أ. د. عادل الأسطة - هوامش في الكتابة الروائية: عن «الفيضان الروائي»

في الفترة الأخيرة، ولقراءتي روايات يكتبها أصحابها عن عوالم صلتهم بها شبه معدومة، تذكرت قصيدة الشاعر الأميركي (تشارلز بوكوفسكي) «تريد أن تصبح كاتباً؟» وفيها يقدم نصائحه للكتاب، ومنها أن الكتابة إن لم تخرج منفجرة منك، دون سؤال، ومن قلبك ومن عقلك، ومن فمك، ومن أحشائك فلا تكتب.
لا تكتب باحثاً عن الكلمات، ولا تكتب لأجل المال أو الشهرة، أو لأنك تريد نساءً.
ولا تكتب مقلداً شخصاً آخر، ولا تكن مثل كثير من الكتّاب وآلاف من البشر.
إن مكتبات العالم قد تثاءبت حتى النوم بسبب ذلك فلا تضِف إلى ذلك.
ببساطة لا تكتب إلا إن كانت تخرج من روحك وكان سكونك سيقودك للجنون أو للانتحار أو القتل. يعني لا تفتعل الكتابة.
وغالباً ما كنت أثير أسئلة تفجر مع الكتاب والقراء جدلاً، ومنذ عامين وأنا أفكر في أن أخص المقدمة التي كتبها خليل بيدس في العام ١٩٢٤، وصدر بها مجموعته القصصية «مسارح الأذهان»، بمقالة، فهي صادرة عن كاتب لديه بصيرة ودراية وإدراك وإلمام بفن الرواية تفوق وعي روائيين كثر في أيامنا يفرخون روايات لا تعيش في الذاكرة. فلمن يكتب الروائي؟
لقد أعادتني روايتا رشاد أبو شاور «ترويض النسر» وسعد محمد رحيم «مقتل بائع الكتب» إلى مقدمة بيدس التي أثار فيها السؤال:
- لمن يكتب الروائي؟
تسرد الأولى الأحداث ولا تحفل بتناصات مع كتب أخرى، وهذا يسهل أمر القراءة. كما لو أنها مكتوبة لجمهور القراء كله، وتحفل الثانية بتناصات أدبية وفنية كثيرة.
إنها ذات حمولات معرفية، ما يجعل قراءتها وفهمها يقتصر على جمهور القراء المثقفين وقارئي الأدب العربي والعالمي والملمين بالفن التشكيلي ورموزه البارزين.
كان بيدس يرى أن الروائي يكتب للقراء عامة، وهذا رأي عموماً.
وأنا أقرأ «مقتل بائع الكتب» لاحظت أن الرواية العراقية تحفل أكثر من غيرها بأبعاد معرفية عربية وعالمية، وهذا ليس حكماً يعتمد على قراءة مسحية إحصائية. إنه يعتمد على قراءات مثل علي بدر في «مصابيح أورشليم» وعلي عواد في «نخلة الواشنطونيا» وإنعام كجه جي في مجمل رواياتها و ... .
هل هناك فيضان روائي بسبب افتعال الكتابة؟
قبل سنوات عقبت إنعام كجه جي على منشور تناول تجربة الطيب صالح الروائية حمد فيه كاتبه الكاتب وثمن موقفه من عدم تفريخه عدداً كبيراً من الروايات. ثمنت الروائية المنشور وأثنيت بدوري على رأيها وثمنته. [ Wardia Shamass ]
لم تصدر إنعام في مسيرتها أكثر من خمس روايات استقبل أكثرها استقبالاً حسناً.
قبل حصول نجيب محفوظ على نوبل أخذ في ٧٠ و ٨٠ القرن ٢٠ يكثر من الكتابة، فكان يصدر كل عام رواية، وقد لاحظت هذا أستاذتي الألمانية (روتراود فيلاندت) فنبهتنا إليه، وكان محفوظ حصل في حينه على الجائزة.
هل حصل عليها لأي من رواياته التي كتبها في ٧٠ و٨٠ القرن ٢٠ أم بسبب الروايات التي كتبها في ٥٠ و٦٠ القرن ولم يكن في حينه يصدر في كل عام رواية؟
إبراهيم نصر الله يكتب على لسان سارد روايته «مأساة كاتب القصة القصيرة» أن هناك فيضاناً روائياً.
ما ورد على لسان السارد لفت نظري، وحين كتبت مقالي «الأدب والكورونا ثانية» (جريدة الأيام الفلسطينية ١٧/ ١/ ٢٠٢١) كتبت:
«الكاتب الروائي الذي ينجز كل عام رواية يبدي سارد روايته كاتب القصة القصيرة رأياً في الفيضان الروائي الذي تشهده الساحة الأدبية العربية، وهو هنا مثل نقاد كثيرين يرددون هذا الرأي».
ما لاحظته ولفت نظري انتبه إليه الناقد فراس حاج محمد الذي كتب مقالاً نقدياً في ٣١/ ٧/ ٢٠٢١ عنوانه «هواجس ما بعد الكتابة الروائية «مأساة كاتب القصة القصيرة»: «ومن الملاحظ أن السارد ينتقد ما وقع فيه الكتاب الآخرون من الغرق في «الفيضان الروائي» على الرغم من أنه - أي الكاتب إبراهيم نصر الله - وليس السارد، يعاني في الحقيقة من فيضان روائي كبير وأنتج الكثير من الروايات في السنوات الأخيرة».
أحد طلابي أعد رسالة ماجستير عن روائي عربي، وكنت طلبت منه أن يقرأ روايات أخرى للكاتب، فاكتشف أن بعضها يكرر بعضها وأن قسماً منها وردت أحداثه في غير رواية.
لم أقرأ شخصياً نتاج إبراهيم نصر الله الروائي كله لأصدر حكماً، ويمكن أن يخبرنا متابع لأعماله ومتخصص فيها برأيه.
وأنا أقرأ رواية محمود شقير «منزل الذكريات» تساءلت:
- هل خلت الرواية هذه من أفكار وعبارات كنت قرأتها في مجموعته «الولد الفلسطيني» ١٩٧٧؟



مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية : فيضان روائي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...