عبدالله الميالي - البحث عن العدالة والمساواة في رواية "الأصدق لهجة" ل للروائي حميد الحريزي

صدرت للروائي حميد الحريزي رواية (الأصدق لهجة) عن دار الشويكي للطباعة والنشر في إيران في عام 2025 ، وتقع الرواية في مائتي صفحة، وتتضمن عشرة فصول. والرواية تنتمي إلى ما يُعرف بـ(الرواية التاريخية) ، إذ تستند إلى سيرة الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، ومكابداته وما تحمله من أذى نتيجة التزامه بمبادئ الإسلام الحقّة، وبما كان يحمله من قيم أخلاقية وإنسانية واجتماعية.
تحاول الرواية استلهام شخصية الغفاري من خلال حوار تخييلي بين شخصية رمزية باسم (زمن) وقد اخترعها الكاتب من خياله، وبين شخصية الغفاري. وتدور أحداث الرواية في سياق تاريخي يمتد من عصر ما قبل الإسلام، مروراً بعصر البعثة النبوية وما تلاها، وعصر الخلفاء الراشدين، وما شهدته تلك الحقبة من تحولات سياسية واجتماعية.
وتكاد شخصية الغفاري أن تهيمن على أجواء الرواية لكونها الشخصية المحورية فيها، مع اختفاء لتعدد الأصوات. وكان بإمكان الروائي اللجوء إلى تقنية تعدد الأصوات لكونها من تقنيات ما بعد الحداثة، وذلك بخلق الضد النوعي لشخصية الغفاري، لكي يكون الصراع في الرواية أكثر تشويقاً، سواء تم ذلك بخلق شخصية افتراضية، أو من خلال شخصية (معاوية) الحقيقية التي كانت السبب الرئيس في معاناة الغفاري ونفيه إلى صحراء الربذة.
وتتكئ الرواية على فكرة مهمة تتمثل بـ(العدالة الاجتماعية والمساواة والزهد، ونقد اكتناز الثروة) ، وهي الفكرة التي تبناها الغفاري بعد وفاة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وأصبحت عنواناً له عُرف بها من بين بقية الصحابة، مع إن هذه الفكرة ليست وليدة فكر الغفاري، وإنما هي من صميم تعاليم وشرع الإسلام.
وجدنا أن أسلوب السرد في الرواية يدور بثلاث وسائط: بواسطة الراوي العليم من خلال ضمير (الأنا) ، وبواسطة الشخصية الرمزية (زمن) الذي يمثل التاريخ، وبواسطة شخصية الغفاري، ويتداخل السرد أحياناً بأنواعه الثلاثة، حتى يصعب على القارئ فك الاشتباك، ولكن القارئ الواعي لا يخفى عليه ذلك التداخل.
واستدعت الرواية الكثير من الصحابة، ومرت على بعضهم مرور الكرام، فلم يكن لهم دور واضح في مجريات أحداث الرواية، فيما أعطت الرواية مساحة لا بأس بها لأسماء أخرى ممن كانوا على توافق أو اختلاف مع الغفاري.
ولكون الرواية (تاريخية/إسلامية) فقد وظّف الكاتب واستدعى الكثير من النصوص الدينية: آيات قرآنية، أحاديث نبوية، أقوال الصحابة، بالإضافة إلى أقوال شخصيات معاصرة: ماركس، هادي العلوي، الشيخ الأزهري. مما جعل الرواية تغوص بالتناصات المتعددة، في مقدمتها عنوان الرواية نفسها (الأصدق لهجة) فهو يحيلنا إلى المقولة المشهورة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام في حق الغفاري: (ما أقلّت الغبراء، وما أظلّت الخضراء برجلٍ أصدق لهجة من أبي ذر) . وكما هو معروف فإن الروائي يلجأ إلى تقنية التناص، لغرض إثراء النص الأدبي عبر ربطه بأعمال أخرى من جهة، وإبراز عمق الفكرة من خلال الإشارة إلى تراث تاريخي من جهة ثانية، وإنتاج طبقة جديدة من المعنى عند القارئ المطلع على النصوص السابقة من جهة ثالثة.
ولعل أهم ميزة في الرواية أنها حاولت أن تربط الماضي بالحاضر (ولو بقدر ضئيل) من خلال استدعاء شخصية غاندي وما يمثله من تقشف وزهد ونضال سلمي، ومقارنتها بشخصية الغفاري. إذ جاء على لسان (زمن) وهو يحاور سلمان الفارسي: (ذكّرتنا يا سيدي سلمان، برجل زاهد في عصرنا الحديث، وهو العصر الذي جاء بعد عصركم بأربعة عشر قرناً، اسمه غاندي، قاد ثورة سلمية لتحرير بلاده الهند من سيطرة المستعمر البريطاني، وأصبح مثار إعجاب العالَم لزهده وتواضعه وبساطته، في ملبسه مأكله ومسكنه، ولا يرتدي سوى قطعة ملابس واحدة تستر نصف جسده. ولعله اطلع على سيرة الغفاري فجذبته تلك السيرة الثرّة..) ص168.
كما حاولت الرواية أن توفق بين الفكر الإسلامي والفكر اليساري في أكثر من موقف، ففي هذا النص تستحضر الرواية شخصية ماركس بصورة غير مباشرة، وعلى لسان (زمن) في حواره مع الغفاري: (أتعلم يا شيخنا، أنّ مقولة علي بن أبي طالب "ما رأيت من نعمة موفورة إلا وبجانبها حقّ مضيّع" لم يتوصل لمثلها علماءُ البشرية ومنظّروها ومفكروها، إلا بعد أكثر من ألف عام على يد منظّر الاشتراكية، حيث كانت أعظم وأهم تنظيراته وهي "فائض القيمة"، وهو الجزء الذي يستأثر به الرأسمالي من جهد العامل وهي أساس ثروته، وعلى هذا الأساس بنى نظريته في الاقتصاد التي لم تزل صالحة في القرن الحادي والعشرين.) ص153. ويبدو لي من هذا النص ومن استدعاء شخصية الصحابي (أبو ذر الغفاري) وما يمثله كأحد صفحات التاريخ الإسلامي البيضاء، هو اعتراف مباشر من الكاتب الحريزي صاحب الميول اليسارية بأهمية الفكر الإسلامي في تاريخ البشرية وإن لم يكتب له النجاح ليكون فكراً عالمياً لأسباب كثيرة نحن في غنى عن تعدادها الآن.
وفيما يتعلق في البناء الفني للرواية، فإنها تميّزت ببناء سردي خاص يعتمد على: تقنية الحوار التاريخي من جهة، والمزج بين التاريخ والتخييل من جهة ثانية. إذ إن الكاتب اختلق شخصية (زمن) بكونها تمثل الوعي التاريخي والقارئ المعاصر الذي يربط بين الماضي والحاضر، لكي يستطيع الروائي أن يعرض أفكاره وتفسيره للأحداث بواسطته. ولكي لا تلتبس الفكرة على القارئ في بيان حال (زمن) فقد قام الكاتب بتوضيح شخصيته وما يمثله في الرواية، فنجد (زمن) يخاطب الغفاري: (يا سيدي أنا "زمن" من عصر يبعد مئات السنين من عصرك وزمنك الذي أنت فيه. فأنا من أهل القرن الخامس عشر الهجري، وأنا شاهد كل زمان، وحاضر في كل مكان. أنا "التاريخ" ومن أرسلني إليك هو ضمير البشرية الحي الذي يبحث عن الحقيقة ولا يمكن أن ينسى من ضحّى بحياته ورفع راية العدالة والمساواة من أجل رفاه الإنسان وصيانة كرامته) ص14.
اهتمت الرواية برؤية فكرية محدّدة تتمثل بشعارات الغفاري التي رفعها أمام خصومه، من قبيل: (العدالة الاجتماعية، المساواة في العطاء، نقد الاكتناز والثروة والغنى الفاحش، الزهد، الدفاع عن الفقراء والمظلومين)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...