مرآة الفضاء: عندما تهمس آية القرآن في أذن "النقطة الزرقاء بقلم: د. [أيمن دراوشة]

مرآة الفضاء: عندما تهمس آية القرآن في أذن "النقطة الزرقاء

بقلم: د. [أيمن دراوشة]


هل سبق لك أن نظرت إلى السماء ليلًا، وحاولت أن تتخيل حجمك الحقيقي في هذا الكون الشاسع؟ إذا لم تفعل، فما عليك سوى تأمل هذه الصورة: نقطة بيضاء ضئيلة، لا تكاد تظهر وسط أشعة الشمس المنبعثة في ظلام حالك. إنها ليست مجرد عيب في الصورة، ولا بقايا غبار فضائي. إنها أرضنا. إنها موطننا. إنها "النقطة الزرقاء الباهتة" كما سماها عالم الفلك كارل ساغان.

منذ قرابة الـ 47 عامًا، انطلقت مركبة الفضاء "فوييجر 1" في رحلة لا عودة فيها، تاركةً وراءها دفء الشمس وألفة الكوكب. لم تكن مجرد آلة باردة لاستكشاف الكواكب؛ بل كانت سفيرةً تحمل على متنها "الأسطوانة الذهبية"، رسالة حب وأمل مرسلة لعلها تصادف حضارةً كونية ذكية.

"الأسطوانة الذهبية": سيرة ذاتية للبشرية

تخيل محتويات هذه الأسطوانة: إنها "السيرة الذاتية" للبشرية، مضغوطة في قرص نحاسي. فيها تحيات بـ 55 لغة بشرية مختلفة، من "مرحباً" العربية إلى "ألوها" لغة جزر هاواي. فيها مقاطع موسيقية، من بيتهوفن وباخ إلى الأنغام الشعبية الهندية، في محاولة لترجمة عواطفنا إلى لغة كونية. فيها صور تعكس تنوعنا: ولادة طفل، يد إنسان، منظر لمدينة، حيوانات، بحار.. كل تفاصيل هذه الحياة التي نعدها أزلية وبديهية، تم تجميعها كدلائل على أننا، نحن سكان هذه النقطة الضعيفة، موجودون.

إنها محاولة يائسة ورائعة لنقول للفضاء: "نحن هنا، ولدينا ما يستحق أن يروى".

آية واحدة.. وحدها تقف في وجه العدم

ولكن، وسط هذا الحشد الهائل من الثقافات واللغات والموسيقى، هناك أمر يثير الدهشة، بل ويخطف الأنفاس بغرابته وعمقه الفلسفي. في قسم التحيات الشفهية، وبعد أن عجز القائمون على المشروع عن تمثيل أي دين محدد في رسالة علمية بحتة، ظهرت عبارة واحدة، اقتبست بعناية من القرآن الكريم: آية واحدة، وحدها، تمثل الجانب الديني في هذا الإرث البشري. إنها قول الله تعالى في سورة الرحمن:

"يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ"

تخيل هذا الصدى: آية تتحدث عن عجز الإنسان أمام عظمة السماوات وتفتح له باب "السلطان" (العلم والقوة) لتحدي هذا العجز، تهمس الآن، في عام 2026، من أقصى حافة المجموعة الشمسية! إنه مشهد يرتجف له القلب؛ آية نزلت على بشر ليقرؤوها، فإذا بها تصبح هي نفسها سفيرًا للبشرية في مواجهة المجهول الأبدي، كأنها "السلطان" الذي ذكرته، يتجلى الآن في مركبة فضائية تخترق آفاق السماء.

النقطة "الحقيرة" في مواجهة الواقع المرير

وهنا، يكمن التناقض الأكثر إيلاماً. هذه الرسالة التي تحملها "فوييجر" مليئة بأرقى قيم السلام والفضول العلمي والتنوع الثقافي، وهي تعكس تصورنا المثالي لأنفسنا. لكن، ماذا لو نظرنا إلى الواقع؟

نعود إلى الصورة: "النقطة الزرقاء الباهتة". هذا المكان الذي نتقاتل فيه بلا هوادة. هذه "النقطة الحقيرة" في قياسات الكون، التي يسيل عليها دم البشر بأيدي البشر أنفسهم. كم من حرب طحنت عظامًأ، وكم من صرخة طفل ضاعت في ضجيج المدافع، وكل ذلك من أجل ماذا؟ من أجل بضعة أمتار على كوكب، لا يمثل في النهاية سوى "بكسل" واحد في صورة كونية شاسعة.

الواقع يصرخ بعكس ما تقوله رسالتنا. ففي حين نسوق أنفسنا ككائنات عاقلة تسعى للمعرفة وتدعو للسلام في رسائلها الفضائية، فإننا في الحقيقة نعيش في دورة لا تنتهي من العنف والكراهية والحروب على الأرض. إنها المأساة الكبرى: أن تكون رسالتنا إلى الخارج أكثر نضجًا وإنسانيةً من ممارساتنا في الداخل.

خاتمة: صوت في العدم

الآن، وبعد 47 عاماً، "فوييجر 1" هي أبعد جسم من صنع الإنسان عن كوكبنا. إنها آلة صامتة تقريبًا، لكن "الأسطوانة الذهبية" التي تحملها لا تزال تنبض بالحياة، حاملةً معنا أحلامنا، موسيقانا، لغاتنا.. والآية القرآنية التي تذكرنا بحقيقتنا الضعيفة أمام عظمة الخالق.

ربما، يومًا ما، ستعثر عليها حضارة أخرى. ربما، يومًا ما، سيعود بشر المستقبل ليجدوها. وعندها، ربما يكونون قد تعلموا، أن يحبوا بعضهم البعض على هذه "النقطة الزرقاء الباهتة"، تماماً كما تمنوا في رسالتهم الأولى.

حتى ذلك الحين، لا تزال رسالة "فوييجر" هي الأمل الأخير، صوتًا هادئًا يهمس في أذن العدم الكوني: "نحن هنا.. ونأمل أن نكون أفضل".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...