سعيد بوخليط - بابا.. أبي.. ”اْبَّا”

على منوال ذلك ثالوث أمّي، ماما، ”اْمّي”، تعبيرات لغوية مرتبطة بوضعيات سياقات مجتمعية وانتماءات طبقية ومرجعيات أيديولوجية، كما الوضع اللّغوي عموما. بالتّالي، هي ألفاظ غير بريئة تماما بل تعكس أبعادها تراثا بعينه ورؤية نسقية.

”سِيْرْ يا وْلْدْ جامع الفنا!” ٧توصيف يضمر حسب النَّاعت مختلف معاني الانحراف.

ثم يردّ المنعوت دون تردّد، كي يقوّض جذريا التّهمة الثّابتة:

”جامع الفنا لا تنجب أولادا”.

بناء على حيثيات خطاب من هذا القبيل يرتقي شباب الحيّ إلى مرتبة ”الفرسان”، منطلق ذلك ضرورة توظيف منظومة لغوية ملائمة ونبرة صوتية خشنة، تعكس التّركيز الذّكوري.
يستحيل على صاحب هذه الهواجس مناداة أمّه ب ”ماما” أو أبيه ب ”بابا”، قد يفعل ذلك داخل المنزل ضمن نطاق خاص حين تواريه عن العموم مدرِّبا نفسيته على مكر شيزوفرينية مقيتة. تكشف إحالات لفظ ”ماما” حسب تأويل المستمعين، على شخص مخنَّث ذي منحى بورجوازي، فرانكفوني، ليّن، فاقد لجانب من هرمونه الذّكوري.
طبعا، يجري التّصنيف عفويا وتلقائيا من طرف الآخرين، ولا يرتقي الى درجة استلهام مرجعية نفسية عالمة عبر استثمار مثلا مفهومي الأنيما والأنيموس لكارل غوستاف يونغ.
نفس هذا التّوظيف ”الأنثوي” حسب التّصنيف ”الذّكوري” لثقافة الحيّ التّراثي، ينقلب رأسا على عقب إلى مطلب رمزي أوّلي في سبيل تحقيق الارتقاء الطبقي خارج سور المدينة القديمة. يصبح استعمال منظومة تعبيرية على شاكلة ”بابا”، ”ماما”، مع تأثيثها وتزينها بكلمات من اللّغة الفرنسية سبيلا لا غنى عنه للتمتّع بالحظوة المأمولة ضمن صفوف المجتمع ”العصري”.
ظلّ مصطلحا ”أبي”، ”أمّي”، وفق زخم بنيتهما النّبرية العامية ” اْبا”، ” اْمّي” الأكثر شيوعا داخل الحي، مقابل ندرة أو قِلّة تداول التّحوير الإفرنجي لهما، نعم اعتُبِر إفرنجيا بكيفية أو أخرى كلّ من وظّفهما عوض اللّغة التّقليدية، بل تعرّض أطفال للعقاب البدني واللّفظي حتّى يتوقّفوا عن هذا ”الزّيغ الفكري” وحتمية التعوّد على مخارج ” اْبا”، ” اْمّي”، بينما يوظِّف الشابّ الأكبر سنّا المصنّف ضمن طليعة الذّكوريين لفظة ”الوالد”.
تندرج تعابير أخرى ضمن متواليات مسالك رمزية الانتماء الطّبقي وحيثيات لعبة التّصنيفات المجتمعية مثلا قول ”اْحْبيبي” بدل ”خالي” المحافِظة، بمعنى نفس الفئات التي استعملت ”بابا” حوَّلت الأخوال إلى ”أحباب” ثم ”لَلاّ” أو ”اْمّي لَلاّ ” أو ”المّيمة” عوض كلمة جدّتي التّليدة، كذلك ”اْبَّا سيدي” مقابل جدّي، إلخ.
هذه العبارة أو تلك بمثابة مؤشّر عفويّ ظاهريا، غير أنّها تضمر باطنيا مجموعة حيثيات دالّة بخصوص محدّدات صراعات السّياقات المجتمعية.
أيضا، أستحضر في خضمّ هذا الحديث، موقفا محرجا اختبر بعض شباب الحيّ صعوبة تفاصيله يتعلّق الأمر تحديدا بأن يكون أحدهم خارج المنزل مع أقرانه ثم تظهر أخته فجأة كي تنادي عليه بضرورة العودة حالا إلى البيت لأنّ ”ماما” تلحّ على ذلك. يتمنّى حينها الشخص المعنيّ تصدّع الأرض وابتلاعه، لاسيما إذا كانت حساسيته مفرطة بهذا الخصوص ويكابد قصد التمتّع بالحظوة المطلوبة داخل المجتمع الذّكوري. لقد أجهز نداء ”ماما” على مبتغاه فأظهره أمام زملائه أليفا، رطبا، أنثويا، يفتقد لغلظة وفظاظة أنصار كلمة ”أبي”.
مجرد تعبيرات لغوية شكلية، أولا وأخيرا، تفتقد للمعيار الحاسم والجوهري بخصوص تحديد شخصية الفرد ومدى نزوعه أكثر نحو تجليات الأنيما أو الأنيموس، غير أنّها كانت حاسمة بشكل أساسي داخل دروب المدينة القديمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...