محمد شعير - حُسِمت المعركة.. انتصرت الجهالةُ!

قبل ثلاثة أيام، في اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يوافق الثالث من مايو كل عام، عنَّتْ لعقلي فكرة، وخطر على بالي سؤال؛ هل يمكن أن نشهد في المستقبل يومًا عالميًّا لـ«تقييد حرية» وسائل التواصل الاجتماعي؟!

قبل أن تُوجِّه لي أي اتهام؛ هذه ليست دعوة أو أمنية، لكنها انعكاسٌ ربما لإحباطٍ عميقٍ بداخلي، كنتُ قد وضعتُ حدًّا له منذ زمن، عندما قررت عدم المبالغة في التعامل مع الأمور بجدية، لا سيما في بيئة كبيئة مجتمعاتنا العربية، وقد أراحني هذا بشدة، ووجدتُ ملاذي في السخرية، حتى جرى ما جرى، فلقيتُني مضطرًّا للانخراط في معركةٍ مع ذاتي، برغم أنها ليست ضمن معاركي أو اهتماماتي.

طبيبٌ مشطوبٌ بقرارٍ من نقابته، اعتاد الظهور في فيديوهات مطولة على موقع يوتيوب، يدعو فيها إلى نظام غذائي محدد، يسمح فيه بأشياء ويمنع أخرى منعًا باتًّا، مدعيًا أن الالتزام بنظامه كفيلٌ بتجنيب الإنسان الداء، وبالتالي التوقف عن تناول الدواء، حتى في أخطر الأمراض، بشرط الالتزام، وعدم تناول كثير من الطعام، مما لا يخلو منه تقريبًا بيتُ من بيوت المصريين!

بالطبع؛ بالعقل؛ بدا لي الأمر مضحكًا في البداية، واعتصمتُ فورًا بملاذي في السخرية، لا سيما عندما قرأتُ مقتطفاتٍ من وصاياه، وشاهدتُ مقاطع قصيرة من أحاديثه وردوده على الأطباء من مخالفيه، وعندما علمتُ بأنه لم ينشر بحثًا علميًّا واحدًا قاده إلى ما قاله.

لكن.. في المجتمع، سرعان ما تفاقمت الحالة. صارت المسألة «قضية كبرى». انقسم الناس حولها بين مؤيد ومعارض على السوشيال ميديا. الكل يفتي برأيٍ، وإن يكن في الطب.

أعقل مؤيديه يرون أن الرجل قد «اجتهد» وليأخذ برأيه من يشاء ويرفضه من يشاء. اجتهد؟! في العلم؟! مرة أخرى ضحكتُ. لكن ما لفت نظري هو سلوك المناصرين لآرائه باستماتة، ورفعهم إياه إلى مكانة قديس، باعتباره «على الحق»، وتأكيدهم أن «منهجه» لن يموت بموته؛ تلك الميتة المفاجئة التي فجَّرت حكايته، والتي شككوا بالطبع في أن يكون وراءها شركات الأدوية الكبرى بعد أن هدد اقتصادياتها!

فكَّرتُ أن أكتب في الموضوع. القضية أمامي شديدة الوضوح. العلم لا يقاس بحجم المؤيدين، ولا يُكيَّلُ بالكلام، خاصة عندما يخلو هذا الكلام من أي أدلة علمية، والأهم عندما يُقدمه صاحبه بأنه خلاصة الحكمة، لا شيء بعده، وهراءٌ ما قبله!

لكن ما استوقفني بشدة، هو تحذيرات مؤيديه من الاقتطاع؛ من الادعاء عليه بما لم يقله، مع تقديمهم نماذج لاجتزاء الكلام، في ظل أن الرجل صار في عالم الأموات، ولا يملك القدرة على الرد.

ماذا فعلتُ بنفسي؟! تساءلتُ، ثم صحَّحت: ماذا تفعل بنا بيئاتنا؟! كيف تجبرنا «القضايا» المثارة - ومنبعها في الأغلب الأعم هو السوشيال ميديا- على إنفاق الوقت في التفكير فيها، وخوض معاركها، برغم أنها في الأصل، بالنسبة للعقول السوية، مجرد قضايا فارغة ومعارك محسومة، لا نملك رفاهية الخوض فيها.. لكنني خضت!

فجأة؛ وجدتُ نفسي أدخل المعركة، بدافع الضمير، لأجل الحقيقة، لأجل الفهم. قضيت ساعاتٍ في الاستماع إليه، دونما اقتطاعٍ أو اجتزاء أو.. أتنتظر الآن رأيي؟!

يقول الدكتور فؤاد زكريا في مقدمة كتاب «التفكير العلمي» إن هذا التفكير المقصود ليس بالضرورة تفكير العلماء وما يخوضون فيه من مشاكل متخصصة، إنما هو ذلك النوع من التفكير المنظم الذي يمكن أن نستخدمه في شؤون حياتنا أو في النشاط الذي نبذله في أعمالنا أو في علاقاتنا مع الناس والعالم المحيط بنا. وكل ما يُشترط في هذا التفكير أن يكون منظمًا، وقائمًا على مجموعة من المبادئ التي نطبقها في كل لحظة دون أن نشعر بها شعورًا واعيًا.

ويوضح أكثر فيقول: «هذا النوع من التفكير هو ذلك الذي يتبقى في أذهاننا من حصيلة ذلك العمل الشاق الذي قام به العلماء، وما زالوا يقومون به، من أجل اكتساب المعرفة والتوصل إلى حقائق الأشياء، فبناء العلم يعلو طابقًا فوق طابق، وكل عالمٍ يضيف إليه لبنة صغيرة، وربما اكتفى بإصلاح وضع لبنة سابقة أضافها إليه غيره من قبل».

لم يقل الدكتور فؤاد زكريا، في كتابه الصادر عام 1978، إن العلم الحقيقي يمكن أن يهدم ما قبله كله، ويعارضه بناء على رؤى وتصورات دون أدلة وأبحاث، استنادًا إلى أعداد المجربين أو المشاهدين للفيديوهات!

بل إن الرجل، العالم الفيلسوف، اعتبر موضوع «التفكير العلمي» - وقتها- هو موضوع الساعة في عالمنا العربي، فبينما أفلح العالَم المتقدم - كما قال- في تكوين تراث علمي راسخ امتد في العصر الحديث طوال أربعة قرون، ما زال المفكرون في العالم العربي يخوضون معركة ضارية في سبيل إقرار أبسط مبادئ التفكير العلمي، «ويبدو حتى اليوم أن نتيجة المعركة ما زالت على كفة الميزان، بل قد يُخيل إلى المرء في ساعات تشاؤم معينة أن احتمال الانتصار فيها أضعف من احتمال الهزيمة».

والآن.. بعد ما يقرب من نصف قرن على هذا الكلام، وفي ظل ما صار يثار على السوشيال ميديا من «قضايا كبرى!» تفرض نفسها على الكل؛ فإنه قد آن لنا أن نقول: لم يعد هناك مجالٌ لتشاؤم أو تفاؤل يا دكتور.. حُسِمت المعركة.. انتصرت الجهالةُ!

أخيرًا.. في فيلم «الأفوكاتو»، إنتاج عام 1984، بطولة الفنان عادل إمام، إخراج رأفت الميهي، أطلق «الأستاذ حسن سبانخ المحامي» مقولته الشهيرة: «المجتمعات المتخلفة يا عبدالجبار ما تعرفش حاجة اسمها العلم.. وأي محاولة لتغيير حركتها بقوانين علمية تُعتبر محاولة غير علمية في حد ذاتها».

وبرغم محبتي الفيلم، إلا أن عقلي ظل يرفض دائمًا هذه الفكرة، ويعارض منطقها، معتبرًا أنها غارقةٌ في التشاؤم والسخرية، فلا حل إلا العلم. هكذا قلت لذاتي طويلًا. لكنني الآن أعترف: أحتاج إلى إعادة التفكير مرة أخرى.. كما أحتاج أيضًا إلى الاعتذار منك: أضعتُ وقتك - كما ضاع وقتي- في ما لا يهم!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...