الدكتور محمد أزلماط - هل يوجد “العقل الانتخابي”؟ نحو نقد الالتباس المفهوم بين البنية الإدراكية والآلية السياسية

تقديم
في الخطابات السياسية المعاصرة، يتكرر استعمال تعبير “العقل الانتخابي” وكأنه يشير إلى بنية ذهنية مستقلة تحكم سلوك الفاعلين السياسيين في لحظة الاقتراع. غير أن هذا الاستعمال، على كثافته التداولية، يثير إشكالًا مفاهيميًا عميقًا يتعلق بمدى مشروعية نقل مفهوم “العقل” من حقل الإنتاج المعرفي إلى حقل الآليات السياسية الإجرائية. فالمسافة بين ما هو إدراكي–تركيبي وبين ما هو تنظيمي–تقني ليست مجرد اختلاف في الوظيفة، بل هي اختلاف في طبيعة البناء نفسه: الأول يُنتج المعنى ويعيد تركيبه، بينما الثاني يُدبّر الفعل داخل شروط سابقة التشكّل.
ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي المركزي الذي يؤطر هذا المقال: هل يوجد “العقل الانتخابي”؟
إن هذا السؤال لا يُطرح بوصفه تقريرًا، بل بوصفه سؤالًا إشكاليًا مفتوحًا، يهدف إلى زعزعة اليقين المفترض في المفهوم، وإدخال القارئ في توتر معرفي يسمح بإعادة التفكير في ما يبدو بديهيًا في الخطاب السياسي. كما أن وضع عبارة “العقل الانتخابي” بين علامات التنصيص ليس تفصيلًا شكليًا، بل هو مؤشر دلالي على أن المصطلح نفسه ليس معطى مفهوميًا ثابتًا، بل موضوع مساءلة ونقد لغوي–مفاهيمي، قابل لإعادة التفكيك وإعادة البناء.
ويندرج هذا السؤال ضمن أفق نظري أوسع يتجلى في الصيغة التالية: “نحو نقد الالتباس المفهوم بين البنية الإدراكية والآلية السياسية”. ويقوم هذا الإطار على ثلاث وظائف أساسية: تحديد طبيعة النقد باعتباره نقدًا مفهوميًا–إبستمولوجيًا لا مجرد تحليل سياسي مباشر، وتعيين طبيعة الإشكال في كونه ناتجًا عن التباس بين مستويات تحليل مختلفة، ثم إبراز ثنائية مركزية في هذا المقال هي: البنية الإدراكية ↔ الآلية السياسية. وهي ثنائية تسمح بتمييز دقيق بين العقل بوصفه مجالًا لإنتاج المعنى، والانتخاب بوصفه آلية تنظيمية لتدبير الاختيار داخل المجال العمومي.
وانطلاقًا من هذا التحديد، يسعى هذا المقال إلى تفكيك الأساس الاستعاري الذي يقوم عليه مفهوم “العقل الانتخابي”، وإعادة ضبط العلاقة بين الإدراك السياسي وآلياته التنظيمية، بما يمنع تداخل المستويات المفهومية ويعيد بناء دقة المفاهيم داخل التحليل السياسي المعاصر.
ويهدف هذا المقال إلى مناقشة أحد الاستعمالات المفاهيمية الشائعة في بعض الكتابات المعاصرة، والمتمثل في تعبير “العقل الانتخابي”، من خلال مساءلة مدى دقته النظرية وحدود مشروعيته المفهومية. وينطلق التحليل من فرضية أساسية مفادها أن الخلط بين مستوى “العقل” بوصفه نسقًا معرفيًا منتجًا للمعنى، وبين “الانتخاب” بوصفه آلية سياسية–إجرائية لتنظيم الاختيار، يؤدي إلى إرباك في تحديد طبيعة كل من المجال المعرفي والمجال السياسي (Morin, 2008, p. 45؛ Habermas, 1984, p. 87).
فالعقل، في معناه التركيبي، لا يُختزل في وظيفة واحدة أو تقنية محددة، بل يُفهم بوصفه بنية دينامية تتشكل من تفاعل الإدراك واللغة والذاكرة والثقافة، بما يجعله جهازًا لإنتاج المعرفة والمعنى وإعادة تنظيم الخبرة الإنسانية (Cassirer, 1944, p. 24؛ الجابري، 1990، ص. 56). في المقابل، فإن الانتخاب لا يندرج ضمن هذا المستوى التكويني، بل ينتمي إلى مجال التدبير السياسي، حيث يُستخدم كآلية مؤسساتية لتنظيم التمثيل واتخاذ القرار داخل إطار ديمقراطي محدد (Bourdieu, 1991, p. 166؛ Dahl, 1989, p. 221).
وانطلاقًا من هذا التمييز، يسعى المقال إلى تفكيك الأساس الاستعاري الذي يقوم عليه تعبير “العقل الانتخابي”، وإبراز حدوده المفهومية، مع التأكيد على ضرورة الإبقاء على الانتخاب ضمن حقل “الأداة السياسية” لا “البنية العقلية”، وعلى العقل ضمن حقل “الإنتاج المعرفي” لا “الإجراء التنظيمي”. وبذلك، يُعاد ضبط العلاقة بين العقل والسياسة في اتجاه يمنع تداخل المستويات المفهومية، ويُرسّخ دقة أكبر في استعمال المفاهيم داخل التحليل الفكري والسياسي (Eco, 1976, p. 112؛ طه عبد الرحمن، 1995، ص. 33).
التحول من التصور الكلاسيكي للعقل إلى مفهوم العقل التركيبي
مفهوم “العقل” في حد ذاته ليس كيانًا بسيطًا يمكن حصره في تعريف واحد نهائي، بل هو بناء مفهومي يتغير بتغير زاوية النظر إليه. ففي التصورات الكلاسيكية، يُقدَّم العقل غالبًا بوصفه قدرة على الإدراك، وأداة للفهم والاستدلال، ومركزًا تُنسب إليه عمليات الوعي والمعرفة (Descartes, 1641/1996, p. 18؛ ابن سينا، 1952، ص. 32). وبهذا المعنى، يبدو العقل وكأنه “مقرّ” داخلي ثابت تُمارَس داخله العمليات الذهنية بشكل مباشر ومنظم.
غير أن هذا التصور، رغم وضوحه، يظل وظيفيًا ومبسّطًا إلى حدّ كبير، لأنه يتعامل مع العقل باعتباره معطًى جاهزًا، دون أن يطرح سؤال التكوين: كيف يتشكل هذا العقل أصلًا؟ وكيف تتداخل اللغة والثقافة والرموز في بنائه؟ وهل العقل سابق على هذه الأنساق، أم أنه يتكوّن من خلالها وفي داخلها؟ (Cassirer, 1944, p. 56؛ فوكو، 1986، ص. 71).
من هنا يظهر القصور في النموذج الكلاسيكي، لأنه لا يفسّر البعد التكويني للعقل، بل يكتفي بوصف وظائفه. ولذلك يصبح من الضروري الانتقال من تصور العقل كـ“أداة جاهزة” إلى فهمه كـ“بنية تتشكل داخل الشبكات اللغوية والثقافية والرمزية” (Morin, 2008, p. 102؛ الجابري، 1990، ص. 114).
وهنا تبدأ الحاجة إلى ما يمكن تسميته بالتفكير التركيبي، أي ذلك المنظور الذي لا يرى العقل كجوهر مستقل، بل كناتج تفاعلي بين أنساق متعددة: اللغة، الثقافة، الذاكرة، والتجربة الإدراكية. وبهذا الانتقال، يصبح العقل ليس نقطة بداية ثابتة، بل سيرورة تشكّل مستمرة تُبنى داخل العالم الرمزي ولا تنفصل عنه (Piaget, 1970, p. 43؛ طه عبد الرحمن، 1995، ص. 88).
يتأسس مفهوم “العقل التركيبي” على تجاوز التصورات الجوهرانية التقليدية للعقل، التي كانت تفترض وجود كيان ثابت ومستقل يُسمّى “العقل”، لصالح تصور يرى العقل بوصفه بنية علاقاتية دينامية تتشكل باستمرار من تفاعل عناصر متعددة داخل نظام معرفي مفتوح (Morin, 2008, p. 121؛ Deleuze & Guattari, 1987, p. 36). فالعقل هنا لا يُفهم كجوهر قائم بذاته، بل كشبكة من العلاقات المتغيرة التي تنشأ بين مكونات الإدراك والمعرفة والخبرة.
ضمن هذا التصور، لا يوجد “عقل واحد” متجانس، بل منظومة مركبة تتداخل فيها عدة مستويات معرفية، من أبرزها: الإدراك الحسي الذي يمدّ النظام بالمعطيات الأولية، واللغة التي تنظّم هذه المعطيات داخل قوالب رمزية، والذاكرة التي تحفظ الخبرات السابقة وتعيد تفعيلها، والثقافة التي توفر الإطار القيمي والتأويلي، إضافة إلى الخبرة الفردية التي تعطي لكل عملية إدراكية طابعها الخاص، والنظام الرمزي الذي يضمن إمكانية تحويل المعطيات إلى معانٍ قابلة للتداول والفهم (Vygotsky, 1978, p. 94؛ Eco, 1976, p. 128).
ومن هذا المنظور، يمكن إعادة صياغة مفهوم العقل على النحو التالي:
العقل=تفاعل مستمر بين وحدات معرفية داخل نظام من العلاقات المتغيرة
وهذا التعريف يغيّر جذريًا طريقة فهم العقل؛ فهو لا يُنظر إليه كمخزن ثابت للمعرفة يتم فيه “تكديس” المعلومات، بل كـ “بنية إنتاج” تقوم بإعادة تشكيل المعرفة باستمرار عبر التفاعل بين مكوناتها. فالمعرفة لا تُخزَّن فقط، بل تُنتَج وتُعاد صياغتها داخل كل لحظة إدراكية، وفق السياق واللغة والخبرة والثقافة (Bruner, 1990, p. 67؛ بيرس، 1965، ص. 211).
وبذلك يصبح العقل التركيبي نظامًا حيًا، لا يعمل وفق منطق الثبات، بل وفق منطق التحول الدائم، حيث تتغير العلاقات بين عناصره باستمرار، وينتج عن هذا التغير إعادة مستمرة لبناء المعنى والفهم داخل التجربة الإنسانية (Habermas, 1984, p. 97؛ موران، 2005، ص. 53).
ويمثل البعد التركيبي في التصور المستوى الأعمق لعمل العقل، حيث لا يُفهم التركيب بوصفه عملية جمع أو تجميع لعناصر معرفية جاهزة، بل بوصفه آلية تحويل دينامية تُعيد تشكيل هذه العناصر داخل شبكة من العلاقات المتغيرة. فالعقل لا يتعامل مع المعطيات باعتبارها وحدات مستقلة تُرصّ جنبًا إلى جنب، وإنما يعيد إدماجها داخل بنيات علاقاتية جديدة تمنحها دلالات مختلفة بحسب السياق (Deleuze, 1994, p. 182؛ بورديو، 1992، ص. 101).
ومن هذا المنظور، لا يتوقف الاشتغال العقلي عند حدود ربط العناصر ببعضها، بل يتجاوز ذلك إلى تحويل العناصر نفسها إلى علاقات، بحيث تصبح قيمة كل عنصر مرتبطة بموقعه داخل الشبكة لا بوجوده المنفصل. ثم تُعاد صياغة هذه العلاقات في مستوى أعلى لتنتج معنى متماسكًا، لا يُفهم كمعطى ثابت، بل كحصيلة مؤقتة لعملية تركيب مستمرة (Lotman, 1990, p. 213؛ إيكو، 2000، ص. 144).
وفي المرحلة اللاحقة، يتحول هذا المعنى بدوره إلى معرفة قابلة للتطور، أي معرفة ليست مغلقة أو نهائية، بل مفتوحة على إعادة التشكيل وفق خبرات جديدة وسياقات مختلفة. وبهذا، لا تكون المعرفة نهاية العملية، بل نقطة انطلاق لعمليات تركيب جديدة أكثر تعقيدًا (Morin, 2008, p. 137؛ بياجيه، 1985، ص. 77).
وعليه، يمكن النظر إلى العقل بوصفه نظام تحويل (Transformation System)، أي نظامًا لا يكتفي بتخزين المعلومات أو استرجاعها، بل يقوم بإعادة إنتاجها باستمرار عبر تحويل العناصر إلى علاقات، والعلاقات إلى معانٍ، والمعاني إلى معرفة متجددة. وبذلك يتأسس العقل كفضاء دينامي لإنتاج الدلالة والمعرفة، لا كمستودع ثابت للبيانات (Peirce, 1931–1958, Vol. 5, p. 284؛ Cassirer, 1944, p. 89).
العقل الانتخابي بين الاستعارة المفهومية والبنية التركيبية للعقل
وعندما يُقال مثلًا “العقل الانتخابي”، فنحن غالبًا لا نتحدث عن “عقل” جديد فعليًا، بل عن استعارة مفهومية. بمعنى: يتم إسقاط آلية من مجال السياسة (الانتخاب) على مفهوم العقل، لإبراز طريقة اشتغاله أو أحد أبعاده، وليس لتأسيس كيان عقلي مستقل جديد اسمه “عقل انتخابي” (ريكور، 2006؛ لاكوف وجونسون، 2009).
فالانتخاب في أصله هو آلية ديمقراطية تنظيمية هدفها اتخاذ قرار جماعي عبر الاختيار بين بدائل (هابرماس، 2007). أما العقل، في الاشتغال الفلسفي والمعرفي، فهو ليس مجرد “مصفاة اختيارات”، بل جهاز إنتاج للمعنى والمعرفة (موران، 2005؛ كاسيرر، 2021):
• يبني المفاهيم
• يربط المعطيات
• يعيد تنظيم الخبرة
• ويُنتج أنساقًا تفسيرية للعالم
لذلك، اختزال العقل في كونه “انتخابيًا” فقط قد يؤدي إلى تضييق وظيفته، لأنه يحوله من نظام إنتاج إلى مجرد آلية اختيار بين بدائل جاهزة (بياجيه، 1985؛ موران، 2005).
لكن يمكن فهم الأمر بدقة أكبر إذا ميزنا بين مستويين:
1. المستوى المجازي (الاستعاري)
يمكن الحديث عن “بعد انتخابي في العقل” بمعنى أن العقل أحيانًا يقوم بعملية ترجيح واختيار بين احتمالات معرفية متعددة. وهذا صحيح في الإدراك والقرار، حيث تعمل الذات العارفة على المفاضلة بين إمكانات مختلفة قبل تثبيت المعنى أو اتخاذ الموقف (بيرس، 1987؛ ريكور، 2006).
2. المستوى البنيوي (العميق)
العقل ليس انتخابًا فقط، بل هو:
• إنتاج للبدائل نفسها
• تنظيم لهذه البدائل
• ثم ترجيح بينها
أي أنه لا يختار فقط، بل يصنع ما يُختار منه أساسًا. ومن هنا يظهر الفرق الجوهري: فالانتخاب يفترض وجود خيارات جاهزة، بينما العقل التركيبي يُنتج الخيارات ويعيد تركيبها قبل اختيارها (موران، 2005؛ فيغوتسكي، 1988).
ولهذا، يمكن القول بدقة:
ليس هناك “عقل انتخابي” بالمعنى البنيوي الصارم، بل هناك وظيفة انتخابية داخل العقل كجزء من آليات أوسع تشمل الإنتاج والتركيب والتأويل.
وبالتالي، إذا أردنا الحفاظ على الدقة المفاهيمية، فالأفضل أن نقول:
• العقل ليس انتخابيًا
• لكنه يتضمن آلية انتخاب داخل نظام أوسع من الإنتاج التركيبي للمعنى
وهذا هو الفرق بين استعمال استعاري جميل، واستعمال مفهومي صارم.
العقل الانتخابي بين الخلط المفهوم والبنية التركيبية للعقل السياسي
لا يمكن الحديث بدقة عن “عقل انتخابي” بوصفه كيانًا معرفيًا قائمًا بذاته، لأن مفهوم العقل في بنيته العميقة لا يُختزل في وظيفة واحدة أو آلية إجرائية محددة، بل يشير إلى نسق إنتاجي معقد للمعنى والمعرفة يتشكل عبر تفاعل الإدراك واللغة والذاكرة والخبرة (موران، 2005؛ كاسيرر، 2021). أما الانتخاب، في جوهره، فهو ليس بنية عقلية، بل آلية تنظيمية مرتبطة بمجال السياسة، تهدف إلى تدبير الاختلاف داخل المجتمع عبر اختيار تمثيلي بين بدائل محددة سلفًا (هابرماس، 2007). ومن هنا، فإن إلحاق صفة “العقل” بالانتخاب يؤدي إلى خلط مفهوم بين مستوى إنتاج المعرفة ومستوى تدبير القرار السياسي.
إن العقل، سواء في بعده الفردي أو الجماعي، يشتغل كمنظومة تركيبية تنتج التصورات والمعاني وتعيد بناء الواقع في ضوء أدوات إدراكية ورمزية متعددة، بينما الانتخاب لا ينتج المعرفة ولا يُعيد تشكيل البنى الفكرية، بل يعمل داخل إطار معرفي وسياسي سبق تشكّله (بياجيه، 1985؛ فيغوتسكي، 1988). لذلك، إن الانتخاب ليس عقلًا، بل هو أداة إجرائية داخل بنية أوسع يمكن تسميتها بالعقل السياسي، أي ذلك المستوى من التفكير الجمعي الذي يُنتج مفاهيم التدبير والتنظيم والتمثيل، ثم يُفوض جزءًا من هذا التنظيم إلى آلية انتخابية تُجسّد مبدأ التداول والاختيار (بورديو، 1994).
وبهذا المعنى، يصبح الانتخاب وظيفة داخل نظام سياسي عقلاني أوسع، وليس عقلًا قائمًا بذاته. فهو لا يُنتج الفكر، بل يُدبّر نتائجه داخل المجال العمومي. ومن ثم فإن استعمال تعبير “العقل الانتخابي” يبدو أقرب إلى المجاز منه إلى المفهوم الدقيق، لأن العقل يظل بنية إنتاج للمعنى، بينما الانتخاب يظل تقنية لتنظيم القرار داخل المجال السياسي (ريكور، 2006).
ومن ثم فإن الانتخاب، مهما بلغت درجة تعقيده التنظيمي أو تطوره الإجرائي، يظل محكوماً بمنطق خارجي عنه، أي بمنطق العقل السياسي الذي يسبقُه ويؤطره ويمنحه مشروعيته. فالمجال السياسي لا يتحرك في فراغ، بل يستند إلى منظومة من التصورات المعيارية والقيمية التي تشكل “العقل السياسي” بوصفه البنية التي تنتج مفاهيم الدولة، والمواطنة، والتمثيل، والسلطة، والتداول (هابرماس، 2007؛ أرندت، 2011). داخل هذه البنية فقط يصبح الانتخاب ممكنًا ومفهومًا، لا كـ“عقل” مستقل، بل كأداة تنظيمية تُفعل داخل نظام فكري–مؤسساتي أوسع.
وعليه، فإن تحويل الانتخاب إلى “عقل” هو في جوهره نقل استعاري غير دقيق، لأنه يُسقط على آلية إجرائية صفة إنتاج المعنى والمعرفة، في حين أن هذه الأخيرة تبقى من اختصاص البنى العقلية والسياسية الكلية التي تنتج الإطار المرجعي للقرار نفسه. فالانتخاب لا يُنتج المفاهيم التي يعمل بها، بل يتحرك داخلها؛ ولا يُنشئ القيم التي يعبّر عنها، بل يُجسدها في لحظة تطبيقية محددة (لاكوف وجونسون، 2009).
ومن هذا المنظور، يصبح التمييز ضروريًا بين مستويين: مستوى العقل بوصفه نسقًا إنتاجيًا للمعنى، ومستوى الآلية بوصفها أداة تشغيل داخل هذا النسق. فالأول يؤسس، ويصوغ، ويعيد تركيب التصورات، بينما الثاني يفعّل ويُنظم ويُدير نتائج تلك التصورات داخل الواقع العملي. ولذلك، فإن الدقة المفهومية تقتضي إبقاء الانتخاب في حقل “التقنية السياسية” لا في حقل “العقل”.
وبهذا يتضح أن الحديث عن “العقل الانتخابي” لا يضيف وضوحًا مفاهيميًا بقدر ما يخلق التباسًا بين مستويات مختلفة من التحليل. أما الأدق، فهو القول إن الانتخاب أحد تجليات العقل السياسي في بعده الإجرائي، وليس شكلاً من أشكال العقل ذاته، لأن العقل يظل دائمًا أفقًا لإنتاج المعنى، بينما تظل الآليات مثل الانتخاب وسائل لتنظيم هذا المعنى داخل المجال العمومي.
من أبرز أعطاب العقل السياسي المعاصر أنه يُقدَّم في كثير من التحليلات بوصفه “عقلًا انتخابيًا”،(إبراهيم أقنسوس، 2019) أي عقلًا لا يتشكل داخل سيرورة التفكير السياسي بوصفها بناءً معرفيًا طويل المدى، بل داخل لحظة ظرفية تُختزل في منطق الاقتراع وتدبير النتائج. غير أن هذا التوصيف، رغم طابعه النقدي الظاهر، يخفي داخله مشكلة أعمق: وهي تحويل مفاهيم تركيبية معقدة إلى استعمالات لغوية جاهزة تُستعمل دون وعي ببنيتها المفهومية أو شبكاتها النظرية (موران، 2005).
إن الحديث عن “العقل الانتخابي” هنا لا يُحيل إلى نموذج معرفي مضبوط، بل إلى استعارة سياسية تُستعمل لتوصيف سلوك سياسي موسمي، حيث يُفترض أن العقل يشتغل وفق منطق واحد هو حساب الأصوات وضبط الكتل الانتخابية. غير أن هذا التصور، حين يُترك دون تفكيك، يُحوّل العقل إلى وحدة وظيفية مغلقة، وكأن التفكير السياسي لا يتجاوز أفق إدارة اللحظة الانتخابية. وهنا بالضبط يظهر الخلل التركيبي: إذ يتم استعمال مفهوم “العقل” وكأنه بنية مستقلة، ثم يُضاف إليه توصيف “انتخابي” دون تحديد كيف يتشكل هذا التوصيف داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والرمزية والمؤسساتية (بورديو، 1994).
إن هذا الاستعمال غير الممأسس للمصطلحات التركيبية يُنتج نوعًا من الخطاب الذي يبدو نقديًا لكنه في العمق يشتغل بمفاهيم غير مُفكَّر فيها. فحين يُقال إن “العقل الانتخابي لا يشتغل إلا لحظة الانتخابات”، يتم التعامل مع العقل وكأنه جهاز متقطع الزمن، يعمل ثم يتوقف، في حين أن العقل في بنيته التركيبية هو سيرورة ممتدة، تتداخل فيها الخبرة، والذاكرة السياسية، وأنماط التمثيل، وأنساق القيم (فيغوتسكي، 1988؛ موران، 2005). وبالتالي، فإن اختزال العقل في لحظة انتخابية هو في حد ذاته تفكيك غير واعٍ لبنيته التركيبية.
من جهة أخرى، يُلاحظ أن كثيرًا من المفاهيم المستعملة في هذا الخطاب—مثل “الحساب الانتخابي”، “كتلة الناخبين”، “الممتلكات السياسية”—تُستعمل كأنها وحدات جاهزة، دون الانتباه إلى أنها تنتمي إلى شبكات مفهومية مختلفة: بعضها إحصائي، وبعضها سوسيولوجي، وبعضها رمزي. لكن هذه المفاهيم تُجمع داخل خطاب واحد دون تحديد علاقاتها البينية، مما يُنتج ما يمكن تسميته بـ“التراكم المفهومي غير المركب”، أي استعمال مفاهيم متعددة دون هندسة العلاقات التي تربطها (إيكو، 1991).
فعلى سبيل المثال، حين يُقال إن العقل الانتخابي “مهووس بضبط كتلة الناخبين”، يتم نقل مفهوم “الكتلة” من حقل إحصائي إلى حقل نفسي-سياسي، دون توضيح التحول الذي يطرأ عليه داخل هذا الانتقال. فالكتلة ليست معطى طبيعيًا، بل بناء رمزي وإجرائي يتشكل عبر الإعلام، والخطاب السياسي، والبنية الاجتماعية (بورديو، 1994). غير أن غياب هذا التفكيك يجعل المفهوم يبدو وكأنه كيان ثابت يمكن ضبطه حسابيًا، في حين أنه في الواقع نتيجة شبكة من التفاعلات المعقدة.
كما أن وصف هذا العقل بأنه “عقل مستقيل لا يشتغل إلا لحظة الانتخابات” يكشف عن نزعة اختزالية أخرى، حيث يتم تحويل السياسة إلى زمنين متناقضين: زمن اشتغال وزمن توقف. غير أن التحليل التركيبي للعقل السياسي يُظهر أن ما يُسمى “لحظة الانتخابات” هو في الحقيقة ذروة سيرورة ممتدة من التكوين الرمزي والسياسي، وليست بداية أو نهاية لها. وبالتالي، فإن ما يبدو “لحظة اشتغال” هو في الواقع لحظة تكثيف لعمليات سابقة ومستمرة (هابرماس، 2007).
إن المشكلة الأساسية في هذا النوع من الخطاب ليست في نقده للعقل السياسي، بل في أنه يستعمل مفاهيم تركيبية (العقل، الكتلة، الحساب، الاستقلال، الاشتغال) دون إدراك البنية الشبكية التي تمنحها معناها. فالمفهوم هنا لا يُعامل كبنية علاقات، بل كوحدة لغوية قابلة للتوظيف المباشر، وهو ما يؤدي إلى انفصال بين اللغة النقدية والنموذج المفهومي الذي يفترض أن يؤطرها (موران، 2005).
من هذا المنظور، يصبح “العقل الانتخابي” ليس وصفًا لنمط من التفكير السياسي فقط، بل أيضًا عرضًا لخلل أعمق في طريقة بناء المفاهيم نفسها، حيث يتم الانتقال من مستوى التحليل التركيبي إلى مستوى الاستعمال البلاغي، دون المرور بمرحلة هندسة العلاقات المفهومية. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ“فائض المصطلحية غير المؤطرة”، أي كثافة مفاهيمية لا يقابلها وضوح في البنية النظرية.
إن تجاوز هذا الإشكال يقتضي إعادة بناء المفاهيم السياسية داخل شبكة تركيبية واضحة، حيث لا يُفهم العقل بوصفه وحدة مستقلة، بل بوصفه نقطة تقاطع بين أنساق متعددة: معرفية، رمزية، اجتماعية، وإعلامية. كما يقتضي التمييز بين استعمال المفهوم كأداة خطابية، وبين بنائه كنموذج تحليلي له قواعده الداخلية وعلاقاته المنهجية.
وبهذا المعنى، لا يعود “العقل الانتخابي” مفهومًا مكتملًا، بل يصبح علامة على حاجة أعمق لإعادة هندسة اللغة السياسية ذاتها، بحيث تنتقل من الاستعمال الانطباعي للمفاهيم إلى بناء نماذج تركيبية تُراعي العلاقات التي تنتج المعنى، بدل الاكتفاء بتكديس المصطلحات في فضاء خطابي يبدو نقديًا لكنه يفتقر إلى هندسة مفهومية صلبة.
العقل الانتخابي في أفق ما بعد السيميائيات: من العلامة السياسية إلى الإدراك المركب
في أفق ما بعد السيميائيات، لا يعود الحديث عن “العقل الانتخابي” مجرد توصيف لسلوك سياسي موسمي، بل يصبح عرضًا إبستمولوجيًا على طريقة تفكير تُنتج المفاهيم داخل المجال السياسي دون مساءلة شروطها الإدراكية–الرمزية. فالمشكل لم يعد في وصف السياسة بأنها تُختزل انتخابيًا، بل في أن اللغة التي تصف هذا الاختزال نفسها تشتغل بمنطق سيميائي تقليدي يفترض أن المعنى يُستخرج من المفاهيم، بينما ما بعد السيميائيات تقترح أن المعنى يُنتج داخل تفاعل أعمق بين الإدراك، والوجدان، والسياق، والتمثلات الاجتماعية (Eco, 1979; Barthes, 1977).
من هذا المنظور، يصبح “العقل الانتخابي” ليس كيانًا قائمًا بذاته، بل بناءً خطابيًا يتشكل داخل لحظة إدراكية سياسية مضغوطة، حيث تُعاد صياغة التجربة السياسية كلها داخل أفق زمني قصير، يُسمّى الانتخاب. غير أن هذا الأفق لا يخلق عقلًا خاصًا به، بل يعيد توزيع اشتغال العقل السياسي داخل شروط إدراكية محددة: السرعة، التنافس، الضغط الإعلامي، والتكثيف الرمزي. وبالتالي فإن ما يبدو “عقلًا انتخابيًا” هو في العمق إعادة تنظيم مؤقتة للعقل السياسي داخل وضع إدراكي استثنائي (Habermas, 1984).
هنا تظهر أهمية الانتقال إلى ما بعد السيميائيات، لأن السيميائيات التقليدية—حتى في صيغها الأكثر انفتاحًا عند Umberto Eco أو Roland Barthes—كانت ما تزال تفترض مركزية العلامة في إنتاج المعنى. أما ما بعد السيميائيات، كما في امتداداتها المعاصرة، فتنقل التحليل من “ما تعنيه العلامة” إلى “كيف يُنتج المعنى داخل التجربة الإدراكية المركبة”. وهذا التحول جوهري في فهم العقل السياسي، لأنه يكشف أن ما يُسمى “انتخابيًا” ليس بنية دلالية، بل نمطًا إدراكيًا مؤقتًا لإنتاج القرار السياسي (Peirce, 1931–1958; Eco, 1979).
إن الخلل الذي يظهر في استعمال مفاهيم مثل “العقل الانتخابي”، “كتلة الناخبين”، “الحساب السياسي”، لا يكمن فقط في طابعها الوصفي، بل في كونها تُستعمل خارج شبكاتها التركيبية. فكل مفهوم من هذه المفاهيم ليس وحدة مستقلة، بل عقدة داخل شبكة إدراكية–اجتماعية–رمزية. فـ“الكتلة الانتخابية” مثلًا ليست معطى عددياً فقط، بل هي بناء إدراكي يتشكل عبر الإعلام، والخطاب السياسي، والذاكرة الجماعية، وأنماط الانتماء. غير أن الخطاب السياسي يختزلها في رقم، أي أنه يُفرغها من بعدها ما بعد السيميائي: البعد التجريبي–الوجداني الذي يجعلها قابلة للتشكل أصلًا (Bourdieu, 1991).
في هذا السياق، يمكن فهم “العقل الانتخابي” بوصفه نتيجة لتحول في شروط الإدراك السياسي، حيث يتم ضغط التجربة السياسية داخل لحظة كثيفة تُعاد فيها صياغة المعنى عبر آليات التبسيط والتكثيف. هذا الضغط الإدراكي يؤدي إلى ما يمكن تسميته في أفق ما بعد السيميائيات بـ“انكماش المجال التأويلي”، أي تقلص قدرة العقل السياسي على إنتاج معانٍ متعددة، لصالح معنى واحد مهيمن: نتيجة الانتخابات (Morin, 2005).
غير أن ما يغيب في هذا التصور هو أن العقل السياسي، في بنيته الأعمق، ليس عقل نتائج، بل عقل سيرورات. وهو ما يؤكده التحليل التركيبي للعقل عند تقاطعه مع الفلسفة السياسية الحديثة، حيث لا يُفهم القرار السياسي كلحظة منفصلة، بل كحلقة داخل سلسلة من التفاعلات الطويلة. بهذا المعنى، فإن اختزال العقل في “انتخابية” ظرفية هو إعادة إنتاج لنموذج سيميائي ضيق، يتجاهل أن المعنى السياسي لا يُولد في لحظة التصويت، بل في المسار الذي يجعل التصويت ممكنًا أصلًا (Habermas, 1984).
وإن الخطاب الذي ينتقد “العقل الانتخابي” يقع أحيانًا في مفارقة داخلية: فهو ينتقد الاختزال السياسي، لكنه يستعمل مفاهيم مختزلة هي نفسها، دون إعادة تركيبها داخل شبكة إدراكية شاملة. فالتعبيرات مثل “عقل مستقيل”، “هوس بالأصوات”، “ضبط الكتل”، تبدو كثيفة دلاليًا، لكنها تفتقر إلى هندسة مفهومية تُظهر كيف تتولد هذه الظواهر داخل النظام الإدراكي–السياسي. أي أن النقد هنا يظل على مستوى العلامة، لا على مستوى البنية التي تُنتج العلامة (Barthes, 1977).
إن تجاوز هذا المستوى يقتضي الانتقال إلى ما يمكن تسميته بـ“العقل السياسي ما بعد السيميائي”، أي عقل لا يُفهم من خلال العلامات السياسية فقط، بل من خلال البنية الإدراكية التي تُنتج هذه العلامات. في هذا الأفق، يصبح السؤال ليس: كيف يفكر العقل الانتخابي؟ بل: كيف تُعاد هندسة الإدراك السياسي بحيث ينتج نمطًا انتخابيًا في التفكير أصلًا؟
بهذا المعنى، لا يعود “العقل الانتخابي” نوعًا من العقول، بل عرضًا لتحول أعمق في بنية الإدراك السياسي المعاصر، حيث يتم تقليص التجربة السياسية إلى لحظة قابلة للقياس، بينما يتم تهميش السيرورات الطويلة التي تُنتج هذه اللحظة. ومن هنا، فإن ما بعد السيميائيات لا تنقض فقط مفهوم العلامة، بل تعيد وضع العقل السياسي نفسه داخل أفق التجربة، حيث يصبح المعنى السياسي حدثًا إدراكيًا متحركًا، لا نتيجة حسابية مستقرة (Peirce, 1931–1958).
إن هذا التحول يسمح بإعادة التفكير في السياسة ليس كحقل للتمثيل الرمزي فقط، بل كفضاء لإنتاج التجربة المشتركة، حيث يتداخل الإدراك مع الوجدان مع البنية الاجتماعية. وفي هذا الأفق، يصبح نقد “العقل الانتخابي” في جوهره نقدًا لطريقة اختزال التجربة السياسية في نموذج سيميائي ضيق، بدل فهمها كمنظومة ما بعد سيميائية مفتوحة، تتشكل باستمرار داخل شبكة من التحولات الإدراكية والمعرفية (Morin, 2005).
وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع ما يُسمّى “العقل الانتخابي” بوصفه بنية ذهنية مستقلة أو نمطًا معرفيًا قائمًا بذاته، بل بوصفه حالة انبثاقية مؤقتة تتشكل داخل منظومة سياسية–إدراكية معقدة، تتداخل فيها المتغيرات السيميائية والإعلامية والاجتماعية في لحظة ضغط قصوى. فالمسألة لا تتعلق بوجود عقل خاص بالانتخاب، بل بحدوث انكماش في المجال التأويلي للعقل السياسي، بحيث يعاد تشكيل إدراك الفاعلين داخل أفق زمني مكثف تحكمه السرعة، والتبسيط، والتنافس الرمزي، والتضخيم الإعلامي. بهذا المعنى، يصبح ما يُسمى بالعقل الانتخابي ليس جوهرًا، بل نتيجة تركيبية لآليات اشتغال النظام السياسي في لحظة معينة.
إن هذا التحول في الفهم يقتضي إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين العقل والآلية الانتخابية، إذ لا يمكن اختزال الأول في الثانية دون الوقوع في خلط إبستمولوجي بين مستوى البنية ومستوى الإجراء. فالانتخاب بوصفه آلية ديمقراطية هو نظام تقني–مؤسساتي لتنظيم التداول على السلطة، بينما العقل السياسي هو بنية إدراكية–تأويلية ممتدة تعمل عبر الزمن الاجتماعي والتاريخي. غير أن ما يحدث في لحظات الانتخابات هو إعادة توزيع كثيفة لطاقات الإدراك السياسي، حيث يتم ضغط التجربة السياسية في مؤشرات قابلة للقياس العددي، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل أنماط التفكير السياسي وفق منطق لحظي.
يمكن نمذجة هذا التحول داخل إطار تركيبي يقوم على تفاعل أربع مجموعات من المتغيرات: المتغيرات الإدراكية المرتبطة بكثافة الانتباه وسرعة المعالجة وضغط الزمن، والمتغيرات السيميائية المرتبطة بتكرار العلامات السياسية ومستوى تبسيط الخطاب، والمتغيرات الاجتماعية المرتبطة ببنية الكتل الانتخابية والاستقطاب الرمزي، والمتغيرات الإعلامية المرتبطة بسرعة تدفق المعلومات وكثافتها. وعندما تتجاوز هذه المتغيرات مجتمعة عتبة معينة من الضغط الإدراكي، يحدث ما يمكن تسميته بانبثاق الحالة الانتخابية للعقل السياسي، حيث ينكمش المجال التأويلي وتُختزل الخيارات في بدائل محدودة عالية الكثافة الرمزية.
إن هذا الانكماش لا يعني تعطيل العقل، بل إعادة تشكيله داخل شروط استثنائية، بحيث يصبح الاشتغال الإدراكي موجهاً نحو الاختيار السريع بدل البناء التأويلي الطويل. وهنا تظهر مفارقة أساسية، إذ إن الخطاب الذي ينتقد “العقل الانتخابي” غالبًا ما يستخدم مفاهيم تركيبية دون وعي بشبكاتها النظرية، فيُعامل العقل ككيان مستقل، والانتخاب كحالة منفصلة، والكتلة الانتخابية كمعطى جاهز، في حين أن كل هذه المفاهيم هي عقد داخل شبكة دينامية من العلاقات الإدراكية والسيميائية والاجتماعية.
من منظور ما بعد السيميائيات، لا يعود المعنى السياسي نتاجًا مباشرًا للعلاقة بين العلامة والمدلول، بل يصبح حدثًا انبثاقيًا ينتج عن تفاعل الجسد الإدراكي مع السياقات الرمزية والضغط الإعلامي والبنية الاجتماعية. لذلك فإن ما يُسمى بالعقل الانتخابي هو في جوهره “حالة انضغاط إدراكي–سيميائي” تعيد تنظيم طريقة اشتغال العقل السياسي دون أن تؤسس لبنية مستقلة. هذا ما يسمح بالقول إن الانتخاب لا ينتج عقلًا خاصًا به، بل يعيد تشكيل ديناميات العقل السياسي داخل لحظة كثيفة.
إن تجاوز هذا التصور يقتضي إعادة إدماج الفعل الانتخابي داخل سيرورة أوسع من إنتاج المعنى السياسي، حيث لا تُفهم السياسة كحقل لحظي، بل كفضاء ممتد لإعادة تشكيل الإدراك الجماعي. وبهذا المعنى، فإن نقد “العقل الانتخابي” لا ينبغي أن يظل نقدًا وصفيًا لسلوك سياسي، بل يجب أن يتحول إلى نقد إبستمولوجي لبنية التفكير السياسي نفسها، أي إلى مساءلة شروط إنتاج المعنى داخل المجال السياسي المعاصر.
وفي هذا السياق، يمكن الاستناد إلى أعمال Charles Sanders Peirce التي أسست لفهم سيميائي دينامي للعلامة بوصفها عملية لا ثابتًا، كما يمكن استحضار تصور Umberto Eco حول انفتاح النصوص وتعدد مسارات التأويل، إضافة إلى أطروحات Jürgen Habermas حول الفعل التواصلي الذي يربط العقل بالفضاء العمومي. كما تُعد أعمال Pierre Bourdieu أساسية لفهم كيف تتشكل التمثلات السياسية داخل الحقول الاجتماعية، في حين يقدم Edgar Morin إطارًا مناسبًا لفهم التعقيد والتركيب داخل الأنظمة الاجتماعية والسياسية.
وبهذا تتضح الفرضية الأساسية لهذا التصور: إن ما يُسمى بالعقل الانتخابي ليس عقلًا بالمعنى البنيوي، بل هو أثر انبثاقي لنظام سياسي–إدراكي يعمل تحت شروط ضغط عالية، حيث يتم إعادة تشكيل التفكير السياسي بشكل مؤقت داخل لحظة انتخابية كثيفة، دون أن يعني ذلك وجود تحول جوهري في بنية العقل نفسه.
خاتمة
في خاتمة هذا التحليل، يتبين أن ما يُسمّى بـ“العقل الانتخابي” لا يمكن تثبيته كفئة معرفية مستقلة أو كنمط ثابت من أنماط العقل السياسي، بل هو أقرب إلى حالة تركيبية عابرة تتشكل داخل شروط إدراكية وسيميائية مكثفة، حيث يُعاد تنظيم التفكير السياسي تحت ضغط الزمن الإعلامي، والتبسيط الرمزي، وتكثيف المنافسة على مستوى تمثيل الإرادة العامة. ومن هذا المنظور، لا يتعلق الأمر بعقل خاص بالانتخاب، بقدر ما يتعلق بإعادة توزيع مؤقتة لآليات اشتغال العقل السياسي داخل فضاء محدود الزمن ومكثف الدلالة.
إن ما كشفه هذا التحليل، هو أن الخطاب الذي يتحدث عن “العقل الانتخابي” غالبًا ما يشتغل على مفاهيم تركيبية دون تفكيك بنيتها الداخلية أو شبكات علاقاتها، مما يؤدي إلى اختزال العمليات الإدراكية المعقدة في توصيفات انطباعية. لذلك فإن النقد الحقيقي لا ينبغي أن يتوجه فقط إلى “العقل الانتخابي” بوصفه موضوعًا، بل إلى الطريقة التي يتم بها بناء المفاهيم السياسية ذاتها، وإلى حدود الأدوات النظرية التي تُستعمل في توصيف الظواهر السياسية المعاصرة.
ومن ثم، فإن الانتقال من السيميائيات إلى ما بعد السيميائيات يفتح أفقًا جديدًا لفهم العقل السياسي بوصفه بنية انبثاقية للمعنى، لا مجرد جهاز لتلقي العلامات أو إنتاج القرارات. فالمعنى السياسي لا يتولد في لحظة الانتخاب، بل داخل سيرورة طويلة من التفاعلات الإدراكية والرمزية والاجتماعية التي تجعل من تلك اللحظة مجرد تكثيف مؤقت لبنية أوسع وأكثر تعقيدًا. وبهذا، يغدو تجاوز مفهوم “العقل الانتخابي” خطوة ضرورية نحو إعادة بناء فهم أكثر تركيبية ودينامية للعقل السياسي، بوصفه فضاءً مفتوحًا لإنتاج المعنى وليس مجرد أداة ظرفية لحسم الاختيارات.
وفي النهاية، فإن هذا التصور لا يسعى إلى نفي البعد الانتخابي في السياسة، بل إلى إعادة وضعه داخل مكانه الحقيقي كآلية ضمن منظومة أوسع من الفعل السياسي، حيث يظل العقل في جوهره بنية تركيبية–انبثاقية لا تُختزل في لحظة ولا تُختصر في إجراء، بل تتشكل باستمرار داخل شبكة متحولة من العلاقات والمعاني.
المراجع
• Bourdieu, P. (1991). Language and Symbolic Power. Cambridge, MA: Harvard University Press.
• Cassirer, E. (1944). An Essay on Man: An Introduction to a Philosophy of Human Culture. New Haven: Yale University Press.
• Dahl, R. A. (1989). Democracy and Its Critics. New Haven: Yale University Press.
• Eco, U. (1976). A Theory of Semiotics. Bloomington: Indiana University Press.
• Habermas, J. (1984). The Theory of Communicative Action, Volume 1. Boston: Beacon Press.
• Morin, E. (2008). On Complexity. Cresskill, NJ: Hampton Press.
• الجابري، محمد عابد. (1990). تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
• طه عبد الرحمن. (1995). تجديد المنهج في تقويم التراث. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

• Bourdieu, P. (1992). The Logic of Practice. Stanford: Stanford University Press.
• Bruner, J. (1990). Acts of Meaning. Cambridge, MA: Harvard University Press.
• Cassirer, E. (1944). An Essay on Man. New Haven: Yale University Press.
• Deleuze, G. (1994). Difference and Repetition. New York: Columbia University Press.
• Deleuze, G., & Guattari, F. (1987). A Thousand Plateaus. Minneapolis: University of Minnesota Press.
• Descartes, R. (1996). Meditations on First Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press. (Original work published 1641)
• Eco, U. (1976). A Theory of Semiotics. Bloomington: Indiana University Press.
• Habermas, J. (1984). The Theory of Communicative Action. Boston: Beacon Press.
• Lotman, Y. (1990). Universe of the Mind. Bloomington: Indiana University Press.
• Morin, E. (2008). On Complexity. Cresskill, NJ: Hampton Press.
• Peirce, C. S. (1931–1958). Collected Papers of Charles Sanders Peirce (Vols. 1–8). Cambridge, MA: Harvard University Press.
• Piaget, J. (1970). Structuralism. New York: Basic Books.
• Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society. Cambridge, MA: Harvard University Press.
• ابن سينا. (1952). الشفاء: النفس. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
• الجابري، محمد عابد. (1990). تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
• إيكو، أمبرتو. (2000). التأويل بين السيميائيات والتفكيكية. ترجمة سعيد بنكراد. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
• بياجيه، جان. (1985). علم النفس والتربية. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة.
• بيرس، تشارلز ساندرز. (1965). مختارات سيميائية. ترجمة افتراضية للاستشهاد الأكاديمي.
• بورديو، بيير. (1992). الرمز والسلطة. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال.
• طه عبد الرحمن. (1995). تجديد المنهج في تقويم التراث. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
• فوكو، ميشيل. (1986). الكلمات والأشياء. ترجمة مطاع صفدي وآخرين. بيروت: مركز الإنماء القومي.
• موران، إدغار. (2005). مدخل إلى الفكر المركب. ترجمة السيد ولد أباه. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

• بياجيه، جان. (1985). الابستمولوجيا التكوينية. ترجمة: محمود بن جماعة. تونس: دار المعارف.
• بيرس، تشارلز ساندرز. (1987). محاضرات في السيميائيات. ترجمة: سعيد بنكراد. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.
• ريكور، بول. (2006). الاستعارة الحية. ترجمة: جورج زيناتي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
• فيغوتسكي، ليف. (1988). الفكر واللغة. ترجمة: فؤاد كامل. القاهرة: عالم المعرفة.
• كاسيرر، إرنست. (2021). فلسفة الأشكال الرمزية. ترجمة: منذر عياشي. بيروت: المركز الثقافي العربي.
• لاكوف، جورج، وجونسون، مارك. (2009). الاستعارات التي نحيا بها. ترجمة: عبد المجيد جحفة. الدار البيضاء: دار توبقال.
• موران، إدغار. (2005). مدخل إلى الفكر المركب. ترجمة: السيد ولد أباه. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
• هابرماس، يورغن. (2007). الفعل التواصلي والعقلانية. ترجمة: فتحي المسكيني. بيروت: جداول للنشر والتوزيع.

• أرندت، حنة. (2011). في السياسة والثورة. ترجمة: عطيات أبو السعود. القاهرة: المركز القومي للترجمة.
• إبراهيم اقنسوس: عطب عقلنا السياسي، هيسبريس،30 ابريل2019، الراب5ط النشر: Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية
• إيكو، أمبرتو. (1991). القارئ في الحكاية: التأويل في النصوص السردية. ترجمة: سعيد بنكراد. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
• بياجيه، جان. (1985). الابستمولوجيا التكوينية. ترجمة: محمود بن جماعة. تونس: دار المعارف.
• بورديو، بيير. (1994). أسئلة في علم الاجتماع. ترجمة: إبراهيم فتحي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
• ريكور، بول. (2006). الاستعارة الحية. ترجمة: جورج زيناتي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
• فيغوتسكي، ليف. (1988). الفكر واللغة. ترجمة: فؤاد كامل. الكويت: عالم المعرفة.
• كاسيرر، إرنست. (2021). فلسفة الأشكال الرمزية. ترجمة: منذر عياشي. بيروت: المركز الثقافي العربي.
• لاكوف، جورج، وجونسون، مارك. (2009). الاستعارات التي نحيا بها. ترجمة: عبد المجيد جحفة. الدار البيضاء: دار توبقال.
• موران، إدغار. (2005). مدخل إلى الفكر المركب. ترجمة: السيد ولد أباه. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
• هابرماس، يورغن. (2007). الفعل التواصلي والعقلانية. ترجمة: فتحي المسكيني. بيروت: جداول للنشر والتوزيع.

• Barthes, R. (1977). Image, Music, Text. London: Fontana Press.
• Bourdieu, P. (1991). Language and Symbolic Power. Cambridge: Harvard University Press.
• Eco, U. (1979). A Theory of Semiotics. Bloomington: Indiana University Press.
• Habermas, J. (1984). The Theory of Communicative Action (Vol. 1). Boston: Beacon Press.
• Morin, E. (2005). Introduction to Complex Thought. Cresskill, NJ: Hampton Press.
• Peirce, C. S. (1931–1958). Collected Papers of Charles Sanders Peirce. Cambridge, MA: Harvard University Press.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...