وا د بدر السالم - . مفاجآت اللغة... "ما لم يقعْ فعلياً هو ما نقرأه في النص، مع إنه حدث في الواقع تماماً"

منذ أكثر من 700 سنة تقريباً استدرك محي الدين بن عربي القول بأن عالَم الخيال هو عالم الاحلام. بمعنى إن الخيال المنتج هو من أحلام اليقظة. يستولد اللغة المنتجة التي ترسم ملامح الوقائع الاجتماعية، بطريقة لا تشبه الواقع. يومها كان على اطّلاع بجنيّات الشعر التي كانت مصادرَ إلهام الشعراء. وما يطلقون عليه بـ شياطين الشعر الذين يُملون على الشعراء (1)
الذي يحدث في الروايات لم يحدث في الواقع كما حدث فعلاً. والذي يحدث في الواقع تبتعد الروايات الى حد ما عن تسجيله كما هو حادث؛ فالرواية فيها نسبة خيال مهمة تبتعد عن الواقع عند اقترابها منه، لتقترب من رؤيتها الفنية فتكثّفه بطريقة تُدهش الكاتب قبل القاريء والناقد. ويميل التطرف النقدي الى تسميته بالكذب الفني الذي لا يتصالح مع الواقع؛ لكنه يتصالح مع الفن بوصفه طاقة خلّاقة تبعثر الواقع وتجمعه في إطار سردي له قوة البقاء وديمومة الإبداع واستمراريته.
في هذا مفارقة فنية تتوضح من إن الذي نقرأه في صفحات الروايات لم يقع فعلياً، مع إنه وقع بالفعل بطريقة الواقع الفوضوي المباشر الذي لا يمكن أن نرصد فيه ما نسميه بالخيال الواقعي، وهو يمتلك تسمية الكتابات المبتورة أو تكاد تكون كذلك. والأسباب النقدية واضحة (دائماً هناك أسباب نقدية) منها دور الخيال السردي الذي يُفلتر الوقائع الاجتماعية والسياسية ويستدعي من الخزين المعرفي الفني ليكون في صورة الحدث، بديلاً عن الفوضى المباشرة. وهذا ما يمكن أن يُسمى بـ الإلهام الذي يدير كفة الأحداث بالشكل الذي يريده، لا كما يريده القاريء. بل حتى يتجاوز أفكار المؤلف لأنه عنصر ممتد ومتوسع يأتي بأحداث ساندة يفاجئ بها المؤلف الذي يدير السرد ولواحقه الهامشية عبر اللغة وخيالها.
(2)
الإلهام مصدر الكتابة. وهذه بديهية متعارف عليها. فكل كتابة تخضع لشروطه وزوايا رؤاه غير المعروفة، وكلما كسب المؤلف معارفَ متعددة نضجت فيه حاسة الإلهام (أسميها حاسّة) حينما تتشكل عمودياً وأفقياً وتتمدد وتتوزع وتستشري كالمخاض في مفاصل الكتابة وشرايينها وأوردتها. لهذا فمفاجآت الكتابة غير محسوبة، هي مفاجآت يستدعيها الخيال بإلهامه غير معروف المصدر، وتكتسي اللغة السردية بنضج واضح في تداعياتها المتتالية. اللغة الثمينة مثل المادة الثمينة في الطبيعة. واللغة الفقيرة كالرجل الذي فقد لسانه وأسنانه معاً في حادثة غير ذات أهمية كان يتوجب أن لا تحدث..!
اللغة قوام السرد وعموده الفقري. وهي التي (جعلتْ منّا بشراً) بتعبير عالم الفسيولوجيا الروسي بافلوف، في ما يأتي الخيال في مرتبة ذات صلة باللغة (الخيال هو الذي جعل منّا بشراً) بتعبير عالم النفس الروسي فيجوتسكي، وكلاهما؛ الخيال واللغة؛ يتعاضدان لجعل المتخيل الثقافي الطريقة التي نرى من خلالها أية ثقافة في العالَم وترى-هي- نفسها أيضا داخل هذا العالم، كما عبّر عن ذلك د. شاكر عبدالحميد في كتابه "الخيال" لكن منذ أكثر من 700 سنة تقريباً استدرك محي الدين بن عربي القول بأن عالَم الخيال هو عالم الاحلام. بمعنى إن الخيال المنتج هو من أحلام اليقظة. يستولد اللغة المنتجة التي ترسم ملامح الوقائع الاجتماعية، بطريقة لا تشبه الواقع. يومها كان على اطّلاع بجنيّات الشعر التي كانت مصادرَ إلهام الشعراء. وما يطلقون عليه بـ شياطين الشعر الذين يُملون على الشعراء قصائدهم. كما عُرف الشاعر الأعشى بشيطانه الشعري "مسحل بن جندل" و"هاذر" شيطان الشاعر النابغة الذبياني وغيرهما من الشعراء الذين سجلوا حضوراً شبحياً في "وادي عبقر" لاكتساب الشعر من شياطينهم.
(3)
ابن عربي كان يسمي الإلهام بالأحلام. يومها كانت اشتقاقات اللغة لم تتوفر على حداثة نقدية منفتحة كما الآن، فالإلهام هو العبقرية التي لا تؤتَى لكل شخص. والأحلام تؤتى لكل شخص ولا تنفع بشيء. ثمة عطل في المخيلة الشخصية لا تستوعب سوى الحلم المرتسم من باطنية المرء. وهذه الخلائط المتنوعة التي تحدث اثناء النوم تعمل على تفريغ الدماغ من نفايات كثيرة كما يقول أهل الطب. غير إننا نفهم من قراءات الماضي الشعرية إن "الجن" الشبحي هو مصدر شعري ملهِم، كون العرب القدامى ألفوا هذه الكائنات الشبحية المعتادة في حياتهم التي رسخت في مخيلتهم، لاعتقادهم بأن لها خارقية كبيرة لا يمتلكها البشر. وليس أدل على شاعرٍ يمتثل لرؤى الجن كجرير الذي قال: إني ليُلقى عليّ الشعرُ مكتهلٌ / من الشياطين إبليسُ الأباليس
مع أن لغة العرب مكثفة ومعقدة في آن واحد. تنفتح على الخيال الى أقصى مدياته، مما جعل جوتسكي يرى بأن الخيال جعل منّا بشراً. وأن اللغة معيار لجماليات الكتابة وإنشائها ورموزها الكثيرة. وبالتالي مفاجآت اللغة كبيرة واستثنائية وهي تتجلى في الوصف والحواريات والتداعيات والخيال الصوري وأحلام اليقظة واستدعاء الخزين المعرفي، ليتشكل على وفق افتراضية الواقع وليس كما هو الواقع. وهذا يحيلنا الى دور العقل- غير المرئي- في استنهاض لغة الكتابة المطلوبة، ومن ثم مخاطبة القاريء بأن العقل صانع الخيال الماهر، ومكتشف البناء الأسطوري والخرافي للحادثة الاجتماعية، مع إنها وقعت بالفعل. وما لم يقعْ فعلياً هو ما نقرأه في النص، مع إنه حدث في الواقع تماماً.
الإحالة بالمجمل الى إن الإلهام - العقل- الخيال- تلتقي في ما بينها بطريقة غير معروفة مما نسميه بـ تفجير اللغة التي تتنازع مع ذلك الثلاثي لتنتج بقاءها في دائرة السرد، وتشغل مساحة غير قليلة منه. وتروي في مفاجآتها المتتالية أكثر مما يتوقعه كاتب النص، بينما يتوقعه القاريء وهو يمضي مع الحبكة الراصدة في متعة القراءة الفطرية والواعية.
يضعنا هذا في مواجهة التشكيل النصي بكامله واقعاً وإلهاماً وخيالاً ولغةً. ثم يأتي دور القاريء بمسمياته الكثيرة، الإشكالي. الواقعي. الخيالي. اللغوي. المتعوي. العابر. المقيم في النص. المؤلف الثاني. قبل أن تتشكل الرؤية النقدية أمام هذه المواجهة الداخلية في النظريات المتعاقبة التي تفكك وتشرّح النص على وفق رؤيتها الفنية.
(4)
في الحالات كلها ليست هناك شبحية في إنتاج النصوص، بل تتضامن عناصر محددة لصيرورة النصوص وإطلاقها الى القراءة والنقد، عندها يتوارى المؤلف و(يموت) بتعبير رولان بارت. وهذا الموت ليس سريرياً بقدر ما هو آلية نقدية تستدعي القاريء كمؤلف آخر يقرأ النص ويفتح فيه مزايا النقد، لنجد إن القاريء يكون في مصاف الناقد على نحوٍ تقريبي. وقد أعطِيَ دوراً يراه البعض شبحياً ، في ما يراه البعض مركزياً في الدخول الى النصوص الأدبية.

مصدر:
• الخيال من الكهف الى الواقع الافتراضي- د. شاكر عبدالحميد- عالم المعرفة - الكويت 2009

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...