقصيدة المادحة للرسول يبدأ بتتبع الصراع بين القيم الفنية لهذه القصيدة والقيم الإسلامية منذ صدر الإسلام إلى ظهور المدحة النبوية بعد البردة، وقد سارت هذه المدحة بحسب الدكتور محمد الدناي مسارين هما :
• المسار الأول : مثلته المدرسة المشرقية التي قادت إلى نموذج اصطلح على تسميته بالبديعية.
• المسار الثاني: مثلته المدرسة المغربية التي ظلت وفية للنموذج البوصيري.
وقد تعدد المدارس المغربية في مدح الرسول، كالمدرسة البدوية التي تمثلها الزوايا، والمدرسة الحضرية التي تمثلها لها كثير من المدن المغربية، كالمدرسة التطوانية والفاسية .
إن الدكتور أحمد زكي كنون يؤكد على القيمة العلمية والنقدية لمنجز الدكتور محمد الدناي في هذا المقال، فتمرس الباحث بالشعر العربي وغوصه في التراث الشعري عبر تاريخه وتطوره ما بين المشرق والمغرب أدى إلى رسم صورة مهمة عن قصيدة المدح النبوي التي شكلت مرحلة جديدة ضمن سيرورة وتطور القصيدة العربية.

 كتاب : محمد صلى الله عليه وسلم من الحقيقة إلى النبوية إلى الصورة الشعرية : لأحمد الطريبق
يؤكد المؤلف في هذا الكتاب أن صورة المحبة النبوية كانت ولازالت مستمرة في الأدب العربي، رغم الصراعات وكثرة التيارات والاديولوجيات، حيث قم المؤلف في هذا الكتاب ثلاث نماذج تنتمي إلى التيار الشعري المعاصر (نازك الملائكة- صلاح عبد الصبور وحسن الامراني)، مبرزا اجتهادهم في إبداع نصوص شعرية تتغنى بالرسول الكريم وفضائله، ويرى الدكتور احمد زكي كنون أن هذا الكتاب على صغر حجمه، يشجع الباحتين على التعمق في التجربة الشعرية المعاصرة، والكشف عن النصوص الشعرية الحداثية التي تطرقت إلى صورة المحبة المحمدية، رغم التطور الزمني، والتحولات الثقافية والاجتماعية والفكرية.
 الأطاريح الجامعية المركزة على الذات المحمدية: تعد دراسات المحبة المحمدية في البحث الجامعي ذات أهمية كبيرة، فهي تساهم في تعزيز فهم أعمق لشخصية الرسول ، مما يؤدي إلى زيادة محبته في القلوب، وتعميق الإيمان به وإتباع سنته، كما تساهم هذه الدراسات في إبراز القيم والأخلاق النبوية، وترسيخ الوعي بأهمية الاقتداء به في حياة المسلمين اليومية، ولعل جرد الدكتور احمد زكي كنون للأهم الدراسات الجامعية والاطاريح التي ركزت على موضوع الذات المحمدية، يؤكد على مدى اهتمام الدارسين المغاربة بالرسول  والتعلق به والتشوق إليه، ودور هذه الدراسات الجامعية والاطاريح، هو مواجهة التحديات المعاصرة، وتنمية القيم والأخلاق، وتطوير البحث العلمي ونشر الثقافة الإسلامية.
III/ الصورة المحمدية في الأدبية المغربية – حصر القيم والدلالات
إن القيم الإسلامية هي معايير عقلية ووجدانية تستند إلى المرجعية الحضارية الإسلامية، وتمثل محددات لفكر الفرد المسلم وموجهات لسلوكه، وهي كذلك مجموعة من الخصائص التي تميز القيم الإسلامية ومن بين تلك الخصائص، كون القيم الإسلامية قيما فطرية إذا عرضت على العقول تم قبولها، كما أنها قيم شاملة لجميع مناحي الحياة الإنسانية، وقد تحدت بعض الباحثين عن أسس متعددة للقيم بصفة عامة كاللذة، والعرف، والدين، والعقل، والضمير الإنساني ، ومحبة الرسول  تعتبر أرقى القيم الإنسانية.
ومشروع الرجوع إلى السيرة النبوية عن طريق المحبة المحمدية، في الأدبية المغربية هو مشروع يلتمس معالم منهج الوسطية، واستبانة منطلقات الهدى والرشاد، والنظر المتبصر في السيرة النبوية وتحقيق مضامينها في الشعر أو النثر، يساهم بشكل فعال في بناء ثقافة الوعي السنني، والأدباء والشعراء والكتاب في هذه الأدبية المغربية لم يتعاملوا مع السيرة النبوية العطرة وصورة المحبة المحمدية بجمود، فالسيرة لا يمكن أن تظل بحال من الأحوال مجرد خبر من التاريخ، أو تحقيقا لمخطوط، أو دراسة وتخريجا وشروحات" بل إعادة إنتاج وجداني للسيرة العطرة لرسول الله  في تكامل بين لذة المحبة وتوازن العقل واستقامة في الدين. إن الوظيفة المعرفية لقراءة السيرة النبوية ضمن نطاق المحبة المحمدية في كل الأجناس التي تحدث عنها الدكتور أحمد زكي كنون، يمكن أساسا في قدرة هذه السيرة والمحبة النبوية، على إعادة تشكيل البنية المعرفية للعقل المسلم، وتوجيهه نحو القضايا والإشكالات الجوهرية المرتبطة بالإسلام والمسلمين، وتحديد البدائل الممكنة والخيارات المتاحة لإعادة بناء تراث إنساني راشد قائم على الثوابت القرآنية والسنية، ومن خلال خصال الرسول وصفاته المثلى.
إن كتاب "محمد صلى الله عليه وسلم في الأدب المغربي الحديث" يتضمن مجموعة من القيم والدلالات المرتبطة بالصورة المحمدية في الأدبية المغربية الحديثة، ومن هذه الدلالات والقيم نذكر :
• ترسيخ مبدأ الهوية الإسلامية في النفوس.
• المديح النبوي في الثقافة المغربية هو تعبير عن أصالة في الهوية والانتماء الحضاري للثقافة الإسلامية.
• الأشكال الأدبية التي تم ذكرها في هذا الكتاب، نثرية أو شعرية، تؤكد على متانة الحب المحمدي وعمق دلالاته في نفوس المغاربة.
• يعتبر الدكتور أحمد زكي كنون أن المحبة هي قنطرة نحو بناء إنسان جديد، والمبدعون لا يكتفون بالمحبة قولا دون تحويلها إلى فعل إنساني واعي تتحقق من خلاله قيم التسامح والتعاون.
• فتح حوار مع الذات ومع الآخر من أجل غد لا تتحكم فيه الأهواء أو الصراعات أو الأطماع.
• تتجسد هذه المحبة الغامرة في الذات وفي الجماعة حيث تتحقق الطمأنينة والسعادة.
• التعلق بالذات المحمدية كان رسميا وشعبيا وهو فعل وجداني واعي، يعبر عن تشبث المغاربة بالنموذج الأمثل للبشرية، ورفض لأي مظاهر حاقدة همها تشويه صورة الرسول .
• إن اغلب النصوص التي اعتمدها الدكتور أحمد زكي كنون، للاستدلال على التعلق بالذات المحمدية، تحيل على واقع المسلمين المأساوي خاصة في العصر الحديث، حيث تصبح الاستغاثة بالشفيع محمد  ملاذا لكل المسلمين.
• إن الأشعار المغربية الحديثة في مدح الرسول الكريم تتضمن انتقادا لمن يعتبرون أن طقوس الاحتفال بعيد المولد النبوي، وإظهار المحبة له، أمر مبالغ فيه، إذ المحبة في حق الرسول فرض على كل مسلم.
• إن المنجز النقدي والأدبي المرتبط بموضوع محبة الرسول، قد عرف تطورا لدى الباحتين المغاربة، خاصة في الجامعات المغربية، وهذا التطور لامس مسألة التنظير النقدي، وإيجاد آليات لمنظومة النقد، ترتبط بالهوية المغربية في تفاعلها ومرجعياتها، وهذا الأمر أفرز دراسات وأبحاث مائزة.

خاتمة
لقد رام هذا البحث رصد صور من علاقة المغاربة بشخص النبي  من خلال كتاب " محمد صلى اله عليه وسلم في الأدب المغربي الحديث" للدكتور أحمد زكي كنون رحمه الله ويمكن القول أن هذا الكتاب يعد دراسة قيمة ومهمة في مجال الدراسات الأدبية والدينية، كما أنه يمثل رؤية شاملة حلو تمثيل النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الأدب المغربي الحديث، مما يساهم في تعزيز الفهم العميق للثقافة المغربية والاحتفاء بالنبي الكريم، حيث يسلط الدارس الضوء على دور الأدب بمختلف أجناسه، في تعزيز المحبة النبوية والاحتفاء بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد حاولنا في هذا البحث، وضع تأصيل للصورة المحمدية في الذاكرة المغربية، كما حددها الدكتور أحمد زكي كنون وعملنا على تتبع امتدادات هذه الصورة المحمدية في الأدبية المغربية، من خلال حصر الأعلام والمجالات ووضع نماذج لذلك، ثم رصدنا أهم القيم والدلالات المنبثقة عن الصورة المحمدية في الأدب المغربي الحديث، وكل هذه العناصر التي ذكرناها تتجه نحو مشترك واحد وهو إثبات المحبة النبوية من خلال التغني بالشمائل والفضائل والصفات المثلى التي تميز بها الرسول  من دون البشر، ويبدو أن إبداعات المغاربة وكتاباتهم غزيرة من حيث الكم، ومن حيث الأجناس الأدبية، ومن حيث الأبحاث والدراسات، وكل هذه الانتاجات الشعرية والنثرية، والأبحاث تؤكد على عمق صور المحبة المحمدية التي ترسخت في نفوس المغاربة.
إن كتاب "محمد صلى الله عليه وسلم في الأدب المغربي الحديث" يخاطب المتلقي عن طريق منهج علمي متكامل ودقيق، وعن طريق التأثير على الذات والجماعة، ذلك أن المؤلف يروم تعزيز الاحترام للنبي  وشخصيته، وتعزيز القيم الإسلامية والأخلاقية في المجتمع المغربي، وترسيخ عمق المحبة النبوية، وتشجيع البحث والدراسة في مجال الأدب المغربي ومجال الدراسات الإسلامية، وإثراء المعرفة حول الثقافة المغربية والأدب الإسلامي.

لائحة المصادر
 الأدب المغربي- ظواهره وقضاياه: الدكتور عباس الجراري – مكتبة المعارف – ط 1- سنة 1979.
 بين النبوة والشمائل المحمدية في كتاب " الشفا" للقاضي عياض : قراءة في الخطاب التقديمي: عبد الله بن عتو – مجلة – دعوة الحق، عدد 339 – نونبر – دجنبر سنة 1998.
 تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية – دراسات مشرقية – منشورات المركز الأكاديمية للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز، فاس سن 2018.
 خزانة الأدب وغاية الأرب : لابن حجة الحموي، تحقيق : عصام شقيو- دار ومكتبة الهلال – بيروت – طبعة 2004.
 دراسات في فن الملحون : الدكتور عبد الوهاب الفيلالي- منشورات مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية، الطبعة الأولى – سنة 2014.
 الديوان العام لحمدون بن الحاج السلمي : للدكتور أحمد العراقي – مطبعة المعارف الجديدة، ط 1 – سنة 1995.
 الرسالة القشيرية : عبد الكريم بن هوازن القشيري، دار المنهاج، جدة، السعودية سنة 2023.
 العقل الأخلاقي العربي : د. محمد عابد الجابري دراسة تحليلية نقدية لتنظيم القيم في الثقافة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – ط 1 ، سنة 2001.
 الشعر الديني بالمغرب: محمد الحبيب الفرقاني، منشورات المهرجان الوطني للمديح والسماع بفاس – سنة 1996.
 فعل القراءة : فولفغانغ ايزر – ترجمة محمد مفتاح وعبد الفتاح أبو سعدة – المركز الثقافي العربي – سنة 1998.
 في المدحة النبوية المغربية – أبحاث وأوراق : للدكتور عبد الله بنصر العلوي : منشورات المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز – فاس – ط 1 – سنة 2016.
 الكتابة الصوفية في الأدبية المغربية الجلال والجمال : للدكتور عبد الله بنصر العلوي منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية محمد بن عبد الله، ظهر المهراز – فاس
 محمد صلى الله عليه وسلم من الحقيقة إلى النبوة إلى الصورة الشعرية : أحمد الطريبق – منشورات المشكاة – مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء – المغرب – ط 1 – سنة 2007
 محمد صلى الله عليه وسلم في الأدب المغربي الحديث- إشارات ونماذج للدكتور احمد زكي كنون، مطبعة انفوبرانت- فاس – سنة 2024
 مفاخر البربر: مؤلف مجهول – دراسة وتحقيق سيد كيلاني عبد القادر بوبابة – دار أبي رقراق – الرباط – سنة 2005
 المدائح النبوية في الأدب العربي : الدكتور زكي مبارك – منشورات المكتب العصرية – صيدا بيروت – الطبعة الأولى سنة 1935
 المغني لابن قدامة المقدسي / تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو ج1 ، دار عالم الكتب – ط 3 سنة 1997
 المطرب بمشاهير أولياء المغرب : عبد الله بن عبد القادر التليدي – منشورات دار الأمان- الرباط – الطبعة الرابعة سنة 2003.
 ندوة جوانب من الأدب في المغرب الأقصى : منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة محمد الأول – وجدة – الطبعة الأولى سنة 1986

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...