قراءة في قصيدة منار سلام "أرثي حبًّا" - قراءة في موسيقى المشاعر - بقلم – د. أيمن دراوشة

الصورة الشعرية هي نتيجة للتفاعل اللغوي، وتخلق الشاعرة منار تراكيب صورية تخصها كفنانة تمتلك بصمتها المميزة من خلال أساليب عديدة بداية من أساليب البلاغة القديمة، وانتهاء بأكثر إضافات الحساسية الشعرية، عطاء وبذلك يتحقق الإبداع.

القصيدة هي على بحر الوافر، وتذكرنا بقصيدة أحمد شوقي سلوا قلبي ليس بالأفكار طبعًا، وإنما قصدنا بالجرس الموسيقي والقافية الموحدة.



وتحقيقي معادلة الإبداع الشعري هو اتكاء الشاعرة على الأسلوب التقليدي للشعر دون ارتماء أعمى في الحداثة، وبدا ذلك واضحًا، ببناء الصورة إلى الأسلوب العذب، فكانت البداية أو المدخل:

حبـيـبَ القلـبِ آثرْتَ الـغيـابـَا

وقلبِي الصّبُّ لا يهوَى العذابَـا



ومن الملاحظ استرسال الشاعرة بالاستعارات:

ونفسِـي لنْ تكـيـلَ لـكَ العتابَـا- سـيُبرئُـهَـا الزَّمــانُ - فـيَـا قـلبِـي رجـوتـُكَ لا تـبـادرْ - فدعْهُ وَعـُدْ لرشدِكَ يَـا فؤادِي..



فهذه الاستعارات المتلاحقة في البناء العام للصورة تؤدي وظيفتها على الوجه الأكمل وهي قادرة على الإطلالة على عالم مدهش حيث الواقعية دون الغرابة والغموض.

وفي تجسيدها للقلب تقول منار:

قـلبِي الصّبُّ لا يهوَى العذابَـا"


حيث تتجلى براعة التصوير باعتبار القلب كائن حي يعاني ، أمَّا الصب فهي التي تهزز إنسانية هذا القلب المتمسك بالحب.

وفي قولها : "يَا قـلبِـي رجـوتـُكَ لا تـبـادرْ": فهي تخاطب القلب كصديق ناصح ، مما يبرز حالة الصراع الداخلي بين العقل والمشاعر.



وفي قولها " "سأقلعُ عـَنْ غرامِـكَ دونَ غِـلٍّ" فقد بدأت الشاعرة بفعل يوحي لترك شيء قد أدمنه الشخص، والمقصود هنا الإقلاع عن الحب الذي هو في مرحلة التلاشي.



وما يميز هذه القصيدة هو اعتمادها على التضاد النفسي، فالقصيد تبدأ بضعف القلب وتنتهي بقوة الإرادة والترفع عن العتاب الذي هو جوهر الصور البلاغية ، فمن عذاب الحب إلى مرحلة التعافي منه.



الظاهرة المهمة في القصيدة هي ظاهرة توزيع الأنا العليا الكلية على الضمائر الأخرى أنت وهو وهي حاضرة بقوة بامتداد القصيدة، حيث يكون الفعل الإنساني سطوة على وجدان صاحب القضية.



وإذا عدنا للأفعال فنجد الشاعرة قد أكثرت من الماضي على حساب المضارع، حيث يؤكد الزمن ذلك الحضور ويضيف إليه الآنية السائدة في أغلب القصيدة من خلال الفعل الماضي الذي هو مقترن بذات الشاعرة.

وأخيرًا فالقصيدة تأتي كإعلان لانتصار الوعي على الوجد، فالنص هنا ليس رثاء لحب فاشل؛ بل هو وثيقة تحرر ذاتي.



القصيدة:

أرثي حبًّا
حبـيـبَ القلـبِ آثرْتَ الـغيـابـَا
وقلبِي الصّبُّ لا يهوَى العذابَـا

أتيتُك مِنْ صميمِ الرّوحِ وَجْدًا
فَكيْفَ رَدَدْت قلـبـًا فيـكَ ذابَـا؟

وَإِنّـي اليـومَ حاسمــةٌ قـرارِي
فـقـدْ أغـلقــتُ لِلعـبـَراتِ بـابَـا

سأقلـعُ عـَنْ غرامِـكَ دونَ غِـلٍّ
ونفسِـي لنْ تكـيـلَ لـكَ العتابَـا

جراحُ الحبِّ سوفَ تطيبُ يومًا
سـيُبرئُـهَـا الزَّمــانُ فَـلَا ارْتِيَـابـَا

فـيَـا قـلبِـي رجـوتـُكَ لا تـبـادرْ
وغُضَّ الطّرفَ عنهُ وتبْ مَتابَـا

أَرِقْـتَ الـلَّـيـلَ ترقُـبُ فجـرَ وُدًٍّ
وذاكَ القلـبُ لا يُرضِي جـوابـَا

فدعْهُ وَعـُدْ لرشدِكَ يَـا فؤادِي
وَغِبْ زمنـًا كمَا فرضَ الغيابَــا

أَنَصبـِرُ عـنْ جـراحـاتٍ وَوَهـْـنٍ
وقهـرُ العشـقِ يغلبـُنَـا غِـلابـَا؟!
منار سلام

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...