تتميز المتواليات القصصية ” صنائع من نوبة عراق العجب ” للقاص المغربي المهدي نقوس بتنوع في مكوناتها وعناصرها السردية ، من حيث ما هو معروف ومُتَّبَع من شخوص ، وأمكنة ، وأحداث، وحوار ووصف ، وفي استعمال مختلف لموضوعات تاريخية اعتمادا على وقائع وتواريخ ، وذكر لأعلام ، وتسخير لعناصر لا تخلو من حس نقدي تجاه أوضاع اجتماعية ، وقومية … فضلا عن الأسلوب المتنوع … وتظل شخصية عباس الأبرز إلى جانب شخصيات من قبيل الأب ، والعم ، وفقيه القرية ، وفاطنة الزحافة . فعباس يحتل مكانة مميزة ضمن نصوص المجموعة ، بل يهيمن عليها ، ويسيطر على تفاصيلها بدءا من تقديم شخصيته ، وما أحاط بها من خذلان : ” أنا ابنك عباس الذي انضحك عليه ” ص29، وما عاشته من ظروف طافحة بمظاهر العوز والفاقة والاحتياج : ” أنا عباس : ” الذي الجوع والحرمان يعرفه .. ” ص29، ومواقفه المبدئية والثابتة التي زجت به في جنح الغرف المظلمة ، وما تعرض له من سوء معاملة خلال استنطاقه : ” عباس الذي نسوه في أقبية المخافر لصلابة رأسه .. ” ص29، وما آل إليه مصيره من ضياع وهلاك مأساوي حين بحث عن منفذ للهجرة عبر قارب نحو الضفة الأخرى ليصطاده سمك القرش ، وينهش جسده حين انقلب به القارب وهوى إلى قيعان اليم . فشخصية عباس تتصدر كل المتواليات القصصية ، وتهيمن على متنها انطلاقا من عتبة العنوان ، ومن أول متوالية موسومة ب ” البحث عن عباس ” ، ثم ” تغريبة الفتى عباس الثاني ” ، و” مخامرات عباس الثالث ” ، و ” هكذا تكلم عباس الرابع ” ، و” هواجس عباس الخامس ” ، و” رحلة عباس السادس ” / عباس البري ، و ” رحلة عباس السابع ” / عباس البحري ، إلى آخر متوالية ” تراجيديا لزمن الحزن أو محاولة لكتابة سيرة عباس ” ، دون إغفال حضوره ضمن ثنايا الحكي وتفاصيله ، إلى جانب ذكر عنصر المكان ضمن مكونات السرد الأخرى والذي تجسد بشكل لافت في ” الرحامنة ” التي تكرر ذكرها في العديد من السياقات ،
كما في مثل : ” كان والدي يقرفص بجانب العربة تحت سماء الرحامنة الزرقاء ، وشمسها الملتهبة … ص28 .
ولعل ما يميز المتواليات هو سمة التقاطع التي تطال العديد من الموضوعات ،والأوضاع ؛ كموضوع الصوم ، والحج ، والنكاح ، ومبطلات الوضوء ، والإرث والزكاة … وكلها مواضيع دينية عقدية تقاطعت مع موضوع الجدب وشح الأمطار ، وما ينجم عنه من أزمات : ” عندما تغيب الأمطار ، يحضر الجوع العظيم لكل شيء ، تشقق الأرض ويغزونا الشوق للاضطهاد والسلب .. ” ص38، في وصف لمظاهر الجدب وتداعياته المحملة بمشاعر الضنك والخيبة : ” إنه القحط .. / وحينما تحضر سنوات الجدب ، يزورنا الفقر … يحضر حاملا معه القمل والعمش وآلام البطن والأوبئة … ” ص32،
وهو ما يتماشى مع مستوى وعي أفراد يرزحون تحت وطأة الجهل والعوز والحاجة : ” يوحدهم الجهل والفقر … وقلة ذات اليد … يتجادلون ويضحكون كي لا يتألمون من الألم والفقر والفاقة ، وينتظرون الأمطار ، لكنهم يقهرون الحياة بأشد أسلحتهم فتكا : ” الصبر والقناعة … ” ص38، يتسلحون بالصبر ، والاكتفاء بما هو متوفر ، معلقين انتظاراتهم على ما يمكن أن تجود به السماء من أمطار تنعش أحلامهم ، وتحيي آمالاهم. كما يتردد موضوع الفقر ضمن سياق المتواليات في تشبيهه برجل ، وإقرانه بالكفر : ” ـ كاد الفقر أن يكون كفرا ../ لو كان الفقر رجلا لقتلته .. ” ص7، بتصور عقدي ديني تم ترسيخه في أذهان تلاميذ المدارس مما يفتح عقولهم الصغيرة على آفاق شاسعة تنشط خيالهم ، وتجنح به في عوالم بعيدة ، ثم ما يفتأ عباس ينفي ذلك ، ويحدد ماهيته وآثاره وتبعاته في مظاهر من البؤس والشقاء : ” هكذا لقنوك عندما كنت تلتصق بخشب المدارس .. لكن الفقر ليس رجلا يا عباس ولا حتى امرأة ، إنه جبار مارد بشجرة قرون متفرعة فروعها ذاتك وجذورها أجداد أجدادك ..وتمتد منك إلى أكواخ القصدير الصدئة … حيث تتقيأ المدينة زبالتها .. وحيث يتخلى الهواء عن حمولته المنعشة .. يمتد من بائعي التقسيط إلى بائعي النعناع والمتلاشيات إلى بائعات الهوى ..” ص7، مع ذكر وتصوير مشاهد أخرى للفقر تتغير معها الأحلام ، وتتبدل مساراتها وآفاقها : ” لهذا يحلم دوما بالزواج من فتاة شقراء ، فارعة الطول ممتشقة القوام ، حسنة المنظر ، بيضاء اللون ، وسيارة تلاديك ، لكن الحلم لا يتحقق أبدا … لأن فقر بلاده يمنعه من ذلك ، اكتفى بالزواج من امرأة طاعنة في الفقر ، كل جهازها حصير وصندوق خشبي … لم يتخرج أبناؤهما من الجامعات والمعاهد مهندسين وجراحين وعلماء ، لكنهم شبوا فقراء وخماسين .. يهانون ويضطهدون … ” ص55، واللجوء لأنشطة تجارية رخيصة تكرس الفقر والعوز : ” إنه لم يكن معه نقود كثيرة اشترى علبتين من السجائر، وارتكن زاوية وطفق يعلن عن تجارته فافوريت ، كازا سبور ، ماركيز … ” ص55، دون أن يسلم أصحابها من مضايقة الشرطة ، ومداهمتها التي لا تخلو من عنف يصل إلى حد الضرب المبرح : ” ـ قم / لم يعرف السبب أول الأمر ، ولما ود المعرفة أدمت أنفه أحذية الشرطة الخشنة ” ص56، وفي إطار عنصر التقاطع الذي يتكرر داخل النصوص القصصية ، حيث يتقاطع موضوع العروبة بالتاريخ ، فيتم تناول كل ما له صلة بالعرب بنبرة ساخرة مبطنة بحس نقدي :
” المؤتمرات العربية هراء.. / الجامعة العربية عراء .. ” ص12، مبرزا ما يميز حياة العرب من ارتباط نوستالجي بماض عفا عنه الزمن دون التفكير والتخطيط لمستقبل مبني على أسس تروم التغيير ، ورسم أهداف تسعى لتحقيق إقلاع اقتصادي وعلمي وتنموي : ” كان العرب قد انحدروا إلى أسفل درك وعاشوا على الأمجاد .. أمجاد السلف الصالح .. ” ص14، فحدد تواريخ هزائم العرب المتوالية ، وانكساراتهم المتتابعة ضد كيان أقل منهم عددا ، وأرضا ضيقة ومحدودة سطا عليها وانتزعها من سكانها التاريخيين ، وهو الكيان الصهيوني الذي هزمهم سنة 48، و67،و73 في تحالف مع قوى إمبريالية لم يقو العرب ، مجتمعين ومتفرقين ، على خضد شوكتهم ، وإيقاف زحفهم ، والحد من اكتساحه لأراضيهم والاستيلاء عليها، واستباحة حرمتها . مستطردا في تحديد معالم هذه النكبة من ذكر للأماكن وأسماء بعض الزعماء الذين لم تفلح شعاراتهم الحماسية ، وخطاباتهم الرنانة في تحقيق ما ادعوه وحلموا بهمن انتصار مظفر ، وتفوق كاسح على العدو الذي كبدهم خسائر متعاقبة ، وهزائم متتالية : ” قفزت إلى الذاكرة صور من اندحار الجيوش العربية .. وهي تتولى مهزومة منكفئة متفككة متولية هاربة متفرقة في سيناء وصحراء النقب وشرم الشيخ ومرتفعات الجولان والضفة والقطاع ..خطب عبد الناصر الثورية ، البلاغات العسكرية الوهمية بصوت أحمد سعيد ومحمد عروق التي أسقطت الطائرات وأغرقت البوارج ، الأناشيد العنترية التي حررت الحدود من استوديو صوت العرب … نامت نواطير مصر عساكرها / وحاربت بدلا منها الأناشيد / مات أمل العرب .. ” ص36،
تواريخ ارتبطت بأحداث معروفة ، مثل اتفاقية سايكس بيكو التي أبرمت بشكل سري بين بريطانيا وفرنسا ، وبموافقة روسيا القيصرية من أجل تفكيك ممتلكات الدولة العثمانية ، ورسم حدود الشرق الأوسط الذي نتج عنه تقسيم الدول العربية ، ومعاهدة كامب دايفد سنة 1918 للسلام بين مصر وإسرائيل ، ومعاهدة الصلح ، ومعاهدة الأرض مقابل السلام ، وهزيمة العرب أمام إسرائيل سنة 1967، وحرب أكتوبر سنة 1973 ، وكلها محطات شهدت نكسات وانكسارات عربية في مواجهة الكيان الصهيوني في تجسيد لتقاطع العربي بالتاريخي ، وما خلف من إخفاقات فاقمت من تشرذم العرب ، وتفكك وحدتهم وتصدع صفوفهم . تواريخ ظلت راسخة في أذهانهم ووجدانهم محملة بمشاعر الصدمة والخيبة والخذلان : ” لم تعلق رقاب الجواسيس والخونة .. بل زينت بالنياشين والنجوم وجدائل الحرير .. / في حزيران لا نجيد سوى لغة الخيانة والدموع … ” ص18،
في إشارة إلى هزيمة الخامس من حزيران سنة 67 ، فالهزائم المتتالية للعرب تكشف مدى ضعفهم الناتج عما يعيشونه من تخاذل وفرقة ، وتفننهم في تدبيج الشعارات ، ونسج الخطابات بدل تقوية صفوفهم وتوحيدها . ولجأ القاص أيضا إلى استيحاء أسماء لأعلام في مجالات مختلفة تزكية وإغناء لمنظومته السردية ، وتوسيعا لحدود دائرة الحكي ؛ كطارق بن زياد في جانب الفتوحات البطولي ، وطرفة بن العبد ، ومحمود درويش ، والمعري وامرؤ القيس في الشعر ، وفوكنر وهمنغواي في القصة والرواية ، والمجذوب في مجال التصوف والحِكَم ، وابن خلدون في التاريخ وعلم الاجتماع ، وداروين في علم الجيولوجيا والتاريخ الطبيعي ، والديني العقدي كنوح ويونس وبلقيس ، والأسطوري القصصي مثل السندباد وشهرزاد ، وفكري كديكارت في تحوير لمقولته التي يبني عليه فلسفته ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) : ” أنا أخيف إذن أنا موجود … ” ص24، وتوظيف لشخصية همنغواي وهنري مللر بشكل ساخر : ” لو أن همنغواي ولد في ابن مسيك لصار ماسح أحذية .. وهنري مللر لو ولد في الحي المحمدي لكان على أكثر تقدير خرازا ….” ص34. وبروز الجانب الاجتماعي في تقاطع مع موضوع الفقر والعوز ، وما عاناه الفتى القادم من البادية إلى المدينة بحثا عن وظيفة : ” لا شك أنهم علموا بحكاية الفتى القادم من بادية الرحامنة ليعمل بالمدينة .. ” ص21، وعودته إلى بلدته في ظروف مزرية على متن حافلة مهترئة تطفح نتانة واتساخا ، وازدحاما : ” توقفت إحدى الحافلات على مضض .. ارتميت وسطها على عجل .. كانت ممتلئة عن آخرها .. افترشت أرضيتها المتسخة الباردة … ” ص22،
ورغم ما تميزت به نصوص المتواليات من تصوير الواقع ، وفضح هناته ، وكشف أعطابه فإن أسلوبها تنوع ، وانفتح على مجازية تعبيرية أحيانا كما ورد في قوله : ” وتبدأ عملية لف حلزونية … ” ص8، لوصف وتيرة تتميز بالبطء في الدوران ، وقوله أيضا : ” تسوقني قطعان أحلامي الندية … بعد أن ودعت إخوتي وهم يزدردون صبرهم … ” ص11، فبدل أن يسوق السارد قطعان الأحلام ، هي التي تقوده وتسوقه ، وما يعج به تشبيه مجموعة أحلام بالقطعان من حمولات رمزية ودلالية ، والتهام الإخوة للصبر وابتلاعه وما ينم عليه من مجازية بلاغية استعارية ، وهو ما تكرر في استعارة التثاؤب واللسان لليل ، وما يعكسه من انزياح ، واختلاف عميق التصوير ، وبعيد الدلالة و المعنى : ” والليل يتثاءب ثقيلا يلعق بلسانه وجهي ووجه المدى .. ” ص24، وشعرية تعبيرية تمثلت في وصف الأم : ” وكذلك كانت أمي ، وجهها كاللجين كان ، والجبهة قمر تموزي ، القد زيتونة ، والشعر كالسيسبان ، والعيون واحة من الأمنيات ، والجسد نهر من الليونة … ” ص40، بتوالي تشبيهات تمتح من معجم رومانسي زاخر وغني ، وهو ما توالى في مقاطع أخرى . وهناك الكثير من الموضوعات التي تتقاطع وتتقابل ، مثل المفارقة التي عُقِدَت بين وصف كلاب طبقات المجتمع ، والفرق الكبير في نوع أكلها وطعامها : ” وأفكر في أن كلاب الفقراء تأكل خبزا جافا ، وكلاب الطبقات المتوسطة تأكل خبزا مغموسا ، بينما كلاب الأغنياء لا تأكل لا هذا ولا ذاك .. ” ص39،
مع الإشارة كذلك إلى نقمة الوعي الذي يفاقم من شقاء صاحبه ويعمقه كما يعبر عن ذلك : ” خير لك لو بقيت جاهلا تنام مبكرا تناقش أمورا بالغة التفاهة .. تدخر ثمن الكتب والمجلات والجرائد ، وتوفر الفلس الأبيض ليومك الأسود … ” ص11، استيحاء من مفهوم الوعي الشقي عند هيغل الذي يختزل مدى الشعور بالاغتراب، والعلوق بين الواقع الراهن والأهداف المنشودة لدى صاحبه والمبتلي به. كما أشار إلى القارئ مبديا رغبته في إبعاده عن مشاكله الصغيرة في تلميح إلى ما هو مفيد ومُجْد بدل شغله بأمور ليست ذات قيمة يمكن أن تغني فكره ووجدانه كما عبر عن ذلك : ” لا أود أن أشغلكم بمشاكلي الصغيرة أيها القراء … حيث لا وقت للتذكر ولا وقت للتنكر … لا وقت لسماع الترهات ، وحيث لا وقت هناك لامتطاء الذكريات..” ص38.
لنخلص إلى أن متواليات ” صنائع من نوبة عراق العجب ” القصصية للكاتب والقاص المهدي نقوس تنم عن قدرة فائقة على خلق وابتكار عناصر سردية تختلف عما هو سائد ومألوف من حيث مكونات القص لما اجترحته من مسلكيات ، وما خطته من نهج يستدعي الكثير من الجهد المرفق بالتأني والتؤدة لسبر أغواره ، ومقاربة أشكاله وأبعادها ، ونتمنى أن نكون حققنا بعض ذلك في ثنايا هذه الورقة ومحتواها
كما في مثل : ” كان والدي يقرفص بجانب العربة تحت سماء الرحامنة الزرقاء ، وشمسها الملتهبة … ص28 .
ولعل ما يميز المتواليات هو سمة التقاطع التي تطال العديد من الموضوعات ،والأوضاع ؛ كموضوع الصوم ، والحج ، والنكاح ، ومبطلات الوضوء ، والإرث والزكاة … وكلها مواضيع دينية عقدية تقاطعت مع موضوع الجدب وشح الأمطار ، وما ينجم عنه من أزمات : ” عندما تغيب الأمطار ، يحضر الجوع العظيم لكل شيء ، تشقق الأرض ويغزونا الشوق للاضطهاد والسلب .. ” ص38، في وصف لمظاهر الجدب وتداعياته المحملة بمشاعر الضنك والخيبة : ” إنه القحط .. / وحينما تحضر سنوات الجدب ، يزورنا الفقر … يحضر حاملا معه القمل والعمش وآلام البطن والأوبئة … ” ص32،
وهو ما يتماشى مع مستوى وعي أفراد يرزحون تحت وطأة الجهل والعوز والحاجة : ” يوحدهم الجهل والفقر … وقلة ذات اليد … يتجادلون ويضحكون كي لا يتألمون من الألم والفقر والفاقة ، وينتظرون الأمطار ، لكنهم يقهرون الحياة بأشد أسلحتهم فتكا : ” الصبر والقناعة … ” ص38، يتسلحون بالصبر ، والاكتفاء بما هو متوفر ، معلقين انتظاراتهم على ما يمكن أن تجود به السماء من أمطار تنعش أحلامهم ، وتحيي آمالاهم. كما يتردد موضوع الفقر ضمن سياق المتواليات في تشبيهه برجل ، وإقرانه بالكفر : ” ـ كاد الفقر أن يكون كفرا ../ لو كان الفقر رجلا لقتلته .. ” ص7، بتصور عقدي ديني تم ترسيخه في أذهان تلاميذ المدارس مما يفتح عقولهم الصغيرة على آفاق شاسعة تنشط خيالهم ، وتجنح به في عوالم بعيدة ، ثم ما يفتأ عباس ينفي ذلك ، ويحدد ماهيته وآثاره وتبعاته في مظاهر من البؤس والشقاء : ” هكذا لقنوك عندما كنت تلتصق بخشب المدارس .. لكن الفقر ليس رجلا يا عباس ولا حتى امرأة ، إنه جبار مارد بشجرة قرون متفرعة فروعها ذاتك وجذورها أجداد أجدادك ..وتمتد منك إلى أكواخ القصدير الصدئة … حيث تتقيأ المدينة زبالتها .. وحيث يتخلى الهواء عن حمولته المنعشة .. يمتد من بائعي التقسيط إلى بائعي النعناع والمتلاشيات إلى بائعات الهوى ..” ص7، مع ذكر وتصوير مشاهد أخرى للفقر تتغير معها الأحلام ، وتتبدل مساراتها وآفاقها : ” لهذا يحلم دوما بالزواج من فتاة شقراء ، فارعة الطول ممتشقة القوام ، حسنة المنظر ، بيضاء اللون ، وسيارة تلاديك ، لكن الحلم لا يتحقق أبدا … لأن فقر بلاده يمنعه من ذلك ، اكتفى بالزواج من امرأة طاعنة في الفقر ، كل جهازها حصير وصندوق خشبي … لم يتخرج أبناؤهما من الجامعات والمعاهد مهندسين وجراحين وعلماء ، لكنهم شبوا فقراء وخماسين .. يهانون ويضطهدون … ” ص55، واللجوء لأنشطة تجارية رخيصة تكرس الفقر والعوز : ” إنه لم يكن معه نقود كثيرة اشترى علبتين من السجائر، وارتكن زاوية وطفق يعلن عن تجارته فافوريت ، كازا سبور ، ماركيز … ” ص55، دون أن يسلم أصحابها من مضايقة الشرطة ، ومداهمتها التي لا تخلو من عنف يصل إلى حد الضرب المبرح : ” ـ قم / لم يعرف السبب أول الأمر ، ولما ود المعرفة أدمت أنفه أحذية الشرطة الخشنة ” ص56، وفي إطار عنصر التقاطع الذي يتكرر داخل النصوص القصصية ، حيث يتقاطع موضوع العروبة بالتاريخ ، فيتم تناول كل ما له صلة بالعرب بنبرة ساخرة مبطنة بحس نقدي :
” المؤتمرات العربية هراء.. / الجامعة العربية عراء .. ” ص12، مبرزا ما يميز حياة العرب من ارتباط نوستالجي بماض عفا عنه الزمن دون التفكير والتخطيط لمستقبل مبني على أسس تروم التغيير ، ورسم أهداف تسعى لتحقيق إقلاع اقتصادي وعلمي وتنموي : ” كان العرب قد انحدروا إلى أسفل درك وعاشوا على الأمجاد .. أمجاد السلف الصالح .. ” ص14، فحدد تواريخ هزائم العرب المتوالية ، وانكساراتهم المتتابعة ضد كيان أقل منهم عددا ، وأرضا ضيقة ومحدودة سطا عليها وانتزعها من سكانها التاريخيين ، وهو الكيان الصهيوني الذي هزمهم سنة 48، و67،و73 في تحالف مع قوى إمبريالية لم يقو العرب ، مجتمعين ومتفرقين ، على خضد شوكتهم ، وإيقاف زحفهم ، والحد من اكتساحه لأراضيهم والاستيلاء عليها، واستباحة حرمتها . مستطردا في تحديد معالم هذه النكبة من ذكر للأماكن وأسماء بعض الزعماء الذين لم تفلح شعاراتهم الحماسية ، وخطاباتهم الرنانة في تحقيق ما ادعوه وحلموا بهمن انتصار مظفر ، وتفوق كاسح على العدو الذي كبدهم خسائر متعاقبة ، وهزائم متتالية : ” قفزت إلى الذاكرة صور من اندحار الجيوش العربية .. وهي تتولى مهزومة منكفئة متفككة متولية هاربة متفرقة في سيناء وصحراء النقب وشرم الشيخ ومرتفعات الجولان والضفة والقطاع ..خطب عبد الناصر الثورية ، البلاغات العسكرية الوهمية بصوت أحمد سعيد ومحمد عروق التي أسقطت الطائرات وأغرقت البوارج ، الأناشيد العنترية التي حررت الحدود من استوديو صوت العرب … نامت نواطير مصر عساكرها / وحاربت بدلا منها الأناشيد / مات أمل العرب .. ” ص36،
تواريخ ارتبطت بأحداث معروفة ، مثل اتفاقية سايكس بيكو التي أبرمت بشكل سري بين بريطانيا وفرنسا ، وبموافقة روسيا القيصرية من أجل تفكيك ممتلكات الدولة العثمانية ، ورسم حدود الشرق الأوسط الذي نتج عنه تقسيم الدول العربية ، ومعاهدة كامب دايفد سنة 1918 للسلام بين مصر وإسرائيل ، ومعاهدة الصلح ، ومعاهدة الأرض مقابل السلام ، وهزيمة العرب أمام إسرائيل سنة 1967، وحرب أكتوبر سنة 1973 ، وكلها محطات شهدت نكسات وانكسارات عربية في مواجهة الكيان الصهيوني في تجسيد لتقاطع العربي بالتاريخي ، وما خلف من إخفاقات فاقمت من تشرذم العرب ، وتفكك وحدتهم وتصدع صفوفهم . تواريخ ظلت راسخة في أذهانهم ووجدانهم محملة بمشاعر الصدمة والخيبة والخذلان : ” لم تعلق رقاب الجواسيس والخونة .. بل زينت بالنياشين والنجوم وجدائل الحرير .. / في حزيران لا نجيد سوى لغة الخيانة والدموع … ” ص18،
في إشارة إلى هزيمة الخامس من حزيران سنة 67 ، فالهزائم المتتالية للعرب تكشف مدى ضعفهم الناتج عما يعيشونه من تخاذل وفرقة ، وتفننهم في تدبيج الشعارات ، ونسج الخطابات بدل تقوية صفوفهم وتوحيدها . ولجأ القاص أيضا إلى استيحاء أسماء لأعلام في مجالات مختلفة تزكية وإغناء لمنظومته السردية ، وتوسيعا لحدود دائرة الحكي ؛ كطارق بن زياد في جانب الفتوحات البطولي ، وطرفة بن العبد ، ومحمود درويش ، والمعري وامرؤ القيس في الشعر ، وفوكنر وهمنغواي في القصة والرواية ، والمجذوب في مجال التصوف والحِكَم ، وابن خلدون في التاريخ وعلم الاجتماع ، وداروين في علم الجيولوجيا والتاريخ الطبيعي ، والديني العقدي كنوح ويونس وبلقيس ، والأسطوري القصصي مثل السندباد وشهرزاد ، وفكري كديكارت في تحوير لمقولته التي يبني عليه فلسفته ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) : ” أنا أخيف إذن أنا موجود … ” ص24، وتوظيف لشخصية همنغواي وهنري مللر بشكل ساخر : ” لو أن همنغواي ولد في ابن مسيك لصار ماسح أحذية .. وهنري مللر لو ولد في الحي المحمدي لكان على أكثر تقدير خرازا ….” ص34. وبروز الجانب الاجتماعي في تقاطع مع موضوع الفقر والعوز ، وما عاناه الفتى القادم من البادية إلى المدينة بحثا عن وظيفة : ” لا شك أنهم علموا بحكاية الفتى القادم من بادية الرحامنة ليعمل بالمدينة .. ” ص21، وعودته إلى بلدته في ظروف مزرية على متن حافلة مهترئة تطفح نتانة واتساخا ، وازدحاما : ” توقفت إحدى الحافلات على مضض .. ارتميت وسطها على عجل .. كانت ممتلئة عن آخرها .. افترشت أرضيتها المتسخة الباردة … ” ص22،
ورغم ما تميزت به نصوص المتواليات من تصوير الواقع ، وفضح هناته ، وكشف أعطابه فإن أسلوبها تنوع ، وانفتح على مجازية تعبيرية أحيانا كما ورد في قوله : ” وتبدأ عملية لف حلزونية … ” ص8، لوصف وتيرة تتميز بالبطء في الدوران ، وقوله أيضا : ” تسوقني قطعان أحلامي الندية … بعد أن ودعت إخوتي وهم يزدردون صبرهم … ” ص11، فبدل أن يسوق السارد قطعان الأحلام ، هي التي تقوده وتسوقه ، وما يعج به تشبيه مجموعة أحلام بالقطعان من حمولات رمزية ودلالية ، والتهام الإخوة للصبر وابتلاعه وما ينم عليه من مجازية بلاغية استعارية ، وهو ما تكرر في استعارة التثاؤب واللسان لليل ، وما يعكسه من انزياح ، واختلاف عميق التصوير ، وبعيد الدلالة و المعنى : ” والليل يتثاءب ثقيلا يلعق بلسانه وجهي ووجه المدى .. ” ص24، وشعرية تعبيرية تمثلت في وصف الأم : ” وكذلك كانت أمي ، وجهها كاللجين كان ، والجبهة قمر تموزي ، القد زيتونة ، والشعر كالسيسبان ، والعيون واحة من الأمنيات ، والجسد نهر من الليونة … ” ص40، بتوالي تشبيهات تمتح من معجم رومانسي زاخر وغني ، وهو ما توالى في مقاطع أخرى . وهناك الكثير من الموضوعات التي تتقاطع وتتقابل ، مثل المفارقة التي عُقِدَت بين وصف كلاب طبقات المجتمع ، والفرق الكبير في نوع أكلها وطعامها : ” وأفكر في أن كلاب الفقراء تأكل خبزا جافا ، وكلاب الطبقات المتوسطة تأكل خبزا مغموسا ، بينما كلاب الأغنياء لا تأكل لا هذا ولا ذاك .. ” ص39،
مع الإشارة كذلك إلى نقمة الوعي الذي يفاقم من شقاء صاحبه ويعمقه كما يعبر عن ذلك : ” خير لك لو بقيت جاهلا تنام مبكرا تناقش أمورا بالغة التفاهة .. تدخر ثمن الكتب والمجلات والجرائد ، وتوفر الفلس الأبيض ليومك الأسود … ” ص11، استيحاء من مفهوم الوعي الشقي عند هيغل الذي يختزل مدى الشعور بالاغتراب، والعلوق بين الواقع الراهن والأهداف المنشودة لدى صاحبه والمبتلي به. كما أشار إلى القارئ مبديا رغبته في إبعاده عن مشاكله الصغيرة في تلميح إلى ما هو مفيد ومُجْد بدل شغله بأمور ليست ذات قيمة يمكن أن تغني فكره ووجدانه كما عبر عن ذلك : ” لا أود أن أشغلكم بمشاكلي الصغيرة أيها القراء … حيث لا وقت للتذكر ولا وقت للتنكر … لا وقت لسماع الترهات ، وحيث لا وقت هناك لامتطاء الذكريات..” ص38.
لنخلص إلى أن متواليات ” صنائع من نوبة عراق العجب ” القصصية للكاتب والقاص المهدي نقوس تنم عن قدرة فائقة على خلق وابتكار عناصر سردية تختلف عما هو سائد ومألوف من حيث مكونات القص لما اجترحته من مسلكيات ، وما خطته من نهج يستدعي الكثير من الجهد المرفق بالتأني والتؤدة لسبر أغواره ، ومقاربة أشكاله وأبعادها ، ونتمنى أن نكون حققنا بعض ذلك في ثنايا هذه الورقة ومحتواها