أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٧ أيار من كل عام

١
في الصباح :

أحيانا أشعر بالندم لأنني أدرس في فصل الصيف . لماذا علي أن أغادر شقتي في السابعة صباحا ولا أمارس كسل الصباح ؟
قبل أن أقرر التدريس في فصل الصيف كنت أقرأ واقرأ واقرأ ، وكنت أكتب وأكتب وأكتب . وأفضل كتبي أنجزتها في إجازات الصيف ومنها كتاب " أدب المقاومة...من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " و " الصوت والصدى..مظفر النواب وحضوره في الأرض المحتلة " ، وهما كتابان أعيدت طباعتهما في دمشق والقاهرة .
هل أنجزت ، وأنا أدرس في الفصل الصيفي ، كتبا ؟
لقد غدوت مثل زملائي الذين ينفقون إجازة التفرغ في التدريس ، وهكذا يتفرغون لجمع المال ، لا لتطوير أنفسهم علميا . إنهم يتفرغون لجمع المال ، وهكذا أنا .
وأنا أنظر في ما يجري في سورية أضحك من الحياة الساخرة منا كلنا . لا المال أفاد ، ولا العلم أفاد . وأتذكر سطر محمود درويش " نبني على الرمل ما تأخذ الريح "
٢٠١٣

٢
" مولانا " لابراهيم عيسى بوكر 2013 :

أقرأ في هذه الأيام رواية " مولانا " لابراهيم عيسى وأشعر بالمتعة .
مولانا حاتم الشناوي شيخ طريف يذكرك بالممثل عادل إمام وخفة دمه .
" مولانا " تبعث على الضحك وتذكر بالأدب الضاحك الذي شجع عليه ساخرنا وشيخنا اميل حبيبي الذي قال :
- لولا خشيتي من أن تسن الدولة العبرية قانونا تمنع بموجبه الضحك لأغرقتكم به - أي الضحك .
الرواية جريئة ، فالشيخ أيضا جريء أحيانا ، وهي تطلعنا على واقع مصر قبل بدء الربيع العربي وما آلت إليه الأوضاع .
ربما أخصص لها دفترا من دفاتر الأيام .

٣
أخبار نابلس هذه الظهيرة :

انقطعت عن نابلس ثلاثة أيام قضيتها في عمان ، واليوم عدت وذرعت شوارعها من جديد .
خيمة الأسرى على عهدها منذ أسابيع . جلست فيها نصف ساعة تضامنا وتعاورت وقادم من بلاد الشمال حديثا عابرا ، وأعني بالشمال شمال أوروبا ، ثم سرعان ما غادرت .
أمام الصراف الآلي قرأت للمرأة السبب الذي من أجله يعيد الصراف البطاقة لها : - البطاقة غير صالحة . ( نت فاليد )- أي غير صالح- ، والمرأة كانت في حيرة .
في البلدة القديمة جلست في مقهى البرلمان الذي انقطعت عنه لأسابيع . شربت القهوة وأصغيت إلى أحاديث عابرة .
الخبر اللافت هو أن أحد أبناء المدينة ، وهو في الخامسة والثلاثين انتحر شنقا .
هل هو من عائلة السايح ؟هكذا سمعت ؟!
والناس ستتساءل عن السبب :
- لماذا يقدم شاب في هذا السن على الانتحار ؟
الكلام المكرور المعاد هو أزمة نفسية ، فشل حب ما ، ضيق فرص العمل ، وكان الله في العون .
-ماذا يفعل الشباب في بلادنا ؟
قبل أسبوع أو أكثر قليلا كتبت عن البطالة :
- ألف وظيفة و38 ألف طالب عمل يتقدمون إليها . الناس تقول كان الله في العون .
الطريف أنني أول أمس ، وأنا أسير في شوارع عمان رأيت رجلا فوق الأربعين يتحدث مع نفسه وبصوت عال حقا .
أيام الانتفاضة الثانية ، في 2005 تقريبا كنت في الحافلة ، وقد جلست إلى جانب خريج جامعي كان يتحدث مع نفسه . لقد دونت هذا في كتابة ما في حينه . ولا ننسى حسين الذي يسير في الشوارع ويحدث نفسه ، والسبب هو ما تعرض له من ضرب على أيدي قوات الاحتلال .
الناس في ورطة ، وأتذكر مقولة ( سارتر ) والوجوديين :
- لقد ألقي بنا في هذا الوجود ، وعلينا أن نتدبر مصيرنا ، ولكن من اتباع ( كير كجارد ) ، ولا حول ولا قوة الا بالله.
٢٠١٤

٤
" البساطير " الطبيب روائيا :

" نابلس وروائيون جدد "

حين نتحدث عن صوت روائي نسوي من فلسطين ، فإننا نذكر بالدرجة الأولى سحر خليفة , وحين نتحدث عن صوت روائي من نابلس فإننا نذكر أيضا سحر خليفة .
- لماذا ؟
لأنها منذ 1974 تاريخ صدور روايتها الأولى " لم نعد جواري لكم " هي الروائية الوحيدة التي لم تنقطع عن كتابة الرواية ، فآخر رواياتها هي " حبي الأول " ( 2010 ) وما بين 1974و 2010 أصدرت عشر روايات ، بمعدل رواية كل أربع سنوات ، ولا أعرف روائيا في فلسطين المحتلة أصدر هذا العدد من الروايات . طبعا العبرة ليست بالكم . هل برزت في نابلس اصوات روائية جديدة مع سحر وبعدها؟
" -هذا هو موضوع الندوة التي سيحاضر فيها عادل الاسطة\أنا في المنتدى التنويري في نابلس وهو موضوع المقال القادم في الأيام - إن شاء الله "
٢٠١٣

٥
الدكتور عبد الكريم خشان وداعا :

ببالغ الأسى والحزن أنعى رحيل الصديق الدكتور عبد الكريم خشان ( أبو سلمان ) الذي انتقل إلى رحمته تعالى في هذا النهار ٢٧ / ٥ / ٢٠٢٥ .
التقيت الدكتور عبد الكريم وتعرفت إليه في مقر اتحاد الكتاب الفلسطينيين بالرام / القدس في العام ١٩٩١ . عرفته وعرفت معه المرحوم الدكتور عيسى أبو شمسية والمرحوم الدكتور أحمد حرب والدكتور محمود العطشان ، وكان الأربعة يشاركون مشاركة فعالة في نشاطات الاتحاد الأسبوعية التي كانت تناقش آخر الإصدارات .
توطدت العلاقة مع الأربعة من خلال زياراتي المتكررة لجامعة بير زيت بين الأعوام ١٩٩٢ و ٢٠٠٠ ، وغالبا ما كنت أذهب لألتقي بهم هناك .
في العام ١٩٩٧ عقدت جامعة بير زيت مؤتمر الأدب الفلسطيني الأول ، وشاركنا فيه معا وكنا نلتقي هناك في الجامعة يوميا . أقرأ ما يكتبون ويقرأون ما أكتب ، وغالبا ما استعنت بهم ليناقشوا رسائل الماجستر التي أشرف عليها في جامعة النجاح الوطنية .
نادرا ما انقطع التواصل بيننا ، على الرغم من أوضاع الضفة الغربية منذ انتفاضة الأقصى في ٢٨ / ٩ / ٢٠٠٠ .
قبل ثلاثة أشهر تواعدنا أنا والمرحوم أن نلتقي ، وفي الاتصال الأخير أخبرني عن مشاريعه التي يعكف عليها ، وأبدى أسفه لأنه منذ عقود لم ينجز ما كان ينبغي إنجازه . يعكف على البحث والكتابة ثم تحبطه الظروف فلا يتم الإنجاز ، ويقدم اعتذاره لي لأنه يتصف بالكسل ، خلافا لي ، وغالبا ما كان يغبطني على نشاطي . لقد أخذ في الاتصال الأخير وعدا على نفسه أن يفاجئنا بإصدار ثلاثة كتب على الأقل ، وحين باح لي بما يعكف عليه طلب مني ألا أذيع سره . الآن وقد ارتقى فإنني آمل أن يلتفت اتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين إلى ما كان يشتغل عليه ، ولعله أنجزه .
أذكر أنه هو من أحضر لي نسخة من رواية عبد اللطيف مهنا " العوسج " وحثني على الكتابة عنها .
في آب ٢٠٢٣ شاركنا معا في حفل تكريم المرحوم الشاعر توفيق زياد ، فعندما تواصل معي الكاتب عيسى قراقع ، لأتحدث عن زياد ، سألني عمن يمكن أن يتحدث أيضا ، فاقترحت اسم الدكتور عبد الكريم ؛ لأنه كتب دراسة عن أشعار زياد نشرها في مجلة فصول ونال عليها جائزة توفيق زياد .
ثلاثة وثلاثون عاما مرت علي تعارفنا ، كأنها الأمس ، فما زلت أرى ابتسامته الدائمة وتعامله الودود اللطيف وخلقه الكريم ، وما زلت أصغي إليه يحدثني عن أصوله البدوية وأهله في قطاع غزة .
الصديق الدكتور عبد الكريم خشان وداعا .
٢٧ / ٥ / ٢٠٢٥

٦
واقف كلي مذلة :
" على الجسر في الجانبين " :

على الجسر ، في الجانبين ، أتذكر راشد حسين وفدوى طوقان .
قال اﻷول عن وقوفه في مطار القاهرة :
" واقف كلي مذلة في مطار القاهرة
ليتني كنت طليقا في سجون الناصرة "

وعبرت الثانية عن ذل الانتظار والتفتيش في الجانب اﻷسرائيلي من الجسر .
هل حدث معي ما يستوجب التذكر ؟
في الجانب اﻷردني ثمة تيسير ، واﻷمر يتعلق بشخصياتنا . نحن نرى أنفسنا آلهة وحاشا ، والله يتحمل عباده كلهم ، وأما الواحد منا ف..كلنا تربية المتنبي :
" وكل ما خلق الله وما لم يخلق محتقر في همتي " .
أعتقد أن أكثرنا ينقصه التهذيب وثقافة التعامل مع الآخر . نحن بؤساء .
في الجانب اﻷسرائيلي نتدرب على يوم الحساب . معاناة الانتظار و..و..وبهدلة ما بعدها بهدلة . ولم يقل أحد العائدين عبثا :
-" متى يصبح لنا مطار؟
على الجسر ؛ هنا وهناك عليك أن تكون جملا وإلا....

٧
مرة كتبت عن التذاكي والتفاصح .
اليوم وجدتني أردد :
- حين يتفاصح الآخرون - وما اكثرهم - علي أن اتغابى .
هل قرأت هذا في ديوان شعر لخالد جمعة أم تراني وقعت تحت تاثير رواية إميل حبيبي "المتشائل " أم إنه التكرار ؛ تكرار الحكايات والمواقف والسلوك .
التكرار يعلم الحمار ، فهل تعلمت أم تراني
" كنت أحسبك حمارا ، فإذا أنت أحمر " " المتشائل "

٨
أساتذة الفلسفة واللغة العربية :

أساتذة الفلسفة الذين أتابع كتابتهم يتقنون العربية : طيب تيزيني وحسين مروة وأحمد ماضي ...الخ.
أمس قرأت دراسة أشعرتني بالخيبة . ربما هي لدارس فلسفة شاب لا ينتمي إلى جيل 60 ق 20 ، وربما لأنه درس في الغرب ، فمراجعه كلها أجنبية وليس فيها أي مرجع عربي .
أحيانا كنت أصغي إلى د.طيب تيزيني ولم احص له أي خطأ .
28/5/2016

٩
في مقابلته هذه أفسد إلياس خوري على الناقد مهنته وجعل ما يكتبه الناقد ، في جوانب محددة ، كتابة عديمة الفائدة والجدوى . لقد باح إلياس بسر ما كان ينبغي أن يبوح به .
منذ 1993 والقراء في حيرة من أمرهم حول روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " هل أنا هو ؟ هل أنا هو اﻷنت؟
لقد ارتبكوا وما زالوا ، وغالبا ما يوحدون بين المرسل والمرسل إليه ، اﻷنا/أنت ، وأحيانا أربكهم حين أدلي بشهادة فيزدادون حيرة . واﻷمر نفسه في " خربشات ضمير المخاطب "1997.
هل وظيفة الكاتب أن يفسر أعماله ويوضحها ؟
إذن لماذا قال المتنبي :
" أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر القوم جراها ويختصم ؟ "
اﻷمر يحتاج إلى مساءلة

١٠
الأكاديمي روائيا. ..الناقد روائيا :
" إلياس خوري وأولاد الغيتو " :

بقلم:عادل الاسطة

ثمة سؤال يراود قاريء رواية "أولاد الغيتو" ودارسها ، ويلح عليه هو
- ما هو شكل الرواية التي يكتبها أكاديمي وناقد ؟ وما هو موضوعها ؟
وهل تحضر فكرة الرواية في الرواية؟
هل يلح الشكل الروائي على ذهن بطل الرواية ؟وكم من المقولات النقدية تحضر في المتن؟
وكم رواية يمكن أن يكتب الاكاديمي والناقد الروائي؟
أسئلة عديدة في سؤال واحد لا شك . وهذا كله له حضور في رواية إلياس . وأولها إشكالية التجنيس التي حضرت في المقدمة التي كتبها المؤلف ، ثم حضرت في المتن على لسان آدم . ولما كنا نوحد ، أحيانا ، بين إلياس وآدم وأحيانا لا نوحد ، فقد أفسد علينا إلياس مهمتنا ومهنتنا ، حين أقر في مقابلة حديثة معه ، أنه هو ادم :
" - لكنك تخترع ألعابا تتعلق بتضمينك.....
البقية /الأحد في الأيام الفلسطينية 29/5/2016

١١
في مديح الاحتلال الإسرائيلي :

كم مرة كتبت تحت هذا العنوان ؟
هل كنت أكتب جادا أم كنت أكتب ساخرا ؟
في 2007 في حزيران كنت في جامعة بيت لحم أشارك في مؤتمر . قرأ أحد الحضور قصيدة لشاعر هاجر عبر فيها كاتبها عن خشيته من أن يأتي يوم يحن فيه الفلسطينيون إلى الاحتلال . يومها كان أبطال حماس يقتلون أبطال فتح الذين هرب بعضهم إلى أبطال الإسرائيليين طلبا للنجاة من رصاص الإخوة .
أمس ، مساء ، كنت في باب الساحة أتمشى ، وكنت استرق السمع إلى صوت أم كلثوم وأحاديث الناس وما تيسر . التقطت أذني اليمين بعض حوار بين رجلين جالسين أمام متجر أحدهما .
كان الرجلان يتحدثان عما يجري في العالم العربي وهنا مدح أحدهما الاحتلال ، فنحن أكثر أمنا من أكثر العرب .
قتلنا العرب غير مرة وآخر مرة قتلونا من خلال حروبهم الجارية في بلادهم .
لقد صرنا نمدح الاحتلال . قتلنا في 1967 و 1970و 1971 و 1982 و..و..وقتلتنا فتح وحماس وما زالتا .
هل نستغرب أن يقتلنا الرجلان الجالسان على عتبة المتجر ؟
طز في هكذا عمر .
27 / 5 / 2016

١٢
أحمد دحبور : أكتب لأنني أحيا:

عادل الاسطة

للناقد والشاعر العراقي علي جعفر العلاق مقال عنوانه "دوافع الكتابة الشعرية " (العرب اللندنية 22/8/2016 ) يورد فيه آراء شعراء ونقاد في دوافع كتابة القصيدة، ومن هذه الآراء ما قاله العرب قديما: " امرؤ القيس إذا ركب وزهير إذا رغب والنابغة إذا رهب والاعشى إذا شرب ".
وفي كتاب (ديفيد ديتشس) " مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق " ( ترجمة د.محمد يوسف نجم ) رأي للناقد ( ادموند ولسون ) يعتمد فيه على الشاعر (وردزورث) خلاصته آن الأديب إنسان يتحدث إلى اناسي وهو شديد الاهتمام بالمشمولات الإنسانية في الأدب ونشأته. ينشأ الأدب في أحضان الرجاء والخوف والرغبة والهيبة. ويرى ولسون أن مهمة الناقد الأدبي هي أن يوسع الوحدة التي يراها القاريء حتى تحتوي نظام السبب والنتيجة والفعل ورد الفعل والقوى النفسية والاجتماعية التي يكون الأثر محورا لها.
والسؤال الذي يراودني وأنا أقرأ أشعار الشاعر أحمد دحبور ، في مسيرته الشعرية هو: ما سر هذا التفاوت ما بين مجموعة وأخرى؟ ولماذا تروق لي بعض قصائده ولا تروق لي قصائد أخرى؟
في تبيان الحالة الشعرية التي يكون عليها أحمد دحبور يجيب الكاتب وحيد تاجا على سؤاله: "هل تكتب القصيدة بقرار؟" الإجابة التالية:
تقرؤون بقية المقال لاحقا في مكان نشره
2017/ 5 /27.

١٣
في حيفا 18 :

وانت في الطريق إلى حيفا ،من قيسارية، تصعد إلى الكرمل، وفي منطقة عالية ثمة سجن لعله سجن الدامون- يأتي الدليل على اسمه-.
في الأدبيات الفلسطينية حضور لافت للسجن.في رواية اميل حبيبي "المتشائل "هناك رسالة عنوانها "حديث شطط في الطريق إلى سجن شطة "ويأتي فيها الكاتب على عالم السجن والسجان والسجين وموقع السجن، وكنت تمر بهذا السجن في سبعينيات القرن العشرين، يوم كنت تذهب في رحلة إلى برك السباحة المسماة "السخنة ".
وأنت تمر قرب السجن تتذكر ما كتبه محمود درويش في زيارته الأخيرة لحيفا:
"أقفز من شارع واسع إلى جدار سجني/ القديم ، وأقول: سلاما يا معلمي الأول في/فقه الحرية.كنت على حق: فلم الشعر بريئا "
من هنا ،ربما ،كتب مرة :"من آخر السجن طارت كف أشعاري ..."
كان الشعراء ملتزمين فدفعوا ثمنا وكتبوا من دمهم ثم اختلف كل شيء.
لم يكن الشعر بريئا ،ولم تكن القراءات أيضا بريئة.
ماذا بقي من أدب المقاومة؟
وأنت في المطعم تتناول وجبة السمك والسلطة تتحدث والروائي ربعي المدهون مطولا عن علاقته بحيفا والكرمل وعكا. يحدثك عن شوارعها وزياراته لها وبيوت عكا التي حضرت في روايته "مصائر ".
وأنت ،أنت، ما صلتك بحيفا؟
27/ 5 /2018

١٤
في الفصل الصيفي :

قبل العام 2000 لم أكن أدرس في الفصل الصيفي . كنت أنجز كتبا و أبحاثا .
منذ العام 2000 أخذت أدرس .
اشتريت شقة معقولة وواصلت الكتابة والتأليف . لم يتغير شيء .
هذا الفصل لا رغبة لي في التدربس . ذهبت الى الجامع فوجدت بابه مغلقا وقلت :
- لم يشأ الله لي أن أصلي وإنك لا تهدي من أحببت .
أجهزتنا مخترقة من أكثر من وزارة .
وشو يعني .
" خليهم يلعبوا "
" على بال مين يا اللي بترقص بالعتمة " .
أفضل شيء أن ينتابك شعور بأنك مخترق . ساعتها تعرف كيف تلعب . ولا رونالدو ولا ميسي ولا بنزيما ولا غاريث بيل .
ما عليك إلا أن تلاحظ الدمى كيف تتحرك .
الرزاق هو الله . إن أغلق باب جامع فإنه يفتح ألف باب .
27/ 5 / 2018

١٥
جوخة 6

جوخة الحارثي ومحمود درويش والشعر العماني 2:



كنت أمس أشرت إلى أن رواية جوخة الحارثي تحفل بنصوص شعرية عربية قديمة ، وأن الشاعر العربي الحديث الذي يرد ذكره في الرواية هو محمود درويش وهناك شاعر عماني اسمه أحمد ، طبعا عدا شاعر عماني آخر كلاسيكي وعاش في فترة أسبق ويبدو العمانيون معجبين به ، باعتباره شاعرا وطنيا ويرون فيه شاعرا لا يقل مكانة عن مكانة الشاعر المصري أحمد شوقي ، وله قصيدة نونية يرددونها
. إن ديوان "أبو مسلم البهلاني " هو أول ديوان عماني يطبع ، " وله كتب أخرى في الفقه والسلوك حرص أبي على امتلاك طبعاتها الأولى " يقص الفنان خالد بن عيسى المهاجر على زوجته أسماء ويروي لها أن والده عيسى كان يأخذه معه إلى كورنيش القاهرة ويطلب منه إلقاء نونية أبي مسلم ، وحين يبدأ الابن قراءة القصيدة يكمل الأب الأبيات بنفسه حتى يصل إلى:
" نزحت عنها بحكم لا أغالبه
لا يغلب القدر المحتوم انسان "
كان أبو مسلم شخصية نهضوية متعددة الجوانب ، غزيرة الإبداع وقد أسس أول جريدة عمانية في مطلع القرن العشرين . .
يرد اسم درويش وقصيدته "يطير الحمام..يحط الحمام " على لسان الشاعر العماني أحمد الذي يعقد قرانه على الفتاة لندن ، ويطلب منها الآتي :
"اسمعي يا لندن...أنت خطيبتي وحبيبتي..لكن لا تحاصريني بالغيرة والأنانية والتملك والاستئثار..الأنانية قبح ، والغيرة تخلف، والتملك من مخلفات عصور الطبقية المقيتة.. أنا شاعر..مثقف..روحي حرة طليقة...مثل الحمام...آه ذكرتني بمحمود درويش ... يطير الحمام...يحط الحمام..القيود تخنقني..تخنق إبداعي...تخنق شاعريتي المتدفقة ..أريد امرأة تفهمني .. أنا الريح وهي الشجرة..تمتد جذورها في الأرض و أحلق أنا في السماء " .
يعني كل ما لفت انتباه الشاعر العماني في الشاعر الفلسطيني هو علاقة الأخير بالمرأة .
طارت رنا قباني الزوجة الأولى للشاعر وحطت الزوجة الثانية حياة الهني .
طبعا أحمد يريد أن يطير من امرأة إلى أخرى ، ولا يريد امرأة قيدا .
ولأنني قاريء لأشعار درويش فإنني تذكرته في قراءات لاحقة للرواية .
يشكل اختفاء أم الراوي الرئيس في الرواية ، وإحدى شخصياتها الأساسية ، فكرة مهمة ، فالأم التي اختفت ولم تحضر إلا من سؤال ابنها عنها هي شخصية رئيسة ، فهي تظل ملازمة كالظل لابنها الذي يسأل عنها عمته فلا تجيب ، ويسأل عنها ظريفة مربيته فلا تجيب أيضا ، علما بأنها تقول له الكثير .
مرة يسأل عبدالله ظريفة عن سبب اختفاء أمه فتجيب من خلال مثل هو " آفتي معرفتي ، راحتي ما أعرف شيء " . هذا المثل ذكرني بقصيدة درويش " اوديب / ما حاجتي للمعرفة " من ديوان " هي أغنية.. هي أغنية " ١٩٨٦ وفي القصيدة يتساءل :
ما حاجتي للمعرفة؟
أنا زوجتي أمي وابنتي أختي
وتختي مثل عرشي أوبئة " .
هل يتذكر المرء الشاعر اليمني عبدالله البردوني :

"فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري "

١٦
أساتذة الجامعة الأردنية ومحمود درويش :

ما هي قصة أساتذة الجامعة الأردنية وشعر محمود درويش ؟
أكثر من أربعة كتب ألفها أساتذة الجامعة الأردنية عن أشعار الشاعر الفلسطيني ، والطريف أن لا أحد منهم يطلع على الدراسات السابقة ليقول لنا بم اختلفت دراسته عما كتب .
الأساتذة من قسم اللغة العربية وهناك أستاذ فاضل من قسم اللغة الانجليزية .
غالبا ما أطلع على المصادر والمراجع التي اعتمدوا عليها ، وغالبا ما أقرأ المقدمات وبعض فصول ثم لا أكمل .
أتمنى أن يوضح لي الأساتذة سر تجاهلهم جهود من سبقهم ، وبخاصة أنهم يشرفون على رسائل ماجستير ودكتوراه ، والمفروض ان يعلموا طلبتهم أبجديات البحث العلمي التي منها ضرورة قراءة الدراسات السابقة والنظر فيها قبل تسجيل الموضوع المقترح للكتابة فيه .
27 آيار 2019

١٧
الست كورونا وخلاف إيطالي ، غير لغوي ، مع منظمة الصحة العالمية ٩٦ :

في اليوم الثالث من أيام العيد زرت طمون التي تبعد عن مدينة نابلس حوالي ٢٥ كلم ، وكنت قد انقطعت عن زيارتها عشرين عاما تقريبا ، فرأيتها قد اختلفت كليا ، وآخر مرة مررت بالطريق المؤدي إليها كانت منذ بضع سنوات حيث زرت طوباس لأعطي محاضرة في مكتب وزارة الثقافة عن محمود درويش والمتنبي .
الطريق من نابلس إلى طمون غدت مختلفة ، فقد كثرت المباني وقلت الأراضي الزراعية ، وربما لهذا السبب فكر آل روكفلر و آل روتشيلد في اختلاق الفايروس والشريحة . العالم فاض بسكانه ونابلس خلال عشرين عاما اكتظت بالمباني وازداد عدد سكانها من ١٢٠ ألفا إلى ٤٠٠ ألف وفلسطين التي كان عدد سكانها في العام ١٩٤٨ حوالي مليون مواطن صاروا في ٢٠٢٠ حوالي ١١ مليونا ، صارت دولة ونص دولة ، وعليه قس .
في الطريق قالت أختي إن الفايروس هو باكتيريا ، وهذا هو رأي الطليان الذين رأوا أن منظمة الصحة العالمية أخطأت حين نظرت إلى الست كورونا على أنها فايروس ، فالكورونا ليست كذلك . إنها باكتيريا ، ولطالما اعترض المعترضون على عنوان يومياتي متسائلين لماذا أنثت الفايروس والفايروس مذكر ؟
ولم تشفع لي الأكاديمية الثقافية الفرنسية أمام هجوم بعض القارئات والقراء المدافعين عن المرأة وحقوقها واتهموني بأنني عدو للمرأة غير مقتنعين بما قدمته من أسباب .
هل خلافنا مع الست كورونا خلاف لغوي ؟
الصحيح أنني تذكرت قصيدة الشاعر محمود درويش " خلاف ، غير لغوي ، مع امريء القيس " من ديوانه " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " ١٩٩٥ ، فخلافه مع امريء القيس المعاصر / ياسر عرفات ليس خلافا لغويا . إنه خلاف سياسي ، وكذلك خلافنا مع الكورونا . إنه خلاف مصيري ، فهي تهدد الحياة البشرية إن كانت غير مختلقة .
" أغلقوا المشهد
انتصروا
صوروا ما يريدونه من سماواتنا
نجمة ، نجمة
صوروا ما يريدونه من نهاراتنا
غيمة غيمة
غيروا جرس الوقت
وانتصروا... "
ويبدو أن المقطع السابق يجسد ما آلت إليه الأوضاع أول أمس وما ستصير عليه في الأيام القادمة :
شريحة ولقاح وجواز سفر مناعي و ID و 666 وحكومة عالمية واحدة إن لم تقع الحرب بين الصين وأميركا .
وأنا أمر بمنطقة الفارعة وعين الباذان لاحظت ما آلت إليه ، ولاحظت أن هذه المنطقة السياحية في زمن الكورونا بدت شبه مهجورة ، فلو لم نمر بما مررنا به في السبعين يوما الماضية لكانت الطريق تعج بالسيارات ولكان المكان مكتظا بالبشر ، فالمكان سياحي وهو متنفس مدينة نابلس وقراها وبعض المدن القريبة .
سألني ابن أختي ، في العاشرة من مساء أمس ، عما كتبت عن الست كورونا ، فأجبته بأنني أكتب عادة في الحادية عشرة والربع ، وإن كتابتي عن الست كورونا أوشكت على نهايتها فقد أخذت الحياة تعود إلى طبيعتها وإن الكورونا أيضا أفل نجمها ، ولكنه أوضح لي أنها شرشت وصار لها أولاد وأحفاد وأنها قد تعود بعد شهرين أشد وأقوى .
كتبت أول أمس إننا ربما نشهد الفصول الأخيرة من المسرحية .
هل سأواصل الكتابة ؟
لست أدري وقبلي كان إيليا أبو ماضي حائرا ولا يدري ومثلنا المطرب محمد عبد الوهاب الذي غنى " جايين الدنيا ما نعرف ليه " .
٢٧ أيار ٢٠٢٠ .

١٨
ذاكرة أمس ٧٢ :

غزة - القدس - نابلس

أعرف أخبار غزة ، بعد توقف القتال ، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ؛ كتابة وصورا ومقاطع فيديو ومكالمات شبه نادرة من بعض معارفي ، ولكن " الحكي والشوف من خلال وسيط ، مش مثل الشوف المباشر " الذي تتشمم فيه الروائح وترى الدم الطري الذي لم يجف ، ولطالما استشهدت بعبارات ( جان جينيه ) الذي كتب عن مذبحة شاتيلا في أيلول ١٩٨٢ وهو فيها ، لا وهو جالس في مقهى في باريس .
" الحكي مش مثل الشوف " ، وأمس جلست في مقهى الميناوي في نابلس فتذكرت غزة .
جلس قريبا مني ثلاثة شباب في العشرينيات ، أو بداية الثلاثينيات ، من عمرهم ، وأخذوا يؤرجلون ويثرثرون حول الحرب الأخيرة ، ومما تناهى إلى سمعي قول أحدهم يخاطب صديقيه قائلا :
- شباب نحن في الجولة الأخيرة من الحرب .
أحد صديقيه وافقه مستشهدا بكلام حاخام إسرائيلي خاطب فيه اليهود :
- تفرقوا في الأرض قبل أن تبادوا .
ولم أتابع كل ما تفوه به الثلاثة ، ولكنني قلت لنفسي :
- نحن نذرع الشوارع ونجلس في المقاهي ونثرثر في " الوساع " .
وتساءلت :
- ترى ما هو حال آلاف المواطنين الغزيين ؟ وبم يثرثرون الآن وهم جالسون على أنقاض بيوتهم ؟!
و :
- كيف يقضي أهل فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ لياليهم في ظل موجة المداهمات الليلية لبيوت من وقفوا إلى جانب القدس وغزة ؟
" واللعب في الهيجاء غير اللعب في الميدان " شطر ببت لأبي الطيب المتنبي ، وشطره الأول هو :
" وتوهموا اللعب الوغى " وقد ورد البيت في قصيدته :
" الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني " .
شخصيا استمعت إلى كلام كثير صدر عن الغزيين يحمل وجهات نظر مختلفة ، وهذا طبيعي جدا ، ومن المؤكد أن نشوة النصر ستتضاءل أمام الواقع القاسي المتمثل في عدم التوصل إلى حل نهائي قريب للصراع ، وفي رحلة التعمير الصعبة القادمة ، وفي الاكتظاظ السكاني في المدارس وما قد ينجم عنه و .... و .... وفي رضوخ قيادة القطاع للدول الممولة .
أمس مثلا كتب الصدبق Akram Musallam على صفحته فقرة تحت عنوان " هسسسسسسس " أتت على تصريحات قطرية بخصوص حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، وهي لا تتطابق وخطاب السيد اسماعيل هنية ، من قطر ، في أثناء المعارك . كأن قطر تقول للسيد هنية :
- ارض بما نقول نحن ، فنحن الممول .
هل " طارت السكرة وأجت الفكرة " ؟
وهل انتهى النصر بانتهاء الاحتفال به في اليوم الأول لتوقف المعارك ؟
كنت كتبت عما جرى في الأقصى والشيخ جراح في اليوم الثاني للهدنة ، فقد عاد المستوطنون وخفت صوت أبو عبيدة ولم يتحقق جواب الشرط في " إن عدتم عدنا " ، ومن المؤكد أنه لا يحق لي شخصيا أن أقرر ماذا على المقاومة الإسلامية وغير الإسلامية في قطاع غزة أن تفعل ، فأنا ، مثل الشباب الثلاثة ، أتحدث في " الوساع " ولا أجلس الآن في العراء بلا بيت وبلا أهل شأن الذين خاضوا الحرب . إنني أخوض الحرب مثلهم - أي الشباب الثلاثة - في الميدان ، لا في الهيجاء .
وأنا أسير في شارع النصر في البلدة القديمة ، في وقت الظهيرة ، لاحظت الحركة خفيفة فقلت :
- لعل الناس في المسجد يصلون ويتقيللون في الظلال .
وتساءلت من جديد عن أحوال الغزيين الآن في المدارس يتقاتلون على تفاصيل الحياة . وأمس وأنا في الشارع نفسه سألت عن " أبو ناجح الدحدوح " الذي عرفته في مقهى البرلمان منذ خمسة عشر عاما تقريبا وعرفت أنه مات من ستة أيام عن عمر يناهز الثمانين عاما . كم من معارفي في هذا الشارع توفي في العام الأخير ؟!
في المساء وأنا على الدوار اشتريت فاكهة الكيوي وراق لي العنب ، فسألت عن سعره و منشئه ثم واصلت طريقي ، والكتابة في الأمر قد تطول ، وأخذت أفكر في أبرز أسماء شوارعنا : النصر والجلاء وفلسطين وحطين والاستقلال وفيصل وعمر المختار وتونس والسكة و .... والحكي " مش مثل الشوف " .
المعارك توقفت ولسوف نعود في قادم الأيام لنمارس مهنتنا على أرض فلسطين . هل سنعود خلال السنوات القادمة " كافر سبت " في بيوت اليهود أم أن نبوءة بسام جرار ستتحقق وستنتهي إسرائيل في العام القادم ، ولطالما رددنا قبل العام ألفين " تؤلف ولا تؤلفان " وغدا سأكتب عن مهنتنا في دولة أبناء عمنا " كافر سبت " .
٢٧ / ٥ / ٢٠٢١ .

١٩
" يا بتروبني يا بطلقني " :

هذه العبارة صارت أيقونة يافاوية بامتياز ، فما من يافاوي عاش في مدينته إلا وسمع بها ، ويبدو أن النسوة اليافاويات كن فرحات بالحياة ويحببنها ما استطعن إلى ذلك سبيلا .
الروائيون الفلسطينيون الذين استعادوا يافا قبل العام ١٩٤٨ أتوا على موسم النبي روبين وأورد قسم منهم العبارة : نوال حلاوة ٢٠١٥ ووفاء أبو شميس ٢٠١٦ ويحيى يخلف ٢٠١٦ والمتوكل طه ٢٠١٨ وسعاد العامري ٢٠٢٠ .
لم يقتصر ذكر العبارة على الروائيين الفلسطينيين وحسب ، فقد ذكرها أيضا الروائي اللبناني إلياس خوري في روايته " كأنها نائمة " ٢٠٠٧ ووردت " يا روبني يا طلقني " .
المتوكل طه يكتب عن وريث يافا " أبو صبحي " أحمد صالح غنيم النزال الذي يعاني من الزهايمر فيتذكر طفولته في يافا . قبل المتوكل طه كتبت الروائية ليلى الأطرش عن القدس في الزمن العثماني من خلال شخصية تعاني أيضا من الزهايمر " ترانيم الغواية " ٢٠١٤ ، فهل تأثر المتوكل في هذا الجانب بليلى ؟
هل احتفل أهل يافا بموسم النبي روبين في القرون السابقة للقرن ٢٠ ؟
يجب أن نبحث في رواية يحيى يخلف " راكب الريح " ٢٠١٥ .
لاحظوا كم الكتابة عن يافا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين .
هناك أيضا روايات إلياس خوري وعاطف أبو سيف وإبراهيم السعافين ورشاد أبو شاور ، وهذه موضوع مقالتي الأسبوعية في جريدة الأيام الفلسطينية في ٢٨ / ٥ / ٢٠٢٣ و ٤ / ٦ / ٢٠٢٣ .
هل كان عبد القادر السطل كتب في كتابه عن مدينة يافا عن موسم النبي روبين ؟
لا أعرف إن كانت ستي الحاجة صفية أبو الركب تطلقت من زوجها الأول الذي خلفت منه عمتي رئيسة لإصرارها على أن يروبنها ، وأشك في أن زوجها الثاني أحمد الأسطة روبنها ، فقد كان فقيرا معدما .
٢٧ / ٥ / ٢٠٢٣

٢٠
غزة ( ٢٣٤ ) :
مجزرة في رفح . هي محرقة

في الثالثة من فجر ٢٧ / ٥ / ٢٠٢٤ أصحو من النوم وأقلب صفحات التواصل الاجتماعي . أقرأ خبرا مضى على كتابته خمس ساعات :
" بلغ عدد أقمار رفح 60 حتى الآن "
أقلب الصفحات فأرى السواد . شريط فيديو يحتوي على مشاهد صادمة لا يسمح لك بمشاهدته إلا إن وافقت . " الفيديو يحتوي على مشاهد صادمة " ، وماذا يمكن أن تكون ؟
جيش الاحتلال الإسرائيلي يحرق منطقة البركسات التي فيها خيام نازحين . الحرائق تشتعل في الخيام وجثث المحروقين تسحب . كانت المرأة تهييء الفراش لنوم أطفالها فاحترقوا ومات طفلها ، والرجل التفت إلى قدمه وقد طارت . وبعض الرجال والشباب ينقذون من تبقى حيا مشوها .
" الله يرحمه " قال رجل حين شاهد آخر يسحب جثة رجل ارتقى .
مساء أمس كتبت عن عودة روح السخرية إلى كتابات بعض نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي ، وكان السبب عملية مخيم جباليا ، وصباح اليوم أقرأ لساخر أمس كتابة حزينة يتمنى فيها من الله أن يعجل بالقيامة ، وينشد صاروخا مدمرا لا يبقي ولا يذر ، ويشتم العالم العربي الصامت مقتبسا سطرين من أغنية جوليا بطرس " وين الملايين " . هل هناك نخوة عرفها العرب . ماتت فينا النخوة . تقول كلمات الأغنية وتقول أيضا إن العرب نسوا أنهم إخوة . أحلام وأمنيات ورغبات وما شابه .
فجر اليوم أصحو على صوت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر . يتلو آيات قرآنية ، ثم يسبح لله .
هل أخطأ مظفر النواب حين قال :
" إن كنيسة شربل تحرق أطفالا ؟"
إن حرق خيام النازحين الفلسطينيين في رفح تم بموافقة ( جو بايدن ) الرئيس الأمريكي الصهيوني .
ويبدو أن تضمين الكتابة أسطرا شعرية من قصيدة النواب " تل الزعتر " لا يكفي .
النار تشتعل في الخيام والجثث تحرق . لقد جعلوا من خيام النازحين غرف نار أشبه بغرف الغاز التي أعدها النازي ( أدولف هتلر ) لحرق أجدادهم .
" متى تقوم القيامة ؟ " تساءل مواطن غزاوي .
رحم الله الشاعر يوسف الخطيب ابن دورا الذي كتب " رأيت الله في غزة ؟ " .
هل أقتبس في هذه الساعة ما أورده غسان كنفاني في إحدى قصصه القصيرة التي صورت خروج والده من عكا في العام ١٩٤٨ ؟
اللحظة غير مناسبة للاقتباس ، فمؤذن الفجر يؤذن للصلاة وأنا أخربش ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

صباح الخير يا رفح إن كان هناك خير . لقد فقدت الكلمات مضامينها وصارت خواء مثل أرواحنا ، والنكبة مستمرة من أيار ١٩٤٨ إلى أيار ٢٠٢٤ ، والقادم أخطر .
فجر ٢٧ / ٥ / ٢٠٢٤

٢١
غزة ( ٢٤٠ ) : خربة خزعة وخربة غزة :
( مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ٢ / ٦ / ٢٠٢٤ )

تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
خربة خزعة وخربة غزة ... ومحرقة رفح

عادل الأسطة

في ليل الأحد ٢٦ / ٥ / ٢٠٢٤ تساقطت القذائف على خيام النازحين في بركسات الوكالة غرب رفح . كانت مواطنة تهييء الفراش لأطفالها فوجدت رجلها قد طارت . قطع رأس طفل عن جسده فانشغل الأب بالبحث عن الرأس ، وسحب الأحياء أجساد من ارتقى ، وبلغ عدد القتلى العشرات ، وحين تصفحت بعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي قرأت أسطرا تمنى فيها كاتبوها أن يعجل الله يوم القيامة ، وتساءلوا إن كان ما ورد في أغنية جوليا بطرس " وين الملايين " صحيحا . هل العرب حقا إخوة ؟ وإن كانوا كذلك ، فأين النخوة التي يتغنون بها ؟ ( ماتت قلوب الناس ماتت بنا الرحمة . يمكن نسينا فيوم إنو العرب إخوة ) .
تساؤل النشيطين قرأنا ، من قبل ، مثله في " مديح الظل العالي " لمحمود درويش وفي كتابه " في وصف حالتنا " ، وفي قصيدة مريد البرغوثي " طال الشتات " التي منها :
فلما استنجز الموعود وعدا
تصايحت الملوك بأن فداكا
أغاثوه بمرثية وندب
وبئست تلك من غوث وذاكا
ودمع الحاكمين له لغات
وأفصحها يريد لنا الهلاكا "
وأيضا في مطولة سميح القاسم " خذلتني الصحاري " والاستشهادات والاقتباسات والإحالات كثيرة جدا .
مجزرة رفح تمت بعد يوم من خطاب الناطق باسم حماس أبو عبييدة ، حيث أعلن عن قتل جنود إسرائيليين وجرح وأسر آخرين ، وذلك في مخيم جباليا ، وأنهى كلامه بعبارة " وللحديث بقية " . وكان لخطابه فعل السحر في غزة والضفة الغربية والشتات الفلسطيني . لقد انتشرت عباراته في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الألسن انتشار النار في الهشيم ، بل ولقد خرجت مسيرات يحتفل المشاركون فيها بالحدث . ولم يقتصر الأمر على هذا ، فروح السخرية التي ألمت بقسم منا في يومي الحرب الأولين : ٧ و ٨ أكتوبر ٢٠٢٣ ، واختفت بعد ذلك - لأن الطائرات الإسرائيلية بدأت تغير وتدمر وتقتل بالمئات وتجرح بالآلاف ، وبذلك لم يعد هناك مجال لسخرية - فروح السخرية عادت من جديد ، ولكنها لم تتواصل ، إذ عجلت محرقة رفح باختفائها ، بل إن أحد الساخرين هو من تمنى أن يعجل الله بالقيامة ، كأن يسقط صاروخا ما لا يبقي ولا يذر .
القتلى والجرحى في المجزرة هم نازحون ، من شمال غزة ووسطها ، إلى رفح التي قالت عنها إسرائيل ، في بداية الحرب ، إنها منطقة آمنة . لقد نزح النازحون بعد أن طلبت منهم إسرائيل أن يغادروا بيوتهم ، حرصا على حياتهم ، لتقوم بتصفية المقاتلين الفلسطينيين الذين شاركوا في أحداث ٧ أكتوبر .
ما ألم بالنازحين في أعادني إلى رواية ( يزهار سميلانسكي ) " خربة خزعة " ( ١٩٤٩ ) وإلى ما كتبه عنها مترجمها من العبرية القاص توفيق فياض ابن قرية المقيبلة والمقيم حاليا في تونس ، بعد إبعاده في العام ١٩٧٤ في عملية تبادل أسرى إثر حرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣ .
" كأننا لا رحنا ولا جينا " كما يقول المثل الذي سمعته من إميل حبيبي الذي نعت العرب بأنهم ذوو ذاكرة عذراء . هل يمكن القول ، قياسا على المثل والوصف ، بأن الحركة الصهيونية تكرر ما قامت به في العام ١٩٤٨ وبأن الإسرائيليين لم يتعلموا ، أو أنهم لا يريدون أن يتعلموا ، على الرغم من أن مياها كثيرة جرت في نهر العالم ؟
الفكر الصهيوني هو الفكر الصهيوني وما مارسوه من قبل يصرون على ممارسته ، مع أن امبرطوريات عظمى تلاشت وصغرت ( بريطانيا وفرنسا ) وعوالم تفككت ( الاتحاد السوفيتي ) وقوانين عنصرية لم يعد لها وجود ( جنوب أفريقيا ) .
وأنت تتابع ما يجري الآن في قطاع غزة تشعر أن قصة ( سيميلانسكي ) أصبحت على أرض الواقع خماسية مثل خماسية " مدن الملح " ، بل وتشعر أنك تشاهد مسلسلا لا فيلما قصيرا . هذا من حيث القتل والتهجير والقتل والتدمير والحرق ، مع فارق جوهري أساس يتمثل في تغير صورة الفلسطيني تغيرا كليا ، فالصورة التي ظهرت له في الرواية ما عاد لها وجود إطلاقا . لقد اختفت تماما لتحل محلها صورة المقاوم الشجاع الذي يشعر عدوه الغازي أنه ليس في نزهة ، كما كان في حرب ١٩٤٨ وحرب ١٩٦٧ .
في " خربة خزعة " تظهر الصورة الآتية للفلسطيني ، على لسان الجندي غابي ، مقابل صورة الإسرائيلي :
" كان شبابنا يقاتلون كمن لا أعرف ماذا ، وهؤلاء يهربون . إنهم لا يحاولون حتى القتال "
ويجيبه شموليك عامل اللاسلكي :
" دعنا من هؤلاء الأعراب - إنهم ليسوا رجالا " .
والعرب ، كما يرد على لسان الجندي السارد :
" قذرون " وذوو نفوس قاحلة. " أصبحوا مقيتين مقيتين إلى حد الغضب ، فما الذي نريده منهم . أي دخل لنا . لشبابنا وايامنا العابرة ، بقراهم المقملة المبققة المقفرة الخائفة... "
" يهربون... حتى ولا طلقة واحدة ، أنذال ... " .
ومن المؤكد أن الصورة السابقة لم يبق منها في هذه الحرب أية بقية إلا إذا واصل الكتاب الإسرائيليون نهج الأدباء الصهيونيين الأوائل الذين كذبوا وكذبوا وكذبوا حين رفعوا شعار " أرض بلا شعب " وصدقوه ، ثم جوبهوا على مدار ستة وسبعين عاما مجابهة لم تتوقف إلا لتتواصل ، ولكنهم خلالها لم يعرفوا شكيمة الفلسطيني وقوته وبطولته إلا في مجابهات عديدة قليلة أهمها حرب حزيران ١٩٨٢ في بيروت وحرب ٧ أكتوبر الدائرة حاليا في غزة .
في غير مقابلة معي عن يومياتي التي أكتبها منذ أكتوبر ٢٠٢٣ سئلت عن كتابي " الفلسطيني في الرواية العربية " وتأثير هذه الحرب على صورته في قادم الأيام . وكانت إجابتي تقول إن صورة الفلسطيني المقاوم البطل التي برزت له بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، حيث تحول إلى أسطورة ، هي الصورة التي سترسم له في الأدبيات القادمة ، وقد بدأت تظهر في كثير من المقالات وليس أولها أو آخرها المقال الذي كتبه في بداية الحرب الكاتب الأردني عبد الهادي راجي المجالي يخاطب فيه العرب أن يغلقوا مدارسهم وجامعاتهم ويرسلوا أبناءهم إلى غزة ليتعلموا معنى البطولة والحياة هناك .

( الاثنين ٢٧ / ٥ / ٢٠٢٤ )
( مقال الأحد ٢ / حزيران / ٢٠٢٤ لجريدة الأيام الفلسطينية )

٢٢
فرانز كافكا " بنات آوى وعرب " :

هل تنبأ الكاتب اليهودي التشيكي ( ١٨٨٣ - ١٩٢٤ ) بما جرى ويجري بين اليهود والعرب ؟
هل العداوة بين العرب واليهود في الدم حقا ؟
هذا نص من قصة كافكا القصيرة " بنات آوى وعرب " .

" لقد ضيقوا علي الدائرة ، وأخذوا كلهم يتنفسون نفسا قصيرا ونافخا " نحن نعرف " بدأ الأكبر يقول " بأنك تأتي من الشمال " ، وعلى هذا عقدنا أملنا . هناك الفهم ، هذا الذي لا يوجد هنا بين العرب . ومن هذه العجرفة الباردة ، تعرف ، لا تحس ذرة عقل . إنهم يقتلون الحيوانات لكي يفترسوها ، وهم يسيئون استخدام الجيف " .
- " لا تتكلم بصوت مرتفع " . قلت " فثمة عرب ناموا بالقرب من هنا " .
- " إنك حقا غريب " قال ابن آوى وتابع :
- وإلا لكنت عرفت بأنه لم يحدث أبدأ في تاريخ العالم أن خاف ابن آوى عربيا . هل انبغى أن نخافهم ؟ ليس من سوء الحظ ، بما فيه الكفاية ، أننا مطرودون تحت شعب كهذا .
- يمكن . يمكن . قلت :
- إنني لا أدعي رأيا في الأشياء التي تقع بعيدا عني ، ويبدو أن ثمة خصومة قديمة جدا ، تقع حقا في الدم ، وربما ستنتهي كذلك بالدم " .
- أنت ذكي جدا .
قال ابن آوى الكبير ، وتنفسوا كلهم أيضا ، بسرعة ، برئات مهتاجة ، ومع ذلك بقوا هادئين وقد انسابت من الأفواه المفتوحة ، ولفترة فقط مع أسنان مشدودة ، ثمة رائحة كريهة محتملة .
- أنت ذكي جدا ، وهذا الذي تقوله يلائم تعاليمنا التاريخية " يعني نسحب منهم دمهم وتكون الخصومة قد انتهت "
- اه !
قلت متوحشا ، كما أردت .
: سوف يقاومون ! وسوف ينقضون ببنادقهم عليكم ويرمونكم أسرابا بالرصاص "؟
٢٧ / ٥ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...