إحالة أوراق السجين للرجل الطيب
قراءة فى رواية السجين 4072
للكاتب حمود الصهيبي
فكرة الاحالة التى استخدمها الكاتب حمود الصهيبي فى روايته(1)، مبينة على ما اصطلح النقاد بتسميته حكايات الصندوق فى قصص ألف ليلة وليلة..حيث أنه ثمة شخص ما، أو مكان أثيري يمثل أيقونة، حولها تتمحور الأحداث، ومنها تنبثق الحكايات، وتتوالد، وإليها تعود المرجعية الدلالية، فكرة توالد الحكايات هى التيمة الغالبة أيضا فى التراث الشعبي، ونراها شديدة التأثير على تشكيل البنية الروائية هنا.
ولكي ندلف إلى تفاصيل الرواية، حتما نحتاج إلى تحليل مضامين بعض هذه الحكايات المسندة إلى الشخصيات المركزية مثل (السجين)، أو أحد الشخصيات الرمزية مثل (الرجل الطيب).
فالرجل الطيب فى رواية (الصهيبي) مطمح ترنو الرواية إلى تحققه، بما يحمل من سمات الرجولة والايثار والشجاعة والاقدام، فى سمت الرجال؛ وما يحمله قلبه من خير للناس أجمعين، متمثلما فى سمت (الطيبة).
وإحالة فصول الرواية لأوراق أو مذكرات معنونة بـ (من أوراق الرجل الطيب) يعد حيلة فنية بغيتها الايهام بتاريخية الأماكن والناس والتوثيق لهما معاً.. حيث يتمنى الكاتب أن تكون تلك الأوراق حقيقة تاريخية، لواقع منشود،
وحتى يتنسى لنا تحليل هذه الأوراق، لابد أن نسقرأ الأبعاد الدلاية لهذه الشخصية المؤثرة فى سريان الأحداث، ورؤيتنا للكيفية التى يسوق بها الحكايات بغية الوصول لحالاتها الأولى، وكيف تشكلت الأحداث حتى دعمت النقطة المركزية التى ـ بدورها ـ تفضي بالقارئ إلى تحليل الدلالات المبثوثة بعناية شديدة فى تلك التفاصيل، أي هى عملية المراوحة بين مركزية الحدث وتفريعاته؛
كما تساند بالضبط المقولات المستوحاة من ( عبدالرحمن منيف، وكويللو، وإدواردو غاليانو، وديكارت، وغيرهم ....) فى تحريك مفاهيمنا ورؤانا نحو مفاهيم جديدة لموضوع (السجن والحرية).
- بين الحيز والفضاء فى رواية السجين 4072
" أخذني أبومرزوق من يدي وقال لي: يا بني "ثيتل" قرية صغيرة، قيل إنها بلد لبني حمان، وبين ثيتل و"نباج" روحة القاصد من البصرة إلى مكة".
"والنباج هما نباجان، "نباج ثيتل"، و"نباج ابن عامر" بالبصرة. وقيل إن النباج وثيتل موضعان بينهما روح، ينزلهما أزلامٌ من بني بكر، وهي كانت بكر، وهي كانت لبني قيس، وتيم الله ابن ثعلبة وعجلة وعنزة، وقد أغارت عليهم بني تميم فظفرت بهم........" ص64 .. ثمة وصف متميز لثيتل، وصف من شأنه قراءة تاريخ المكان، وكأننا ننهل من أيام العرب، الوصف هنا يمثل ثبتا لتاريخ مكان يتسع ليصلح أن نشير له بمصطلح (الفضاء) .. وهو مكان متسع وممتد بين مكة والبصرة، وذلك لانتشار بطون القبائل وأفخاذها منذ القدم، على مساحات مترامية، قبل تقييد الحدود الجغرافية التى اشتغل الاستعمار على تقطيعها وتوزيعها إلى دول، أو دويلات صغيرة تنهشها الصراعات والخصومات التى تصب فى مصلحة المستعمر الغربي.
إن المكان خارج السجن يمكن أن نطلق عليه (فضاء) لاتساعه وتداخله فى جغرافيات ممتدة فى أكثر من دولة .. "والأمكنة ترتبط بروح أهلها لا بمسمياتها، فانتماؤها يكون للمكان وليس لاسمه، وإنما لمن دفن فيها، وقد تنتمي لها أجناس وعروق"ص64 .. والمكان يحمل سمات أصحابه، فوق أرضه يضعون رحالهم، وبين شعابه يبحثون عن أسباب الحياة، ولأن الماء فى ثيتل كان متوفرا وعلى مسافة بضعة أمتار قريبة، وطالما توفرت المياه فى الصحراء، يحط الناس رحالهم ويقومون بالرعي، أو بالزراعة، ومن ثمَّ بناء البيوت من الطين لعامة الناس قديما، أما البيت الحجري فيكون غالبا لصاحب السلطة.
الحيز / السجن .. فى الرواية هو المكان الخانق، والمقبض للروح، تنهشه الظلمة، والخوف، والخيالات السوداء.. " كان اليوم الأول فى السجن يوما لا ينسى، إنني فى مبنى ذي أسوار عالية، وخلفها أسوار أخرى،ثم قضبان فى كل عنبر من كل عنابر السجن، وكنتُ أعبر من سور إلى سور آخر وأنا أرتجف، مع شعور بالشلل فى التفكير"ص15.. ونقرأ فى نفس الصفحة "السجن ليس فقط الجدران الأربعة، وليس الجلاد والتعذيب، إنه بالدرجة الأولى خوف الانسان ورعبه".. فى المقابل نطالع وصفه للسجن النموذجي " أنه يتكون من عنابر وبركسات صُممت على أعلى المستويات التى توصلت اليها السجون العالمية، ستكون لكم ثلاث وجبات ... قسمناكم إلى ثلاثة عنابر، كل عنبر يحتوي على ثلاث ثكنات، كل ثكنة تحوي 120سجيناً، وكل سجين له غرفة ...."ص20 ..هذا التعارض الظاهري يأتي من خلال طرحين متباينين، طرفهما الأول السجين الذى يفجر ما يعتمل فى نفسه وفى وعيه عن دلالات حول السجن بمعناها الفلسفي وتأثيراتها الروحية، وكأنه يناقش فكرة السجن القارة فى وعي العامة من الناس، وفى الطرف الآخر ما ذكره مدير السجن فى سنواته الأولى ..مرحلة التأهيل. لذلك لقبه السجناء بجملته الشهيرة (قد يقول قائل) وتعدد أقاويل مدير السجن، تنسف فى الأساس فكرة البناء المثالي للسجون.. ليتساءل القارئ
ماذا يتبقى للسجين أمام الأسوار العالية، والقضبان وكآبة الجدران؟!! غير الارتجاف والخوف الذى يأكل من وهج الروح، ومع مرور الأيام والسنوات، يتعايش السجين مع عزلته، يقرأ الكتب ويتأمل الحياة داخل السجن وخارجه، ويقوده التفكير والتأمل حتما إلى الفلسفة،
- الهدم والبناء
الكاتب هنا يرصد كيفية سيطرة الرجل المغربي على فكر ووعي البسطاء من أهل البادية، من خلال ذكره لعدة مواقف أو مشاهد، من شأنها، إبراز سطوته على أهل البادية، مرة بتصويب معلومة خاطئة عن عمامة الرسول (ص) حين أخبرهم أحد العابرين بأن عمامته كانت سوداء،فقاموا بتغيير عماماتهم وجعلها سوداء إمتثالا للسنة، غير أن (المغربي) صحح لهم الأمر، بأن عمامته كنت بيضاء، ولايضاح الكيفية التى تسعى الشخصية إلى تثبيتها فى وعيهم نراه يقوم برد عطية سلطان البلدة وكانت عشرين ريالا لسد حاجته قائلا للخادم "قل للسلطان أنني أخذت ريالا واحد لابني ، وهذا الباقي عسى الله أن يكويه به فى نار جهنم، تأخذون الأموال ظلما وتتجملون بها على الناس، قل له أن يردها على أربابها الذين أخذها منهم"ص108
أولا قام الكاتب برسم ملامح شخصية المغربي الجسدية بدقة، أنه طويل القامة عريض المنكبين أسمر الوجه واسع العينين خشن اليدين والرجلين ، ومن أهم سماته وأنه جهوري الصوت، له لحية يخضبها بالحناء.
السمات التى رسم بها شخصية المغربي لم تتوفر لشخصية غيره فى الرواية، وهذا يحمل دلالة التنبيه، كما ذُكرت لنا سمات (المسيخ الدجال) حتى ننتبه، ونتجنب دعوته.
فالانتصار للدين بهذا العنف المذكور من طرف الشيخ المغربي وابن عمه فى العراق انتقاما من المؤذنين اللذين كانا يسيئان لسيدنا أبي بكر وسيدنا عمرعند كل آذان.. ومحاولة قتلهما، هذا السلوك يكرس موقفهم فى مواجهة ما يرونه باطلا بالعنف.
إن حلول الشيخ المغربي فى بدايات نشأة البادية، وزراعة هذا الفكر المتطرف، يساعدنا على الوصول لجذور العنف التى زرعها الإخوان المسلمين فى وعي أهل البادية
فى فصل (الصحوة) يكشف الكاتب اللثام عن وجههم القبيح فى دفع الشباب للفكر المتطرف ذاكراً خروج أخيه معهم فى رحلة، وأنه عاد بنكتة: "وش الفرق بين الدولة والبقرة؟" قلت: "مدرى!" قال "كلهم يحلبون".
وبالرغم من أن الكاتب كشف مطاردة الدولة لهم، ثم خروجهم لنصرة إخوانهم فى أفغانستان، وعند عودتهم قاموا بمحاربة الدولة، إلا أن حكاية نكتة أخيه عن البقرة والدولة تظل عالقة فى أذهان القراء، وهذا ما يبرره الكاتب فى (الصحوة) بأنها كانت بمثابة صحوة الدولة لهم ومحاربتهم، بعدما أصبح بقائهم فى الداخل خطرا على الشباب من أهل البادية، وعلى السلطان وحكمه، وعلى صحيح الدين فى وسطيته واعتداله.. الكتابة هنا تقوم بكشف الغث من الثمين، بتعرية جذور الارهاب، ووسائل مواجهته.
فالطاقة المعرفية التى يمنحها الكاتب لروايته من خلال رصده للتحولات وللحركات المعادية داخل شعاب المكان، يفسر للقارئ بالرغم من سفوره، مدى تأثيرها السلبي على فئات لم تنضج بعد.
- وتريات الحزن.
" أما أنا المسكين، أدركتً باكرا أنني لا قيمة لى فى هذا العالم اللامتناهي لا قيمة لما أفكر به بالنسبة إلى الناس أنا فى نظرهم مجرد شخص يستدعي الشفقة، لأنني لا أتباهى بشئ ولا يهمني ما أملكه وما يعيش الناس من أجله، أنا فقط مرهق من عقلي، وأشعر أنني فى سجن كبير، ويضيق يوما بعد يوم"ص11
إن شعور السجين العميق بالاغتراب، والوراد أيضا فى (الاهداء)، بالاضافة لقوله (أما أنا المسكين) هاتان الصفتان ـ (الاغتراب والمسكنة) ـ تؤيدان فكرة أنه يستدر عطفهم وشفقتهم. ولكن الدلالة الأعمق فى أكثر من موضع فى بدايات الرواية، أنا السجين يشعر بالارهاق والوهن من هذا العالم، مما يدفعه إلى اللامبالة التى لن تصل لمستوى (الغريب) فى رواية ألبير كامو، بقدر ما يؤسس لنا من خلال عرض الأجواء الاجتماعية المحيطة به، والاعتمالات النفسية الدفينة لبطله السجين.. بحيث أنه بدا فى سجن كبير قبل دخوله ـ.. " متفلسف!! ... تركتُ الكتاب جانبا، وحدثت نفسي، ماذا لو عاد الزمن للوراء، لما ارتكبت ذلك الذنب الذى أفقدني حريتي وأدخلني السجن"ص25
عندما آمن السجين بفلسفة ديكارت (أنا أفكر، إذا أنا موجود) ..أودت الفلسفة بهذه الشخصية المثقفة إلى غياهب السجن نتيجة ـ ربما ـ تعاليه، أو انعزاله عن الناس، لذلك فمن الطبيعي أن يعيش تجربة السجن تحت وطأة هذا الرعب "هنا سجن نفسي مرعب، وفى الخارج سجن كبير"ص21
وبالرغم من أنه لم يصرح بتهمة السجين، لكنه بث فى أكثر من موضع أنه كان مختلفاً وغريبا، ومن ثمَّ فمن المؤكد بأنه اختلافه هذا هو الذى قاده للسجن، هل هو مسجون سياسي، أم أنه غير مسجون بالمرة؟!! .. وهل قابل الرجل الطيب، أم أن الأوراق وصلت له من متعلقات رفيقه فى السجن الذي مات بسكتة قلبية، هذا الموت المجاني فى السجن دون تعذيب، أو غيره من ألوان الموت المتخيل فى وعي القارئ لأي سجين، يؤكد رؤية الكاتب/السجين الساخرة للحياة، حيث يجئ الموت فجأة، وبيد القدر، لا بأيادي الجلادين، هل فى هذا ايحاء لشكل من أشكال النصر للقدر على الجلادين حين سبقهم الموت (القدر) لرفيقه، دون أن يمكنهم هم منه؟!!
فى فصل (العزلة) يبني رؤيته حول تجربة السجن، من خلال بحثه العميق عن معنى السجن الكتابات الأخرى، ويخلص إلى أن غاية المجتمع ـ عادة ـ هي إذلال السجين، لكنها العزلة أيضا قد تكون نافعة فى حالة (سجين) حمود الصهيبي "العزلة ترمم ما تخرب فى نفسي وعقلي، إنها سلام داخلي عظيم، عزلة السجين تختلف عن كل عزلة أخرى، فالسجين القارئ رهين حالة الابداع، رهين صوتٍ يناديه ويبعده عن كل ما حوله، سوى كتبه التى تضئ له شموعاً فتنير له الطريق، وهنا يستغرق فى حالة من القراءة والكتابة"ص57 .. هل يتناول الكاتب عزلة السجين، أم عزلة المثقف، فالمجتمع الذى يعيش فيه وهو مغترب عنه بمثابة سجنٍ كبير وهذه إحدى الدوال العميقة التى يبثها الكاتب فى أكثر من منعطف، الرواية هنا غير معينة بتقديم شريحة اجتماعية مهدت واستوطنت أرض قرية (ثيتل،والنباج المجاورة لها، قبل إنتقالهم لهجرة أخرى/ مكان جديد على الطريق الدولي. الرواية لو أرادت هذا لسلكت طريق خماسية عبدالرحمن منيف الشهيرة مدن الملح؛ بل كانت طوال الوقت معينة بلملمة جروح هذا الانسان/الكاتب/السجين الذى لم نعلم مدة سجنه التى بلغت (33 عاما) إلا بعد أكثر من خمسين صفحة. ونكتشف قبيل النهاية أن السجين أصبح كان غير راغب فى الخروج من السجن، لأنه صار يخشى العالم الخارجي، وكأنه رهين المحبسين كأبى علاء المعري..فهو رهين سجنه، ورهين عزلته.
- الاحالة عن طريق التناص
"أنا أفكر،إذا أنا موجود"ص9 ديكارت .. هذه الفلسفة شكلت وعي السجين منذ الصغر، فامتلأت نفسه غروراً وأفضت به إلى السجن.
ولكي يتعرف على السجن فى بداية تواجده به كان يستعين بما وعته ذاكرته من قراءات، وثقافات
"السجن ليس فقط الجدران الأربعة، وليس الجلاد والتعذيب، إنه بالدرجة الأولى خوف الانسان ورعبه، حتى قبل أن يدخل السجن، وهذا بالضبط ما يريده الجلادون، وما يجعل الانسان سجينا دائما" ص15 عبدالرحمن منيف.
"عندما تكون فى السجن، لا تفكر بالحرية وإنما بالصحة"ص16 على عزت بيجوفتش.
التفكير الدائم فى الاحتمالات مرجعيته هذا الزخم الثقافي الذى شكل وعي السجين، والرغبة فى عبور أزمة السجن، جعلته يتأمل التجربة، نازعا عنها غلالات الغموض وهو يسلم يده وعقله لمن سبقوه فى الكتابة عن ذات التجربة.
فقدان الحرية.. أم فقدان الذات..السجين طوال الرواية يبحث عن ذاته، ويدافع عن إنسانيته، تارة بالقراءة، وأخرى بسرد أوراق (الرجل الطيب) التى ادخرها لنفسه من متعلقات رفيق سجنه.
- وفى الختام.
نصل هنا لسؤال جوهري، ينبع من تحليلنا للدلالات العميقة وطريقة تشابكها وصولا للرؤية المركزية، نحن أمام رواية كاتب أرهقته الحياة، ففضل العزلة المتمثلة فى القراءة والكتابة وكلاهما يؤكدان أنه من خلالهما يتسنى له تأمل الحياة والعالم الذى خارجه، فيقوم بقياس المسافة بينه وبين المجتمع، ولا ينشغل بذلك قدر إنشغاله بالبحث ذاته، كما يصدر الرواية بهذه الجملة العميقة، الموحية والتى تؤسس للدلالة والرؤية المركزية، "كل الأشياء التى تبعدك عن ذاتك تكون نوعا من السجن القسري"ص6
نحن أمام نص (الرواية) الذى يفضي بالقارئ إلى نص أكثر شمولية هو المجتمع بضغوطاته وقسوته على روح الكاتب، فلا يجد خلاصاً منها سوى بالكتابة.
هوامش
1 ـ حمود الصهيبي .. السجين 4072 .. رواية .. 2025 ،
2 ـ محمد كامل الخطيب ،الرواية والراوي حنا مينا ثمانون وردة .. ص6 ..صادر 2004م
3 ـ ياسين النصير ـ الرواية والمكان (2)، دار الشئون الثقافية العامة، العراق،د.ط،ص17