أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١١ أيار من كل عام

١
أعيد إدراج هذه الكتابة لأنني سوف أحال إلى التقاعد لبلوغي الخامسة والستين . إن مددت الجامعة عقدي فالسبب للتمديد وبقائي هو برنامج الدكتوراه الذي افتتح هذا العام - إن .

أطرف خبر هذا الصباح :

38 ألف طالب وظيفة والعدد المطلوب هو 1000 فقط .
أمس تقدم 38000 مواطن فلسطيني لامتحان من أجل الفوز بوظيفة .
لا تعقيب على ما تدرسه جامعاتنا ، ولكني سأقولها بملء الفم :
- ألا يستحي الذين يشغلون وظيفتين ، وواحدة تكفيهم ؟
ألا يستحي من بلغ من العمر 65 وما زال يزاحم خريجا جديدا على العمل ، مع العلم بأن المسن يملك رصيدا يعادل نصف مليون دينار ؟
علينا أن نخجل من أنفسنا ، نحن الذين بلغنا الخامسة والستين ، ونملك من المال ما يكفينا ويزيد . إن فعلت هذا لاحقا فاشنقوني . احتفظوا بهذه الكتابة ، ولن أعمل إلا إذا كنت لا أملك ما يكفيني . فقط في هذه الحالة سأطلب عملا ، وإلا سأكون خرفت ، أو سأكون مصابا بداء الجشع ، وهو لا يقل عن داء السكري .
صباح الخير ، ولا تقولوا إنها الكفاءة والخبرة ، فلم نولد أكفاء أو أكفياء ، جمع كفء ، لا كفيف .
لن أسعى إلى العمل إلا إذا طلب مني المواصلة لعدم وجود البديل .
٢٠١٤

٢
موضوعة السجن في رواية الأسرى . كميل أبو حنيش نموذجا

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

١ - ( " والروائي إن لم يعاشر العامة ويدرس أحوالهم ، أو لم يكن منهم ويعش بينهم ، أو لم تكن فيه قوة الصورة ومهارة التصوير وبراعة الوصف ، ولم يكن فيه النظرة الأدبية الصادقة إلى كل حادث ، والارتياح التام بل الكلف التام ببعثه ، وإن لم يسر بعمله على الدوام إلى الأمام ، إلى أعلى درجات الكمال ، ولم يكاشفه الإلهام والوحي والنبوة ، فليس بروائي عبقري " . خليل بيدس مقدمة " مسارح الأذهان " ١٩٢٤ )

٢ - ( إن روعة هذه المجموعات من القصص هي أنها تأتي في وقت يتدفق فيه إنتاج " الموهوبين " العرب حول قضايا مماثلة تقريبا ، وهو أدب أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه " أدب الهوهو " ، أدب فهد بلان " وصح يا رجال " أدب " الأويها " وال " ولي !" ، وربما كان سبب ذلك هو فقدان الموهبة أولا ، وثانيا أن معظم كتابنا " لا يحيون حياة الشعب " ، لا يتألمون لآلام الناس ولا يفرحون لأفراحهم ، لا يدخلون إلى اهتماماتهم وحاجاتهم ( ولذلك ) فإنه لا يخرج من بين أيديهم كتاب حقيقي يثير الانفعال في قلوب القراء " صح يا شولوخوف )
( غسان كنفاني من مقال " شولوخوف والالتزام وأدب صح يا رجال )

٣ - ( " من أين تأتي الشاعرية ؟
من ذكاء القلب أم من فطرة الإحساس
بالمجهول ؟ أم من وردة حمراء
في الصحراء ؟
لا الشخصي شخصي
ولا الكوني كوني "
محمود درويش " جدارية " )

في كتابه " الكتابة والسجن : عالم الكتابة في السجن " ( ٢٠٢٣ ) يكتب الروائي كميل أبو حنيش عن رواياته الست الأولى التي كتبها وهو في السجن ، ويفصح لنا من أين استمد موضوعها ، وليس هو في هذا الجانب استثناء ، فقد أفاض كتاب كثيرون في سيرهم الذاتية وفي المقابلات التي تجرى معهم عن موضوعات أعمالهم من أين استمدهوها أو حكوا عن الباعث والحافز لكتابتها .
أن يكتب أسير ، وهو في السجن ، ست روايات ، خلال عشرين عاما ، فليس هذا بالأمر اليسير الهين ، ذلك أن عالمه محدود مقيد ، إذ يتحرك في مساحة ضيقة غالبا ، وإذا ما كانت لديه فرصة للانتقال من مكان إلى آخر فهي ليست سوى استبدال سجن بسجن . ستظل مساحة تحركه محدودة ، والكتابة الروائية تحتاج إلى حياة عريضة وأمكنة متعددة وشخصيات متنوعة مختلفة تنتمي إلى شرائح اجتماعية ، وغالبا ما يثريها - أي الكتابة الروائية - السفر والتنقل في البلاد والأمكنة الواسعة الفسيحة . طبعا ليس هذا شرطا ملزما ، ولكن كلما اتسعت تجربة الكاتب وتعددت وتنوعت انعكس ذلك في نتاجه ، فإذا ظل محصورا في بيئة واحدة أنتج أعمالا قليلة إلا ما ندر .
وإذا ما أمعن الدارس في نتاج الأسرى فإنه يلحظ ولا شك أن أكثرهم كتب ، على أكثر تقدير ، رواية أو روايتين ، وغالبا ما تمحورت حول تجربته الشخصية التي تشمل السجن وما قبله . يمكن هنا الإشارة إلى أسماء أسرى فلسطينيين كتبوا الرواية مثل حسام شاهين وعصمت منصور وهشام عبد الرازق ويحيى السنوار وهيثم جابر ( أبو الخطاب ) . إن أيا من هؤلاء لم ينتج سوى رواية أو اثنتين تمحورت حول تجربته وسيرته ، أو حول موضوع يخص عالم السجن مثل التحقيق مع سجناء يشتبه فيهم ، أو العزل الانفرادي في زنزانة ، أو سيرته منذ كان طفلا إلى دخوله السجن وقضاء سنوات فيه ، أو استرجاع تجربة بيئته في مقاومة الاحتلال البشع القاسي الذي يعمل على تجنيد الفلسطينيين وإسقاطهم . والموضوع الأخير كتب عنه غير كاتب في أثناء إقامته في السجن .
وقليلون هم الكتاب الذين كتبوا أكثر من روايتين ، وهنا أذكر كميل أبو حنيش وباسم الخندقجي ، مع إقراري بأنني لم أقرأ كل ما كتبه السجناء ولم أتتبعه تتبع باحث أكاديمي يتطلع إلى إنجاز بيبلوغرافيا .
عندما طالعت روايات باسم الخندقجي أو قرأت ما كتب عنها لاحظت أنه قليلا ما أتى على عالم السجن . لقد كتب الرواية التاريخية أو استحضر تجارب سابقة له ، وحتى روايته الفائزة بجائزة الرواية العربية " قناع بلون السماء " فإن مساحة ما كتب عن السجن فيها ، قياسا إلى ما كتب اعتمادا على مصادر ومراجع تاريخية ، يبدو قليلا . وكان هذا يلفت نظري حقا ، إذ لم لم يكتب عن فضاء السجن وتجربته فيه ؟
هل أراد أن لا يكتب معادا مكرورا ، فأكثر كتابات السجناء تتمحور حول عالم السجن ؟
هل أراد أن يخرج من عالم السجن ولو بواسطة الخيال ، فينتصر على السجان وينجو من حشره في زاوية ضيقة أقرب إلى القبر ؟
هل هو من محبي الرواية التاريخية مثلا وينحاز إليها ، ولذلك فضل أن يكتبها ؟
إن ما كتبه كميل أبو حنيش يبدو مختلفا ، فأكثر رواياته عن تجربته داخل السجن أو خارجه ، أو عن تجارب أشخاص عرفهم في السجن ، أو أشخاص سمع حكاياتهم ، وحين لجأ إلى الخيال في إنتاج نص روائي دهش عندما علم أنه مطابق لتجربة سجين ولنلاحظ :
أولا :
يكتب كميل روايته الأولى. " خبر عاجل " عن فلسطيني استشهادي هو أسامة بشكار ساعدته أسيرة محررة هي دعاء الجيوسي . يلتقي كميل مع دعاء - طبعا قبل أن يسجنا - فتحكي له عن علاقتها بأسامة وتعلقه بها في لحظة انطلاقه لتفجير نفسه .
عندما سجن كميل تلبسته حكاية أسامة ودعاء وظلت تلاحقه وتلح عليه مدة ثلاثة أعوام ، وقد أنجزها واحتار في عنوانها إلى أن استقر على " خبر عاجل " ؛ لأن أخبار العمليات الاستشهادية كانت تسجل سبقا على شاشات الفضائيات ك " خبر عاجل " .
وكما نلاحظ فإن موضوع الرواية وشخوصها ليسا بعيدين عنه . لقد كانت دعاء على معرفة به ولامست حكايتها شغاف قلبه . أراد أن يكتب الحكاية قبل سجنه لكنه كان ملاحقا فلما اعتقل وحوكم كتبها في السجن .
ثانيا :
يكتب كميل روايته الثانية " بشائر " دون أن يفكر في كتابة رواية . لقد وجد نفسه يكتبها علما بأنه أراد كتابة كراس في السجن يثقف فيه السجناء الجدد الذين لاحظ جهلهم بتاريخ القضية الفلسطينية . أراد للكراس أن يكون تربويا تثقيفيا ولكنه تراجع فكتب ما أراد بقالب روائي .
إن كثيرا من كتابات الأسرى كتبت بقصد تربوي تثقيفي تعليمي ، وهنا أشير إلى رواية حسام شاهين " زغرودة الفنجان " .
ثالثا :
رواية " الكبسولة "
كانت الشرارة التي أشعلت المباشرة في كتابتها زيارة والده له في السجن بعد انقطاع ثلاثة أعوام . يومها سأل كميل والده عن الأغوار ، فطفق الوالد يحدثه عن المتغيرات التي حدثت في السنوات الأخيرة وأبرزها اقتلاع المزارعين لمعظم بيارات البرتقال لصالح الزراعة الحديثة " ولكن أكثر ما أثارني هو خبر جفاف الوادي ..... في ذلك المساء بدأت في كتاية الرواية ، وتصادف يومها أنني قد أبلغت بخبر ضياع كبسولة كنت قد أرسلتها لأحد السجون ، وكانت تحمل معطيات هامة ، فولدت هذه الرواية في هذا المناخ ." .
رابعا :
يكتب كميل روايته الرابعة " وجع بلا قرار " أيضا عن عالم الأسرى في ظل أجواء صفقة تبادل الأسرى في العام ٢٠١١ وما ترتب عليها من آثار منها الخيبة والإحباط لمن لم يخرجوا . الإضراب الذي أعد له السجناء في العام ٢٠١٢ " فشرعت في كتابة الرواية الجديدة " وجع بلا قرار " في بدايات شباط من ذلك العام " .
عندما سئل كميل عن هوية شخصية الرواية علاء - إن كان حقيقيا أم أنه من نسج الخيال - أجاب بأن ثمة عددا من الأبطال الحقيقيين تجمعوا كلهم في شخصية علاء .
وللرواية قصة .
أحد رفاق كميل ، واسمه مهدي ، سأله عن الخطوط العامة للرواية ، وعندما سمعها هز رأسه وقال :
- يبدو أن الرفيق عوض السلطان قد روى لك حكايته .
يضحك كميل ويجيب بأن الرواية من محض خياله ، فيذهل مهدي ويضيف قائلا :
- لكن هذه القصة تلخص حكاية عوض حتى أن اسم أنهار هو ذاته اسم الفتاة التي كان يحبها عوض ، ومصيرها كان ذاته مصير بطلة الرواية " .
هل كان كميل سمع بالقصة ونسي ؟
لقد أقسم لمهدي أن الرواية من نسج خياله وأنه لم يحدث يوما أن اطلع على هذه الحكاية .
سيلتقي كميل ، بعد خمس سنوات - ٢٠١٧ ، في سجن ريمون ، بعوض الذي سيسأله عن آخر كتاباته فيروي له " وفجأة تذكرت ما دار بيني وبين مهدي ... بشأن عوض ورواية " وجع بلا قرار " وسأله إن كان روى له يوما عن حكايته .
" ذهل عوض وسألني بدهشة :
- بشرفك ، من أخبرك بهذه الحكاية ؟
- هل حدث وان أخبرتني يوما عنها ؟
- كلا .
- أؤكد لك أنه لم يخبرني أي أحد بأي تفصيل ، وأن الرواية من محض خيالي ، واسم أنهار كان اختيارا عشوائيا من بين أسماء عدة " .
يذهل عوض ويقرأ الرواية ويؤكد لكميل بأنها في خطوطها العامة تتقاطع مع حكايته .
يتأمل كميل في هذا ويسرح في عالم الأدب الساحر والجميل الذي من شأنه أن يوقع الكاتب بمصادفات " ومصائد غريبة وغير مألوفة ، وأحيانا بتقاطعات عجيبة وخرافية تتشابك فيها أقدارنا مع أقدار بشر لا نعرفهم في الحياة . إنهم بشر تفصلنا عنهم مسافات زمنية في الماضي أو حتى في المستقبل " .
خامسا :
أما روايته الخامسة " مريم ... ميريام " فتعود بذورها كما يكتب في العام ٢٠٢٢ " لست وعشرين سنة للوراء " . في صيف العام ١٩٩٤ أنهى كميل الدراسة الثانوية وتوجه إلى مدينة الناصرة في الجليل الفلسطيني ، ولم يكن في ذلك الحين مسموحا للفلسطيني من سكان الضفة الغربية والقطاع دخول المناطق المحتلة من العام ١٩٤٨ ، إلا من خلال التصاريح . وكان على أبناء الضفة والقطاع اجتياز الحدود الفاصلة عن طريق التهريب .
ذهب كميل إلى الناصرة وعثر على عمل في قطاع البناء ، مع أحد المقاولين وكانت الورشة في مدينة حيفا ، " ومع كل يوم وأثناء مرورنا في الشارع الممتد بين الناصرة وحيفا ، كنا نعبر من قلب حي في الناصرة يسمى " حي الصفافرة " وفي الطريق تطالعني لافتة كتب عليها بثلاث لغات ؛ العربية والانجليزية والعبرية ( تسيبوري ) . ومع الوقت فهمت أن مستوطنة تسيبوري تقوم على أنقاض بلدة عربية تسمى صفورية ، وأن سكان حي الصفافرة هم أهل البلدة الأصليون الذين جرى تهجيرهم والسطو على مكانهم في عام النكبة " .
ويقول كميل :
" وتحاول الرواية أن تعكس صدى الأزمنة في المكان ( فلسطين ) وتمثلها لإبراز دور الهوية ... فكانت مريم هي الاسم الأول لهذه البلاد .... فكانت مريم الصفورية العربية في صراعها مع ميريام المستعمرة اليهودية الصهيونية تعكس وجها من وجوه هذا الصراع على المكان وهويته ، وكان إبراهيم ( ابرام ) هو الحفيد المشترك للمرأتين .... " .
عندما قرأت الرواية لاحظت أن ثمة تناصا بينها وبين رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " .
كميل قاريء جيد لغسان كنفاني ونتاجه ومتأثر به ، عدا أنه ينتمي إلى الفصيل نفسه - أي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .
وكما نلاحظ فإنه وهو في السجن يسترجع جزءا من حياته وتجاربه ويكتبها متكئا على وعيه السياسي الذي اكتسبه بعد ستة وعشرين عاما ، وهو وعي يقرن التجربة بالقراءات .
إن موضوع هذه الرواية موضوع لم تخل منه الروايات التي كتبها أدباء الأرض المحتلة في العام ١٩٤٨ ، بل وأدباء المنفى ، وإذا كنت أشرت إلى الأخيرين مجسدين في غسان كنفاني فإن رواية راوية بربارة " على شواطيء الترحال " لا تبتعد كثيرا .
سادسا :
أما روايته السادسة فتمحورت حول عالم السجن وتجربته النضالية في انتفاضة الأقصى في العام ٢٠٠٠ التي أدت إلى اعتقاله وسجنه بتسع مؤبدات .
في السجن يقرأ بيت الشاعر أحمد شوقي :
" ولو أن الجهات خلقن سبعا
لكان الموت سابعة الجهات "
فيمس جزءا من صميمه ، إذ أنه ينطوي على فلسفة عميقة ، فيسجل في دفاتره عنوان " الجهة السابعة " على أن يكون مشروعا أدبيا ، إذا ما اكتمل في ذهنه بأبعاده الفلسفة الوجودية .
يرى كميل أن السجن هو المكان الأكثر قسوة ففيه " يحيا الأسير مع الخيال ، ويظل يعيد اجتراره من الماضي الغارب ، مستعيدا في خياله لحظات من العمر ، ويكسو رفاتها لحما ، ويعيد إحياءها ، وفي الوقت ذاته يرسم عالما آتيا يحلم أن يحياه " .
هذه الحالة تدفع السجين إلى رفض واقع السجن ، فييمم روحه شطر جهة أخرى هي ما سماها الجهة السابعة " فأحيا لحظات سعيدة ولو بالخيال " .
هكذا أخذت الرواية تتشكل في ذهنه " وشكل الخيال الحالم لي حجر الزاوية " وانتظر اللحظة ، وعندما زاره المحامي حسن عبادي قص كميل عليه فكرة الرواية فشجعه .
سابعا :
تعويذة الجليلة وهي الرواية السابعة للكاتب وآخر رواياته ، وقد أصدرها بعد إصدار كتابه " الكتابة والسجن " بعام تقريبا ، ولم يكتب عنها حلقة خاصة تأتي على مناخ كتابتها والدافع الرئيس الذي حفزه على الشروع بها .
تختلف هذه الرواية عن الروايات السابقة في أنها تكتب عن فلسطين في مائة عام تقريبا من خلال تتبع حياة عائلة فلسطينية كانت تقيم في أرضها ، ثم هجرت منها في العام ١٩٤٨ ، لتقيم في الضفة الغربية وتشارك في النضال الفلسطيني حتى العام ٢٠٢٠ تقريبا . إنها رواية أجيال ورواية فلسطين عبر الأجيال في أماكن متعددة ، كما لو أن كميل أراد أن يقدم حياة فلسطين في مائة عام على غرار الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) في " مائة عام من العزلة " . ولما كانت المرأة شخصية محورية " الجليلة " وهي التي قاربت المائة عام عمرا ، فإن النموذج النسوي فيها يقارب ما كتبه غسان كنفاني في روايته " أم سعد " ( ١٩٦٩ ) مع اختلاف وهو أن غسان كتب عن أم سعد حتى ١٩٦٩ في حين كتب كميل عن الجليلة حتى بداية القرن ٢١ .
إن هذه الرواية تقترب من روايات الواقعية الاشتراكية . إنها نتاج مبنى ذهني بالدرجة الأولى يكسو الروائي فيه أفكاره وتصوراته الذهنية بأحداث وشخصيات يختلقها لتناسب ما يعتقده من آراء وأفكار وتصورات . إن الروائي هنا يكتب عن عالم متخيل فتكون النتيجة كارثية كما كتب ( جورج لوكاش ) في كتابه " معنى الواقعية المعاصرة " .
عندما كتبت عن هذه الرواية أشرت إلى أخطاء تاريخية وقع فيها الكاتب لأنه كتب عن فترة زمنية لم يكن شاهدا عليها وعن بيئة مكانية لم يعرفها .
ما الذي أريد أن أخلص إليه بخصوص موضوعة الرواية في أدب السجناء ؟
إن أغلب موضوعات الأدب الذي يكتبه السجناء تتمحور حول عالمهم في السجن أو حياتهم قبل دخولهم إليه ، فإن ابتعدت قليلا عن عالمهم هم أو تجاربهم هم قاربت عوالم أصدقائهم أو معارفهم من السجناء ، وحتى إن أرادوا اللجوء إلى الخيال فيكتبوا عن عالم متخيل غالبا ما مس هذا العالم واقعهم كما لاحظنا ، وهو ما لاحظناه فيما كتبه كميل عن روايته الرابعة " وجع بلا قرار " .
ما سبق لا يعني أننا لا نعثر على استثناءات ، فباسم الخندقجي مثلا يلجأ إلى التاريخ ويكتب الرواية التاريخية كما في روايته " مسك الكفاية " . هنا يصبح الكاتب يؤلف روايات وتصبح رواياته خارجة من الكتب بعيدة عن الواقع المعيش ، وفيما أرى فإن هناك فرقا بين رواية تخرج من رحم الكتب وأخرى تخرج من واقع حياة عايشها الكاتب ولامس تفاصيلها . رواية شخوصها من ورق وثانية شخوصها من الحياة . رواية شخوصها يقرأ الكاتب عنها ورواية شخوصها يجلس الكاتب معها ويصغي إليها ويتتبع حركاتها وسكناتها ويرصد تطورها على أرض الواقع .
وتبقى ملاحظة أخيرة وهي تكرار الأفكار في روايات الأدباء السجناء .
أكثر كتابات الأدباء السجناء كتابات لا تخلو من أعمال روائية سابقة أعجبوا بها وتركت تأثيرا عليهم ، فحضرت في نصوصهم حضورا لافتا ، حتى ليلتبس الأمر عليك إن كنت قرأت ما تقرؤه في أعمالهم . إن كتابتهم غالبا ما تكون كتابة على الكتابة ، وهذا ينطبق أكثر على من كتب منهم غير رواية مبتعدا عن تجربته الشخصية ، وهنا أخص كميل أبو حنيش وباسم الخندقجي أكثر من غيرهما . إنك تقرأ في كثير مما كتبا كتابات كتاب آخرين قرأوها ولم يستطيعوا التخلص منها فورد ذكرها في أعمالهم أو وردت أفكارها فيها .
في ٧ أيار و ١١ حزيران ٢٠٢٤ كتب إلياس خوري في القدس العربي مقالين لافتين أولهما عنوانه " خندقجي والرواية الأسيرة " وافتتحه بكتابته " عندما بدأت بقراءة رواية باسم خندقجي " قناع بلون السماء " .... شعرت أنني أعيد قراءة رواية أعرفها . وعندما التقيت بنور ، بطل هذه الرواية ، تأكدت أن سبق لي وقرأته " ، وثانيهما عنوانه " مدينة تكرر نفسها " عن شاعر شعبي لبناني كتب قصيدة في ١٩٣٢ ، وأنهاه بكتابته " المشكلة أن الشاشة التي رسمها عمر الزعني تبقعت بالغباء والتكرار ، وكأن الأشياء تتكرر أو تكرر نفسها . لست أدري !" .
صحيح أن إلياس في مقاله الأول أراد التأكد من أنه قرأ رواية كان قرأها من قبل وفعل وتأكد ، وصحيح أنه أنهى مقاله الثاني بعبارة " لست أدري " ، ولكني أظن أنه يدري وأنه لم يقل الحقيقة كاملة ، فما كتبه باسم في " قناع بلون السماء " يعتمد على كتابات سابقة أورد ذكر قسم منها في روايته ولم يورد قسما آخر . وهو متأثر عموما بالياس خوري حتى لتشعر أنك تقرأ في روايته أفكار إلياس في بعض رواياته ، وهذا أيضا يمس روايات كميل أبو حنيش وقد أتيت على تأثره بكنفاني ويمكن الإفاضة في هذا .
السبت والأحد والاثنين :
٧ و ٨ و ٩ / ٩ / ٢٠٢٤

٣
د . فيصل دراج ويحيى يخلف 2 :

لا أنتقص من قيمة د.دراج النقدية حين أكتب عن مواقفه من الروائي يحيى يخلف ، فدراج هامة نقدية كبيرة ولا يجوز لي التطاول عليها ، ولكن كتابته المتقلبة من يحيى تثير العديد من الأسئلة التي أولها :
- ما مدى اقتناعه هو شخصيا بما كتب ؟ وكيف ينظر هو شخصيا إلى ما كتب ؟
كنت بحثت عن كلمة أخرى غير متقلبة فلم أعثر ، وحاولت تفسير الأمر نقديا ف فلجأت إلى مقولة نظرية التلقي .
أعادتني قصة دراج مع يخلف إلى خلافات م.درويش مع س.القاسم والرسائل المتبادلة في حالات الخصام والوئام ، وكان د.دراج توقف أمام رسائل زمن الوئام ورأى أنها ضرب من البلاغة المنتصرة في الواقع المهزوم . هل اختلفت كتابته هو عن يخلف في حالتي الوئام والحصام عما نعت به رسائل الشاعر ؟
كأنني ، وأنا أقرأ ما كتبه عن " راكب الريح "، كأنني كنت أقرأ كتابة إنشائية هي ضرب من البلاغة في الواقع المهزوم . تماما كما هي رواية يحيى . إنها ضرب من البلاغة المنتصرة في الواقع المهزوم .
هرب يحيى من واقعه المهزوم ليخلق واقعا تنتصر فيه البلاغة ولغة الانشاء .
كانت العلاقة بين الروائي والناقد توترت حين أبدى الناقد رأيا في أعمال الروائي لدرجة أن الروائي لم يتوان عن شتم الناقد وتعييره بخروجه من بيروت في زمن الحصار 1982 و..و..ولم أكن مع الروائي في موقفه ، وقد دافع درويش عن الناقد الذي رعاه في مجلته " الكرمل " واهتم بما يكتب لحرفية ما يكتبه الناقد .
ثانية : لا أريد الاساءة للناقد ولكني آمل أن يسائل كتابته في أزمانها ليقدم لنا تفسيرا مقنعا لهذا الاختلاف ، بخاصة أن رواية يخلف ليست أكثر من انتصار البلاغة في الواقع المهزوم ، وهو تعبير ، على أية حال ، مستعار من الناقد .


3 :

اقرؤوا ما كتبه د.دراج عن يحيى يخلف في كتابه " بؤس الثقافة.. " في الصفحتين 58 و61 .
يكتب :
" تكون الخطاب السلطوي الفلسطيني من تجاوز كلمات تقول الأشياء كلها دفعة واحدة ، ولم يكن هذا الخطاب في عناصره المتجاورة أثرا لفكر انتقائي بقدر ما كان مرآة لارتباك فكري أنتج فصلا بين النظر والعمل والكلمة والواقع والهدف والإرادة . "
و
" غير أن العلاقات تتعرف بنقائضها : فيجيل البطل الإيجابي الكامل على كيان ناقص يتبعه والكيان الناقص هو الشعب العادي المنتظر أبدا بطلا يحمل إليه الخلاص.......الخ"
هل اختلف بطل راكب الريح عن البطل الذي كتب عنه د.دراج ؟ بل هل اختلفت رواية يخلف في روحها عن رواياته السابقة ، وإن اختلفت بيئتها وزمنها الروائي ؟
د.دراج نفسه يربط بين بعض أعمال يحيى ، وهذا ما سأكتبه وأبرهنه لاحقا ، فما الذي اختلف حقا في موقف د.دراج؟
إن روح أعمال يحيى السابقة تتسرب إلى عمله الجديد ، بل إن الفصل بين الواقع والكلمة هو ما يميز هذه الرواية . يعيش يحيى في القرن21 ويكتب عن نهاية القرن 18. يغترب عن واقعه ويختار بيئة أخرى وزمنا آخر بينه وبين يحيى فرنان من الزمن .
وفي راكب الريح ينتظر الشعب البطل المخلص ، ينتظره حتى حين يساق الشعب إلى الذبح ، فيذبح ولا يحرك ساكنا ، كما حدث في يافا.ماتت عائلة يوسف وسكان المدينة ، بل ذبحوا قبل أن يعود البطل .
ان ما كتبه د.دراج عن أعمال يحيى في زمن الاختلاف معه هو ما ينطبق بالتمام على رواية الروائي التي أشاد الناقد بها .
والكتابة بقية
11/5/2016

٤
بنيامين نتنياهو و " وثيقة حماس " :

المشهد صور للتلفاز .
( بنيامين نتنياهو ) يقرأ وثيقة حماس ويكعبلها ثم يرفع باليد اليمنى سلة المهملات ويلقي ، بيده اليسرى ، الوثيقة.
طبعا الحق ، كل الحق ، على الذين تنازلوا و راهنوا على الاسرائيليين .
كان ينبغي ألا يوقع الفلسطينيون على أي اتفاق قبل الانسحاب الكامل من المناطق المحتلة في 1967.
أعتقد أن التنازلات بدأت منذ 1974 .
رحم الله ناجي العلي. كان ذا بصيرة . في أحد رسوماته ترك فلسطينيا يضع يده على شنبه ويقول :
- ساحلق شنبي إن اعطتكم إسرائيل دولة .
منذ 1985 قررت أن لا أربي شاربا حتى لا احلقه إن أعطتنا دولة إسرائيل دولة .
في 1976 كتب مظفر النواب :
" لا أبكي أبهى من قاتل
أبكي من يبحث عن دولته في القمة ."
وفي 1982 لم نصغ إلى محمود درويش في نهاية " مديح الظل العالي " :
" ما أضيق الدولة
ما أكبر الفكرة ."
لم تتعلم حماس من تجربة فتح . سارت على خطاها والكيس من تعلم من تجارب غيره إلا إذا كان يبحث عن مجد وهمي .
2017 / 5 / 11

٥
سحر خليفة في سيرتها روايتي لروايتي ج١ والذاكرة الخداعة 2 :

يبدو أن الذاكرة خانت سحر خليفة في أثناء كتابتها سيرتها الذاتية "روايتي لروايتي" أو يبدو أنها افتعلت قصة روايتها الأولى " بعد الهزيمة " وافتعلت قصة مصادرتها من الاحتلال . إنها في العام 1970 تفكر في نشر روايتها في دار الأسوار ، ودار الأسوار أسسها يعقوب حجازي في العام 1973.
ويخيل إلي أن سحر أخفت أشياء وأشياء وأن جرأتها اللافتة في حديثها عن أبيها وزوجها تقابلها ظاهرة الإخفاء فيما يخص بعض جوانب حياتها الشخصية الأولى .
لسحر خليفة رواية عنوانها " حبي الأول " صدرت ما بعد 2009 تقريبا .
لا أريد أن أفصح عن رواية أخرى فليس هذا من حقي ، ومن قال إننا في كتابة سيرتنا نكتب كل شيء ؟
الجرأة اللافتة يقابلها إخفاء لافت . أنا أيضا لست جريئا جرأة (جان جاك روسو ) في "الاعترافات".
في مجتمعنا الغفور الرحيم المتسامح أكثر من الغفور الرحيم المتسامح نفسه - أستغفر آلله - يجوز لك أن تكتب بجرأة متناهية .
11/5/2018

٦
( واشتعل الرأس شيبا ) وضعف ما بقي من الشعر وتصحر الرأس واتسعت رقعة الصلعة ووجب لبس الطاقية لهذا السبب .
رحم الله أمي فقد كانت تقول لي إن الشعر تاج الرأس .
حقا لماذا لا تكون تسعيرة حلاقة الرأس للصلع مختلفة - يعني نص سعر . يجب أن تفكر النقابة والحلاقون والصلع في الأمر .اللهم لا تجعلها قطيعة رزق .
نوينا التزهزه .
صباح الخير وأبعد الله عنكم الصلع .
11 آيار 2019

٧
الست كورونا وإجراءات السفر الجديدة في الطائرات ٧٨ :

كنا نؤرخ بما قبل الميلاد وما بعده ، ويبدو أننا سنؤرخ ، إلى حين ، بما قبل الكورونا وما بعدها .
الصديق Ziad Ameireh أرسل إلي شريط فيديو عن موقع " الحدث " تشرح فيه شابة جميلة أنيقة ، ترتدي ملابس ذات لون أحمر ، إجراءات السفر المنوي تطبيقها في المطارات ، وستكون الإجراءات مرهقة ومعقدة ، فهي تحتاج إلى جواز سفر مناعي ضد فايروس كوفيد ١٩ ، وسيخضع المسافر ، منذ وصوله إلى المطار حتى إقلاع الطائرة ، إلى سلسلة من الإجراءات والفحوصات ، ومثله أمتعته ، ما يعني لي شخصيا أنني قد لا أطير إطلاقا ، تجنبا لوجع الرأس ، وتلافيا لاستثارة ذكريات السفر عبر الجسور قبل العام ١٩٩٣ ، وهي ذكريات مرة ومريرة ، فقد كنا نخضع لتفتيش يدوي وآخر بأجهزة الكترونية تمرر على أجسادنا وعلى المناطق الحساسة فيها ، بعد أن ننزع ملابسنا كلها إلا " الكلسون " ، وقد أشيع يومها أن تكرار فحص " عدة الرجل " قد يصيبه بالعقم .
والصحيح أن ما سيجري من تفتيشات يذكر بشبيهاتها في عصور سابقة كتب الأدباء عنها في نصوصهم .
في " الديكاميرون " مثلا ، عندما تفشى وباء الطاعون في مدينة ( فلورنسة ) كانت الدمامل تتفشى في جسم المصاب ، وأحيانا تتفشى في مناطق حساسة جدا ، ما يستدعي المعالجة ، وبعض النسوة كن يشعرن بالخجل من عرض تلك المناطق على الممرضين أو المعالجين ، فماذا لو شفين والتقين بمن عالجهن ؟
" فقد جرت أمور لم يسبق لها مثيل ؛ فلم تعد المرأة ، مهما كانت مهيبة وجميلة ونبيلة ، تجد حرجا ، حين تمرض ، من الاستعانة بخادم رجل ، شاب أو غير شاب ، ومن أن تعرض عليه دون خجل أجزاء من جسمها ، كأنها تعرضها على امرأة أخرى ، إذا اقتضت ضرورات المرض ذلك ، مما ألحق العار في ما بعد بمن شفين منهن " .
وهو ما فعله ، في رواية ( فولتير ) " كنديد " القراصنة بالنساء في عرض البحر إذا ما استولوا على سفينة ما ، فقد روت عجوز ما حدث معها على النحو الآتي :
" ومن الأمور التي تثير العجب سرعة تعرية هؤلاء السادة للناس ولكن أكثر ما أدهشني هو إدخالهم إصبعا إلى مكان فينا جميعا لم نكن ، نحن النساء ، لندع شيئا يدس فيه غير أنابيب المحقنة " - قبل حلقات كتبت عن مؤخرات الطليانيات والصليب - .
في رواية اميل حبيبي " المتشائل " يذكر بطلها سعيد ما تفعله السلطات الإسرائيلية بالمواطنين العرب جوا وبحرا وبرا في مطار اللد وفي ميناء حيفا وفوق الجسور المفتوحة . وبعد أن ينتهي سعيد من قص هذه الحكايات على صاحبه الفضائي يقول الأخير مستريحا :
" فهل تقول - بشدة على الواو وضمة - صاحبك عليه ، بأنه قلد كنديد ، يعود إلى أنهم حين كانوا يعرونهم كانوا يدخلون أصابعهم هناك ؟" .
عندنا مثل يقول " طول عمرك يا زبيبة بطيزك هالعود " .
هل ستنجح الحكومات العالمية في تطبيق إجراءاتها ؟
أمس شاهدت شريط فيديو من مدينة ( ميونيخ ) الألمانية يتظاهر فيه المواطنون ضد التلقيح الإجباري " Kein Impfzwang "
" ، والدكتور Nabil Bushnaq عقب مرة على منشور لي بأنه يراهن على الشباب الأوروبي في إفشال اللقاح الإجباري ، معتمدا على ما حدث في أوروبا في نهاية ستينيات القرن العشرين ، حيث احتجاجات الطلبة الشهيرة التي رضخت لها حكومات الدول الأوروبية . من منكم يتذكر منظر تلك الحقبة ؟
نحن الفلسطينيون اعتدنا وصرنا مثل زبيبة ، فما جرى في آذار من حجر صحي عشنا أقسى منه في ربيع ٢٠٠٢ ؛ ربيع الاجتياح ، وتجربتنا على الجسور ما بين ١٩٦٧ و ١٩٩٣ تقول لنا إن الإجراءات الجديدة لا تذكر قياسا لإجراءات دولة إسرائيل من قبل، على الجسور .
١١ آيار ٢٠٢٠ .

٨
الأدب الفلسطيني والنكبة :

عادل الاسطة

مر وقت ساد فيه مصطلح " أدب النكبة " إلى حين ، ولم تنته النكبة ولم تتوقف ذيولها عن التوسع والانتشار ، ولكن المصطلح الذي ساد وطغى فيما بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ تراجع استخدامه إلى حد كبير ، إذ إثر هزيمة حزيران حل مصطلح جديد محل المصطلح القديم وهو " أدب حزيران " أو " أدب الهزيمة " وما عدنا نقرأ عن النكبة وتأثيرها في الأدب أو حضور قضية فلسطين في الشعر العربي أو القصة القصيرة العربية أو في الرواية العربية ، وكان حضورها في الجنسين الأخيرين عموما حضورا قليلا .
لم يعد مصطلح " أدب النكبة " إذن مستخدما إلا لدى دارسين قليلين ، وصار أكثر الدارسين يهتمون بالأدب الذي كتب بعد الخامس من حزيران ١٩٦٧ ، وهناك من رأى في الهزيمة الخطر الأكبر الذي أصاب الأمة العربية كلها ، فالنكبة لم تؤثر على العرب قدر ما أثرت على الفلسطينيين . وإذا ما قارنا حجم الأدب الذي كتب بين ١٩٤٨ و ١٩٦٧ بحجم ما كتب بعد الهزيمة عرفنا سببا آخر لمقاربة " أدب الهزيمة " أكثر .
مع ما سبق لم يختف حضور النكبة في الأدب العربي ؛ الفلسطيني وغير الفلسطيني ، وإن خفت إلى حين ، ويبدو أنه بعد أوسلو اشتعل من جديد في الرواية ولدى شعراء قليلين ممن عادوا وأبرزهم محمود درويش وأحمد دحبور ، فقد أشعلت عودتهما فيهما الذكريات وعلاقتهما وعلاقة أهلهما بالمكان ، وليس هذا الرأي ضربا من إطلاق القول بلا دليل .
ولو تتبعنا ما كتب في فلسطين المحتلة قبل حزيران وبعده ، فإننا نعثر على التفات الأدباء إلى الكتابة عن حياتهم بعد العام ١٩٤٨ وإن كان حاضرهم هو نتاج ماضيهم . كانت النكبة تلامس في النصوص ولكن ما كان يلامس أكثر هو الكتابة عن معاناة الفلسطيني في الظروف الجديدة . إن " متشائل " حبيبي تأتي على النكبة ، ولكنها تأتي على حياة العرب تحت الحكم الإسرائيلي أكثر ، ومثلها كتابات سميح القاسم النثرية " إلى الجحيم أيها الليلك " و" الصورة الأخيرة في الألبوم " و " ملعفة سم ثلاث مرات يوميا بعد الأكل " ، وممن كتبوا عن النكبة في ستينيات القرن العشرين القاص توفيق فياض في مجموعته القصصية " الشارع الأصفر " وأكثر قصصها تتناول ما نجم عن الخروج الفلسطيني وشتات العائلة ومثله أيضا حنا ابراهيم في " أزهار برية " ، وظل الأمر كذلك إلى أن فطن الكاتب سلمان ناطور في العام ١٩٧٩ إلى الأمر ، فنشر سلسلة حلقات تحت عنوان " وما نسينا " وواصل الكتابة حتى أصدر كتابه " ستون : رحلة الصحراء " في الذكرى الستين للخروج الفلسطيني الكبير من فلسطين .
في الضفة الغربية وقطاع غزة لم تكن هناك أصوات أدبية محترفة والكتاب الشباب انشغلوا بالكتابة عن حياتهم تحت الاحتلال فسحر خليفة لم تقارب موضوع النكبة في رواياتها كلها وهي أبرز صوت روائي في الضفة الغربية ، وظل الأمر كذلك إلى أن فطن الكتاب بعد أوسلو إلى مدن آبائهم وقراهم التي خرجوا منها فبدأت سلسلة من كتابات أدب الحنين والفقدان بلغت ذروتها في روايتي عاطف أبو سيف " حياة معلقة " و " الحاجة كريستينا " .
مع أن ما كتبه غسان كنفاني قارب النكبة إلا أنه لم يكتب في رواياته تفاصيلها ، وكانت تفاصيلها أكثر حضورا في قصصه القصيرة وفي قصص سميرة عزام أيضا ، ولم يقارب جبرا ابراهيم جبرا النكبة إلا قليلا جدا ، ولذلك ما إن كتب الياس خوري روايته " باب الشمس " حتى عدها بعض الفلسطينيين رواية النكبة وذهب إلى أن من كتبها هو لبناني ، وعموما فقد واصل الياس كتابتها في روايته " أولاد الغيتو : اسمي آدم " .
وأنا أفكر في " أدب النكبة " خطرت ببالي مقولات نظرية التلقي ومن أهمها قراءة النصوص الأدبية في أزمنة مختلفة ، وتساءلت ماذا لو تتبع دارس كتابة موضوع واحد ، مثل أدب النكبة ، في أزمنة مختلفة ؟
أصدر ناصر الدين النشاشيبي ، وهو ليس روائيا محترفا ، بعد ١٩٤٨ روايتين هما " حفنة رمال " و" أرض البرتقال " وقارب فيهما الواقع الفلسطيني قبل النكبة ، ولم يكتب أية رواية عن النكبة التي أكثر الشعراء في الكتابة فيها ، وأصدر كنفاني بين ١٩٦٣ و١٩٧٢ العديد من الروايات وترك لنا مسودات روايات أخرى ، وقارب فيها النكبة أكثر من مقاربة النشاشيبي لها والسبب هو أن غسان كاتب محترف فيما لم يكن الأدب محور اهتمام النشاشيبي الأول ، وعبر جبرا عن حياته في العراق وعن البيئة العراقية أكثر مما كتب عن فلسطين ، فكان الحضور الأوسع للبيئة العراقية ومشاكلها ولم يكتب أية رواية عن اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، وهو ما أنجزه الشاعر محمد الأسعد في روايته " أطفال الندى " وهي نص روائي متميز في هذا الجانب ، ويعد ابراهيم نصرالله أكثر روائي فلسطيني في المنفى بعد العام ٢٠٠٠ انشغالا بالنكبة وتلاه رشاد أبو شاور ومن العائدين يحيى يخلف . لقد حضرت النكبة في الرواية الفلسطينية لا في زمن حدوثها وإنما بعد مرور عقود عليها ، وهنا أعود إلى نظرية التلقي الألمانية ثانية . كيف حضرت النكبة في النصوص التي كتبت مباشرة بعد حدوثها ، وكيف حضرت في النصوص التي كتبت بعد عقود على مرورها ؟
كيف صاغها وعبر عنها من عاشها وكيف كتبها وعبر عنها من عاش ذيولها وصاغ تجارب غيره بالدرجة الأولى ولم يكتب مشاهداته هو ؟
ولد ابراهيم نصرالله في مخيم الوحدات ولم يكتب حتى العام ١٩٨٠ أية رواية وكتب روايات النكبة بعد العام ٢٠٠٠ - أي بعد مرور حوالي خمسين عاما ، وكتب رشاد أبو شاور قبل العام ٢٠٠٠ عن المنفى والثورة وأتى إتيانا على واقع اللجوء الفلسطيني وكتب أكثر عن الثورة وإن خص مجزرة الدوايمة برواية ، ولكن كتابته عن نكبة ١٩٤٨ وطفولته فيها جاءت متأخرة ، كما في " وداعا يا زكرين " و" ليالي الحب والبوم " ، وما كتبه يحيى يخلف قبل العام ٢٠٠٠ في موضوع النكبة لا يكاد يذكر وهو ما برز في " بحيرة وراء الريح " ، وما كتبه عن ذيول النكبة وحياة المنفى واللجوء حضر في روايتيه " ماء السماء " و " جنة ونار " .
ليس القصد من وراء هذه الكتابة رصد رواية النكبة رصدا دقيقا قدر ما هو إثارة سؤال ولفت انتباه ، أما السؤال فهو :
- كيف حضرت النكبة في النصوص الأدبية في مراحل مختلفة ؟
ويليه سؤال آخر هو :
- هل من تشابه أو اختلاف وما سبب ذلك ؟
وأما لفت الانتباه فيرمي إلى مقاربة موضوع يستحق المقاربة لأن ما كتب فيه قليل .
النكبة لم تنته وهي مستمرة وهذا ما كتبه الياس خوري ، وهنا أشير إلى روايتي سامية عيسى " حليب التين " و " خلسة في كوبنهاجن " ، وفيهما وصلت ذيول النكبة إلى الدول الإسكندنافية ، وكتب سليم البيك روايته " تذكرتان إلى صفورية " وأثار فيهما سؤال هوية اللاجيء الفلسطيني الذي ولد في ثمانينيات القرن الماضي في المنفى ، وكتب ربعي المدهون في " السيدة من تل أبيب " عن طفولته . لقد طالت نباتات البعيد وزرعنا التين في كوبنهاجن وفي برلين أيضا ، واتسعت رقعة الشتات الفلسطيني وما زالت تتسع واتسع المخيم الفلسطيني وفاض سكانه على المكان وساءت أحواله .
نابلس
١١ ايار ٢٠٢٠

٩
ذاكرة أمس ٥٦ :
" القدس عروس عروبتنا "

كانت أخبار أمس التي شغلت الفلسطينيين قاطبة ، منذ ساعات الفجر حتى ساعات المساء ، هي الأخبار المتعلقة بمدينة القدس ، فقد غطت على ما سواها .
أنا مثلا قررت أمس أن أكتب عن رسالة وجهها الكاتب السوري الكردي هوشنك أوسي ، باللغات الثلاث ؛ الكردية والعربية والعبرية ، إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) يعبر فيها عن تضامنه مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضيته ، وربط تلك الرسالة بما قرأته في رواية الكاتب السوري الكردي سليم بركات " ماذا عن السيدة اليهودية راحيل ؟" . أحب كيهات السوري الكردي لينا اليهودية وأراد أن يفصح لها ، باللغة العبرية ، إنه يحبها ، ولكنه لم يتمكن ، فقد رحلت الأم وابنتها واختفتا ، ولم يبلغ المحب رسالته .
أمس شغلتنا أخبار القدس عن أخبار الدنيا كلها ؛ عن الكورونا وعن مكان سقوط صاروخ الصين وعن أحوال الطقس وعما تبقى من رمضان وعن كعك العيد أيضا .
منذ نشرة أخبار الثامنة ظل المذيع يحكي عن حصار المصلين في الأقصى وتعرضهم لرصاص الجنود الاسرائيليين وعن دهس مستوطن شابا مقدسيا ، وفي المساء عن صواريخ انطلقت من غزة فبثت الرعب في نفوس الاسرائيليين و ... .
أمس انتابت الفلسطينيين موجة عارمة من الغضب ، فالقدس عروس عروبتنا وأبناؤها هم عرسانها ، لا الحكام العرب ، وأبناء القدس لم يتنافخوا شرفا لتسكت مدينتهم المستباحة صونا للعرض . لقد هبوا يدافعون عن مدينتهم ، فلا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ، حتى تراق على جوانبه الدماء . وسالت دماء شباب المدينة وكادوا يخنقون من الإسرائيليين بالغاز الذي خنقهم به ( ادولف هتلر ) . لقد تحول الأقصى إلى معسكر اعتقال وغرفة غاز .
أمس وجدتني أقرأ في رواية الأب المؤسس للصهيونية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " ( ١٩٠٢ ) عما سيلم بمدينة القدس ومقدساتها في حال أسس اليهود دولتهم ، فقرأت الآتي :
" سأل فريدريك :
- وكيف حللتم قضية الأماكن المقدسة ؟"
- لم يكن الأمر يتطلب حكمة فائقة ، فعندما ثارت هذه القضية في القرن الماضي ( ١٩) - وقد اثارتها الحركة الصهيونية ، ظن يهود كثيرون مثلك ، يا سيدي الدكتور ، بأن من المستحيل التغلب على هذه الصعوبة ...... وهكذا توصلت جميع الأطراف المعنية إلى رأي يقول إن الوضع القائم هو أفضل وضع لجميع هذه الأطراف " .
وتساءلت ، وأنا أتابع ما يجري ، إن كان أحفاد الأب المؤسس يقرأون ما كتبه .
" إن الوضع القائم هو أفضل وضع لجميع هذه الأطراف " . لماذا إذن يريد أحفاد الأب المؤسس تهويد المدينة وهدم الأقصى ؟
عندنا مثل يقول " بتمسكن حتى يتمكن " وهذا ما استشرفه إبراهيم طوقان حين تساءل :
" أجلاء عن البلاد تريدون
فنجلو أم محونا والإزالة ؟ "
ولم تكن أجواء أمس لتسمح بكتابة يختلط فيها الجد بالهزل ، أو تسودها الفكاهة والمرح ، فالخوف والرعب الذي ألم بالاسرائيليين جراء إطلاق الصواريخ من غزة جعلنا نشعر بالقلق أيضا على ما سيلم بتلك المدينة التي أنهكها الحصار بعد حرب فصائلية وثلاثة حروب شنتها الدولة الإسرائيلية و ... .
يبدو أن عيد غزة سيكون دمويا والله هو المستعان به !!
العبارة التي خاطب بها هوشنك اوسي ( نتنياهو ) هي الشتيمة التي تفوه بها الرئيس الفلسطيني أبو مازن لمن طلب منه أن يبرق للحزب الشيوعي الصيني بمناسبة تأسيسه ، ورحم الله الشاعر المصري نجيب سرور " ك ... س .. أمياتنا كلنا ، الأحياء منهن والأموات " .
١١ / ٥ / ٢٠٢١

١٠
" ماذا عن السيدة اليهودية راحيل ؟"

يثير سليم بركات في روايته سؤالا عما آلت إليه السيدة اليهودية راحيل وابنتها لينا وبعض يهود مدينة القامشلي ؛ مدينة الكاتب ، وككل سؤال يثار لا بد من اجتهاد والبحث عن إجابة .
اختفت راحيل وابنتها لينا بعد عام من حرب حزيران ١٩٦٧ من مدينة القامشلي ، فمن هي الجهات التي وقفت وراء ذلك ؟
الشاب البدوي نبهان ، وهو رجل مخابرات سوري يعرف باسم حواس ، واليهودي صديق العائلة بنيامين ، فقد شاهدهما كيهات الكردي مرات عديدة في بيت راحيل .
في التعريف بشخصيات الرواية نقرأ عن شخصية عطية الحنوش الآتي :
" شخص يعتقد أن له علاقة بتهريب يهود من القامشلي " .

ثم هناك شخصية ( جودي كار ) ويكتب عنه " اسم غامض " .
في المرويات العربية عن يهود البلدان العربية غالبا ما حملت مسؤولية تهجيرهم إلى تواطؤ النظام العربي مع الحركة الصهيونية ، فالأخيرة لجأت إلى تفجير كنس وبيوت يهود لحثهم على الهجرة .
سليم بركات أثار سؤالا في عتبة روايته وترك الإجابة للقاريء ، ولن تستعصي الإجابة عموما لمن يبحث عنها .
١٠ أيار ٢٠٢١

١١
أدب الأسرى : " خلل طفيف في السفرجل "

عادل الأسطة

قرأت في الأشهر الأخيرة ستة كتب لأسرى يقبعون في السجون الإسرائيلية ، فقد حكموا عقودا أنفقوا قسما منها لا يقل عن عقدين . الأسرى هم وليد دقة " حكاية سر الزيت " وكميل أبو حنيش " الجهة السابعة " وباسم الخندقجي " قناع بلون السماء " وعنان الشلبي " رنين القيد " وأحمد العارضة " خلل طفيف في السفرجل " ومجموعة شهادات لمجموعة أسرى تحت عنوان " الكتابة على ضوء شمعة " .
تنتمي الأعمال إلى أجناس أدبية هي الحكاية ( للفتيان / دقة ) والرواية ( أبو حنيش والخندقجي ) والشعر ( العارضة ) والنصوص( الشلبي ) والشهادة الأدبية .
شغل عالم السجن حيزا من الكتابة ، فقد كتب قسم من المذكورة أسماؤهم في موضوعات مثل الحب والموت ، خارجا من عالم السجن وجدرانه ، وفي أعمال سابقة لقسم من هؤلاء تم اللجوء إلى التاريخ العربي .
يعد باسم أبرز من فعل ذلك ففي روايته " مسك الكفاية " استحضر هارون الرشيد وفي روايته " قناع بلون السماء " استحضر مريم المجدلية .
وأنا أتأمل الكتابات لاحظت أن قسما منها يصدر عن تجارب معيشة ، وآخر يخرج من رحم الكتب التي يقرؤها الأسرى ، ليغدو القسم الثاني ، بالدرجة الأولى " كتابة على الكتابة " . كأنما شعر أصحابها بأن اقتصار كتابتهم عن عالم السجن وما يتعلق به صارت تكرارا لا بد من الخروج عنه ، فالأدب واقع وخيال ، وإذا كنا غير قادرين على الخروج من السجن في الواقع ، وإذا كان قدرنا لعقود ، فلنخرج منه بقوة الخيال ، وكنت كتبت عن رواية كميل " الجهة السابعة " . لا بد من جهة سابعة إن أحكم الحصار شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وأرضا وسماء ، والكتابة قد تكون المخرج ، علما بأن أحمد شوقي قال :
" ولو أن الجهات خلقن سبعا
لكان الموت سابعة الجهات " .

الكتابة والخيال ، وقبلهما الأمل والإيمان ، قد تمد الأسير بشحنات تجعله قادرا على مواصلة الحياة ، فلا تدفع به إلى اليأس فالانتحار .
مثل روايات باسم التي اتكأ في كتابتها على الكتب ، و " قناع بلون السماء " مثال لها حيث كان في مخيلة الكاتب وهو يكتبها كتب العهد القديم ورواية ( دان براون ) " شفرة دافنشي " ورواية إلياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم ونجمة البحر " ، مثل رواية باسم يبدو لي ديوان أحمد " خلل طفيف في السفرجل " ( ٢٠٢٢ ) . صحيح أنه يأتي فيه على عوالم يعيشها ولكن قسما لا بأس به من القصائد بدا خارجا من أشعار مظفر النواب ومحمود درويش ؛ لغة وتعابير وبناء أيضا ، لدرجة أنني شعرت أحيانا أنني أقرأ للشاعرين المذكورين ، ولدرجة أنه ترسخ لدي شبه قناعة بأنهما أكثر شاعرين قرأهما أحمد وتأثر بهما ، وأن كتابته خرجت في قسم منها من رحم أشعارهما ، فالكتابة عن الغربة والمنفى كتابة رئيسة في شعرهما ، وهي صادرة عن تجربة مرا بها وتشرباها حتى النخاع ، ولا أظن أن تجربة أحمد الذي قضى عقدين في السجن عاش المنفى والغربة إلا إذا توسعنا في فهم تجربة السجن واعتبرناها شكلا من أشكال المنفى والغربة ، ولا أريد أن اقتبس من " يوميات جرح فلسطيني " لمحمود درويش سوى سطر " نحن في لحم بلادي هي فينا " .
وأنا أقرأ قصيدتي " ليل .. وغربة و " يا كل الأشجار " كأنما كنت أقرأ قصيدتي مظفر " قراءة في دفتر المطر " و " وتريات ليلية " . خذوا هذا المقطع من " يا كل الأشجار " مثالا :
" يا كل الأشجار
أريد امرأة أسكنها - تؤويني
ما عاد هنالك في قلبي متسع للسكنى
ما عاد هناك مكان
إلا لامرأة تخلقني ...
أريد امرأة واحدة
تصوغ ملامح أرضي في إصبعها .
يا كل الأشجار أريد ملاذا للإنسان
يا كل الأشجار أنا وطن وحدي
لكن
ما من ورد زهري في الغربة
يملأ أرصفتي
يا كل الأشجار أنا أرصفة خاوية
جرداء بلا أنثى .. " .
وأقرأوا أسطر مظفر :
" فأين امرأة توقد كل قناديلي
و
قد أعشق ألف امرأة في ذات اللحظة ، لكني أعشق وجه امرأة واحدة في تلك اللحظة من بلدي
امرأة تحمل خبزا ودموعا من بلدي
و
يا أي امرأة في الليل تداس كسلة تمر بالأقدام
تعالي فلكل امرأة جسدي
و
أنقذ مطلقك الكامن في الإنسان "
والأمثلة كثيرة . أما حضور محمود درويش فواضح وضوحا تاما .
أول ما لفت نظري في الديوان هو عنوانه " خلل طفيف في السفرجل " . لقد استحضرت المفردتان " خلل " و " السفرجل " في ذهني مقطعا من ديوان درويش " حالة حصار " يتحدث فيه عن خسائرنا الكثيرة ومنها " الخلل البنيوي الذي سيصيب القصيدة والمسرحية واللوحة الناقصة " وأسطرا من ديوان " أعراس " . في قصيدة " أحمد الزعتر " نقرأ :
" أكلما نهدت سفرجلة نسيت حدود قلبي "
وفي قصيدة " الأرض " نقرأ :
" ولدنا هناك ولم نتجاوز ظلال السفرجل
كيف تفرين من سبلي يا ظلال السفرجل " .
إن مدلول السفرجل الرمزي لدى أحمد لا يختلف عنه لدى درويش ، وأظنه أخذه منه ، وعدا هذا الدال فإن هناك مفردات شعرية وصيغا لغوية كثيرة استخدمها درويش في قصائده وصارت تشكل قاموسا له ، وردت في قصائد أحمد ويمكن ذكرها " المسربل بالندى " خذلان الغريبة " صباح الياسمين " " من أين يأتيني السفرجل في القصيدة " ، وأكثر مما سبق فإن شكل القصيدة التي حملت عنوان الديوان ، وبناءها - القصيدة اللولبية - تحيلنا إلى قصائد كثيرة لدرويش اتخذت هذا الشكل .
هذا الوقوع تحت تأثير النواب ودرويش دفعني إلى إعادة قراءة بعض قصائد السجناء التي كتبت في ٨٠ القرن ٢٠ ، واخترت قصائد من أشعار خليل توما " أغنيات الليالي الأخيرة " و " نحمة فوق بيت لحم " ومن أشعار محمد عبد السلام " خواطر من الزنزانة " لكي أقارن بين شعر لم يقع أصحابه تحت تأثير شاعر آخر وسطوته وشعر تشرب كاتبه شعر شاعر آخر ووقع تحت سطوته . ثمة فارق ملموس في التعبير عن التجربة وفي أسلوب التعبير أيضا . البساطة والوضوح والتعبير المباشر كانت سمة الشعر الأول ، فيما اللجوء إلى استعارة تجربة الآخر وأسلوبه الذي يلجأ فيه إلى الابتعاد عن البساطة والمباشرة وتوظيف الكلمات توظيفا مجازيا تبدو سمة الشعر الثاني . وسيتساءل كثيرون عندما يقرأون العنوان عن مدلوله حقا .
ومع أن مدلول السفرجل بدا لي منكشفا من قراءة القصيدة إلا أن هذا لم يحل بيني وبين الرجوع إلى البحث عن المدلول الرمزي لها وما تعنيه في ثقافتنا الشعبية .
" شبابنا كلهم ملاح زي السفرجل عاقد ع التفاح "
" شو أتذكر منك يا سفرجل كل عضة بعضة "
' زي نوار السفرجل من كل ١٠٠ بتعقد حبة " .
وليس بخاف على أحد أن مدلول السفرجل في الأولى إيجابي وفي المثلين سلبي .
بقي أن أشير إلى أن موقف القاريء من أشعار أحمد يعتمد على ذائقته الشعرية وموقفه من قصيدة الحداثة .

الخميس ١١ / ٥ / ٢٠٢٣
( ملاحظة :
كتب هذا المقال للمشاركة في ندوة كان من المقرر أن تعقد في مركز يافا في مخيم بلاطة في يوم ١٣ / ٥ / ٢٠٢٣ ، ولكن استشهاد شابين من مخيم بلاطة إثر اقتحامه من القوات الإسرائيلية حال دون إقامة الندوة ) .

١٢
القاهر والظافر وجمال عبد الناصر :

قبل حرب حزيران ١٩٦٧ كنت ناصري الهوى لأن أبي كان كذلك ، فقد أصغى إلى خطابات جمال عبد الناصر وأصغيت معه إليها ، غير مكترثين بملاحقة النظام الأردني لمن يستمع إلى إذاعة صوت العرب أو لمن يعلق صورة جمال عبد الناصر على الحائط ، وظلت صورته في بيتنا في مكانها ، وعندما انتقلنا في ١٩٧٨ من بيت المخيم إلى بيتنا الحالي ظل أبي يحتفظ بالصورة .
كان عبد الناصر والإعلام المصري يذكرون القاهر والظافر ويتغنون بها ؛ لأنها ستهزم دولة الباطل .
عندما حلت الهزيمة في أيام الحرب الأولى أصبح الناس يتندرون باسم الصاروخين ، فلا قاهر قهر ولا ظافر ظفر ولا ناصر انتصر ولم تتحرر يافا وحيفا ولم يعد اللاجئون ، وفي ١٩٧١ كتب محمود درويش قصيدته " سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا " وقال :
" قذفناهم بالحروف السمينة "
ولم يصيروا هباء ولا ألم بهم الردى ، فنحن من صرنا هباء وألقى الجنود بأرواحهم في مهاوي الردى . لم نسمع صليل السيوف ولم نطلع عليهم طلوع المنون .
الآن أتخيل جمال عبد الناصر يبعث من قبره ويحيي حركة الجهاد التي حققت له أحلامه ، فقصفت بالظافر والقاهر .
الخيالي هو الواقعي الأكيد ، ومع أننا لا ندري إلى أين تتجه المنطقة وكيف ستسير الحرب إلا أن ما كان خيالا صار حقيقة ، والحرب كر وفر .
هل عنوان قصيدة أمل دنقل " لا تصالح " هو شعار الجهاد ؟
الناس في غزة منقسمون ما بين مؤيد للقصف وما بين معارض ، وحين أسأل عن رأيي أجيب :
- لا رأي لي ، فلن يقدم رأيي ولن يؤخر . رأيي هو أن المنطقة منذ ١٨٧٨ و ١٨٨٢ تسير بهذا الاتجاه .
شئنا أم أبينا : الأرض سوداء جدا .
١١ / ٥ / ٢٠٢٣

١٣
غزة ( ٢١٨ ) :
الآن وقد دخل البرابرة . وماذا بعد ؟

في شريط فيديو ، قبل أن يدخلوا إلى رفح ، روت أم طارق حكايتها :
- أنا اسمي أم طارق . أعيل ستة أطفال وزوجي المريض نفسيا وهذا الطفل الذي نجا ومات والداه تحت الأنقاض وليس هناك من يرعاه ، فتبنيته . يوميا ألف على البيوت والخيام أجمع الخبز الناشف الذي يتخلص منه أصحابه ، ثم أفتته وأذهب إلى السوق أبيع الشوال بثلاثين أربعين خمسين شيكلا ، فيشتريه أصحاب الدواب علفا لدوابهم .
لقد زارني في الخيمة أناس عديدون ليتبنوا الطفل فيسهموا في النفقات ، ولكنهم لم يعودوا . ( والدة الطفل كانت جارة لأم طارق )
هل كان الطفل يفهم شيئا مما تقوله أمه بالتبني ، أمه التي ستربيه ، والحمد لله أنها ليست قادمة من بولندا مثل ( ميريام ) زوجة ( ايفرات كوشين ) في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ١٩٦٩ .
كان الطفل يحضن أمه ويعطيها خده لتبوسه ، وكان يمرح ويقفز ويلهو . أين بقية أبناء أم طارق وأين زوجها ؟ ربما في الخيمة المجاورة !
ماذا ستفعل أم طارق بعد أن جاء البرابرة ؟
هل ستظل في رفح أم ستغادر إلى المواصي أو خان يونس المدمرة والمسواة بالأرض ؟
عندما أصغيت ، في هذا الصباح ، إلى محمد الأسطل مراسل راديو " أجيال " تساءلت إن كانت القيامة في المواصي قامت . الناس على شط البحر يفرون من خيامهم ليتبردوا في مياهه ، ولا مياه صالحة للشرب ، واكتظاظ البشر لا يتصور . يقول محمد :
- إن الكلمات كلها تعجز عن وصف الحالة . شيء لا يتخيل ولا يصدق .
بعض أهل غزة ما زالوا يتساءلون إن كان ما يمرون به هو حقيقة أم كابوس ، ولعلنا لم ننس بعد الطفلة الجريحة التي أنقذت من تحت الأنقاض ووجدت نفسها في المشفى ، فتساءلت :
- عمو أنا في حلم ولا عن جد .
كان الأب الروحي للحركة الصهيونية ( ثيودور هرتسل ) يحلم بأن الدولة التي سينشئها خلال عشرين عاما ستضاهي الريفيرا في فرنسا وستفوق صناعتها الصناعة الألمانية وستصل قطاراتها إلى بيروت ودمشق ودول عربية أخرى ، وأغلب الظن أنه لم يسمع بدولة الإمارات العربية المتحدة ، فلم يكن النفط جعل منها ذات شأن .
صدقت نبوءات ( هرتسل ) فقد جعل من يافا وحيفا وقرى عربية عديدة أماكن لا تصلح للعيش وأتبع بها يالو وعمواس وبيت نوبا ، والآن يلحق قطاع غزة وجنين ومخيمها ومخيمات طولكرم بها ، وبدلا من أن تصل إليها الكهرباء والقطارات و .. وصلت إليها الدبابات .
كان أبو سعد في رواية غسان كنفاني " أم سعد " يجلس على المقاهي وكانت أم سعد تخدم في البيوت ، وها هو أبو طارق لا يختلف عن أبو سعد ، وها هي أم طارق تواصل دور أم سعد .
هل نصدق فراشاتنا أم نستجيب لمحمود درويش في قوله :
" نخاف على حلم ، لا تصدق فراشاتنا ،
.....
.....
نخاف عليك ومنك نخاف . اتضحنا معا ، لا تصدق إذن صبر زوجاتنا ،
سينسجن ثوبين ، ثم يبعن عظام الحبيب ليبتعن كأس الحليب لأطفالنا
نخاف على الحلم منه ومنا ، ونحلم يا حلمنا . لا تصدق كثيرا فراشاتنا ،" .
الأوضاع أكثر من مأساوية .
كان الله في عون أهل غزة !!
١١ / ٥ / ٢٠٢٤

١٤
الكاتب والمكان :

عندما كتب الروائي ربعي المدهون روايته " مصائر " كتب عن مدن عديدة منها عكا ولندن والقدس ، وكان زار المدينتين الفلسطينيتين غير مرة .
وعندما قرأ ناقد فلسطيني الرواية كتب عن أخطاء معرفية وقع فيها الروائي ، فلم يكن ملما بالقدس إلماما كافيا .
ولأنه شاع عن الناقد أنه يضخم الأخطاء ، فقد عرضت الرواية على مواطن مقدسي ليبدي رأيه فيكون الكلام الفصل ، فاكتشف أخطاء أخرى غير التي كتب عنها الناقد ، ولكنه اضطر ألا يعلنها ، فقد كانت الرواية حصلت على جائزة الرواية العربية / بوكر أو في طريقها للحصول عليها .
الروائي وليد الشرفا له رواية يأتي في صفحات منها على حيفا المدينة التي ربما يكون زارها زيارة عابرة .
عندما قرأ أبناء المدينة الرواية دونوا عليها ملاحظات ، فيما يخص حيفا ، تظهر أن الروائي لم يحط بالمدينة إحاطة تامة . كما لو أنهم ساروا على درب إميل حبيبي في تتبعه المكان في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ولكثرة كتابتي عن هذا الجانب صار الرأي شائعا .
الروائي محمود شقير في كتابه " المشهد الروائي الفلسطيني : قراءات " يكتب صفحتين عن رواية " وارث الشواهد " يأتي فيهما على المكان فيها . يكتب شقير :
" .... معلنا انحياز بطل روايته إلى المكان الفلسطيني المنهوب ، حيث الوصف المتقن للأمكنة ولما فيها من تفاصيل تحفظها الذاكرة ... "
علام اعتمد الكاتب حين أصدر هذا الرأي اليقيني " الوصف المتقن للأمكنة .. " ؟ .
في كتابه " فن القصة " يكتب محمد يوسف نجم عن البيئة في الرواية ، ويقدم للروائيين نصيحة هي أن يلتزموا في كتابتهم بالبيئة التي يعرفونها . لقد لاحظ نجم أن محمود تيمور كتب في إحدى قصصه عن لبنان ، ولم يكن زارها ، ومما كتبه أن فيها صحارى ... .
١١ / ٥ / ٢٠٢٥




عادل الأسطة
١١ أيار ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...