أحمد بوعروة - مدينة تُصوَّر كثيرًا… ولا تُعرَف داخل الشاشة.. لماذا تبدو بعض المدن المغربية جميلة بصريًا… وفقيرة دراميًا؟

أحمد بوعروة - مدينة تُصوَّر كثيرًا… ولا تُعرَف داخل الشاشة.. لماذا تبدو بعض المدن المغربية جميلة بصريًا… وفقيرة دراميًا؟

بقلم: الإعلامي والسيناريست أحمد بوعروة

تقديم

كيف يمكن لمدينةٍ مليئة بالحكايات والروائح والأصوات والوجوه أن تتحول داخل الشاشة إلى مجرد “خلفية تصوير” باردة؟ لماذا تبدو بعض المدن المغربية في السينما والتلفزيون نظيفة بصريًا… لكنها بلا روح؟ كيف نجحت الكاميرا أحيانًا في تصوير الجدران… وفشلت في تصوير الإنسان الذي يسكنها؟ ولماذا أصبح كثير من المخرجين يطاردون “الكادر الجميل” أكثر من مطاردة نبض المدينة الحقيقي؟

ثم لماذا تبدو بعض الأعمال وكأنها تحدث في أي مكان في العالم… إلا المغرب؟ أين اختفت الأزقة التي تحفظ الذاكرة؟ أين المقاهي الشعبية التي كانت تصنع الحكايات؟ أين صخب الأسواق؟ أين العلاقات الصغيرة التي كانت تمنح المدن رائحتها الخاصة؟ وهل تحوّلت المدينة المغربية داخل بعض الأعمال إلى ديكور سياحي فاخر يُلتقط بعين باردة لا بعين عاشقة؟

شيء ما تغيّر فعلًا داخل طريقة تصوير المدن المغربية. الكاميرا أصبحت أكثر جمالًا، نعم. الصورة أصبحت أكثر لمعانًا، نعم. الطائرات الصغيرة تحلق فوق الشواطئ والجبال والأسطح، والإضاءة أصبحت مدروسة بعناية، لكن السؤال المؤلم يبقى حاضرًا: هل صارت المدينة تُرى فعلًا… أم فقط تُستعمل؟

المدينة ليست بنايات فقط. المدينة ذاكرة. المدينة لغة مشي. طريقة جلوس الناس. طريقة فتح النوافذ. صوت الباعة. صراخ الأطفال. المقاهي القديمة. الحافلات المتعبة. الوجوه التي تحفظ بعضها دون مواعيد. لكن جزءًا من السينما والتلفزيون المغربي صار يختزل المدينة في صورة بريدية جميلة تصلح للإعلان أكثر مما تصلح للحياة.

أحيانًا نشاهد أعمالًا كاملة تدور داخل الدار البيضاء أو طنجة أو فاس أو مراكش، ثم نخرج منها دون أن نشعر أننا عرفنا هذه المدن حقًا. نرى العمارات، الفنادق، الكورنيش، السيارات الفاخرة، الإضاءة الليلية… لكننا لا نرى المدينة التي يعيش داخلها الناس الحقيقيون. وكأن بعض الأعمال تخاف من الاقتراب من نبض الشارع، أو تخاف من فوضى الواقع، أو ربما تخشى أن تفقد “الأناقة البصرية” إذا اقتربت كثيرًا من الحياة.

في السينما العالمية، هناك مدن تحولت إلى شخصيات حقيقية داخل الأعمال. نيويورك ليست مجرد خلفية في أفلامها. باريس ليست مجرد برج إيفل. القاهرة ليست مجرد نيل وأهرامات. المدينة هناك تتنفس، تغضب، تختنق، تحب، وتؤثر في مصير الشخصيات. أما عندنا، فكثير من المدن تُصوَّر وكأنها مجرد بطاقات سياحية متحركة.

المشكلة ليست تقنية أبدًا. المغرب يملك اليوم مصورين ومديري تصوير وتقنيين بقدرات عالية جدًا. المشكلة أعمق. المشكلة في النظرة نفسها. في طريقة فهم المدينة دراميًا. بعض المخرجين يزورون المدينة بالكاميرا… لكنهم لا يعيشونها. يصورون الأماكن المعروفة نفسها، الزوايا نفسها، المقاهي نفسها، وكأن المدن المغربية كلها مطالبة بأن تبدو “مرتبة” و”قابلة للبيع” بدل أن تكون صادقة.

حتى الأحياء الشعبية، يتم أحيانًا تصويرها بطريقة سطحية جدًا. إما باعتبارها فضاءً للفقر فقط، أو فضاءً للجريمة فقط، أو فضاءً للفلكلور السريع. بينما الحقيقة أن هذه الأحياء تحمل أعقد العلاقات الإنسانية وأكثرها حرارة. هناك أمهات يصنعن الحياة بصمت. هناك شباب يحلمون رغم التعب. هناك موسيقى الشارع، نكات المقاهي، صداقات السطوح، وعلاقات الجيران التي كانت تصنع روح المدن المغربية.

بعض الأعمال أصبحت تخاف من “الرائحة المحلية”. تخاف من اللهجة الحقيقية، من التفاصيل الصغيرة، من الأسواق القديمة، من الباعة المتجولين، من الفوضى الجميلة التي تمنح المدينة شخصيتها. والنتيجة؟ مدن نظيفة بصريًا… لكنها بلا ذاكرة.

الأسوأ أن بعض المنتجين صاروا يعتقدون أن تصوير المدينة بطريقة عالمية يعني إزالة ملامحها المحلية. وكأن “العالمية” تعني أن تصبح المدن متشابهة. وهنا تقع الكارثة الكبرى. لأن العالم لا يبحث عنا كي نشبه الآخرين، بل كي نقدم أنفسنا كما نحن. قوة السينما المغربية لا توجد في تقليد مدن الآخرين، بل في اكتشاف الشعر المختبئ داخل مدننا نحن.

المؤلم أيضًا أن بعض السيناريوهات تكتب المدينة بطريقة سطحية جدًا. لا يوجد وعي حقيقي بالجغرافيا الاجتماعية. الشخصيات تتحرك داخل المدينة وكأنها تتحرك داخل فراغ. لا نعرف كيف تؤثر الأحياء على الناس، كيف تصنع الأماكن طباع سكانها، كيف يتحول المقهى إلى ذاكرة، وكيف يصبح الشارع جزءًا من مصير الإنسان.

حتى التلفزيون، الذي يدخل البيوت يوميًا، بدأ يفقد علاقته بالمدينة المغربية الحقيقية. البيوت أصبحت متشابهة. الديكورات متشابهة. الإضاءة متشابهة. حتى المقاهي والمطاعم داخل الأعمال أصبحت بلا روح. نشاهد فضاءات جميلة… لكننا لا نتذكرها بعد نهاية الحلقة.

هناك فرق كبير بين تصوير المدينة… وكتابة المدينة. الكاميرا وحدها لا تكفي. المدينة تُكتب بالحوار، بالصمت، بطريقة دخول الشخصيات وخروجها، بطريقة اللباس، بالموسيقى، باللهجة، بعلاقة الناس بالمكان. المدينة ليست لقطة جوية فقط.

المفارقة الغريبة أن المغاربة أنفسهم ما زالوا يحملون علاقة عاطفية قوية جدًا مع مدنهم. ابن فاس يتحدث عن فاس كأنها فرد من عائلته. ابن طنجة يحمل بحرها داخله. ابن الدار البيضاء يعيش داخل سرعتها وضجيجها. ابن مراكش يحفظ حرارة ساحاتها. لكن الشاشة، أحيانًا، تفشل في التقاط كل هذا العمق.

لسنا في حاجة إلى مدن “مزيفة الجمال”. نحن في حاجة إلى مدن حقيقية. مدن تتنفس داخل الحكاية. مدن تضحك وتتعب وتشيخ وتحلم. لأن المدينة التي لا تتحول إلى روح داخل العمل… تبقى مجرد جدار جميل أمام الكاميرا.

لافتة

أخطر ما يمكن أن يحدث للفن… أن يرى المدينة بعينه فقط، وينسى أن يشعر بها بقلبه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...