أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٦ أيار من كل عام

١
في المنام رأيتها:

قال لي :
- في المنام رأيتها . كنت في زيارة لأهلها فرأيتها ، وليس بيننا من صلة . ليس بيننا سوى احترام ما ، احترام متبادل . ربما ! على الأقل .
حين نلتقي نبدو عاقلين . ربما تفوهت بعبارة ما ذات نهار.عبارة تظن هي أنها دالة . أحيانا أنت تشعر أنك مقهور حين تطمع في شخص ما ، ولا يحقق لك أمنياتك .
حين تحب شخصا ما ولا يظهر لك المقدار نفسه من الحب . حين يحدث هذا يغدو الشخص مقهورا فينفس عن نفسه بعبارات قد تجرحك . يظن أنها قد تجرحك . عبارات تقول شيئا وتعني شيئا آخر . ثمة شفرات . كلام مشفر .
قال لي...
(البقية فيما بعد)
٢٠١٢

٢
مقال الأمس في الأيام الفلسطينية وعنوانه " تغير صورة اليهود في الأدب العربي " نشر على الشبكة العنكبوتية دون كتابة اسمي عليه وهو منشور على صفحة الفيسبوك الخاصة بي .
تحياتي...
أين اقام أهلي في يافا؟
سألني أمس ابن أخي ، فأجبته في البلدة القديمة منها ، ثم بنى جدي وجدتي بيتا جديدا وهجروا منه ، فلم يفرحوا عليه .
البيت - إن لم تخني الذاكرة في حي النزهة .
٢٠١٢

٣
اميل حبيبي في الذاكرة أيضا " لكع بن لكع " :

مرت ذكرى رحيل شيخنا الساخر دون أن نلتفت إليها . هل نحن عاقون أم إنها الحياة وما فيها تنسينا أنفسنا وأعزاءنا وكل شيء . كل شيء .كل شيء ؟
كتب محمود درويش
" عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو " ،
ويبدو أنني أصحو حين يذهب الكتاب إلى النوم ايضا - اليوم الأبدي ، فبقدر ما كانت هناك ضرورة لأن ألتقي أكثر وأكثر باميل حبيبي ومحمود درويش ، كنت لا أسعى للقاء ، ولا هما سعيا إليه - كنت أسكنهما وكانا يسكنانني وما زالا .من يتذكرهما الآن مثلي أنا ابنهما الأدبي الذي تعلم منهما ما لم يتعلمه من أحد في هذه الدنيا - كأنني ابنهما الروحي .
في ألمانيا يقولون عن المشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه -دكتور فاتر Father - أي أب طالب الدكتوراه - الطريف امرأة أشرفت علي ، فكانت دكتور متتر Doktor Mutter )- اي ام الدكتوراه - واعترف بأنني تعلمت منها الدقة والجلد و..و..ولكنها عانت ما عانت ، وقد دفعت ثمنا.
- ماعلينا !
هذه الأيام تمر ذكرى النكبة وذكرى رحيل اميل .
نلتفت إلىالنكبة ، ونادرا ما التفت أحد إلى اميل ، إلا أنا وبعض أصدقاء له على الرغم من أنه والنكبة صنوان .
هل أنصفت اميل ذات نهار ؟
في ذكراه آمل من محبيه أن يقرأوا دراستي عنه " اميل حبيبي أديبا ومفكرا " ، ويا اميل أنت والحياة تعلمانني الكتابة الساخرة .
٢٠١٣

٤
صباح الجمعة . الأم وقططها الثلاثة :

هذا الصباح نهضت في السادسة .
كنت صحوت قبل أذان الفجر ، ثم تكاسلت وآثرت البقاء في الفراش . في السادسة تركت سريري واشعلت الضوء ، وقبل أن أهييء الماء لإعداد النسكفيه فتحت الباب ونظرت إلى الشرفة .
كانت القطة الكبيرة ، وهي الأم ، تجلس على شباك المطبخ كعادتها ، ولأول مرة لاحظت قطتين اثنتين من قططها .
أخذت أبحث عن الثالثة فوجدتها منزوية في جانب من الشرفة . الأم جائعة ، ويبدو أنها تريد إرضاع قططها ، وضرعها يبدو جافا . هكذا مدت رأسها لي وفتحت فمها وماءت - هكذا الأمهات أيضا ، وهكذا الأبناء ، إن احتاجوا إليك مدوا لك ورقة أقساط الجامعة ، وحين تعطيهم ما يريدون ، وينتهون من دراستهم ويعملون ، يستقلون ويديرون قفاهم لك . هل القطط هكذا أيضا ؟
القطة جائعة ولا طعام ، وثمة ثلاثة أرواح صغيرة ضعيفة أيضا تريد الطعام ، فماذا سأطعمهم؟
كنت أمس مساء قررت أن أعد وجبة عشاء من الكفتة ، ثم آثرت أن أتناول وجبة جد خفيفة ، حتى أحافظ على نسبة السكر متدنية ، وهكذا بقيت الكفتة في الثلاجة لأعدها في الصباح .
يا لحسن حظ القطط التي اشفقت عليها ، وقررت أن أطعمها بعض الكفتة . هكذا وضعت لهن أربع قطع .
الأم بدأت تتناول الكفتة فالتهمت ثلاث قطع ولما اقتربت بناتها - لا أعرف إن كان ثمة ذكور ، فلم افحص - تركت القطعة الرابعة ، وبدأ الإخوة / الأخوات يتنافسون/يتنافسن .
الأم تراجعت والإخوة تنافسوا .
هل كان آباؤنا وأمهاتنا يتصرفون/يتصرفن تصرف القطة الأم ؟
أنا أولا ، ثم أترك شيئا للأبناء والبنات؟
أظنهما .
أحاول أن أتذكر ما كان والداي يقومان به ، ولكن عبثا أصل إلى قرار ، ولكن أظنهما فعلا هذا .
غالبا ما عشنا في زمن الاشتباك ، وكانت الحالة ، ونحن أطفال مستورة ، ولم يكن هناك فائض . حين يكون هناك فائض أنت لا تلتفت إلى أمور كهذه . أنت ، ساعتها ، ستكون سخيا كريما تعطي وتنفق ، ولكن كيف ستتصرف في لحظات الجوع وقلة ما في اليد ؟
القطة/الأم فقيرة هزيلة ، ولهذا مدت يدها ، وفتحت فمها واتجهت إليك طالبة الطعام .
في العام 2003 كنت في فندق عمرة ، وكان ( فيينا كفيه ) يرمم . هل حصل معي شيء من هذا ؟ هل نحن كالقطط ؟
الكاتب لا يكتب كل شيء . إنه على رأي (فولفجانج ايزر)يترك فراغات للقاريء ليعبئها ، ولكني أعتقد أن الدنيا مليئة ببشر يشبهون القطة / الأم . يمدون إليك اليد حين يحتاجون إليك ، وحين تقدم لهم ما يريدون ولم يعودوا بحاجة إليك يقولون لك إن المهمة انتهت .
وأنت كيف سترد لحظتها ؟
كانت أمي تقول لي " أن اعمل معروفا وارم في البحر " وسلمان السائق كرر على مسمعي مثلا عبريا يقول " لا تفعل الخير حتى لا تندم" .
هل آخذ بقول أمي أم بقول أبناء العمومة
؟

٥
سائق المساء :

منذ زمن لم أخرج يوم الجمعة ، مساء ، إلى المدينة ؛ غربها أو وسطها .
هذا المساء وجدتني أذهب إلى ال( مول ) لأشتري وأتمشى في شوارع نابلس .
هل استبد بي الضجر؟
السائق الذي أقلني كان من مدينة غرب نابلس . أقل جماعة إلى الباذان وعاد .
الحديث ، في بلادنا ، ذو شجون ، وكثير منا يأخذ ويعطي في الكلام .
" قلقيلية مثل زجاجة فلينتها البوابة . إن أغلق الإسرائيليون الحاجز أغلقت القنينة/المدينة " . قال السائق .
ما قاله السائق عن المدينة ذكرني بما ورد في رواية ( يورام كانيوك) " 1948 " : " النساء زجاجات مفتحات والرجال فليناتهن ".
في نصوص الأدب العبري كم من البذاءة لم ألحظه في اﻷدب العربي . ربما تذكرت شعراء النقائض .
السائق تحدث عن ملابس النساء ، وتحديدا عن الفيزون . هكذا تحدثنا أيضا عن بنطالات التايت والستريتش . موضة 70 ق 20 .
السائق تحدث أيضا عن خوفه من النسوة اللاتي يرتدين الخمار .
قال لي :
- " لا يمكن أن أركب واحدة منهن . من أدراني من تكون . في اﻷعراس كان ثمة رجل تخفى بخمار وأخذ يصور ، وفي الصالات في أعراس النساء تأخذ النسوة مجدهن . هكذا يبدين زينتهن . المتزوجات وغير المتزوجات " .
السائق كرر رأيه : " لا يمكن أن أقل امرأة ترتدي خمارا " .
والطريق قصير ، ولا بد من أن أهبط ولا بد من أن يواصل طريقه والحديث ذو شجون .
أما أنا فإنني أصغي الآن إلى أم كلثوم تغني : " لسه فكر كان زمان ".
لصه - ليس هذا خطأ مطبعيا - لصة فاكر.
٢٠١٤

٦
لا تخاصم :

كتب أمل دنقل " لا تصالح " .
ترى لو ظل على قيد الحياة هل كان سيكتب " لا تخاصم ".
كثيرون يطلبون مني أن أهادن وأجامل " مش الأمور ".
مؤخرا التقيت بصديق أكاديمي فنصحني ألا أكتب إلا عن أعمال أدبية تروق لي ، وأما ما لا يروق لي منها فلأتجاهله ، وهكذا أرتاح ولا أخسر الأصدقاء .
معقول ، وهكذا أحصل على تذاكر سفر ومناصب و..
الطريف أنني ما عدت أحب السفر وأفضل المشي في البلدة القديمة وأمير ، من زمن ، إلى الوحدة و..والوحدة العربية ، وحتى إلى وحدة الضفة والقطاع ودولة إسرائيل معهما أيضا .
16/5/2016

٧
د.فيصل دراج ويحيى يخلف 10 :

يكتب د.دراج في مقالته " يحيى يخلف في حوار الذاكرة مع الواقع الفلسطيني " (الحياة،7/5/2016 ) الآتي :
"أصبح يخلف روائيا احترافيا ونقض ما أصبحه : فهو الاحترافي الذي يكمل عملا بآخر والأديب الذي يصقل أسلوبه ويروضه...ويجتهد في بناء أسلوب يحتذى اللغة النمطية ويتطلع إلى نثر حواري ، غير أنه نقض
الروائي الإحترافي وهو تحديدا منعزل عن الحياة بانفتاحه على واقع محدد الأسماء والوقائع والصفات ، وهوية بعيدة من السكون ، وأنه يعرف أكثر أن هويته محصلة للأفعال ، لا للنيات والمواعظ والأفكار "
ويربك د.دراج القاريء ويثقل عليه حتى يصل إلى مراد الناقد .
ما الذي يريد د.دراج قوله من وراء هذه الفقرة ؟ أيريد أن يمدح يحيى أم يريد أن يذمه ؟
الروائي غدا روائيا محترفا ثم نقض ما صاره - أي لم يعد روائيا محترفا . لماذا؟
ألأنه معزول عن واقعه ما عاد روائيا ؟ أم لأنه يكتب بلغة غير لغة الواقع التي يفترض أن يكتب بها الروائي؟
ويعيدنا د.دراج إلى تعريف خليل بيدس للروائي ، وهو ما كان بيدس أفصح عنه في مقدمة " مسارح الاذهان " 1924 ، إذ ذهب إلى ان الروائي يجب أن يعايش العامة وأن يدرس أحوالهم ونفسياتهم وأن يتوجه بلغته إليهم . بل ويعيدنا ثانية إلى ( ميخائيل باختين ) وفهمه للغة الرواية واختلافها عن لغة الشعر .
واصل يحيى مشروعه الروائي ، فاحترف كتابة الرواية وغدا كاتبا محترفا ، غير أنه نقض صفة الاحتراف لأنه لم يعد يعايش العامة ولم يعد يكتب عنهم ولهم ، فقد اغترب عن واقعه وعن لغة الرواية وكتب بلغة بعيدة عن لغة الرواية . لغة معزولة عن لغة الواقع مستمدة من الموروث ولا تمت للغة عصر الكاتب بصلة ، وهكذا اغترب الروائي مرتين ؛ مرة باغترابه عن واقعه المعيش ولجوئه إلى الماضي ، وثانية باغترابه اللغوي ، وهكذا نقض الاحتراف اللغوي ، وآمل أن أكون فهمت ما قصده د.دراج جيدا .
والسؤال هو :
- لماذا لم يكن الناقد واضحا وصريحا في موقفه من لغة يحيى ، كما كان واضحا وصريحا حين كتب عن لغة حبيبي في " المتشائل "؟ علما بأن يخلف حاول أن يسير على خطى إميل في أكثر من جانب وهذا ما سأتوقف أمامه .
16/5/2016

٨
إنه الصيف :

أجواء صيفية تماما .
أتذكر ما قالته لي فتاة :
- أتمنى لو أنني رجل ، فقط كي أرتدي " قميص نصف كم "في الصيف الحار .
الليلة كانت تمشي مع زميلتها سافرة وتتحدث معها بطلاقة عما تكتبه .
كنت مستغرقا في النوم . من سنوات لم استغرق في النوم كما استغرقت فيه هذا الأسبوع .
كان الله في عون الأسرى ومعهم .
2017/5/16.

٩
في حيفا 5:

في حيفا تتذكر قصيدة محمود درويش "أحمد الزعتر" وتهمس:
"وحيفا من هنا بدأت وأحمد سلم الكرمل وبسملة الندى والزعتر البلدي والمنزل ".
وكما كنت تحلم منذ سنوات بزيارة حيفا فإن آلاف الفلسطينيين مثلك يحلمون بزيارتها. "الفرحة لا تكتمل وثمة ما ينغصها".
وفي حيفا تتذكر "اخطية "و"انتظار" .تتذكر اميل حبيبي وسلمان ناطور اللذين رصدا ما مرت به المدينة منذ عهد الانتداب حتى العام 2008. أنصف الأول ولم ينصف الثاني. تهمس: "من يرد قراءة حيفا فليقرأ هذين " وفي الهبوط من الكرمل تتذكر رحلة سلمان اليومية من الدالية إلى المدينة ليواصل عمله في جريدة "الاتحاد" . "لو كان سلمان حيا لطلبت منه أن يريني بيت شاعرنا الوطني (أبو سلمى).لو".
منذ 1993 حتى سنوات قريبة كان الوصول إلى حيفا صعبا. ها هو التقدم في العمر يأتي بمزايا: "زيارة حيفا".
هل ثمة متحف باسم أي أديب فلسطيني ممن برزوا في المدينة؟
ولا يخطر هذا السؤال ببالك وأنت هناك فالشوارع كلها غدت اسماؤها عبرية والمدينة تهود بانتظام.
كان مرشدنا يذكر اسم الشارع العربي والاسم العبري الجديد وكنت تتذكر "اخطية " 1985 و"عائد إلى حيفا "1969 وأسماء المدينة فيهما. هذه قيمة من قيم الأدب وأهمية من أهمياته. ( ؟).
"حيفا! أهذي هي أم قرينة تغار من عينيها؟ "صرخ أحمد دحبور حين رأى المدينة.
16/5/2018

١٠
سحر خليفة "روايتي لروايتي ج١ " 6 :

ما إن تنتهي من قراءة الجزء الأول من سيرتها حتى تتذكر رأي الطاهر وطار في سيرة محمد شكري "الخبز الحافي " .
عدت سيرة شكري من أجرأ السير الأدبية العربية ولم يختلف اثنان في هذا ، ولكن ما كان موضع خلاف بين اثنين هو البعد الجمالي فيها ، وقد كان رأي وطار لافتا وجريئا وإن كان فيه نظر .
رأى وطار أن سيرة شكري عادية جدا من ناحية الاسلوب . ورأيه عموما رأي يصغى إليه ، فهو كاتب متمكن لغويا وتعلم العربية منذ طفولته وهو من أسس "الجاحظية " ، ويختلف شكري عنه في أنه تعلم العربية على كبر - بعد العشرين ، وبالتالي لم يمتلكها امتلاك وطار لها . وإذا ما كنا كلاسيكيين فسوف نأخذ بالتأكيد بما يذهب إليه وطار .
يبدو أنني شخصيا صرت وطاريا إلى حد ما ، ويبدو أن لغة سحر خليفة العربية هي لغة كلام أكثر منها لغة كتابة . إنني أتخيل سحر وأنا أقرأ لها تتكلم - أي إنني أصغي إلى شخص يتحدث ولا أقرأ لكاتب يكتب . هل في هذا ما يعيب؟
تبدو سحر حتى اليوم كاتبة لا أديبة ، فهي لا تلتفت إلى الصياغة كثيرا أو لا توليها جل عنايتها ، وسيجد المرء بعض ركاكة فيما تكتب ، وهذا ما توقفت أمامه من قبل مرارا .
كما لو أنني أكرر نفسي . هل تكرر سحر نفسها ، علما بأن لغتها في " حبي الأول "وفي " أرض وسماء " أفضل بكثير من لغتها في رواياتها الأولى .
ما أخشاه هو أنني قد أكون أبالغ في هذا الشأن . وربما أكون مثل د.عبد الملك مرتاض في كتابه " في نظرية الرواية " 1998.
16/ 5/2018

١١
إلى قراء ترجمة رواية اميل حبيبي إلى العبرية التي أنجزها الروائي أنطون شماس . هل يمكن إفادتي كيف ترجم المترجم عبارة "كنت أحسبك حمارا فإذا أنت أحمر " والعبارة تقع في الكتاب الثالث " يعاد الثانية " الرسالة التي عنوانها " حديث شطط في الطريق الى سجن شطة " وتحديدا في الأسطر العشرة الأخيرة من الرسالة .

١٢
سليم فحماوي : " ذكريات ومفارقات: أحزان الراعي " :

لم أقرأ مراجعات نقدية لكتاب سليم فحماوي " ذكريات ومفارقات : أحزان الراعي 1948 - 1970 " الصادر عن دار الهدى في كفر قرع ، وأظن أنني انتبهت إليه من قراءة مقال يأتي فيه صاحبه ، ولعله الكاتب محمد الأسعد ، على سيرة سليم فحماوي وسيرة إحسان عباس " غربة الراعي " ومن خلال الورقة التي ألقتها عايدة فحماوي في " مؤتمر المدينة الفلسطينية في الأدب والفن " الذي عقد في مجمع القاسمي ، ما شجعني للبحث عن الكتاب لقراءته .
وأنا أقرأ " ذكريات ومفارقات : أحزان الراعي " تذكرت الكاتب المغربي محمد شكري صاحب " الخبز الحافي " .
كتاب سليم فحماوي يستحق وقفة لتجربة صاحبه ولكون الكتاب سيرة عن فترة 1948- 1970 ، وقد يقرأ المرء فيه ما لم يقرأه في أدبياتنا الصادرة في فلسطين 1948 إلا في سيرة حنا ابراهيم " ذكريات شاب لم يتغرب " .
ثمة مهاهاة في الكتاب تلفت النظر .
كل فلسطيني يقول ما يشعر به فهو مطرود من الدول كلها وملعون منها كلها .
أحيانا أفكر ألا أكتب لأنني أشعر بالضعف والخوف والجبن .
16 آيار 2019

١٣
الست كورونا : أنا الأفعى التي فححت عليكم ولم تتوحدوا ٨٥ :

نادرا ما أخرج يوم الجمعة من المنزل ، ولكني أمس ، في ذكرى النكبة ، خرجت ومشيت في الأسواق ثم أخذت أقرأ في "دفاتر " معين بسيسو الفلسطينية ، وتوقفت أمام شمشون الإسرائيلي وقطاع غزة .
الأسبوع الماضي لم يكن شمشون يتجول في قطاع غزة ، فقد كان منشغلا بقرى الضفة الغربية مثل يعبد وكوبر ، ولم تمنعه الكورونا من ممارساته الاحتلالية واعتقالاته الشباب الفلسطيني .
كانت الست كورونا تمد لسانها ساخرة من خيال محمود درويش في قصيدته " سيناريو جاهز " فالأفعى المتخيل وجودها في الحفرة التي سقط فيها أنا المتكلم الفلسطيني وعدوه لم تضعهما معا في مواجهتها :
" أنا وهو
سنكون شريكين في قتل أفعى
لننجو معا
أو على حدة " .
لقد واصل الإسرائيليون مدججين بإيديولوجيتهم الصهيونية اعتقال الفلسطيني ومحاصرته ، كأنه لا يكفيه حصار الكورونا .
الطريف هو ما حدث ، فقد تبادل الفلسطيني جوليات واليهودي داوود الأدوار ، وداوود المدجج بالسلاح قتل ، في يعبد قرب جنين ، بحجر الطفل جوليات ، وهنا كانت سخرية الست كورونا القائمة على المفارقة ، كما لو أنها قرأت رثاء محمود درويش نفسه لآباء شهداء انتفاضة الأقصى .
في " حالة حصار " ٢٠٠٢ كتب الشاعر على لسان والد الشهيد :
" الشهيد يحذرني : لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا :
كيف بدلت أدوارنا ، يا بني ،
وسرت أمامي ؟
أنا أولا
وأنا أولا ! "
وما كتبه الشاعر الفلسطيني على لسان والد الشهيد الفلسطيني قاله والد الجندي الإسرائيلي القتيل .
في شريط فيديو أرسلته إلي الصديقة فوز فرانسيس كان والد الجندي الإسرائيلي عميت بن يغال يبكي ابنه ويخاطبه : لم أكن أتوقع أن أدفنك يا بني ، كان يجب أن تدفنني أنت " وبكى ، وبكت الأم فقد فقدت ابنها الذكر الوحيد ابن الواحد والعشرين عاما ولم يبق لها إلا ابنتان ، واحدة في الثانية عشرة والثانية في الرابعة .
كانت الست كورونا تمد لسانها ساخرة ، فمن لم يمت بالكورونا مات بالحجر ، وتعددت الأسباب والموت واحد .
مش زابطة ، فلا الأفعى ستوحد الفلسطينيين والإسرائيليين ولا الست كورونا ستوحدهم . يبدو أن الأيديولوجيا أقوى من الغريزة .
١٦ أيار ٢٠٢٠

١٤
إلى الشيوعيين القدامى :

ما مدى دقة المعلومة الآتية من كتاب معين بسيسو " دفاتر فلسطينية "

" علي عاشور عضو اللجنة المركزية لحزب ( راكاح ) الآن (طبعا ١٩٧٩ ) ، كان أول مسؤول لي في منطقة الرمال في غزة ، اعتقله المصريون ثم جاء الإسرائيليون و أخذوه معهم في إحدى غاراتهم وأصبح في حيفا " . ( ص ٢٨ )

١٥
ذاكرة أمس ٦١ :
طهارة السلاح والحرب النظيفة

أمس كان اليوم الثالث من أيام عيد الفطر السعيد ، ولم يكن سعيدا .
كانت صور الأطفال الذين استشهدوا ، والذين استشهد أهاليهم ونجوا هم ، والذين فقدوا بيوتهم وألعابهم ، كانت صورهم تطغى على شاشات التلفزيون وصفحات التواصل الاجتماعي وأشرطة الفيديو المتداولة .
أمس صباحا لم أقو على كبح جماح الكتابة وتأجيلها إلى موعدها المحدد ، فكتبت تحت عنوان " الطفل الوحيد الناجي " من عائلة قتلت بالكامل ، وقد ذكرني برواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ونكبة ١٩٤٨ والخروج الكبير من المدينة ورعب الأهل الهاربين الذين حملوا وسادة بدل أن يحملوا طفلهم الرضيع ، كما ذكرني بقصيدة ( هنريك ابسن ) " تيريه فيجن " .
نسيت صفية طفلها خلدون وربته عائلة يهودية ، فصار اسمه دوف ، والتحق بالجيش الإسرائيلي .
هذه المرة سيربي الفلسطينيون الطفل الوحيد الناجي وسيحافظون على اسمه ، وبالصور سيرونه كيف أبيدت عائلته ، فكيف سيتصرف حين يكبر ؟
هل سيسامح ( نتنياهو ) إن امتد العمر بالأخير وعاش مائة عام كما عاش أبوه ، أم أنه - أي الطفل الناجي - سيثأر من قاتل أبيه ؟
لا أجواء عيد هذا العام ، فحين خرجت في الخامسة مساء أتجول في الحي كانت الشوارع خالية .
في المساء تابعت خطاب السيد اسماعيل هنية من الدوحة / قطر ، وفي البداية التبس الأمر علي إذ ظننته يخطب في إحدى ساحات غزة معلنا انتهاء المعارك ، وظننت أن الجماهير التي تهتف للتحرير هي جماهير غزة معبرة عن فرحها ، غير مكترثة للدمار ، وأنها تبدي استعدادها لمواصلة الحرب ، وأنها طربت للخطاب الذي أعلن أن المقاومة لن تتنازل عن " صفد " وغيرها من مدن فلسطين التاريخية ( اسمع يا أبو مازن ! أنت ابن صفد تنازلت عنها ، وأنا لن أفرط فيها ) .
وأمس كاد يتشكل عندي رأي أن هذه الحرب حرب تنم عن مستوى عال من الأخلاق ؛ فالضابط الإسرائيلي يتصل بصاحب برج الجلاء ويمنحه مدة عشر دقائق لإخلائه من السكان ومن الصحفيين ، حتى تتم تسويته بالأرض ، ورئيس أركان حركة المقاومة الإسلامية يرفع منع التجول عن سكان تل أبيب ساعتين ؛ من العاشرة حتى الثانية عشرة ليلا ، حتى يتسوقوا .
في غزة يبدو الدمار شاملا ، وتل أبيب تحترق وسكانها الذين يتحدثون بلغات عديدة ، منها الروسية ، خائفون مرتعبون يلعنون حظ ولادتهم العاثر .
الحرب تثقل القلب . أما كان لحكومات إسرائيل المتعاقبة أن تفكر بهذه اللحظة ؟ أما كان بإمكانها إعادة اللاجئين الفلسطينيين بدل استيراد سكان من روسيا واثيوبيا و " هونولولو " ؟
كانت طائراتها تقصف دمشق ولبنان ووصلت إلى إيران ، وكنا نصغي إلى أخبار عن الرد في المكان والوقت المناسبين ونضحك ، وربما كان أبو يائير مثلنا يضحك ، ولطالما ابتسم ابتسامة صفراء ساخرة .
أمس تذكرت سطرا شعريا من قصيدة لمحمود درويش كتبها في ٢٠٠٣ عن زيارته للقدس :
"- أمن حجر شحيح الضوء تندلع الحروب ؟ " .
هل كان في مخيلة الاسرائيليين والفلسطينيين أن الأمور يمكن أن تتطور إلى هذا الحد ؟!
منذ ١٤٨٠ عاما هجريا والأقصى هو الأقصى ، يصلي فيه المسلمون ، وحين احتله الصليبيون تسعين عاما ظل أهله يستصرخون المسلمين من أجل تحريره ، إلى أن هيأ الله له نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي . ولم تتعلم إسرائيل الدرس ، علما بأن الكاتب الإسرائيلي ( ابراهام يهوشع ) كتب روايته " إزاء الغابات " منبها إلى حريق كبير .
هل ما شاهدناه أمس على شاشة الفضائيات كان مجرد أفلام سينمائية ومجرد ألعاب نارية ؟
لا أحد يعرف بالضبط كيف ستسير الأمور وإلى أين ستنتهي ، وعلى رأي محمد عبد الوهاب " جايين الدنيا منعرف ليه ولا رايحين فين " .
الحق كل الحق على السيد ( بلفور ) وعلى المستر ( دل ) الذي لم يدبرها ولم يحلها ، والكل في ورطة .
١٦ أيار ٢٠٢١ .

١٦
دريسدن - غزة :

وأنا أشاهد آثار الغارات الإسرائيلية على غزة أتذكر مدينة ( دريسدن ) في نهاية الحرب العالمية الثانية .
أراد الحلفاء وضع حد لنهاية الحرب وهزيمة ( ادولف هتلر ) فاختاروا مدينتين ألمانيتين كانتا تصنعان السلاح ؛ درسدن و ( اوغسبرغ ) وزرت الأخيرة التي كانت تصنع الطائرات ، لا لأنها صنعت الطائرات وأمدت الآلة العسكرية النازية بما يطيل أمد الحرب ويشعل فتيلها ، وإنما لأنني سمعت أنها مدينة الكاتب المسرحي ( برتولد بريخت ) الذي ترك بلاده إبان صعود النازية ، وفضل الإقامة في المنفى كونه كان شيوعيا ، وعندما انتهت الحرب استقر في ألمانية الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية .
لم أزر دريسدن ، ولكني منذ سنوات شاهدت فيلما عن تدميرها وتسوية مبانيها بالأرض . في الفيلم تمنى كبار السن ممن أقاموا في الملاجيء الموت ، وبلغ الأمر بإحدى العواجيز أن طلبت من جندي يملك مسدسا أن يريحها بإطلاق النار عليها ، فلم تعد تحتمل .
وأنا أتابع أخبار غزة وتدمير أبراجها وبيوتها ، وليس في غزة ملاجيء ، تذكرت دريسدن ، فثمة مبان سويت بالأرض ، وثمة أطفال وكبار في السن قضوا .
هل خطرت ببالي مدينتي ( هيروشيما ) و ( ناعازاكي ) ؟
قبل أيام قليلة سقطت بعض الصواريخ بالقرب من مفاعل ( ديمونة ) ، فراودني السؤال :
- ماذا لو تمكن منه صاروخ ؟
من المؤكد أننا ساعتها لا نملك الوقت لنشاهد ما يجري ، لأننا سنكون كما صار إليه سكان المدينتين .
كم مرة دمرت غزة ؟
منذ استقلت شهدت أربع حروب ؛ ٢٠٠٨ / ٢٠٠٩ و ٢٠١٢ و ٢٠١٤ و ٢٠٢١ و ... .
كلما وقعت الحرب على غزة عدنا إلى النصوص نفسها وإلى الأفلام نفسها :
- أنا وأنت والحرب القادمة
- صمت من أجل غزة
- يوميات غزة
- دفاتر فلسطينية
والحكاية تتكرر . ثمة حالة سيزيفية عبثية وثمة طائر عنقاء فلسطيني . تموز فلسطيني ، وثمة خلدون فلسطيني ينجو ويستشهد أهله ليربيه الآخرون ، فماذا سيفعل هذا الطفل الناجي في قادم الأيام ؟
لا أحد يتعلم !!

١٧
في كتاب بشير أبو منة " الرواية الفلسطينية من سنة ١٩٤٨ حتى الحاضر " ( ٢٠٢٠ مؤسسة الدراسات الفلسطينية ترجمة مصعب حياتلي ) يرد في هامش ٣٠ ص ١٩٤ الآتي :
" ترى إشارة إلى قمع وكبت فلسطيني ال ٤٨ في تلاعب إميل حبيبي باسم عمة سعيد في بداية الرواية ، فاسم عمته هو محصية ، لكن الجنود اليهود يلفظون اسمها مخصية . فبعد تشريد سنة ١٩٤٨ ، وضمن جهود الدولة الاسراىيلية لمنع عودة اللاجئين ، قامت إسرائيل باحصاء للسكان الفلسطينيين ، وكأن حبيبي يلمح إلى أن من تم إحصاؤه تم إخصاؤه " .
ترد الحكاية في المقطع ال ١٥ من الكتاب الأول " يعاد " من المتشائل ، وليس لسعيد عمة اسمها محصية ولا مخصية .
يخاطب سعيد الراهبة أم أسعد التي تكنس كنيسة الكاثوليك بالخالة ، فتظنه من أمن الدولة الإسرائيلية ، فتخاف أن يبعدها بحجة أنها متسللة :
" وانحنيت على يدها أقبلها . فصاحت : أنا محصية يا خواجا ! ولفظتها " مخصية " كما يلفظها العسكر .. وأسرعت إلى غرفتها وأنا وراءها لا أفهم شيئا " .، وفي الهامش يكتب إميل حبيبي :
" أي أنه جرى إحصاؤها في سجل السكان فهي محصية .
هل الخطأ خطأ المؤلف أم خطأ المترجم ؟"

١٨
ويافا حقائب منسية في مطار " :
هذا سطر شعري ورد في قصيدة محمود درويش التى رثى فيها الشهيد البطل أبو علي إياد .
لطالما كتبت عن يافا من قبل ، وفجأة خطر ببالي أمس ظهرا وأنا في الحافلة أن أكتب عن يافا في النصوص الأدبية الصادرة في العقدين الأخيرين .
سيكون مقالي الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية تحت عنوان " ويافا حقائب منسية في مطار " وأشير فيه إلى ما كتب عن يافا من فلسطينيين لم يقيموا فيها . قد يكونون ولدوا فيها وقد يكونون زاروها زيارات عابرة والرواية الوحيدة التي كتبها فلسطيني ما زال يقيم في المدينة لم تتوفر لي ، وهو عبد القادر السطل Abed Elkader Satel الذي أتابع الفيديوات التي يدرجها على صفحته .
ما الصورة التي ظهرت للمدينة في قصيدة راشد حسين " الحب والغيتو " ؟ وما الصورة التي ظهرت لها في النقرير الذي أعده عنها سميح القاسم في ٦٠ القرن ٢٠ لجريدة الاتحاد وأعاد نشره في سيرته الذاتية " إنها مجرد منفضة " ٢٠١١ ؟
وما الصورة التي تظهر للمدينة في أدبيات القرن الحادي والعشرين ؟
كتب عن يافا إلياس خوري اللبناني وعاطف أبو سيف ورشاد أبو شاور وسعاد العامري ويحيى يخلف وباسم الخندقجي ونوال حلاوة والمتوكل طه وأحمد العارضة ووفاء أبو شميس وأسماء أبو عياش وإياد برغوثي / عكا ومن قبل محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وأحمد عمر شاهين وغسان كنفاني و د. إبراهيم السعافين في روايته " ظلال القطمون " وآخرون
١٦ / ٥ / ٢٠٢٣ .

١٩
غزة ( ٢٢٣ ) :
غزة قبل وغزة بعد :

اليوم انعقد مؤتمر القمة العربية ، ومنذ ستة عقود وهو ينعقد . ما بقي من لاءات الخرطوم ١٩٦٨ أية " لا " ، وصارت اللاءات كلها نعم وتحققت على أرض الواقع ؛ تفاوض قسم من العرب مع إسرائيل وتصالحوا معها ، بعد أن خاضوا حرب أكتوبر ١٩٧٣ ، وسالموها ، ولم يستعيدوا مناطق الاحتلال الثاني التي خسروها في حرب حزيران ١٩٦٧ .
اليوم يلقي القادة العرب كلماتهم المعدة سلفا ، واليوم يزداد القتال في قطاع غزة ضراوة . هل نستعيد ما قاله مظفر النواب " قمم قمم " ؟
هل نستعيد بعض مقاطع من قصيدة أمل دنقل " لا تصالح " ، بخاصة المقطع الذي يأتي على الشيوخ الشروخ الذين استطابوا الثريد ؟
قبل أيام كتبت أن المقاومة الفلسطينية ستهدي نصرها للزعماء العرب ، وقد ورد هذا على لسان قائد حمساوي ، فهل ما زال عند رأيه ؟
قبل أشهر تقريبا عرضت أشرطة فيديو لمدن قطاع غزة قبل تدميرها وبعده ، وقليلة هي الصور التي عرضت لأشخاص : ما كانوا عليه وما صاروا إليه ، وأمس نظرت في الصورة الأخيرة للكاتب الغزي طلعت قديح وقارنتها بالصورة التي كان عليها قبل ٧ أكتوبر . كان بضا ممتلئا وصار ذابلا نحيفا فعلت به الحرب ما فعلت . وكان من قبل عرض أكثر من شريط لمنزله . أيضا قبل وبعد ، ولله الأمر من قبل ومن بعد .
إن أصيب الغزيون بالجنون فقولوا :
لا غالب إلا الله وهو المستعان .
هل نواسيهم أم نواسي أنفسنا ؟
١٦ / ٥ / ٢٠٢٤

٢٠
أدباء شهداء ... أديبات شهيدات 3 :
رفعت العرعير



ولد رفعت العرعير في العام ١٩٧٩ في حي الشجاعية بمدينة غزة وارتقى في ٧ / ١٢ / ٢٠٢٣ . حرر كتابين " غزة تكتب مرة أخرى "(٢٠١٤) و " غزة لا تسكت " (٢٠١٥ ) .
كان يكتب باللغة الإنجليزية ليخاطب القارئين بها هو المتخصص بالأدب الإنجليزي ، وفي الحرب قصفت البناية التي يسكن فيها ، فكتب مقالا عنوانه " قصف بنايتنا " أعاد عاطف ابوسيف نشره بالعربية في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة " .
لم يشهد رفعت من الحرب إلا شهرين ، ولهذا لم نقرأ له الكثير .
من القصائد التي شاعت له قصيدة " إذا كان يجب أن أموت " التي كتبها ، كما يرى ابوسيف ، استعادة لقصيدة نشرت لأول مرة في ١٩١٩ لشاعر أمريكي من أصول جاميكية ( كلاود ماكي ) . كان المواطنون البيض يعتدون على المواطنين السود فدعا الشاعر إلى المقاومة .
كتب رفعت :
" إذا كان يجب أن أموت
فلا بد أن تعيش من أجل أن تخبر قصتي
من أجل أن تبيع أشيائي
وتشتري قطعة قماش
وبعض الخيوط
( اجعلها بيضاء بذيل طويل )
حتى يتمكن طفل في مكان ما في غزة
حين ينظر للسماء
منتظرا عودة والده الذي غادر محترقا .
دون أن يودع أحدا حتى جسده
حتى نفسه .
فيرى طائرتي الورقية التي صنعتها لي تطير عاليا
ويذكر لدقيقة بأنها ملاك يعيد له الحب
إذا ما كان يجب أن أموت
ليجلب موتي الأمل
وليكن حكاية " .
في مقابلة معه قال :
" أنا شخص أكاديمي وأصلب شيء عندي في المنزل هو قلم السبورة وإني سأرميه على الجنود الإسرائيليين إذا حاولوا اقتحام منزلي ولو كان ذلك آخر شيء أفعله " ( عن كتاب " استعادات مقلقة ") . ربما هنا نتذكر ما قام به إدوارد سعيد في الجنوب اللبناني قرب بوابة فاطمة يوم قام بحركة رمزية هي قذف حجر على الجانب المحتل من بلده .
قبل ارتقاء المصورة فاطمة حسونة كتب رفعت عن موته طالبا أن يجلب له الأمل ، وقبل ارتقائه بأربعة أيام ارتقى نور الدين حجاج .
١٦ / ٥ / ٢٠٢٥

٢١
أدباء شهداء ... أديبات شهيدات 4 :
بلال عقل



بلال عقل من مواليد العام ١٩٩٨ وارتقى في ١٨ / ٧ / ٢٠٢٤ ، وكان خلال أشهر الحرب يتساءل إن كان العمر سيمتد به ليروي قصة الحرب أم أنه سيرتقي فيكون هو جزءا من الحكاية . " هل سنروي القصة أو نكون منها " .
وما أورده له عاطف ابوسيف من يوميات ، كتبت بين ١٠ / ١٠ / ٢٠٢٣ و ١٠ / ٧ / ٢٠٢٤ ، تقع في ست صفحات . أهي كل ما كتب أم كل ما استطاع الحصول عليه ؟
يكتب عاطف " برحيل بلال خسرنا موهبة كان يمكن لها أن تقدم لنا الكثير " وما يعزز رأيه هو اليوميات التي أدرجها له وتستحق أن تقرأ .
" أحن إلى نفسي التي لم يكن يخيفها سوى العتمة في الطريق " يكتب .
يكتب بلال يوميات قصيرة جدا لا تتعدى السبعة أسطر ، ولكنها لا تخلو من جماليات . يرصد ويصف ويصر على أنه سيكتب . يموت صديقه فيدفنه ويصبح جاره وبعد يوم تموت الطفلة و ... " سنظل نخبركم أننا بخير . سنموت جميعا كلنا وستبقى غزة تلعنكم كلكم " .
يكتب بلال ما ترويه له أخته ريمة ذات العشرة أعوام . يكتبه بلغتها هي . تحب ريمة السكن بالطابق الأخير " عشان لو انقصفنا ومتت بيلاقوني بسرعة ، ولو كمان ممتش يلاقوني بسرعة "
في ٧ / ١٢ / ٢٠٢٣ يكتب :
" النصر لا يأتي إلينا . نحن نذهب إليه . صباح الخير من غزة "
وفي ٨ / ١ / ٢٠٢٤ يبدي رأيا في الحرب :
" من يعتقد واهما أن تسليم الأسرى ينهي الحرب وان التخلي عن المقاومة المشروعة يجلب السلم لفلسطين ، هو نفسه من يعتقد أن القتل والدمار والخراب سببه المقاومة ، ومن يعتقد أن الفلسطيني لديه خيارات أخرى هو نفسه من يعتقد أن الدول العربية مستقلة ، هو نفسه من يرضى بالذل من أجل العيش " .
إنه يشتاق لغزة التي هو موجود فيها ، وبعد أن كان يقول ان أحدا لا يموت من الجوع في غزة صار إذا ما تقابل مع أصدقائه يسأل أحدهما الآخر :
- هل أكلت جيدا اليوم ؟ .
ويقول مخاطبا معارفه :
" - إذا وصلكم خبر استشهادي فلا تأتوا لوداعي إلا إذا كنت جسدا كاملا كما عرفتموني .... أريد لتراب هذي البلاد أن يحتضنني في الأرض ، كلي "
إن المعيار الذي يضعه لاحترام الآخرين هو موقفهم من القضية الفلسطينية ، لا النوع ولا الدين ولا اللون .
في ١٠ / ٦ / ٢٠٢٤ يكتب :
" هل هذه هي أصعب لحظات العمر ؟ وأنا في السادسة والعشرين لا أستطيع أن أتخيل حلما واحدا . هذا العالم ضيق جدا ، والخيال أضيق مما مضى ، لا شيء يلوح في الأفق "
أنه يبدو متشائما وليس غريبا أن نقرأ له بعد خمسة أيام ، قبل ارتقائه بثلاثة أيام ، السطر الأخير :
" لا ترسلوا لي الأغاني ولا التهاني . لا شيء يدعو للفرح ولا وقت للأمنيات " .
عندما كتبت ، قبل أيام ، عن شهادة طلعت قديح أمد الله في عمره ، التفت إلى تساؤله :
- هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة ؟
هل نكرر سطر محمود درويش :
تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير
أم أن تكراره مبكر فالشاعر نفسه كتب :
هنالك ليل أشد سوادا ، هنالك ورد أقل !
١٦ / ٥ / ٢٠٢٥

٢٢
أدباء شهداء ... أديبات شهيدات 2 :
نور الدين حجاج / روائي


فيما أورده عاطف ابوسيف فإن نور الدين حجاج ولد في ٣١ / ١ / ١٩٩٦ وارتقى في ٣ / ١٢ / ٢٠٢٣ - أي وهو في السابعة والعشرين من العمر .
لنور الدين روايتان هما " غريب وغريبة " و " أجنحة لا تطير " .

في يومياته التي نشرها له عاطف في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة " يكتب عن قسوة الحياة في الحرب . عن الطوابير وضيق المكان والخوف من الصواريخ والموت في أية لحظة . في غزة تنعدم الاتجاهات " تهرب من صوت صاروخ خلفك فيتلقفك آخر أمامك . في غزة لم يعد هناك اتجاهات أربعة ، لأن جميعها أصبحت تطل على ذات المشهد وهو " الدمار " . " .

يفصح نور الدين عن حبه الحياة ما استطاع اليها سبيلا ، وينشد الحياة ليكتب ويوصل صوته للعالم " أرفض أن يكون خبر موتي عابرا " يكتب ، بخلاف فاطمة حسونة التي أرادت أن يكون موتها صاخبا . يكتب يومياته في الحرب معتقدا أن تكون رسالته الأخيرة التي تجوب العالم الحر [ لو امتد به العمر حتى اليوم لاقتنع أن هذا العالم ليس حرا على الإطلاق ] " تعبنا يا الله . لينته كل هذا عاجلا ليس آجلا .. يا رب " ولا جنازات في غزة فالعائلة كلها ترافق الميت معه إلى القبر .

فيما كتبه نور الدين في ٧ / ١١ / ٢٠٢٣ - قبل ٢٦ يوما من ارتقائه رأى أن غزة الآن تشبه رواية " العمى " ل ( جوزيه ساراماغو ) ، مع اختلاف طفيف هو أن " المرض المنتشر بيننا الآن هو الاحتلال وليس العمى . لكنها تتشابه بشكل كبير مع ... المجاعات ... الأمراض ... المكاره الصحية ... الكوارث ... نفاد المنتجات ... الخوف ... الدمار ... . ما كان خيالا صار الآن واقعا ... بفعل قوة قاهرة ... ومع كل هذا السوء ، الجميع يخشى أن تسوء الأمور أكثر " .٠
وما تنبأ به نور الدين وقع . ارتقى قبل أن تنتهي الحرب وساءت الأمور أكثر وأكثر وأكثر .
١٥ / ٥ / ٢٠٢٥

١٦ أيار ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...