أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٦ أيار من كل عام

١
Rayanews
وكالات الأخبار " الاستثناء والقاعدة " :

تكاثرت وكالات الأنباء التي تعرض خدماتها على الجمهور .
أكثر وكالات الأنباء تعرض عليك الاشتراك معها لتزويدك بالأخبار .
ما عليك إلا أن تجيب عن رسالة الوكالة بكتابة حرف وإلا فأنت في حل .
الأمر اختياري فلا زواج بالإكراه أو لا إكراه في الدين .
ما حدث معي ووكالة r ayanews شيء مختلف ، برقم آخر خاص لا استخدمه .
جاءتني الرسالة ولم تشفع بثانية أعزز فيها اشتراكي ، وصرت زوجا لراية بالإكراه ، وبدأت تستنزف الرصيد .
هذه الأخلاقيات وإلا فلا .
هل يعد ما سبق ضربا من الاستغفال والسرقة أم أن الوكالة - رعاها الله - تعرف مصلحة المواطن أكثر منه؟
هناك لصوص ظرفاء .
26/5/2016

٢
خبر الصباح اللافت :

" ( ليبرمان ) : من حارس ناد ليلي الى وزير دفاع " .

بأخلاقنا العربية نحكم على الآخرين ، وفي عام 1948 هزمتنا المجندات الإسرائيليات ، نحن الرجال العرب ذوي الشوارب الكثيفة التي تقف عليها طائرة هيلوكابتر ، الشوارب التي نحلف بها وتغدو مكان شرف الرجل - أماكن شرفنا تفيض منها السوائل -
مع أن مثلنا العربي يقول : " كنت راعي وخلاني ذراعي " ، إلا أننا لا نستسيغ هذا ، ف " كل من ايد غني إذا فقر ولا تاكل من فقير إذا غني " ، و..و...
مع ما سبق ومع هزيمة الرجال ( الجوف / ت.س. اليوت ) في الحرب إلا أن كتابا كثيرين ، منا ، نحن العرب ، ظلوا يكتبون عن جبن اليهود وشجاعة العرب ، و..و...
خبر طريف لا شك ، وكتابة مفككة ، مثل أمتنا العربية . حقا لماذا تكون الكتابة متماسكة إذا كان الواقع مفككا ومشرذما ؟ ألكي نعيد تركيب الواقع المفكك ؟
26/5/2016

٣
الجزيرة تسهم في فضح السيسي من خلال اقتباس عبارات ، من خطاباته ، تقول كم هو متناقض وغير مقنع وكم هو مضحك . الجزيرة سم على السيسي الرئيس المصري " أنا والله لو يصح انباع لانباع ".
دقيقة واحدة قبل نشرة الأخبار تجعلك تشعر بالأسى والحزن لواقع الأمة العربية بسبب قياداتها .
2017/ 5/ 26

٤
جيل الذبيحة .... جيل الخيبة :

بقلم : عادل الاسطة

في العام 1997 بدأت أكتب سلسلة مقالات تتبعت فيها نتاج الأدباء الفلسطينيين الذي صدر بعد توقيع اتفاقية السلام ( أوسلو ) 1993 ، ولم أكتف بقراءة النتاج الأدبي الجديد ، فقد أخذت أقرأ معه ما انتجه هؤلاء الأدباء من قبل ، وتحديدا منذ اندلاع المقاومة الفلسطينية إثر هزيمة حزيران 1967. وقد توقفت أمام أسماء توفرت لي أعمالهم اللاحقة والسابقة : محمود درويش وأحمد دحبور وسميح القاسم وعلي الخليلي ومريد البرغوثي واميل حبيبي وسحر خليفة ويحيى يخلف . ولاحظت أن سمة التفاؤل التي غلبت على نتاج أكثر هؤلاء في 70 و 80 ق 20 أخذت تتراجع وتغيب لتحل محلها سمة التشاؤم . وكان الطريف في الموضوع أن أكثر هؤلاء ساروا في ركاب الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي وقع الاتفاقية ، ساروا بقناعة تامة أو بغير رضا . بارك إميل حبيبي السلام ولم يعلن سميح القاسم موقفا رافضا ومثلهما علي الخليلي ، وعاد محمود درويش وأحمد دحبور ويحيى يخلف إلى رام الله وغزة ، وزار مريد البرغوثي رام الله غير مرة على الرغم من معارضته اتفاقات أوسلو، وأما سحر خليفة فغادرت فلسطين لتقيم في عمان .
أصدر أحمد دحبور في 1997 ديوانه " هنا ... هناك " وكتب فيه قصائد عديدة عبر فيها عن مشاعره إزاء عودته ، وقد لفتت القصائد نظري فكتبت عنها في سلسلة المقالات مقالا عنوانه " أحمد دحبور : وصلت حيفا ولم أعد إليها " وتوقفت أمام حسرته التي ظهرت في قصيدته " مسافر مقيم " ، كما توقفت أمام فجيعته عندما زار الناصرة .
وظل أحمد يعبر عن شعوره العميق بالخيبة مما صار إليه الوضع الفلسطيني ، فكلما كتب مقالا في " الحياة الجديدة " وأتى فيه على العودة كتب عبارته الشهيرة التي غدت ملازمة له " العودة إلى الجزء المتاح لنا من الوطن " . وهي عبارة أقل قسوة وإحباطا وشعورا بالخيبة من نهاية قصيدته " مسافر مقيم " .
بعد إصداره ديوانه " هنا ... هناك " أصدر الشاعر مجموعتين هما " جيل الذبيحة " 1999 و " كشيء لا لزوم له " 2004 ، وقد اصدرهما في عمان وبيروت عن المؤسسة العربية / دار الفارس ، ولم توزع نسخهما في فلسطين ، ولم أتمكن من الحصول عليهما إلا في تشربن ثان من العام 2016 ، وأخذت أقرأ فيهما ، والحقيقة أن قصائدهما لم تسحرني كما سحرتني قصائد الشاعر الأولى التي كتبها ما بين 1970 و 1980 تحديدا .
لم يقتصر الأمر علي على ما يبدو ، فلم أقرأ لهما مراجعات نقدية لافتة ، لا في صحفنا المحلية ولا في وسائل الإعلام العربية . ايعود السبب إلى اختلاف قصائدهما عن قصائد أحمد الأولى ؟ أم يعود السبب إلى أن بعض قراء الشاعر أخذوا يرون فيه ناقدا ، من خلال زاويته الأسبوعية الشهيرة " عيد الأربعاء " و " دمعة الأربعاء " في جريدة " الحياة الجديدة " ؟.
مرة قال لي شاعر فلسطيني إن متابعات أحمد دحبور النقدية الحثيثة لأعمال شعرية و روائية وقصصية ومسرحية ودراسات تركت أثرا سلبيا على شعره. ومؤخرا نشر الشاعر زكريا محمد ، في مجلة الهلال المصرية ، ( عدد أيار 2017 ) مقالا عنوانه " ولد الدهشة أحمد دحبور " أتى فيه على بدايات أحمد الشعرية التي قاربت بدايات محمود درويش ، ووقف فيها أحمد دحبور قامة شعرية توازي قامة درويش الشعرية ، لكن الأمر لم يستمر كذلك. وتساءل زكريا عن السبب.
يكتب زكريا خلاصة رأيه: " ثم ماذا ؟ هل أردت أن أقول إنه يمكن اختصار أحمد دحبور ببدايته ؟ ب ( جمل المحامل ) و ( حكاية الولد الفلسطيني ) ؟ ليس بالضبط. ليس بالضبط . لكن ليس بالعكس أيضا . فكرة الصعود بكثافتها لم تكن هناك . فكرة الجلوس على حرف السكين لم تكن هناك . " وما يفهم من كلام زكريا أن درويش تطور شعريا باستمرار ، فيم لم يحدث هذا مع أحمد .
في " جيل الذبيحة " الذي أنجزت قصائده في مرحلة السلام ، حيث أقام الشاعر في غزة وزار الضفة مرارا كان أحمد دحبور يشعر بالخيبة ، و يعد هذا الديوان استمرارا لديوانه " هنا .. هناك " . والطريف أن الشاعر وهو في القاهرة في كانون أول 1997 يكتب قصيدة عنوانها " خيبة " قال فيها إنه لا يملك نعمة السلام ، و أن العطب ارتدى قوامه ، والطريف أكثر أن أكثر قصائد هذا الديوان تنتهي بأسطر شعرية كلها خيبة .
تنتهي قصيدة " ولا قمر " بقول الشاعر :
واضحكي فليس لنا أرضنا ولا قمر .
وتنتهي قصيدة "ما يشبه الأمس " بقوله :
هل إنه من نرى الآن؟
أم هو عينة منه؟
فيما يظل صدى غربة وهو في أوج اعياده؟ "
وأما قصيدة " ثلاثية ماذا إذن " فتنتهي بقوله :
أتظن أمرا هينا ،
أنا معا ،
كنا معا ، في الريح تجمعنا المنافي ،
ثم فرقنا الوطن
ماذا إذن
ماذا إذن؟
و أما قصيدة "الأجنبي " ، وهي قصيدة عن مكتبه في غزة فتبدأ بالأسطر :
لماذا كلما وجهت وجهي صوب عنوان ،
أراني في مكان غير ما دلت عليه أحرف العنوان؟
لماذا تنقص الأيام فيما تكثر الجدران؟
لماذا الآن؟

وتنتهي القصيدة بالبداية نفسها تقريبا:

لماذا كلما وجهت وجهي صوب عنوان
أراني في مكان غير ما دلت عليه جملة العنوان؟
أطرف ما في سيرة الشاعر أحمد دحبور أنه هو الذي عاد إلى غزة وأقام فيها سنوات اضطر، بسبب الاقتتال الداخلي، إلى ترك غزة والعودة إلى مخيمه في حمص ،قبل أن يعود إلى رام الله أيضا مضطرا بسبب الربيع السوري في 2011.

جريدة الأيام الفلسطينية صباح يوم الأحد
28 / 5 / 2017

٥
في حيفا 16 :

في حيفا تتذكر باستمرار الكاتب سلمان ناطور .
هل كان أدباء الأرض المحتلة1948 ، بعد اميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم ضحية لهم.
لا أحد يلتفت الآن إلى الجيل الأدبي الذي تلا الأسماء المذكورة إلا نادرا. (قبل أن يتوفى سلمان اقترحت على أحد طلابي في الماجستير وهو ياسر جوابرة أن يكتب رسالته عن كتاب "ستون " و أنجز ياسر رسالته وعقد مقارنة بين صورة حيفا في "اخطية "لاميل وصورتها في كتاب سلمان).
عدت حيفا أهم مركز ثقافي في فلسطين المحتلة ،ففيها صدرت أهم صحيفة و أدسم مجلة وعلى صفحات هاتين تثقف كثيرون ،ومن صفحات هاتين درس أدب المقاومة في فلسطين بعد العام 1948 ، ومن لم يكن ينشر في "الاتحاد "و "الجديد "لم يكن أدبه يلقى اهتماما.
ويبدو أن جيل الستينيات من القرن العشرين حجب عن غيره الذيوع والشهرة ،علما بأن هناك من أسهم إسهامات لافتة.
هل يمكن أن تذكر حيفا ولا تذكر أهم من كتب عنها؟
لا تكتمل صورة حيفا إلا بقراءة سلمان ناطور على الرغم من أنه كتب "ستعذرني حيفا لأنني لم أكتب لقصصها ،حتى الآن ،نهايات سعيدة".
هل كان غسان كنفاني أو اميل حبيبي أو محمود درويش أو أحمد دحبور كتبوا- وهم يكتبون عن حيفا-نهايات سعيدة لقصصهم الشخصية أو لقصص أبطالهم ؟
عاد سعيد.س إلى رام الله ، بعد زيارة حيفا ، خائبا. لم يعد معه ابنه ولم يعد هو إلى بيته.
ولم يعد محمود درويش إلى المدينة إلا زائرا بتصريح ، لمدة محددة ، ومثله أحمد دحبور ، وفاز اميل حبيبي بفرصة البقاء والدفن ، على الرغم من حسرته على زمن حيفا أيام العرب ، وحين غاب سلمان ناطور عن حيفا عشرين عاما ، بعد تركه الحزب ، وعاد إليها شعر بأنه في مدينة أخرى غير المدينة التي أنفق فيها عشرين عاما ، وكتب وما كتبه لم يكن ذا نهايات سعيدة ، فماذا تكتب أنت يا عادل الاسطة عن زيارة المدينة زيارة عابرة لم تطأ قدمك فيها شوارع المدينة إلا ثلاث دقائق. نعم ثلاث دقائق فقط.
26/ 5/2018

٦
جوخة 5

جوخة الحارثي ومحمود درويش :

الليلة ، في المنام ، وجدتني أحاور محمود درويش حول أكثر الأدباء الفلسطينيين ثباتا على مواقفهم .
أصغيت إليه ، في جلسة ودية ، وذكرت على مسمعه اسم ناجي العلي مع أنه فنان وليس كاتبا .
قال لي محمود :
- إلا في آخر حياته .
وقلت له :
- أنت أيضا كنت في نظرتك إلى فلسطين التاريخية ، باعتبارها بلادنا ومن حقنا أن نقيم فيها كلها ، تختلف من فترة إلى أخرى ، وحاولت أن أتذكر سطرا شعريا من قصيدة " الأرض " هو :
" خديجة لا تغلقي الباب
سنطردهم من هواء الجليل "
ولكن السطر ، لا عنوان القصيدة ، غاب عن ذهني .
في الصباح تذكرت مقالي اليوم في جريدة " الأيام " الفلسطينية ، وتذكرت أن جوخة الحارثي لم تذكر من الشعراء الحديثين ، في روايتها التي فازت بجائزة مان بوكر العالمية للرواية ، إلى جانب الشعراء العرب القدماء ، إلا محمود درويش ، وكدت أنسى الحلم ثم تذكرته .
أما لماذا محمود درويش دون غيره فهذا ما يحتاج إلى توضيح .
٢٠١٩

٧
خواطر الصباح :

لا أدري لماذا ألح علي في صباح هذا اليوم طيف كل من جورج حبش وصلاح خلف أولا ثم طيف خليل الوزير ( أبو جهاد ) وأبو علي إياد ، وأخيرا طيف ياسر عرفات ( أبو عمار ) .
قلت :
- لماذا لا أكتب عن اللحظات الأخيرة في حياة هؤلاء الخمسة ؟
لم أقابل أيا منهم ، والوحيد الذي رأيته عن بعد 20 مترا كان ياسر عرفات ، وكان ذلك في حفل توزيع جوائز فلسطين ، وتخيلت أنه ينظر إلي ويوحي لي بأن ضع يدك في يدنا ، وتخيلت أن محمود درويش أوحى له بأنني صاحب نص "ليل الضفة الطويل " وفيه كتابة عن ياسر عرفات وذكر للنكت التي شاعت في الضفة في حينه عن عرفات والفصائل وأمنائها .
لم أعرف أي واحد من هؤلاء القادة عن قرب .كل ما أعرفه عنهم قرأته أو أصغيت إليه .
لحظة واحدة من حياتهم جعلتني أشعر بالحزن ، وحثتني على أن أكتب .
بم شعر جورج حبش وهو عائد إلى الأردن؟ وماذا كان يعتمل في نفسه وهو يقابل الملك حسين ؟
بم كان أبو علي إياد يشعر وهو في أحراش جرش؟
كيف شعر أبو جهاد وأبو إياد وهما يغادران بيروت إلى المنافي الجديدة ، هما اللذان جربا اللجوء والخروج في العام 1948؟
وأما ياسر عرفات ...
كان عرفات الأكثر حضورا في الإعلام في لحظات الخروج في 1970 و 1982 و1983 و ..
ولكن اللحظة التي فكرت أن أكتب عنها هي اللحظات الأخيرة من حياته في المقاطعة قبل سفره إلى باريس .
ليس أقسى من لحظات الانكسار . اليوم صباحا راودني شعور غريب . لقد اكتأبت حقا .
ماذا لو جننت وكتبت عن اللحظات المشار إليها في حياة هؤلاء ؟
ربما اختلفت اللحظات الأخيرة في حياة " أبو علي إياد "! ربما !.
" وفي كل دهر لا يسرك طول ".
26 آيار 2019

٨
الست كورونا والمسرحية التي لا بد من أن تنتهي ٩٥ :

في شريط فيديو لا يزيد على ثلاث دقائق عمم أمس كان ثمة نائب ايطالي يتحدث بلغته عن مسرحية الكورونا التي بدأت في التاسع من آذار وقبل ذلك بقليل ، وقال إن أرقام الموتى بالكورونا المعلنة مفبركة ، وإن أكثر من ٩٦ بالمائة من الأرقام نجم الموت فيها عن أمراض الانفلونزا والقلب ... إلخ .
وأمس أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد اشتية عن العودة إلى حياة طبيعية إلى حد ما في مناطق السلطة الفلسطينية مع بعض حرص وحذر ، وأوحى كلامه كما لو أن الفصل الأخير من المسرحية يوشك على الانتهاء .
في الوقت نفسه عمم شريط فيديو لا تتجاوز مدته خمس دقائق تقول خلاصته إن قصة الكورونا هي مقدمة لفرض اللقاح على البشر وزرع الشريحة في أجسادهم ؛ شريحة آل ID أو 666 التي تحتوي على معلومات تفصيلية عن الفرد وصحته والأمراض التي يعاني منها ورصيده البنكي و .. و .. وبواسطتها يتحكم في مصيره ، والمعلومات تبدو مكرورة ، ومكرورة كتابتها في اليوميات أيضا .
وأمس تم صباحا وطيلة النهار اختراق الحجر الصحي الذي فرض من مساء الجمعة حتى مساء الاثنين وعادت الحياة كما كانت قبل مساء الجمعة ، وفي يوم الجمعة عاد العمال الفلسطينيون العاملون في المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ إلى مدنهم وقراهم ، وهو ما ذكرته من قبل وأكرر ذكره لأنني شاهدت مقابلات مع عدد من العمال أجراها مراسل صحفي لتدرج على صفحة " المنسق " التي تشرف عليها جهة إسرائيلية تشرح فيها ما يجري في مناطق السلطة الفلسطينية وعلاقتها بدولة إسرائيل .
مدح العمال عودتهم وأشادوا بدولة أبناء العمومة وأرباب العمل الإسرائيليين وتمنوا النجاح في معركتهم ضد الكورونا وتمنوا للشعبين ؛ الفلسطيني والإسرائيلي حياة مستقرة هادئة .
شخصيا أعادني شريط الفيديو إلى أعمال أدبية فلسطينية أتى كتابها فيها على حياة العمال ومعاناتهم منذ احتلال ١٩٦٧ وأبرز هذه الأعمال رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي المتشائل " ورواية سحر خليفة " الصبار " و" عباد الشمس " وقصة غريب عسقلاني " الجوع " وكتاب سعاد العامري " مراد مراد " وفيها يصور الكتاب والكاتبات رحلة العمال القاسية في بحثهم عن رغيف الخبز .
هل معاناة العمال في زمن الكورونا كانت أمرا جديدا ؟
ربما كان المختلف في زمن الكورونا هو الصلاة في شكلها الجديد ، فالجوامع التي ستؤدى فيها الصلاة ابتداء من فجر اليوم ستشهد شكلا جديدا في تنظيم الصفوف فلا " رصوا الصفوف " و " لا تتركوا مسافة للشيطان " . " باعدوا بينكم واحضروا سجادة الصلاة معكم وتباعدوا " بدلا من تقاربوا ، وقبل شهرين كان المؤذن يقول :" صلوا في بيوتكم " .
أمس شاهدت شريط فيديو يبث صلاة أهل يافا على شاطئها وكان التباعد الجسدي بين المصلين هو اللافت .
هل كل ما شاهدناه في الشهرين الماضيين كان مسرحية ؟ وهل كان أمس الفصل الأخير منها ؟
ما دوري أنا في اليوميات في هذه المسرحية ؟
ربما أكتب الآن الجزء الأخير منها !
ربما !
٢٦ أيار ٢٠٢٠

٩
ذاكرة أمس ٧١ :

الدحية الفلسطينية باللغتين ؛ العربية والعبرية معا

كل من قرأ الأدب العبري إثر هزيمة حزيران ١٩٦٧ لاحظ شيوع أدب الاحتجاج الساخر الذي مثله الكاتب المسرحي ( حانوخ ليفين ) ، وكنت ، من قبل ، أوردت الاسم وأتيت على ترجمات الكاتب انطوان شلحت لمسرحياته ، وقبل ترجماته كتب عنه في سبعينيات القرن العشرين محمود درويش ، بل وتأثرت نصوصه الشعرية بها .
في فترات لاحقة أخذ الاسرائيليون يسرقون التراث الفلسطيني وينسبونه لأنفسهم ، وحول هذا سال حبر كثير في زمن الكتابة بالحبر ، وإن لم تخني الذاكرة فقد تصدى للسرقات الباحثون المهتمون بالتراث مثل الباحث شريف كناعنة صاحب كتاب " الدار دار أبونا " و أجا الغرب / الغرباء سرقونا . من صحن الحمص إلى قرص الفلافل إلى الثوب الفلسطيني ، وأما عن استعارة قاموس شتائمنا فحدث ولا حرج ، ولم يغب هذا الجانب عن الروائي اللبناني Khoury Elias في روايته " أولاد الغيتو : نجمة البحر " .
سرق الاسرائيليون منا الأرض والتراث ، وفي فترة لاحقة صاروا يقتلوننا ويبكون أيضا ، وأول أمس ناشد " الكابتن الإسرائيلي " أهل الضفة الغربية أن يتوجهوا إلى أعمالهم في المصانع وورش البناء الإسرائيلية ، وألا ينجروا إلى ارتكاب حماقات حماس التي جنت على غزة منذ تأسيس أول مستوطنة يهودية في فلسطين منذ العام ١٨٨٢ ؛ حماس التي هجرت شعبها في العام ١٩٤٨ ودمرت ما يقارب ال ٥٠٠ قرية فلسطينية وسوتها بالأرض .
السخرية لدى أبناء عمنا ، وخفة الدم أيضا ، لم تغب في الحرب الأخيرة ، وهذه المرة أيضا سخرية الفنانين من القيادات الإسرائيلية . سخر ( حانوخ ليفين ) في ١٩٦٧ ممن شنوا يومها الحرب ، وفي هذه الأيام تركزت السخرية من رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) ، لا في نص أدبي ألفه كاتب إسرائيلي ، وإنما من خلال استعارة شكل أدبي شعبي فلسطيني هو " الدحية " ، وتم الغناء بمفردات من اللغتين ؛ العربية والعبرية .

" يا فاشل روح عالدار
بتلاقي الأكل عالنار
سارة تجهز المصاري
بدها تهرب عالمطار
شماتة ليبرمان فيك
وغانتس أيضا مستنيكي
شعب إسرائيل ( عم هيسراىيل ) حيصرميك ( يضربك بالصرامي )
وعالسجن ( بيت زوهر ) هيرميك
أنت أكيد مش زلمة
أنت تخاف من السنوار
فضيحة هربت من الصواريخ
هربت كالفأر " .

وما زال الوقت عموما مبكرا لقراءة نصوص عبرية حول هذه الحرب ، ولكن المؤكد أننا سنقرأها عما قريب .
منذ ١٩٤٨ حتى الآن ، وربما قبل هذا العام تداخلت حياتنا بحياة اليهود تداخلا كبيرا جدا ، لدرجة أن صار فلسطينيو فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ يتقنون العبرية إتقانهم العربية قراءة وكتابة ( رواية انطون شماس " ارابيسك " وكتابات سيد قشوع ) ، وصار قسم من العمال الفلسطينيين يمدحون صاحب العمل العبري ويشيدون به و ... و ... ولا أعرف سببا وراء الإصرار على يهودية الدولة التي أسهمت الأيدي العاملة العربية في بنائها .
فلافلنا فلافلهم
حمصنا حمصهم
شتائمنا شتائمهم
ثوبنا ثوب مضيفات طائراتهم
وفي الحرب الأخيرة حيا الساخرون منهم ، ساخرين ، رئيس وزرائهم بالدحية الفلسطينية ، ومنذ أعوام غنى الاسرائيليون في أعراسهم أغنية فلسطينية غناها صاحبها لمنتفض فلسطيني . لقد أسرهم الإيقاع ولم يعرفوا المناسبة ومدلول الكلمات " سمعت صوت البارود واحنا رجالك يا زعبور " .
دنيا مليئة بالعجائب والمفارقات
٢٦ أيار ٢٠٢١

١٠
هزيمة حزيران وهزيمة المواطن ( ع )

عادل الأسطة

عندما ألمت هزيمة حزيران ١٩٦٧ بالأمة العربية كان المواطن( ع ) في الثالثة عشرة من عمره ، وكان له من الهزيمة نصيب أيضا ، فقد اتهم من بعض حملة البنادق ، ومنهم أبوه ، بأنه " طابور خامس " ، ولم يكن يفهم معنى العبارة ؛ حملة البنادق هؤلاء خشي قسم منهم على أنفسهم بعد أن سقطت الضفة الغربية بأيدي القوات الإسرائيلية ، فقرر تسليم بندقيته ، غير أنه لم يجرؤ شخصيا على الذهاب إلى مبنى البلدية ليسلمها بنفسه ، ما دفعه إلى انتداب المواطن ( ع ) لينوب عنه .
في تلك الأيام كان عدد سكان الوطن العربي حوالي مائة مليون وزعت عليهم الهزيمة ، وكان نصيب المواطن ( ع ) منها ضئيلا ، فلم يشعر بالهزيمة التي بدأت ، مع الأيام ، تكبر ككرة الثلج فكبر نصيبه منها ، علما بأن عدد سكان الوطن العربي تضاعف مرتين ، وكان من المفترض أن يصغر نصيبه ليبلغ ثلث ما كان عليه يوم وقعت الهزيمة ، وقد شعر هو بهذا الأمر الغريب ، ما دفعه في العام ٢٠١٦ لأن يقرأ كتابا عده مؤلفه " شظايا سيرة " عنوانه " حزيران الذي لا ينتهي " .
كان المواطن ( ع ) يواصل حياته ولم يكن يشعر بالهزيمة من الداخل ، فغالبا ما كان يكرر سطر الشاعر توفيق زياد في الهزيمة " إنها للخلف خطوة من أجل عشر للأمام " ، علما بأنها كانت للخلف عشر خطوات من أجل واحدة للأمام لم تنجز .
واصل المواطن ( ع ) حياته فعانى ما عاناه ومر بتجارب عنيفة وشهد ما شهد فلم تزلزل هذه كلها أركانه ولم يشعر حقا بالهزيمة الشخصية ، ولعل السبب أنه لم يشعر بخيانة جسده له . ظل يواصل حياته متحديا الصعاب ؛ يسافر ويقارع ويتغرب ويتعلم اللغات ويكتب وينجز .
قبل عشر سنوات زار المواطن ( ع ) طبيب أمراض جلدية فنصحه الأخير بأن يهتم بجسده ، فابتسم له وقال :
- منذ عقود لم يكن اهتمامي منصبا إلى الجسد . إنني أشارك في الحياة العامة وهي ما تشغل تفكيري .
منذ ثلاثة أشهر اضطر المواطن ( ع ) ألا يغادر البيت إلا لعيادة طبيب أو مركز صحي أو الانتقال من شقة إلى أخرى ، فأيقن أنه الآن بات مهزوما وتذكر ما قاله له طبيب الجلد وأدرك أن هزيمة المرء تبدأ حين يخونه الجسد " يا لخيانات الجسد ! " وأن الزمن سينتصر علينا جميعا ، ولطالما كان يكرر مقطع محمود درويش " لم يبق من الليل ومني شيء نتصارع فيه وعليه ، لكن الليل يعود إلى ليلته وأنا أسقط في حفرة هذا الظل " .
تذكر المواطن ( ع ) ثلاث روايات كان قرأها هي " شرق المتوسط " لعبد الرحمن منيف و " الصبار " لسحر خليفة و " نهاية رجل شجاع " لحنا مينة ، تذكرها فقد ألح مصير بعض شخصياتها على ذهنه أو صار يعاني مما عانت منه ، ولعله أدرك الآن حقا بأن هزيمة الإنسان تبدا من الداخل ؛ من خيانات الجسد .
في رواية منيف يحتمل رجب الشخصية الرئيسة السجن ويصمد وتحثه أمه على الصمود . كانت الأم تعاني وتحتمل الإهانات وتكتم غيظها وتخفي هذا عن ابنها حتى لا يضعف ، بل وكانت تطلب منه أن يكون رجلا كأبيه ، فصمد ، وماتت الأم لتبدأ أخته أنيسه بزيارته . لفتت أنيسة انتباه رجب إلى جسده وإلى الحياة في الخارج فبدأ ينهار . يتذكر المواطن ( ع ) هذا ويتذكر أيضا مفيد الوحش في " نهاية رجل شجاع " التي أخرجت مسلسلا تلفازيا تابعه بشغف .
كان مفيد قويا صلبا احتمل السجن والعذاب وقسوة الحياة وكان الآخرون في الميناء ، حيث مكان عمله ، يخشونه ، ثم أصيب بالسكري فضعف وبترت ساقه ، فتجرأ عليه البطحيش الذي كان يخشاه . نعم يتذكر المواطن ( ع ) هذا ، ويتذكر أكثر . يتذكر مثلا توزع اهتمامات فلسطينيين نشيطين في " الصبار " . ثمة هم وطني يشغلهم يتمثل في مقاومة الاحتلال وثمة هم شخصي يتمثل في مرض الأب وحاجته إلى الرعاية الصحية ، وهذا يشغل تفكير العائلة كلها ، وخاصة عادل الكرمي سليل العائلة المالكة . يتمتع عادل بوعي وطني يرى في الاحتلال شرا يجب مقاومته ، ولكن تفكيره مشتت ، فالأرض التي كانت العائلة تعيش من خيراتها بارت وهجرها المزارعون للعمل في المصانع الإسرائيلية ، والأب مريض يعاني ويعيش في الماضي وغائب عما يجري في الواقع ، وهو نفسه - أي عادل - مضطر للعمل أيضا في المصانع الإسرائيلية وإهمال مزرعة أبيه ، وقريبه أسامة القادم من الخارج يريد منع العمال من مواصلة العمل في مصانع العدو ، والأخ الصغير لعادل باسل منغمس كليا بالهم الوطني يعيش على الشعارات الثورية اليسارية ، فلا يروق له ما يجري ويريد تغيير الواقع كله بشعاراته وأفكاره .
يتذكر المواطن ( ع ) هذه الروايات ويتذكر حزيران ١٩٦٧ وهزيمة الأمة ، ويعيش حزيران ٢٠٢٢ وهو يعيش خيانات جسده ويشعر لأول مرة أنه الآن غير قادر على مقاومة الهزيمة . هل عبثا صار يكرر مقطعا من " لاعب النرد " لمحمود درويش ؟
يقول :
" من أنا لأقول لكم
ما أقول لكم ؟
... أنا مثلكم أو أقل قليلا
........
........
... من أنا لأخيب ظن العدم ؟ " .

حقا من هو المواطن ( ع ) ؟! من هو ليجعل من هزيمته موازيا لهزيمة حزيران ؟!

( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ٥ حزيران ٢٠٢٢ .
٢٦ / ٥ / ٢٠٢٢ ) .

١١
أكاديميونا الفقراء معرفة :

أعتقد أن كثيرين من أساتذة الأدب في الجامعات الفلسطينية لا يتابعون أدبنا الفلسطيني متابعة حثيثة يمكن أن تثري أبحاثهم ورسائل الماجستير التي يشرفون عليها ، ولذلك تأتي أبحاثهم فقيرة ومثلها رسائل الماجستير والدكتوراه التي يشرفون عليها ويناقشونها .
وأنا أكتب في هذه الأيام عن يافا في روايات فلسطينية وعربية عدت إلى كتاب " المدينة الفلسطينية في الأدب والفن " الصادر عن أكاديمية القاسمي ومجمع القاسمي في باقة الغربية لأنظر إن كان أحد المشاركين في المؤتمر المنعقد في العام ٢٠١٧ كتب عن عكا أو يافا أو غزة فصدمت .
أكثر المشاركات تمحورت حول القدس ، وهناك أوراق قليلة عن نابلس ورام الله وحيفا ، وحتى هذه الأوراق فقيرة جدا ، فهي لا ترصد صورة المدينة في أعمال أدبية ، إذ اقتصرت على عمل واحد غالبا ما أنجزت عنه دراسات عديدة من قبل ، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على فقر أصحابها المعرفي وعدم متابعتهم ما صدر عن المدينة التي اختاروها ليكتبوا عنها متابعة كاملة ، وأظن أنهم كتبوا عما تيسر لهم .
ينقص أساتذة الأدب في الجامعات الفلسطينية روح الباحث التي قوامها التقصي والجلد ، بل والتخصص الدقيق . لقد كتب إميل حبيبي وسلمان ناطور عن حيفا كتابة جديرة بالدراسة فلماذا لم يشارك أي دارس بورقة عن حيفا مثلا ؟
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولهم ، وأتمنى أن تعقد أكاديمية القاسمي مؤتمرا ثانيا في الموضوع نفسه يخصص للمدن الفلسطينية التي لم يغطها المؤتمر السابق .
٢٦ / ٥ / ٢٠٢٣ .

١٢
غزة ( ٢٣٣ ) :
روح السخرية في غزة تبعث من جديد

في الأيام الثلاثة الأولى لحرب ٧ أكتوبر ظهرت السخرية في تعليقات أبناء غزة على ما جرى ، ومع دك الطائرات الإسرائيلية منازل المواطنين والمباني الحكومية اختفت تماما . صار الموت زؤاما أسود والقتلى بالمئات والجرحى بالآلاف .
فجر هذا اليوم ، لحظة أعلن الملثم أبو عبيدة خبر استدراج مقاتلي القسام لمجموعة جنود إلى فوهة نفق وقتل قسم منهم وجرح بعضهم وأسر آخرين عادت روح السخرية إلى بعض مواطني غزة . تصفحت صفحة مخيم النصيرات ( نبض النصيرات ) التي يكتب فيها أسامة أبو عاصي وقرأت ما كتب :
" حد يفسر لنا جملة :
للحديث بقية " . ( حد = أحد ما ) .
" مصادر غزاوية : ارتفاع سعر شبشب النابولي على مستوى العالم خلال دقائق "
" شحطوكم بالشباشب يا هلسات " .( شحط = جر ) .
" نتنياهو بعد خبر الأسرى قال لسارة مرته :
روحي أنت طالق طالق طالق بالثلاثة وملكيش رجعة " . ( مرته = امرأته . زوجته ) .
" الجيش أعلن أنه فك أسر ست فط ..ا ..ي.. س . ( أي جثث ) .
شباب جباليا يسكتو . طبعا : لاء . ( يسكتو = هل يسكتون ؟)
راحوا جابوا بدالهم عالسريع هههههههه .
هات فاضي وخود مليان ." ( خود = خذ ) .
" غالانت : زي مبقلك . دمرنا الأنفاق في الشمال ، وقضينا ع المقاومة . ( زي مبقلك = مثل ما أقول لك ) .
أبو عبييدة : اشحطوهم شحط "
" بن غفير اجتمع مع نتنياهو وقلوا :
- احنا بعثناك على غزة عشان تحرر ولادنا . بشوف ولادنا راحوا وما رجعوا . "
" بن غفير طلق مرته بعد خبر الأسرى "
" جابوا لنا ضيوف جداد .
لعيونك يا أبو عبييدة راح أوزع كاريلا و رويال " ( لا أعرف ما الكاريلا ، وأما الرويال فهو صنف دخان / سجائر ) .
" حتى الزنانة بعد إعلان أبو عبييدة بتقزدر ( بتكزدر ) بدها تشوف إيش في " ( بتقزدر = تتمشى ببطء ) .

وعندما أبدى قاريء رأيه ذاهبا إلى أنه ضد العملية عقب عليه بعبارة :
- روح تشطف ونام .
المقاومون يقاومون مرتدين الشباشب وجيش الاحتلال يقاتل بملابسه وكامل عتاده وربما يرتدي الستر الواقية .
واليوم عادت الحرب إلى بداياتها ، فبعد توقف إطلاق الصواريخ لمسافات بعيدة ، رشقت المقاومة تل أبيب بعدد منها ومن رفح .
هل ستعجل عملية أمس بإنهاء الحرب أم ستزيدها اشتعالا ؟
٢٦ / ٥ / ٢٠٢٤ .

١٣
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
( فرانز كافكا ) والحرب بين الفلسطينيين والاسرائيليين

عادل الأسطة

في الأسبوعين الأخيرين قرأ المتابعون لما يجري في غزة أخبار القتل الجماعي الذي لا يدخل رأس عاقل ، وبلغ الأمر أن تطاهر في تل أبيب ، مساء الأحد ٢٥ / ٥ / ٢٠٢٥ ، بضعة آلاف من الإسرائيليين ، ضد الحرب وضد الإبادة الجماعية في غزة ، وأغلقوا مفرق عزرئيلي رافعين شعارات " الحرية لغزة " و " أطفال غزة يستحقون الحياة " .
في ٢٢ أدرج ناشط غزاوي ، في صفحته ، مناشدة وصلته لإنقاذ أطفال محاصرين في منطقة الأوروبي هذا نصها :
أفاد اليوم نازحون تمكنوا من الخروج من منطقة الأوروبي بأن رامي أبو لبدة وزوجته دنيا أبو لبدة شوهدا مقتولين على باب منزلهم ( يعتقد من الكوادر كابتر ) والزوجان لديهما ثلاثة أبناء أطفال أكبرهم ٤ سنوات وأصغرهم سنة ونصف ما زالوا داخل المنزل بدون أي شخص بالغ لرعايتهم .
نناشد كل من لديه القدرة ( الصليب الأحمر ، الأوتشا ، منظمة الصحة العالمية ، أو أي جهة أخرى ) للمساعدة في إنقاذ هؤلاء الأطفال وإخراجهم من المنطقة . " .
الخبر الصاعق الذي هز الجميع هو ما ألم بالدكتورة آلاء النجار أخصائية الأطفال في مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبي التي لديها عشرة أبناء أكبرهم لم يتجاوز 12 عاما .
خرجت الدكتورة آلاء مع زوجها الدكتور حمدي النجار ليوصلها إلى عملها ، وبعد عودته إلى بيته بدقائق سقط صاروخ على منزله ، فاستشهد تسعة من أطفاله وأصيب هو وطفله آدم ، الطفل الوحيد المتبقي ، ويرقد حمدي في العناية المركزة . لقد ارتقى كل من يحيى وركان ورسلان وجبران وإيف وريفان وسيدين ولقمان وسيدار .
عندما قرأت الخبر الأخير عقبت " ما يجري في غزة يفوق قدرة عقولنا على التصور وقدرتنا على الاحتمال أيضا " .
الذهول مما يجري ذكرني بقصة الكاتب اليهودي التشيكي ( فرانز كافكا ١٨٨٣ - ١٩٢٤ ) " بنات آوى وعرب " التي أثير ، في العالم العربي ، حولها وحول كاتبها ، ضجة كبيرة سببها الاشتباه بمؤلفها إن كان صهيونيا ينتقص من العرب ، لا يهوديا وحسب . لقد وصف ابن آوى الكبير ، للرجل القادم من الشمال ، العرب ، بأنهم ، خلافا لأهل الشمال ، ينقصهم الفهم ، فلا تحس لديهم ذرة عقل " إنهم يقتلون الحيوانات ليفترسوها ، ويسيئون استخدام الجيف " . بنات آوى لا تخاف العرب ، ومن سوء حظها أنها مطرودة من شعب كهذا . ومع أن الرجل القادم من الشمال لا يدعي رأيا في الأشياء التي تقع بعيدة عنه ، إلا أن ما يبدو له هو " أن ثمة خصومة قديمة جدا تقع في الدم ، وربما ستنتهي كذلك بالدم " .
قرأ القصة قراء عرب عديدون قراءات مختلفة واختلفوا في تأويلها وتحديد مدلولاتها . هل دال " بنات آوى " رمزي أم لا ؟ ثم ما الذي جعل كافكا يختار العرب ، دون غيرهم من الأمم والشعوب ، ليكتب عنهم ، هو الذي لم يزر فلسطين كما قيل ؟ وهل كان يؤمن بنظرية الدم هو الذي شنع في الكتابة عن والده ، حين كتب رسالة إليه " رسالة إلى والدي " - علينا هنا أن نميز بين مؤلف القصة وراويها القادم من الشمال - ، فكافكا اختار العزلة والوحدة ، ولم يشارك في نشاط عام للحركة الصهيونية - علما بأنه شهد بزوغ الحركة الصهيونية - بل وهو الذي كتب باللغة الألمانية ، لا باللغة التشيكية ، مع أنه من سكان براغ ، أو اللغة العبرية ، مع أنه ولد لعائلة يهودية في مرحلة بدء بعث اللغة العبرية ؟
في العالم العربي كتب في موضوع كافكا ، فيما يخص الجانب المشار إليه ، الكثير ، ولا يخفى على القراء كتاب بديعة أمين الدارسة العراقية " هل ينبغي إحراق كافكا ؟'" ولا يخفى على العرب الملمين بالالمانية ما كتبه الدارس السوري عبده عبود ، في كتابه " تلقي الرواية الألمانية باللغة العربية " ، عن الجدل في العالم العربي حول كافكا ، بل ولا يخفى على قراء الرواية الألمانية المترجمة إلى العربية جهود مترجمين كثر لرواياته وقصصه وإعجابهم بها ، وبلغ الأمر أن ترجمت رواية " التحول / المسخ " تسع ترجمات عن لغات مختلفة. ؛ الإنجليزية والفرنسية والألمانية والتشيكية .
فيما يلاحظه متابع المشهد السياسي في الدولة الإسرائيلية يلحظ المرء انعطافا نحو اليمين المتطرف الذي يكره العرب ويدعو إلى طردهم من البلاد ، ليس طرد أهل قطاع غزة وحسب ، بل وطرد أهل الضفة الغربية وأكثر : طرد فلسطينيي المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ ، وآخر استطلاع أجرته إحدى الصحف العبرية ذهب إلى أن ٨٢ بالمائة من المصوتين يؤيدون طرد سكان قطاع غزة وان ٥٦ بالمائة يوافقون على طرد فلسطينيي ١٩٤٨ .
لماذا ذهب راوي قصة كافكا إلى أن العداوة في الدم ؟
لا أظن أن العداء والكراهية ، في أثناء كتابة كافكا قصته ، كانت كما هي اليوم . اليوم على الرغم من كل ما جرى ، منذ ١٩٤٨ حتى الآن ، هناك ١٨ بالمائة في المجتمع الإسرائيلي يصوتون ضد تهجير سكان غزة و ٤٤ بالمائة ضد طرد فلسطينيي ١٩٤٨ ، ولو كانت العداوة بالدم - اذا ذهبنا إلى أن دال " بنات آوى " دال رمزي يرمز لليهود - لكانت النسبة ١٠٠ بالمائة . ترى هل كان كافكا يتنبأ حين ورد في قصته ، على لسان ابن آوى الكبير ، الآتي :
" - أنت ذكي جدا ، وهذا الذي تقوله يلائم تعاليمنا التاربخية ! يعني نسحب منهم دمهم وتكون الخصومة قد انتهت "
قلت متوحشا ، كما أردت :
سوف يقاومون ! وسوف ينقضون ببنادقهم عليكم ويرمونكم أسرابا بالرصاص "؟ .
الحكاية طويلة

( كتابة المقال . الاثنين والثلاثاء والخميس ٢٦ و ٢٧ و ٢٩ / ٥ / ٢٠٢٥ / مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١ / ٦ / ٢٠٢٥ )

١٤
كتابة خلف الخطوط : يوميات الحرب على غزة :

أيام الحرب . سائد حامد أبو عيطة



في الجزء الثاني من كتاب " كتابة خلف الخطوط : يوميات الحرب على غزة " الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام ٢٠٢٤ ، الذي حرره عاطف ابوسيف و عبد السلام عطاري نقرأ شهادة مصوغة بأسلوب ممتع كتبها الكاتب والمدون سائد حامد أبو عيطة . تقع الشهادة في حوالي سبع وعشرين صفحة ( ٧٩ إلى ١٠٧ ) وكتبت تحت عناوين متعددة كثيرة ، وما إن تبدأ قراءتها حتى تواصل لتنهيها بجلسة واحدة .
يروي سائد عن قسوة الحرب وتأثيرها على السكان ، وقد عانى هو وأسرته كما عانى مليونا مواطن غزاوي وربع المليون . ركام ودماء وأشلاء متناثرة وفقدان ابنتيه ميرا وتالا ، في ١٤ / ١٠ / ٢٠٢٣ ، وفراق دون موعد ووجع قلب ونوم في الشارع وندرة الملابس وتجار طماعون وجامع جثث يعود جثة مثل جثث الذين يجمعهم ونساء ينجبن الأطفال في الخيمة " طفلة الخيمة " والسعي للحصول على خيمة وكيس طحين ، ثم الجوع الكافر ، وفي الشتاء ثمة ليال باردة وثمة خوف وطوابير . كل شيء ينقلب وثقافات الناس تتحول إلى ثقافات شوارع والسؤال الذي يراود الجميع هو : متى تتوقف الحرب ونعود إلى شمال القطاع ؟ .
اقرأوا هذا النص عن الاستحمام في النزوح ، وكانت الكاتبة نعمة حسن كتبت نصا مفصلا . يكتب سائد :
" الاستحمام في الحرب عذاب حقيقي ونصف فضيحة . النساء تحمل دلو الماء الساخن وتسير بين خيام النزوح للبحث عن مكان آمن للاستحمام ، يا إلهي الطرقات مليئة بالنساء اللواتي يحملن دلو الماء المسخن على الحطب " لا بد من الوصول إلى حمام آمن قبل أن يبرد الماء " ، الأجواء باردة وتنتظر النساء يوما مشمسا في الشتاء للاستحمام . كنت أشعر بالخجل والحرج الشديد لأن لدي حماما بجانب خيمتي وأملك مفتاحا له ، تطلبه بعض النساء من زوجتي لاستخدامه " .
يسرد سائد عن تاجر الحرب المستغل الطماع وعن جيران الخيمة واجتماع الناس مع بعضهم كل يريد أن يروي مأساته الخاصة ويطلب منه ؛ لأنهم عرفوا أنه كاتب ، أن يكتب حكاياتهم . ويقص علينا عن إصابته وصعوبة الحركة لديه والاتكاء على زوجته وعن لقائه بأبناء أخيه بعد خمسين يوما ، وعن افتقاده أصدقاءه ثم عن لقائه بأحدهم ، ولا ينسى الأوفياء منهم ، كما لا ينسى من قدموا له الخيمة والأواني والفراش " أنا ممتن لأصدقائي .... هؤلاء من أجمل وأطهر الناس الذين التقيت بهم في حياتي " .
ينهي سائد نصه بالسطر الآتي :
" من المؤكد أنني لن أنسى طفلتي اللتين فقدتهما للأبد وهما قصة عذابي للأبد " .
أعتقد أن نص الكاتب جدير بالقراءة .

خربشات ٢٦ / ٥ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...