أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٩ أيار من كل عام

١

مقهى البرلمان :

اليوم جلست في مقهى البرلمان ، بعض الرواد كانوا جددا أراهم لأول مرة ، وقد عرفت أن أصول قسم منهم من يافا من حي العجمي .
ستحضر يافا وسيكرر أحد الكبار ممن أقاموا في يافا ما كان قاله لي عن جدي وأعمامي ، فهو يعرفهم واحدا واحدا . يعرف جدي ومهنته :
- بائع كعك على الفرش . ويعرف والدي الملك ، ويعرف عمي ابراهيم الذي عمل معه في القصارة ، كما أنه لم ينس عمي مقريء القرآن الذي كان يغني لعبد الوهاب ولقب ب "بلبل فلسطين" ، وقد مسه إثر النكبة مس في عقله ، وله ابن يقيم في مصر ، لأن أمه مصرية ، ولا نعرف عنه شيئا ، مع أن أخي حاول أن يبحث عنه عبثا .
الرجل الطاعن في السن أخذ يتحدث عن علومه ، ومدح نفسه بأنه علامة ، وأنه يعلم أحفاده ، ولولا خطأ جعلني أقول له :
- تمهل ،
لواصل اعتقاده .
قال لي الرجل إن عيسى العوام هو ابن خالة الرسول ، وأما أبو بشارة ، فقد روى لي أنه نقل على لساني أن موسى بن نصير كان مسيحيا ، ولم أكن أنا متأكدا من هذا ، فقلت له : نتأكد ، ثم تأكدت ، ولم يذكر أحد أنه كذلك .
ولكني أذكر أنني قلت لأبي بشارة إن طارق بن زياد كان بربريا ، وأعدت قولي هذا على مسامعه .
سألت اليوم عن قصة الشاب الذي انتحر قبل يومين ، سألت إن كان متزوجا وله أولاد ، وأجبت عن بعض تساؤلاتي .
ثمة كلام لا يكتب ، لأنه أصلا من باب التخمينات .
الجلوس في مقهى شعبي ممتع ، ولكن قد يكون عليك أن تتحلى بالصبر وإن تقبل ، أحيانا ،أن تكون تلميذا لبعض الكبار . لماذا ؟ لأن ..لأن ..لأن ..
ما خطر ببالي هو أن الرجل الطاعن في السن يجد وجودي فرصة ليتحدث مع شخص ما ، فقد يكون يعاني من الوحدة والعزلة ، ولما سألته إن كان لديه أبناء وأحفاد وزوجة عرفت أنه يعيش في وسط شعبي ، وأن السبب لحديثه هو إقناعي بأنه بروفيسور وأكثر ، وأنني قد أكون تلميذا عنده .
الجلوس في مقهى شعبي ممتع حقا ، فكيف إذا كان في البلدة القديمة في نابلس ، وفي مقهى البرلمان؟
2014
رحم الله " أبو زياد " الشبيري

٢
إشكالية اﻷعمال الشعرية الكاملة لمظفر النواب:

قبل سنوات نشرت في مجلة الشعراء مراجعة نقدية لطبعة اﻷعمال الشعرية الكاملة للشاعر العراقي مظفر النواب التي صدرت عن دار قنبر في 1996 في لندن،وعليها اعتمدت طبعات أخرى.
حتى الآن صدرت طبعات ومختارات ﻷشعار الشاعر لا يساوي أكثرها شيئا،وهي طبعات تسيء للشاعر ولشعره وتسيء أيضا إساءة بالغة لمصدريها.
مؤخرا كتب لي صديق فيسبوكي أنه يعرف مظفر وأن اﻷخير لم يرض عنها،بل إنه كان يغض النظر عنها وكان مظفر استاء أصلا من طبعة دار قنبر.
في مكتبتي خمس أو ست طبعات لا توجد واحدة تجاوزت ط دار قنبر.بل إنها أسوأ منها.وكنت كتبت عن سوء طبعة زياد أبو لبن ومختارات أوس داوود يعقوب.
لدي ط.دار قنبر التي أنجزت لها مراجعة
ولدي مختارات إسلام ابراهيم
ومختارات أوس داوود
وطبعة دار الكتاب الحديث 2001
وفي سفرتي اﻷخيرة لعمان اشتريت مختارات محمد جاد الله /دار الصادق.
وكلها أسوأ من بعضها

٣
سلمان ناطور يتعبني ويربكني:

أتعبتني أعمال سلمان ناطور اليوم وأربكتني.كنت أقارن بين ثلاثة كتب له هي ستون عاما...رحلة الصحراء ،.هل قتلتم أحدا هناك ،وخمارة البلد.
هالني ما رأيت من تغيير في التنظيم والترتيب ولعل ذلك سيكون مادة لدارسه.ينشر سلمان النص في كتاب،ثم يعيد النشر تحت عناوين أخرى مع حذف وإعادة ترتيب و..و...
على أن ما اكتشفته هو أن لا أحد،حتى آميل حبيبي،كتب عن حيفا وعن صورة اليهودي ما كتبه سلمان في هذا الجانب.ستكون هذه الكتابة مادة دسمة لياسر جوابرة الذي سينجز رسالة ماجستير عن سلمان ناثرا.أنا أعد العدة لياسر لعله ينجز عملا مميزا يليق بأدب سلمان الذي لم ينل حظه من الدرس ولم يلتفت إليه بما يستحقه.
٢٠١٤

٤

أدب العودة وأدب العائدين:سؤال الاختلاف

وأنا أكتب المقالات الخمس اﻷخيرة ، وهي عن أدب العودة والعائدين (اﻷيام 26/4 و3، 10’ 17، و24/ 5)أثرت السؤال عن الفارق بين أدب العودة وأدب العائدين ،وأخذت أمعن النظر في الفارق والاختلاف.فاﻷدباء العائدون كتبوا عن عودتهم بعد أوسلو ، ولكنهم ،مثل من سبقهم ،كتبوا عن حلم العودة،يوم كانوا في المنفى ،بل وربما يوم كانوا في الوطن قبل أن يهاجروا أو يبعدوا...(محمود درويش ،واكرم هنية) ‘وحين نفي هؤلاء او هاجروا ظلوا يحلمون بالعودة،وكانت كتابتهم عن المنفى وقسوته ضربا من التعبير عن حلم العودة (محمود شقير ،ومحمود درويش ايضا).
وحين يتتبع المرء اكثر نتاج من عاد من الادباء،ويمعن النظر فيه فسيلحظ ان الكتابة عن تجربة العودة لم تطغ على ما انجز من كتابات،وان شكلت ظاهرة لافتة.
تقرؤون بقية المقال في جريدة الايام الفلسطينية ،يوم الاحد 31/5/2015
29/5/2015

٥
لا تشغل البال بماضي الزمان
ولا باتي العيش قبل الاوان
واغنم من الحاضر لذاته
فليس في طبع الزمان الامان.
انا لله وانا اليه راجعون.
٢٠١٤

٦
مظفر النواب ونوبل :

الأدباء العراقيون رشحوا ، أمس ، الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب ، لجائزة نوبل .
أشكر د. عبد الرحمن البرقاوي للفت نظري .
أعتقد أن مظفر النواب أكبر من جائزة نوبل ، وأقترح على القائمين على جائزة محمود درويش منحه هذا العام الجائزة .
2017/ 5/29.

٧
أحمد دحبور: حياة فلسطيني

مرة درس أكاديمي ألماني غسان كنفاني تحت عنوان " غسان كنفاني: حياة فلسطيني " و مما قاله (شتيفان فيلد ) عن مبررات دراسته إن دراسة حياة غسان كنفاني و أعماله تعتبر مكافأة خصوصية. و لهذا الغرض رسم الدارس صورة وصفية لرجل خيف منه و كره كثيرا مثلما وثق به و أحب ، رجل حير بطرق متعددة الناس الذين حتى يومنا ما زالوا ، في الشرق الأوسط ، ضحايا ورهائن ، إلى حد بعيد للعبة الأمم. و لم يختر (فيلد ) كنفاني بسبب النوعية الرمزية التي تشغل حياته و موته بعض الفلسطينيين ، فهناك سبب آخر لا يقل أهمية يكمن في أن كنفاني كصحفي و سياسي عبر عن وضعه و كان صريحا في ذلك ، وعلاوة على ما سبق فقد كان أحد أبرز الكتاب المعاصرين الموهوبين في القصة العربية.
هل يمكن استعارة ما قاله الأكاديمي الألماني في العام 1975 عن كنفاني في أثناء دراسة حياة أحمد دحبور؟ هل خيف من دحبور كثيرا وهل أحبه في المقابل أناس كثيرون؟ هل شغلت حياته بعض الفلسطينيين؟ وعلاوة على ما سبق هل عبر عن وضعه وكان صريحا في ذلك؟ وهل كان أحد أبرز الشعراء المعاصرين في الشعر العربي؟
انتمى أحمد دحبور منذ شبابه إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح و تغنى بها في أشعاره و اتخذ في 70 ق20 مواقف صريحة من بعض الأنظمة العربية التي اصطدمت مع الثورة ، مواقف لا تقل وضوحا عن مواقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "يا فلسطين التي تغتال في عمان ثانية/ ألا لا براتهم من دمي عمان/ كانوا تاجرا و مقامرا كانوا دنانير الدخيل " .
بقية المقال في جريدة الأيام الفلسطينية
٣١ أيار
2017/ 5 /29

٨
في حيفا 20 :

هل كنت ، وأنت في الحافلة ، وأنت في حيفا ،هل كنت تصغي إلى كلام رفاق الرحلة أم إلى كلام الدليل أم كنت تصغي إلى نفسك وإلى علاقتك بالمدينة ، وهي علاقة زائر عابر وعلاقة قاريء جيد لأدبيات حيفا في أعمال أهم ادبائها؟
في الحافلة كنتم مجموعة من الأدباء العرب ومن فلسطينيي فلسطين 1948: واسيني الأعرج ود.رزان ابراهيم وربعي المدهون وابن أخيه الشاعر غياث المدهون وسامح خضر ود.عايدة فحماوي وزوجها.
كنت تجلس على كرسي منفرد وأحيانا كنت توضح للدليل بعض وجهات نظر في سقوط حيفا ،كأن تتحدث عن بساطة العرب وسذاجتهم ،عدا موقف الانجليز المنحاز للحركة الصهيونية منذ وعد بلفور وحتى تسليم حيفا.
والحافلة تهبط من الكرمل كنت تصغي إلى قراءات قديمة عن البراميل التي دحرجها اليهود من سكان الكرمل لإخافة السكان العرب وتسريع ترحيلهم من المدينة ،ظنا بأن أصوات البراميل أصوات مدافع.
في الحافلة كنت تسترجع صورة المكان في الذاكرة العيانية وصورته في الأعمال الأدبية التي قرأتها وشكلت مكونا من مكونات صورة حيفا لديك ،وهي الصورة الأقوى تأثيرا في قلبك. كما لو أنك المعلم الذي أراد الجاحظ أن يكتب عنه.
أحب المعلم أم عمرو من بيت شعر "يا أم عمرو جزاك الله مغفرة "وكره أم عمرو من بيت شعر آخر " إذا ذهب الحمار بأم عمرو".
في حيفا وأنت تتذكر عبد الرحيم محمود و"الحمال الميت " والصورة القاسية التي أبرزها لمجتمع المدينة الذي لم يلتفت إلى الحمال- كما لو أن المجتمع مجتمع قساة- في حيفا هذه تتذكر ما كتبه اميل حبيبي في "اخطية "عن طفولته في المدينة والعلاقات الانسانية بين السكان والجيران. مجتمع كما لو أنه أسرة واحدة " كانت الجيرة حلالا ،والجار من أهل البيت. وكان الجار ينتسب إلى جاره...." (ص71 ) فتحتار بين الشاعر والروائي.
هل كان سكان حيفا قساة أم كانوا أسرة واحدة؟ هل يعود الاختلاف إلى كتابة النصين في زمنين مختلفين؟ هل يعود السبب إلى كون الشاعر غريبا عن حيفا ومجتمعها ومثله الحمال وإلى كون اميل ابن حيفا؟ هل يعود إلى التجربة الشخصية وإلى الطبيعة النفسية لكل منهما؟
الإجابة تتطلب إمعان نظر وتفكير ولا تريد وأنت في حيفا أن تفسد الاستمتاع بجمال المباني القديمة والحديقة البهائية وسعة الشارع وهدوء الحركة فيه.
ثلاث دقائق في حيفا هل تكفي للكتابة عن المدينة أم أن الأمر مختلف تماما وأن الدقائق الثلاثة بدأت في العام 1968 يوم زرت حيفا زيارة لما تنته. كما لو أنك مثل خالد الذي أهدى إليه غسان كنفاني روايته "ما تبقى لكم ": إلى خالد. الفدائي الأول الذي ما زال يسير ".ومن عكا تنظر إلى حيفا وثمة حسرة في القلب.
29/ 5 /2018

٩
حول مؤتمر المدينة في الأدب الفلسطيني:

قبل عام وثلاثة أشهر عقد مجمع القاسمي في باقة الغربية مؤتمرا تحت عنوان "المدينة في الأدب الفلسطيني ".
غالبا ما أفكر في المؤتمر والأوراق التي ألقيت فيه وغالبا ما أقول إن الأوراق التي قدمت فيه أكثرها كان ضعيفا وبائسا ولا يستحق.
كان يمكن أن يكتب أفضل بكثير مما كتب.
29/ 5/2018

١٠
جوخة 8

جوخة الحارثي : ثقافة الأسماء 2 / طبقية الأسماء :

غالبا ما يشير الاسم إلى هوية حامله ، وهذا ليس اكتشافا ، فحتى قبل كتاب أمين معلوف " هويات قاتلة " حيث الاسم واللهجة والأيقونة تشير إلى هوية صاحبها ، وهو ما تجسد في رواية جبور الدويهي " شريد المنازل " (انظر دراستي :سؤال الهوية في الرواية العربية ) .
تأتي " سيدات القمر " على طبقية الأسماء ،فالرواية التي ترصد المجتمع العربي في عمان تقف أمام طبقية المجتمع الذي كان في نهاية القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين مجتمعا بنيته بنية إقطاعية بالتمام ، وتلتفت إلى انعكاس هذا في حياة الناس اليومية وسلوكهم إزاء بعضهم البعض ، وموقف كل طبقة من الطبقة الأخرى .
طبقتا المجتمع هما طبقة الأسياد وطبقة العبيد ، والحياة مقسمة بينهما ولكل دوره ونمط حياته ، ولكل أيضا أسماؤه الخاصة به .
هناك أسماء خاصة بالأسياد وأخرى خاصة بالعبيد .
" أم ظريفة يلقبها الناس ب "الخيرزانة " لطولها ورشاقتها ، لكن اسمها الحقيقي هو " عنكبوتة " ، كان أبوها قد مل من ولادات زوجته المتكررة ومن انتقاء الأسماء التي ينبغي في كل مرة ألا تقترب من أسماء الشيوخ والأسياد ، فلم يخطر على باله اسم آخر غير عنكبوتة ، وهكذا كان .
حين يفكر سنجر ابن ظريفة العبدة أن يسمي ابنته رشا تهجم أمه عليه وتشد رقبته وتقول له " تسمي بنتك هذا الاسم الغريب رشا وتريد تهاجر ؟ "
فيجيبها صائحا :
" اسمعي يا أمي ، بنتي ما يهمني اسمها ولو كانت ولد سميته محمد أو هلال أو عبدالله "
وأسماءالذكور هذه أسماء الأسياد ، وهنا تصيح الأم :
" ايش ؟ "
وتضيف :
" سيقتلك التاجر سليمان ...تسمي على اسم أهله و أولاده؟ أنت جنيت يا ولد؟ تكبر رأسك على من ؟ ..من رباك وعلمك وزوجك ؟ ".
ثمة أسياد وعبيد ، وثمة طبقية يجب في نظر الأم أن تراعى ، وإن بدأ بعض الناس يتمردون . وكان سنجر من الذين تمردوا وهذا ما لم يستوعبه التاجر سليمان الذي ظل في مرضه عامين يهذي بجلب سنجر وربطه بالشجرة ، وحين يقول له ولده عبدالله إن الحكومة حررت العبيد يقول لابنه إن أمر الحكومة لا يعنيه ، فسنجر عبده لا عبد الحكومة .
مع ما سبق حدث تغيير في الأسماء ، كما لاحظنا ، بعد الانفتاح على العالم ، وتكفي الإشارة إلى اسم لندن .
وفي فترة أسبق كان الأسياد هم الذين يسمون عبيدهم ، فحين تلد عنكبوتة طفلتها ظريفة يعلن الشيخ سعيد أن المولودة اسمها ظريفة " ولكنه لن يتمكن لسوء الأحوال بعد فساد محصول التمر من ذبح أي عقيقة عنها " ، وإذا كان أبي يكرر على مسمعي دائما عبارة " أنت ومالك لأبيك " فإن عنكبوتة وابنتها ظريفة هما ملك للشيخ سعيد ، وحين يبيع هذا ظريفة للتاجر سليمان تصبح هي وابنها ملكا له ، وكما نلاحظ في الرواية فإنه هو من يختار لها زوجها ، بعد أن أغضبته وهجرها .

١١
جوخة 9 :
جوخة الحارثي : سيدات وعبدات :

لا تقص جوخة الحارثي عن سيدات وحسب . إنها تروي عن عبدات أيضا يتلذذن بعبوديتهن ويدافعن عنها ، وحين يتمرد الزوج على العبودية ويطالب بحريته تستاء الزوجة من زوجها أو ابنها الذي ينكر نعمة سيده .
أعتقد أن عملية إحصائية للنماذج النسوية في الرواية وتصنيفها ورصد مآلاتها تبدو مجدية .
هناك سيدات يتمردن ويخن أزواجهن ، وهناك سيدات يعانين من عقدة الطلاق مرتين ، وهناك جيل قديم وجيل جديد ، وهناك نسوة يبحثن عن حريتهن أولا حتى لو خالفن العرف الاجتماعي .
هناك عبدات يعشن حياة قاسية يبعن عبدات ويخلفن عبدات ويمارسن الجنس كما لو أنهن مومسات لا تعرف الواحدة منهن من هو والد ولدها أو والد ابنتها . إنهن يضاجعن غير شخص دون أن يعرفن ممن حملن .
تلك هن هن نسوة عمان في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين .
ومع ذلك هناك آباء يحترمون بناتهن ولا يجبرونهن على الزواج ، آباء يقرؤون الشعر العربي ويتبارزون شعرا مع بناتهن .
وثمة فصل بين السيدات والعبدات ، فالسيدات لا يحببن مخالطة العبدات ولا يستقبلهن بفرح في بيوتهن حتى لو كن محظيات السيد وخليلاته ، فهن عبدات ومن طبقة أدنى ، وهن شبقات ولا يتحرجن في كلامهن وسلوكهن .
حين تزور ظريفة سالمة في بيتها لتبارك لها في ولادة ابنتها ميا ، تتباطأ سالمة في استقبالها والترحيب بها وتدعي أن رجلها توجعها ، وعلى خلاف استقبالها لها تستقبل زوجة المؤذن ، فتقوم وترحب به وتلحظ ظريفة الأمر فتعقب :
" واعجبي !! شفيت رجول سالمة وقدرت تقوم !!" وحين تلحظ مصافحة سالمة زوجة المؤذن بحرارة تقول :
" يقول المتوصف : المحبوب محبوب جاء ضحى وجاء غروب ، والرامد رامد جاء حاش وسامد " ، ثم ضربت فخذها بكفها ودخلت المطبخ "
وكانت ظريفة العبدة الوحيدة التي تجلس في مجلس النسوة الأرقى طبقة وتتصرف بحرية ، فهي محظية التاجر سليمان وهي من ربت عبدالله زوج ميا وكانت له بمثابة أم ، وكانت أحيانا تناديه ب " ياولدي " .
في بعض مواطن الرواية نقرأ عن انفتاح مجتمع العبدات وتحررهن جنسيا ؛ لغة وسلوكا ، فظريفة التي تخاف على عبدالله من الشذوذ وتسلط الآخرين من الذكور الشباب والكبار عليه تدفع بالفتيات العبدات نحوه ليمارس معهن الجنس ، دون مراعاة لكبريائه ، ولا تتردد الفتيات العبدات من التحرش به جنسيا .
وفي غير موطن نقرأ عن انكشاف العبدات لغة .
في ص٢٦ تقول ظريفة ، لزوجة المؤذن التي اعترضت على الزواج المبكر لسنجر ، بصراحة عن سبب تزويج ابنها سنجر :
" وأسألك أحسن أزوج سنجر ولا أحسن أخليه ليركبه الرجال " وظريفة تعبر بصراحة وبالحركة الدالة عما تفعل وتحب . إنها لا تتوانى عن التعبير عن حياتها في أشياء يبدو التعبير عنها أمام الآخرين محرجا .
حين يسألها عبدالله عن اختفاء أمه مثلا تتغابى وتتظاهر بأنها لا تعرف ، فيستغرب ويسألها ماذا تعرف إذن ، فتجيب :
" أنا ظروف لا أعرف كل شيء ، أعرف أطبخ وآكل و أرقص و ... " وأشارت بيديها في حركة بذيئة " . ولم تكن ظريفة استثناء في هذا ، فحين يكبر عبدالله يرى " كثيرا من هذه الحركات من رجال ونساء على السواء " ، ولما سبق تحرص سالمة على أن تكون غرفة بناتها منعزلة حتى لا يختلطن بالنساء الكبيرات المتزوجات من الزائرات .
ويتحدث عبدالله عن تحرش شنة به ومراودته وارتمائها عليه .
٢٠١٩

١٢
الست كورونا : استدراك ٩٨ :

" أجت الحزينة تفرح ما لقيتلهاش مطرح " يقول مثلنا الشعبي ، وكنت أود أن أبدأ صباح أمس بقدر من الفرح ، فالحياة عادت إلى طبيعتها وانتهت الظروف التي مررنا بها منذ منتصف آذار ، فلا يوجد حجر صحي ولا مقاه أو مطاعم مغلقة ، ووسائل المواصلات عادت تتحرك دون شروط ، ولكن أخبار الصباح من إذاعة " أجيال " تمحورت في معظمها عن الكورونا في العالم ؛ في أميركا والبرازيل ودولة أبناء العمومة المصونة " إسرائيل " ، بل وعن اكتشاف حالة إصابة جديدة في مدينة قلقيلية ومحيطها .
في المدينة زرت الشيخ داوود مكاوي صاحب مكتبة " الرسالة " وكان الحديث كله بيننا ، أنا وهو وزائران ، يدور حول " الكورونا " فتحدثت بطلاقة من ألف كتابا في الموضوع على مدار تسعين يوما وأكثر " يوميات الست كورونا " ولم يتوصل إلى قرار أو رأي يتكيء عليه .
" أنا في حيص بيص بخصوص ما عشته منذ توقفت أمام فايروس كوفيد ١٩ ، وكلما قرأت أكثر وأصغيت إلى أشرطة فيديو أكثر ازددت حيرة " وهو ما كتبته تعقيبا على استفسار الناشط خليل حمد مساء أول أمس .
ما إن بدأ أحد الزوار يحرك يديه تحريكا ذا دلالة حتى تركت الجلسة وذهبت إلى موعد مع كامل ياسين لنلتقي في مقهى " خان الوكالة " لأبدي رأيي في رسالة الماجستير التي أعدها وانتهى من كتابتها ، بحكم كوني مشرفا ، حتى تتم مناقشتها . إنه نموذج التعلم عن بعد ، وقد صار في المقهى عن قرب ، واستبدلنا المقهى بالجامعة ، علما بأن المقاهي عادت تستقبل زوارها منذ بضعة أيام فقط .
في المقهى جلست مع صديق قديم تعرفت إليه في عقدي سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين يوم كان نشيطا من نشطاء الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين . لم يبق من فلسطين إلا بمقدار ما بقي من الجبهة الديموقراطية وعما قريب ، حين تضم إسرائيل أجزاء من الضفة الغربية إلى دولتها المصونة ، سنصبح دولة ابارتهايد .
في مقهى " خان الوكالة " عقمت يدي ولاحظت الموظفين يرتدون الكفوف وينتظرون الزبائن وكان الأخيرون يترددون على المقهى بفرح وبلهفة العاشق إلى معشوقه بعد غياب ثلاثة أشهر .لماذا لم تصدح في المقهى قصيدة محمود درويش بصوت مارسيل خليفة " ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا " ؟ ولماذا لم يكن الشاعر ينشدها بصوته ، فهي خير تعبير عن حالتنا ونحن جلوس ؟
آخر أجواء عيد الفطر كانت تلاحظ في المدينة ، والنسوة كن يتبضعن وينفقن ما تجمع لديهن من نقود ك " عيديات " ، وآخر الرسائل التي وصلتني تمحورت حول أوضاع السلطة الفلسطينية في الشهرين القادمين .
هل بدأت حقا مظاهر انهيار السلطة ؟
هل سيبدأ حصار الرئيس أبو مازن ؟
وهل سيحاصر في المقاطعة كما حوصر الرئيس أبو عمار في ٢٠٠٢ ؟
ربما نحن على عتبة سبع سنوات عجاف ، وقد آن أوانها .
٢٩ أيار ٢٠٢٠ .

١٣
الفلسطيني في الرواية العربية : الفلسطيني ملتبس الهوية في " أولاد الغيتو " Khoury Elias :

عادل الاسطة

في تتبع هذه الصورة نادرا ما يقرأ المرء عن الفلسطيني المتعاون أو الفلسطيني " ملتبس الهوية " ، وربما تكون رواية حيدر حيدر " حقل أرجوان " التي أتت على خلية فدائية مقاومة في الأرض المحتلة هي الرواية الوحيدة في القرن العشرين التي أتت على فلسطيني خائن سلم مجموعة فدائية ، وهذا يختلف عن رواية الأرض المحتلة التي حفلت بنماذج متعاونة ، وتعد رواية اميل حبيبي " المتشائل " مثالا لها ، فقد كانت الأولى في هذا ، وكل ما أتى بعدها كان تنويعا عليها واختلافا في التفاصيل .
كتب الياس خوري في رواياته التي ظهر فيها فلسطينيون عن الفلسطيني في المنفى ، وتحديدا في لبنان البيئة التي نشأ الياس فيها وفيها أنفق أكثر سنوات عمره ، وقلما حفلت رواياته حتى " سينالكول " ٢٠١١ بشخصية فلسطينية من الأرض المحتلة ، والرواية الوحيدة التي ظهرت فيها شخصية كهذه هي " باب الشمس " ، وسيختلف الأمر مع " أولاد الغيتو : اسمي آدم " ٢٠١٦ و" أولاد الغيتو : نجمة البحر " ٢٠١٨ اختلافا كليا ، إذ يذهب الكاتب إلى اللد وحيفا ويافا في العام ١٩٤٨ والأعوام التي تلته ، ويختار شخصياته من هناك ، كما يختارها من فلسطينيي المنافي وقد تعرف إلى قسم منهم ، مثل ادوارد سعيد ومحمود درويش وغسان كنفاني واميل حبيبي وجبرا ابراهيم جبرا وراشد حسين وانطون شماس ، وكان هؤلاء ملهمين له في حياته وأدبه ، وقد توقفت ، بالتفصيل ، أمام حضورهم في " أولاد الغيتو : اسمي آدم " ( مقالاتي في " الأيام الفلسطينية في ٢٠١٦ وكتابي " أسئلة الرواية العربية ، دار الآداب في بيروت ٢٠١٨ ) .
في الرواية بجزأيها نقرأ لأول مرة عن الفلسطيني ملتبس الهوية ونقرأ ثانية عن الفلسطيني المتعاون " الخائن " .
هنا سوف أتوقف أمام الفلسطيني ملتبس الهوية وهو آدم الشخصية المحورية في " أولاد الغيتو " .
في مقدمة الرواية التي كتبها الياس ، فكان فيها السارد المتكلم مباشرة ، إذ لم يختف خلف بطله ، يكتب عن علاقته ببطله وعلاقته بفلسطينيين آخرين مثل حنا العكاري " وهو مناضل قديم في الجبهة الشعبية " و" كنا نتردد معا إلى هذا المقهى كي نشرب كأسا ، ونسترجع أيام الأحلام الثورية التي مضت " - الفلسطيني الثوري ومآله .
يروي الياس عن فلسطيني من اللد ولد في العام ١٩٤٨ ثم هاجر من فلسطين إلى نيويورك ، شأنه شأن كثيرين مثل راشد حسين وانطون شماس وشأن فلسطينيين هاجروا إلى بلدان أخرى كصبري جريس ومحمود درويش وفوزي الأسمر ، ولكن آدم يختلف عن السابقين ، فيستقر في نيويورك وينشيء مطعما للفلافل يتردد عليه الياس مع طالبته الكورية ( سارانغ لي ) .
يصف الياس ملامح هذا الفلسطيني الخارجية ووسامته وإتقانه صنع الفلافل - أكثر من أهل بيروت الذين يعتدون بالفلافل - وتقديمه بلطف وبشاشة ، ويكتب عن ثقافته الواسعة ، ومن خلال حوارهما نعرف أنه لم يكن معجبا برواية " باب الشمس " كما لو أنه يستكثر أن يكتب لبناني عن فلسطين " كأنه لا يحق لي أن أكتب عن فلسطين لمجرد أنني لست من أبوين فلسطينيين " .
المهم في المقدمة هو الإتيان على الفلسطيني الذي ولد في عام النكبة وعاش في دولة إسرائيل وحمل جواز سفرها ، أهو فلسطيني أم إسرائيلي ؟
إن السؤال شائك جدا ولطالما خيض فيه وأثيرت حوله إشكالات مست رموز الأدب الفلسطيني مثل حبيبي ودرويش والقاسم .
" هل هو فلسطيني يدعي أنه إسرائيلي أم العكس ، لكنه شخصية فذة " والعبارة الأخيرة تذكرنا بسعيد المتشائل " أنا إنسان فذ " .
نقرأ في المقدمة :
" قالت إن الرجل ليس إسرائيليا ، " بلى ، إنه يحمل جوازا إسرائيليا ، لكنه فلسطيني ، أعتقد أنه من نواحي اللد ، لكنه يحب الالتباس ، ولا يمانع في أن يعتقد الناس أنه يهودي "
يروي الياس عن علاقته بالرجل بعد تعرفه إليه الآتي :
"لم ألتق هذا الرجل الذي يحب الالتباس بعد ذلك ، كانت تلميذتي تروي عنه الطرائف ، وتقول إنها تعتقد أنه زير نساء ، لكنه ساخر . لم أهتم بطرائف هذا الإسرائيلي الذي يتقن العربية ، أو هذا الفلسطيني الملتبس الذي يتكلم العبرية كأبنائها ، ولا بسحره ، شعرت بالغيرة منه ، لكنها كانت غيرة خرساء . لا أدري لماذا خطر لي أنه قد يكون عميلا للموساد الإسرائيلي ، وهذا هو سبب التباساته أو تنكره ، لكنني لم أهتم " .
آدم ملتبس الهوية ونشوؤه في دولة إسرائيل يدفعه لأن يثقف نفسه ومحاولة تفهم اليهودي الذي يضطهده ، لدرجة أنه يتقمص شخصية يهودية نجت من الهولوكوست ويسمي نفسه اسما عبريا ويتخيل له أبوين يهوديين ، بل ويدرس الأدب العبري ويسافر إلى معسكرات الإبادة في بولندا ، وهكذا جمع في ذاته الفلسطيني الضحية واليهودي الضحية ، ولما لم يقدر على استيعاب هذا العالم المتناقض هاجر إلى نيويورك ليقضي بقية حياته هناك ، مغتربا يعيش على الذاكرة . إنه في الدولة العبرية مواطن عربي ومشروع مخرب وفي عيون قسم من العرب مواطن إسرائيلي يبدو مشروع متعاون ، وهو غير قادر على الانسجام في الدولة التي يحمل جنسيتها ولا يستطيع العيش في عالم عربي يعاني فيه الفلسطينيون ويعاملون معاملة سيئة .
وعموما فإن تتبع صورة الفلسطيني في " أولاد الغيتو " تحتاج إلى مساحة واسعة ، وبما أنني أنجزت كتابا عن الجزء الأول ودراسة مفصلة عن الجزء الثاني ، فلن أعود إلى الكتابة ، بالتفصيل ، عن النماذج الفلسطينية فيها ، مكتفيا بالإحالة إلى الكتاب والدراسة .
٣٠ أيار ٢٠٢٠

١٤
ذاكرة أمس ٧٤ :

عريس في بيتا و " إما الصعود وإما الصعود "

قبل ستة وثلاثين عاما كتب محمود درويش قصيدة عنوانها " صهيل على السفح " تتكون من تسعة أسطر يبدؤها بقوله :

" صهيل الخيول على السفح : إما الهبوط وإما الصعود "

ويكرر السطر الأول في منتصفها ، ولكنه يختتمها بقوله :

" صهيل الخيول على السفح : إما الصعود .. وإما الصعود " .

وكنت أتيت عليها قبل يومين ثلاثة واقتبست منها السطرين الثاني والثالث .
ما الذي أعادني أمس إليها ثانية ؟
انشغلت أمس بمراجعة بعض الروايات والسير الذاتية التي ورد فيها حديث عن ( غوي شبات ) - أي كافر سبت ، مثل سيرة حنا أبو حنا " مهر البومة " وبعض روايات إميل حبيبي وعارف الحسيني وسليم بركات ، لأكتب مقال الأحد ، وهو ما وعدت به في " ذاكرة أمس ٧٣ " ، وحال انشغالي دون انصرافي إلى شؤون الحياة العادية . ساعد فيما سبق حالة مزاجية سيئة أشعرتني بأنني مختل نفسيا .
شيء واحد أضحكني من باب " شر البلية " هو الخبر المتداول عن سفيرنا في إسبانيا الذي مكث هناك ستة عشر عاما دون أن يجيد الإسبانية محادثة ، وعندما استضيف على فضائية إسبانية ليتحدث عن القضية الفلسطينية لم يتمكن - خلافا للسفير الإسرائيلي - من التعبير ، فأساء لشعبه ولنفسه ، ولا أعرف لم لم يتقاعد وقد بلغ الرابعة والسبعين . الخبر الذي أضحكني تلاه خبر أحزنني هو الذي ذكرني بالقصيدة ، فقد ورد في الأخبار خبر استشهاد الشاب زكريا حمايل من قرية بيتا ، ويبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاما ، وكان الشاب المحامي عيسى برهم من القرية نفسها استشهد قبل أسبوعين .
زكريا ارتقى شهيدا ؛ لأنه سار في مسيرة احتجاج ضد بؤرة استيطانية على جبل صبيح قرب قريته ، وعيسى لأنه ناصر الأقصى وحي الشيخ جراح ، وثمة إصرار فلسطيني على الصمود والبقاء والحفاظ على المقدسات الإسلامية و .. " وإما الصعود .. وإما الصعود " ، وحكايتنا طويلة ، ونحن أدرى ، مثل المتنبي ، وقد سأل بنجد :
"- أطويل طريقنا أم يطول ؟ " .
ومرة أخرى أعود إلى محمود درويش وديوانه " ورد أقل " لأنقل منه ما يعتمل في نفوس الفلسطينيين :

" سأقطع هذا الطريق الطويل ، وهذا الطريق الطويل ، إلى آخره
إلى آخر القلب أقطع هذا الطريق الطويل الطويل الطويل " .

وفي العام ١٩٩٣ كتبت نص " ليل الضفة الطويل " ، معتقدا أن ليلنا فقط هو الطويل ، إلى أن صرت أقرأ في مقالات الكاتب اللبناني Khoury Elias عبارة " ليل العرب الطويل " ، فأدركت أننا لسنا ، والحمد لله ، استثناء .
الله المستعان به
٢٩ / ٥ / ٢٠٢١ .

١٥
حفل توقيع كتاب :

أمس احتفلت وزارة الثقافة في السلطة الوطنية بي وبكتابي الذي أصدرته " قراءات في القصة القصيرة الفلسطينية ".
حضر حفل التوقيع كثيرون ، لكن بعض كتاب القصة لم يحضروا ، علما بأنهم هم المعنيون بالأمر .
ما علينا ، كما يردد دائما الكاتب زياد عبد الفتاح صاحب رواية " وما علينا " .
- هل سررت بالأمر وله ؟
قبل سنوات كانت هذه العادة شبه مقتصرة على الشاعر محمود درويش ، وهاهي تصبح عادة وسنة لدى وزارة الثقافة ، فما من كتاب تصدره إلا احتفلت به وبصاحبه .
تحضر الوزارة نسخا من الكتب يوقع عليها المؤلف للحضور .
يتحدث الكاتب عن كتابه ثم يناقشه الحضور . وهذا لا شك يساعد على خلق أجواء ثقافية ويشعر الكتاب بأن مجهودهم لم يذهب سدى وأن هناك من يكترث لهم .
هل فرحت شخصيا للأمر؟
بعد انتهاء التوقيع اصطحبني بعض معارفي لمقهى . سهرنا ومن هناك رأيت أضواء تل ابيب ومطار اللد .
يا الهي هل حقا هناك ما يفصل بين هذه المدينة وتلك ؟ !
الآن أتذكر قصة " الحارس " لتوفيق فياض وعبارة بطلها بو علي : " تلم يفصل بين القريتين شقه محراث ثور" . وأتذكر أيضا ما ورد في قصته " الكلب سمور " - إن لم تخني الذاكرة - " مجنون ألقى حجرا في بئر وكل عقال العالم ما بتطوله " .
فرحة التوقيع لم تكتمل . لقد أذهبتها رؤية البلاد من بعيد - رؤية يافا واللد من بعيد .
أتذكر محمودرويش " هذا هو العرس الفلسطيني\ لا يصل الحبيب إلى الحبيب إلا شهيدا او شريد " ....
صباح الخير يا وطن
يا فلسطين
يا يافا
يا حيفا
يا..يا..اس..اسر..اسرائ..اسرائي....ل..لل..للل
٢٠١٢

١٦
الكتابة عن يافا في الرواية الفلسطينية والعربية :

من خلال متابعتي لردود القراء على مقالي " يافا في روايات فلسطينية وعربية " لاحظت اهتماما كبيرا به ، فعدا الإقبال على قراءته عقب قراء عديدون لافتين نظري إلى روايات كتبت عن المدينة لم أشر إليها .
شخصيا اخترت عنوان " يافا في روايات فلسطينية وعربية " وليس " يافا في الرواية الفلسطينية والعربية " لأنني لم أقرأ الروايات كلها التي كتبت عن المدينة - يافا .
قسم من الكتاب ذكرني بعناوين رواياته التي كتب فيها عن يافا ، وأنا شاكر لهؤلاء وهذا ما أسعى أيضا إليه ، فشتات الفلسطينيين وإقامتهم في بلاد الله الواسعة ونشرهم في صحافتها وإصدار كتبهم عن دور نشرها يجعل من الإحاطة بكل ما يصدر أمرا في غاية الصعوبة . إن التعليقات والتعقيبات والتذكير والإشارات ، هذه كلها ، مهمة جدا ، بخاصة ان كتب طالب دراسات عليا رسالته في الموضوع .
جزيل الشكر لكل من
- نوال الستيتي
- جميل السلحوت
- سمير إسحق / الأردن ، فللأخير كما ذكر روايتان عن يافا هما " الجرح وطريق العودة " وقد صدرت في دمشق قبل ثمانية أعوام ومنعت في الأردن والثانية " الطريق إلى يافا " وصدرت مؤخرا Samir Ishaq
، وذكرني الكاتب جميل السلحوت بروايته " أميرة " التي تأتي بإيجاز على يافا وتقص أكثر عن بيت دجن والنكبة ، وذكرت لي نوال رواية لنبال قندس " يافا حكاية غريب ومطر " وثانية لبكر السباتين " صخرة اندروميدا " .
كان سؤالي هو :
- من من هؤلاء الكتاب عرف يافا وأقام فيها فترة طويلة ؟
وتلته أسئلة :
- هل زار المدينة زيارة عابرة فكتب روايته ، كما فعل أنور حامد في روايته " يافا تعد قهوة الصباح " و د. إبراهيم السعافين في روايته " ظلال القطمون " ؟
- هل كتب عنها اعتمادا على قصص سمعها من كبار السن الذين عاشوا في يافا فبقوا فيها أو هجروا منها ، كما فعلت وفاء أبو شميس Wafa Abushmais وسعاد العامري والمتوكل طه نزال Mutawakel Taha Nazzal
ورشاد ابوشاور وسمير إسحق المولود في يافا وكتب عنها ما سمعه من أبيه ؟
- هل كتب عنها معتمدا على الكتب كما فعل يحيى يخلف في " راكب الريح " ؟
- هل عاش فيها عمره كما فعل عبد القادر السطل Abed Elkader Satel ، أو عاش فيها أشهرا كما هو حال عاطف ابوسيف ؟
بقيت ملاحظة هي أن ابن يافا المولود فيها في العام ١٩٨٤ أيمن السكسك كتب باللغة العبرية رواية عنوانها " إلى يافا " ٢٠١٠ وقد نقلها من العبرية إلى العربية في العام ٢٠١٤ السيد محمد الغبان من جامعة عين شمس في القاهرة .
أيمن سكسك ، إلى يافا ، بالعبرية ٢٠١٠ ونقلت إلى العربية في ٢٠١٤ وطبعت الترجمة في مصر ولم أطلع عليها .
٢٩ / ٥ / ٢٠٢٣ .

١٧
أين تقع " خربة خزعة " التي كتب عنها الكاتب الإسرائيلي ( يزهار سميلانسكي ) قصته في العام ١٩٤٩ ؟

هل كانت هناك قرية تحمل هذا الاسم ؟
هل هي قرية " النعالية " التي كانت تقع قرب بلدة " محل " العربية وبلدة " المجدل " ؟ المجدل حاليا هي " اشكلون " .

سرب يزهار سميلانسكي في ٩ / ٢ / ١٩٧٨ لصحيفة ( يديعوت احرونوت ) أقوالا تذهب إلى أن قصته وقعت في عدد من القرى العربية في جنوب البلاد وليس في النعالية . وفي تقديمه للترجمة تساءل توفيق فياض :
" ما هي خربة خزعة ؟ "
وأجاب :
" إنها الاسم المستعار لكل القرى التي تأسس المشروع الصهيوني على أنقاضها " . وأشار الكاتب الفلسطيني يوسف يوسف في تعليقه إلى أن فياض أشار إلى قرية " الخصاص " .
في كتاب لواء جفعاتي عن حرب الاستقلال خريطة عمليات اللواء الذي خدم فيه يزهار ، ولم تظهر قرية النعالية وحدها ، بل ظهرت مائة قرية وبلدة عربية ليست موجودة الآن ، وذلك في منطقة واحدة فقط بين تل أبيب وكريات جات بين باب الواد وساحل اشكلون .
( المرجع ، الحقيقة عن خربة خزعة ، أيلول ١٩٧٩ ، منشورات المكتب الفلسطيني للخدمات الصحفية ) .
" أما سكان قرية " مدية " الفلسطينية المحتلة والمجاورة لأنقاض " خربة خزعة " ، كانوا أول المبادرين لمعارضة تصوير الفيلم . ( توفيق فياض ، شؤون فلسطينية عدد ٧٢ / ١٩٧٧ ) .
الكاتب طلعت قديح تساءل أمس ، في تعليق على ما كتبته أمس ، إن كانت هي بلدته " بيت خزاعة " التي هاجر أهله منها .
٢٩ / ٥ / ٢٠٢٤ .

١٨
غزة ( ٢٣٦ ) :
نسخة مكبرة من خربة خزعة ١٩٤٩ :

هل يختلف ما يجري الآن في قطاع غزة عما جرى في بعض القرى العربية في فلسطين في العام ١٩٤٨ ؟
العقلية الصهيونية هي نفسها وأسلحتها بعد ستة وسبعين عاما أشد فتكا .
يكتب توفيق فياض عن قصة ( يزهار سميلانسكي ) " خربة خزعة " التي نقلها إلى العربية :
" فالقائد الذي سلب وحرق ودمر وهجر القرية خاضع للانطباع بأنه سيسقط فعلته على الآخرين ، وأفراد المجموعة التي تنفذ العملية تعمل من خلال صلاحية الإطار بحجمه الكامل ، واعتقال أهل القرية على أيدي المجموعات الثلاث العسكرية المنقسمة في البداية ضمن صلاحيات كل مجموعة ، ثم نقلهم وتركيزهم في مكان تركيز واحد ، لتنفيذ التهجير في إطار المجموعة الأم ، حيث الصلاحية الأكبر توسع قاعدة الأنا الجماعية ...."

" جمع جميع السكان ... تحميلهم في الشاحنات وشحنهم خارج خطوطنا . نسف البيوت الحجرية وحرق جميع البيوت الطينية . أسر جميع الشباب والمشتبه بهم وتطهير المنطقة من قوات معادية ."
ومنذ ٨ أكتوبر ونحن نقرأ عن :
تهجير السكان وتجميعهم في مناطق محددة وأسر الشباب واعتقالهم ونسف البيوت وتدميرها على رؤوس سكانها ، و ... .
كأننا لا رحنا ولا جينا ( جئنا ) .
اليوم قرأت في صفحة الكاتب شجاع الصفدي فقرة قصيرة يبدي رأيه في هذا ، ويرى أن نكبة ٢٠٢٤ الحالية أكبر من نكبة ١٩٤٨ . لو كان الرئيس العراقي المرحوم صدام حسين على قيد الحياة لربما سمى هذه النكبة " أم النكبات " على غرار " أم المعارك " .
٢٩ / ٥ / ٢٠٢٤ .

١٩
غزة ( ٢٣٦ ) ٢ :
زمن المد الشيوعي والقومي وزمن الصعود الإسلامي
" أرض البرتقال الحزين "

تبدو غزة مؤمنة صابرة يرى كثير من أبنائها أن ما ألم بهم هو نعمة لا نقمة واختبار لا ابتلاء أراد الله أن يمتحنهم إن كانوا يصبرون على المحن وهذه واحدة منها ، فالله يجزي الصابرين على صبرهم ، ولذلك تجدهم يودعون شهداءهم باحتسابهم عند الله وهو خير المحسنين .
لا يعني ما سبق أن المرء يفتقد أصواتا بلغ بها السيل الزبى ، فشكت وارعوت ونفد صبرها وأعلنت موقفا آخر مختلفا يحتج على ما جرى ويضع المسؤولية على من بادر ب ٧ أكتوبر ، ولا يعدم أيضا تذمر بعض الغزيين مما لحق بهم ، فقد تقرأ عبارات مثل " ضيع الله من ضيعنا وشتت من شتتنا " وهي عبارات لا تضع النقاط على الحروف ، إذ يمكن أن يقصد كاتبها أو قائلها إسرائيل وقد يقصد حماس أيضا .
هل كتب غزاوي واحد كتابة تفصح عن رؤية تفضل الإنسان على المقدسات ؟ هل رأى غزاوي واحد أن الدم أغلى من الأقصى ، وأن الأقصى ليس لأهل غزة وحدهم ، بل هو للمسلمين كافة ؟ هل عاتب غزاوي واحد أهل القدس الذين استنجدوا في السنوات الماضية بغزة ولكنهم منذ بدء الحرب لم يساندوا أهل غزة ؟
لو لم أقرأ كتابات يفضل كاتبوها الإنسان على المقدسات ، أو الذهاب إلى أن تحرير الأقصى ليس مسؤولية غزاوية وحسب ، أو عبارات يعتبون فيها على صمت المقدسيين وبقية الفلسطينيين في فلسطين ، لما كتبت .
مع ما سبق لم أقرأ في كتابات كتاب غزة ما قرأته في قصة غسان كنفاني " أرض البرتقال الحزين " التي يأتي فيها على الخروج الكبير من فلسطين .
" وعندما وصلنا صيدا ، في العصر ، صرنا لاجئين .... "
" احتوتنا الطريق فيمن احتوت .. كان أبوك قد كبر عن ذي قبل ، وبدا كأنه لم ينم منذ زمن طويل ... كان واقفا في الشارع أمام الأمتعة الملقاة على الطريق ، وكنت أتخيل تماما أنني إذ سعيت إليه لأقول له شيئا ما فإنه سينفجر في وجهي : يلعن أبوك .. يلعن .. كانت هاتان الشتيمتان تلوحان على وجهه بوضوح ، بل إنني أنا أيضا ، الطفل الذي نشأ في مدرسة دينية متعصبة ، كنت ساعتذاك أشك في أن الله يسمع كل شيء ... ويرى كل شيء .. إن الصورة الملونة التي كانت توزع علينا في كنيسة المدرسة ، والتي كانت تمثل الرب يشفق على الأطفال ويبتسم في وجوههم ، بدت هذه الصورة كأنما هي الأخرى أكذوبة من أكاذيب الذين يفتحون مدارس محافظة كي يقبضوا أقساطا أكثر .. لم أعد أشك في أن الله الذي عرفناه في فلسطين قد خرج منها هو الآخر ، وإنه لاجيء في حيث لا أدري ، غير قادر على حل مشاكل نفسه ، وأننا نحن ، اللاجئين البشر القاعدين على الرصيف منتظرين قدرا جديدا يحمل حلا ما ... مسؤولون عن إيجاد سقف نقضي الليل تحته : كان الألم قد بدأ يفتك بعقل الصغير الساذج " .
والكلام السابق ، كما تقول العبارة الأخيرة ، صدر عن ألم بدأ يفتك بعقل الطفل الصغير الساذج .
ترى هل صدرت عن بعض أطفال غزة عبارات مثل هذه ؟
في الحرب الدائرة حاليا ، ومنذ بدايتها ، يواصل أهل غزة ، في مراكز الإيواء وفي خيام النازحين ، تحفيظ أبنائهم القرآن الكريم ويجرون مسابقات في هذا ويوزعون الجوائز أيضا ، وقد شاهدت شخصيا غير شريط .
ترى أيعود السبب إلى الفرق بين زمنين ؛ زمن المد الشيوعي والقومي وزمن المد الإسلامي ؟
٢٩ / ٥ / ٢٠٢٤ .

٢٠
( فرانز كافكا ) والحرب بين الفلسطينيين والاسرائيليين .

هذا هو عنوان مقالي القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ١/ ٦ / ٢٠٢٥ ، وفيه أتساءل إن كان ( فرانز كافكا ) ، في قصته " بنات آوى وعرب " التي كتبها قبل أكثر من مائة عام ، تنبأ بالصراع الدموي بين الفلسطينيين والاسرائيليين .
في القصة تحتقر بنات آوى العرب احتقارا لافتا ، ما يجعل من الرجل القادم من الشمال يتساءل إن كانت العداوة بين الطرفين توجد في الدم .
في القصة تريد بنات آوى أن تنهي الخصومة مع العرب بسحب دمهم ، فيم يرى الرجل القادم من الشمال أن الحرب قد تطول .
هل كان يتوقع أن القادم من الشمال قد يكون على غرار ( جو بايدن ) و ( دونالد ترامب ) ؟
يقول الألماني ( هانز روبرت ياوس ) إن الأحداث التاريخية الكبرى تفسح. مجالا لتأويل النصوص القديمة تأويلات جديدة . إن النصوص القديمة تقرأ قراءات جديدة في ضوء الأحداث الكبرى .
عادل الأسطة عادل الاسطة
٢٩ / ٥ / ٢٠٢٥ الخمي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...