أ. د. عادل الاسطة - خربشات ١ حزيران من كل عام

١أمشي ، كأنني كاميرا :

أمهات بلا أمومة .
أخلاقيون بلا أخلاق
يا علي !
كان العمر رحلة قصيرة .
البنت تنتعل فردتي حذائها بالعكس . ماذا تقول الأم لابنته ا؟
-يا طرمة الله يزلك\يذلك

-مساء الخميس
-الفتاة في كامل أناقتها ، بنطال تايت أسود وتي شيرت أبيض والشعرا لناعم منسدل على كتفيها .
الرجل الذي كله أخلاق يشتم اياها ناعتا إياه بأخ \و الش....لماذا ؟ لان الفتاة ترتدي ملابس تبرز مفاتنها .
هل كان والدها أخ /ا شر .؟( الحمد لله أنها ليست في غزة وإلا )

يا علي !

أقرأ مقال حسن البطل النهاش \ الجمعة 31\5\2013 في الأيام فاخاطب علي االخليلي . الحياة فيلم قصير
٢٠١٣

٢
سؤال مثير :

هل ما زلت يا عادل الاسطة تتابع كتابات محمود شقير القصصية وروايات يحيى يخلف وروايات سحر خليفة وإشعار أحمد دحبور ؟
وسؤال آخر :
هل هناك كتاب جدد قدموا نصوصا أدبية أفضل مما قدمه هؤلاء ، بل وأشعارا ؟
هل تفوقت " رام الله الشقراء " و "كافر سبت " على مجمل نتاج هؤلاء ؟
وماذا بشأن سلمان ناطور ؟هل قدم نصوصا جديدة أم أنه أخذ يعيد طباعة كتبه القديمة تحت مسميات جديدة ، وقد نستثني " أنا هي والخريف "وهي ليست أفضل من نتاجه السابق؟

مجرد تساؤلات...مجرد خربشات
٢٠١٤

٣
نابلس ، اليوم ، مساء :

في الثامنة والنصف كنت في الجامعة ، وبدأت التدريس في الفصل الصيفي .
لم أتجول صباحا في المدينة ، ولذا لم أكن أعرف أحوالها .
في الخامسة والنصف ذرعت البلدة القديمة من بوابتها الغربية وسرت باتجاه السوق الشرقي .
ماذا جرى؟
المحلات مغلقة والحركة ، مساء ، ضعيفة . أنظر في بعض محلات الخضار ، فأجدها على غير عادتها . وسأعرف أن المدينة يعمها اليوم إضراب شامل ، تضامنا مع المساجين المضربين .
كل شيء هاديء ، وأنا كعادتي أسير ببطء ، والكنافة تفتح الشهية ، والفواكه في السوق الشرقي لا تجد من يقبل عليها .
المدينة اليوم تشهد إضرابا ، والناس يجتهدون .
هل الإضراب مجد ؟
هل يخرج السجناء أم أنه يجني على الحياة الاقتصادية السيئة أصلا ؟
والناس تواصل حياتها ، وقد يسألك والد طالبة متفوقة عن فرصة عمل لابنته ، أو عن إمكانية حصولها على بعثة ، وابنته خريجة الحقوق بامتياز هي أولى دفعتها ، وقد أنفقت في السجن أربع سنوات ، وخرجت في عملية تبادل أسرى في عملية ( شاليط ) .
المدينة هادئة هذا المساء .
هل هي حزينة ؟
ولا رغبة في الاستماع إلى أم كلثوم ، فثمة ما يشبه الحداد .
٢٠١٤

٤
604
بدأت المائة السابعة :

صار المرء أكثر خجلا وأكثر شتاتا وأكثر عجزا عن الكتابة .
اليوم صباحا مثلا أصيب متابع أخبار قطاع غزة منا بالذهول . أكثر من ٢٠٠ مواطن فلسطيني غزاوي أجبرهم الجوع على الذهاب نحو مركز توزيع المساعدات في رفح . جاؤوا من الوسط ومن الجنوب ، وقسم جاء من الشمال يحدوهم الأمل بالحصول على شوال طحين وبعض معلبات ، فتم حصد كثيرين منهم :
- احصدوهم !
تماما كما حصد في العام ١٩٥٦ أبناء قرية كفر قاسم وهم عائدون من الحقول إلى بيوتهم التزاما بنظام منع التجول الذي فرضته سلطات الحكم العسكري . يومها ارتقى خمسون قرويا وعندما حوكم الضابط ( شدمي ) الذي أصدر الأمر سجن ثم أفرج عنه بغرامة مقدارها قرش . ( قرش شدمي ) .
ما أشبه فجر اليوم ١ حزيران ٢٠٢٥ بالبارحة ٢٩ / ١٠ / ١٩٥٦ .
ما يجري في غزة فوق قدرة عقل المتابع على الاحتمال والتصور . من أية طينة عجن الأمريكان والإسرائيليون الصهيونيون ؟
الشهداء شباب مثل الورد أرادوا إطعام أبنائهم الجوعى فارتقوا وظل الأبناء والأمهات والزوجات ينتظرن .
قبل أيام ارتقى في نابلس رامي الخراز ، مخلفا زوجة شابة وثلاثة أطفال مثل الورود ، واليوم ارتقى في البلدة القديمة الحاج رشيد محمد خيري شقير . أراد أن يصلح بين المتخاصمين فاصطدم رأسه بالحائط وودع هذه الفانية .
تأتي المصائب ، حين تأتي ، معا . بالجملة ، لا بالتقسبط أو على دفعات .
بداية المائة السابعة دموية والله المستعان !
١ حزيران ٢٠٢٥

٥
أدب العائدين وأدب المقيمين . هل من تشابه في الأفكار ؟ :

هل كرر الأدباء العائدون أفكارا وموضوعات خاض فيها الأدباء المقيمون ؟
حين يمعن المرء النظر في بعض كتابات العائدين ، فهل سيتذكر نصوصا للأدباء المقيمين ؟
مقالي الأحد 7/6/2015في الأيام الفلسطينية .
هل سأخرج ، من وراء الكتابة في هذا الموضوع ، بكتاب جديد ؟
من يدري !
لاحظوا أهمية الكتابة في الصحيفة ، والكتابة في الصحيفة لا تروق لأكاديميين لا يكتبون شيئا ، وإن كتبوا أبحاثا أو دراسات فأكثرها لا يساوي قشرة بصلة ، وهي أصلا لا تقرأ إلا من المحكمين وبعض القراء .
خربشات
ويحيا الأدب الصحافي ونظرية الاستقبال الألمانية وصاحبها ( هانز روبرت ياوس ) .
٢٠١٥

٦
هموم سائق حافلة الصباح في الأول من حزيران :

مادا حدث سائق الصباح في الأول من حزيران ؟
سائق الصباح كان يبحث عن صورة ابنه المصاب برصاصة طائشة .
كان ابن الرابعة عشرة واقفا أمام بيت منزل جده في المخيم وجاءته رصاصة طائشة من حماة الدفاع عن الوطن .
سأجد نفسي مسوقا إلى الحديث عما يجري ؛ عن إطلاق الرصاص بمناسبة ودون مناسبة . عن حملة السلاح الذين يقتلون ويسيرون في الشوارع .
والسائق سيدلي بدلوه عن هده الظاهرة . سيتكلم عن الشرطة التي تقود سائقا إلى المحكمة لمخالفة سير ، ولا تقوى على محاسبة حماة الوطن ممن يطلقون النار في المناسبات الوطنية وغير الوطنية ، فيسقط أبناء الوطن ، لا المستوطنون أو جنود الاحتلال ، قتلى .
السائق تحدث عن ابنه الدي نزف دمه وعن الأقوال التي سمعها .
كان السائق نائما في بيته فقد أراد أن يرتاح من عمل لساعات ، وجاءه الخبر عن إصابة ابنه .
الإصابة في الرأس ، لا في القدم .. لا في الصدر ، فارتبك السائق وسار يبحث عن ابنه ، وها هو يأخذ ابنه يوميا إلى المشفى . والسائق يقول :
- يقولون إن مشكلتنا بدات في ال 48 ، والصواب أنها بدأت مع مجيء السلطة .
وسأتدخل بدوري لأقول قناعاتي .
بدأت مشكلتنا في 1948 ثم تفاقمت مع مجيء السلطة .
٢٠١٤

٧
في مديح الاحتلال :

لم أمدح الاحتلال هذا المساء ولم أمدحه أيضا في الصباح ، ولم أهج السلطة ولم أمدحها أيضا . أشرت إلى ما أرى وكررت ما يقال ، وفي تكراره بدا أنني أهجوها .
في حافلة المساء لم أتكلم . التزمت الصمت وأصغيت .
كان الراكب يقص على السائق عن رحلته إلى الحمة السورية .
تحدث عن أجرة الفندق . قال إن الغرفة لاثنين بألف شيكل في الليلة .
سيمدح الراكب حافلات العدو وسيقارنها بالحافلات العربية .
- أين الثرى من الثريا؟
كل شيء يهودي جميل مثل نساء اليهود في الروايات .
السائق سيدافع عن بعض باصات الشركة التي يعمل فيها وسيشير إلى باصات ممتازة ، وسيتحدث عن أجرة السائق والإكرامية التي تدفع له من الركاب . كل راكب يدفع له 20 شيكلا والإكرامية تصل إلى ألف شيكل .
الحديث يأتي على حريق في حقل في القرية المجاورة ، وأنا أصغي ، وراكب حافلة مساء أمس لم يكلمني . جلس بالقرب مني وانتظر أن أكلمه ولم أفعل .
في الصباح أيضأ ذممنا حماة الوطن ولم ندافع عن الاحتلال بطريقة مباشرة . ذممنا السلطة لأنها لا تلقي القبض على مطلقي النار ، بمناسبة وبدون مناسبة .
أنا حاد في كتابتي يقولون .
ما أسمعه من كلام الآخرين ومن بعض بذاءاتهم وشتائمهم يطمئنني إلى أنني من المليار المبشر بالجنة .
من يدري !
1/6/2016

٨
حرية التعبير في غزة :

في غزة هناك اعتقال بسبب الكتابة على الفيس .
حماس ، في غزة ، تعتقل عبد الله أبو شرخ بسبب كتابته على (فيس بوك ).
هذا ما قرأته للتو على صفحة Fadel Ashour .
عقلية الاعتقال على أساس الكتابة تسود بين المتعلمين أيضا ، عدا حضورها في أذهان الناس .
لي زميل يردد على مسامعي دائما العبارة الآتية :
- ألا تخاف من الاعتقال؟ .
أبتسم وأجيب :
- لا. لا أخاف . كله سكن. البيت سكن والسجن سكن .
يتمادى زميلي ويقول :
- إذا كان الأمر مقتصرا على الاعتقال ، فالأمر محتمل .
يلمح زميلي إلى ما هو أبعد من الاعتقال .
في 1993 أرادوا إرهابي بسبب نص " ليل الضفة الطويل " فنصبوا لي كمينا في السيارة وأرادوا ضربي قرب عيون الحرامية .
عرفت أن القصة مرتبطة بتونس وبحركة فتح .
قبل أيام سألتني قريبتي : - على من تركن؟ "نازل هجوم على جميع الجبهات". ومرة هددني شخص .
أحيانا أقول :
- رئيسنا مثقف وهذه ميزة .
ومرة قال لي رئيس الجامعة :
- أنا مثل أبو عمار . قولوا ما تريدون .
ولم يكمل عبارة أبي عمار : " وأنا أفعل ما أريد " .
الأعمار بيد الله والأسعار بيد التجار وإسرائيل .
2017/ 6 / 1

٩

ناجي العلي :

غالبا ما أتذكر السنوات الأخيرة في حياة رسام الكاريكاتير ناجي العلي . فيها قل أصدقاؤه وكثر منتقدوه زاعمين أنه لم يوفر أحدا .
يوم كتبت نص " ليل الضفة الطويل " 1993 تعرضت لمضايقات من الجامعة ، فشكلت لي لجنة تحقيق سخرت لاحقا منها ، ومن الفصائل - إن كنت صاحب فراسة فبأمر من تونس ومن الرئيس ياسر عرفات - حيث حاولوا ضربي قرب عيون الحرامية .
لما راجعت المرحوم غسان الشكعة في الموضوع قال لي :
" - لم تترك أحدا إلا كتبت عنه ، ومن لا يحترم الناس لن يحترموه"
- شو مفهوم احترام الناس عندنا ؟
- أن تمدحهم كلهم حتى اللصوص منهم .
الآن أنفق وقتا طويلا في القراءة والكتابة وأكرر سطر محمود درويش :
" لا شيء يعجبني " .
كلما قل اصدقائي تذكرت ناجي العلي .
يعني غالبا ما أكون مسرورا لقلة الأصدقاء . إنني أدرك أنني على صواب وأن العالم مافيا (وات) وعصابات لصوص .
1 / 6 / 2018

١٠
جوخة 12
جوخة الحارثي : التعالي المريض

من الشخصيات النسوية في الرواية عمة السارد عبدالله ، وهذه المرأة تذكر قاريء سيرة فدوى طوقان الذاتية " رحلة جبلية..رحلة صعبة " بالشيخة عمة فدوى .
الشيخة في سيرة فدوى امرأة مطلقة بلا أبناء تقيم في بيت العائلة وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة وتترك تأثيرا سلبيا في شخصية فدوى فتنفر الأخيرة منها وتبرز لها صورة سلبية في المطلق .
يقص السارد عبدالله عن عمته التي تزوجت مرتين وتطلقت مرتين ، فهي عقيم ولا تنجب .
تتعالى العمة على الآخرين وتكره مديرة المنزل ومدبرته العبدة ظريفة لأنها كانت محظية التاجر سليمان .
تبدو العلاقة بين والد السارد وعمته - أي بين الأخوين - في الظاهر علاقة احترام مفرط وتبدو العلاقة رسمية ، وحين كبر عبدالله فهم " كم كان احترامهما الظاهر يحمل من الاحتقار العميق والكراهية " .
كانت ظريفة تنتقد عمة عبدالله وترى أن السبب يعود إلى " كونها غير محظية عند الرجال كونها تطلقت مرتين من أخوين ، وعلى عقمها ، وعودها الجاف " .
عقم العمة ولد لديها احتقارا للأطفال أكثر من أي شيء آخر " وإن كانت أصلا " تحتقر كل الناس ، وتعاملهم بأدب ظاهر ....يسف عن الاستخفاف العميق بهم ." .
نلحظ هذا التعالي في مواطن أخرى أيضا ، بخاصة في نظرة مجتمع السيدات إلى مجتمع العبيد .
في مشهد ولادة ميا التي استقرت ، بعد وضعها طفلتها لندن ، في بيت أمها سالمة ، لفترة النفاس ، تذهب ظريفة إلى بيت سالمة لتبارك لهما ، فتتهكم سالمة على ظريفة ولا تنهض لتسلم عليها وتتظاهر بأن رجلها توجعها . بعد دقائق تزور زوجة المؤذن سالمة لتبارك لها ، فتنهض الأخيرة وتسلم عليها ، وتلاحظ ظريفة هذا فتتساءل متعجبة من ازدواجية تصرف سالمة ، وتهمهم قائلة :
" واعجبي !! شفيت رجول سالمة وقدرت تقوم... الخ " .
وظريفة كما يتضح في الرواية تغدو لعبدالله زوج ميا بمثابة الأم ، فهي التي تربيه بعد اختفاء أمه ، وبالتالي فإنها الجدة الثانية للمولودة .
وفي أثناء مرض سليمان التاجر يظل يهذي بما نشأ عليه ، ولا يصدق أن سنجر صار حرا بعد أن حررت الدولة العبيد . إنه يواصل طلبه من ابنه عبدالله بربط سنجر بالشجرة وضربه ، علما أن سنجر سافر إلى الكويت بعد أن انعتق من العبودية بموجب قانون إلغاء الرق . إن لاوعي سليمان هو الذي يلح في مرضه عليه .
٢٠١٩

١١

حاييم وفحص السواقة :

أمس ، في الحافلة ، تجاذبت والسائق أطراف الحديث حول أزمة السير في المدينة وعدم مراعاة القوانين ، ما أدى في شهر رمضان إلى 700 حادث سير نجم عنها سبعة قتلى وجرحى كثر .
السائق عزا هذه الكثرة المفرطة في الحوادث إلى دائرة السير والتساهل في منح رخص القيادة ، وغالبا ما يكون للواسطة دور كبير في الأمر .
ترحم السائق علي أيام حاييم الذي خصصته مرة بدفتر من دفاتر الأيام ، وهو لبناني الأصل كان يقول إن أمه ولدته في بيروت وراء البنك حيث هناك تمارس المحترمات المتعة .
روى لي السائق القصة الآتية عن حاييم :
كان حاييم يمتحن مواطنا للحصول على رخصة سياقة . في طلعة جامع الحاج نمر طلب حاييم من الشاب أن يتجاوز شاحنة واقفة ويصف السيارة أمامها ، ولم ينجز الشاب المطلوب منه .
أعطى حاييم الشاب فرصة ثانية ، وطلب منه أن يرجع إلى الوراء ويصف السيارة ، فأنجز الشاب المهمة بنجاح تام .
سأل حاييم الشاب عن فشله في إنجاز الطلب الأول ونجاحه في إنجاز الطلب الثاني ، فأجابه الشاب :
- ألا تعرف أننا نحن العرب لم نفلح يوما في التقدم للأمام ولكننا بارعون في العودة إلى الخلف .
انبهر حاييم من إجابة الشاب وقال له:
- إلى دائرة السير ، ومنحه الرخصة .
هل الكلام السابق كلام استشراقي ؟
للامانة فقط أقول إن الإسرائيليين أفضل منا في جانب منح الرخص والحرص على حياة المواطنين، وسامحوني .
1/ 6 /2019
١٢
ليس ثمة فرق كبير :

الأشرطة التي تعمم بخصوص انتهاك حقوق الإنسان في أميركا تبدو مرعبة ، ولكن علينا ألا ننسى أنه قبل ٧٠ عاما كانت أميركا التي سبح بحمدها كثيرون منا لعقود خلت ، بخاصة ممن درسوا فيها ، أو ممن حصلوا على منحة فولبرايت منها ، هي أميركا التي كانت بعض مطاعمها تكتب لافتة عليها العبارة الآتية :
" يمنع دخول الكلاب والسود " .
هل ننسى المكارثية في خمسينيات القرن العشرين ؟
عالمنا نحن هو عالم " شرق المتوسط " ويبدو أن كورونونا أصابتهم بالعدوى .
بالنسبة لي شخصيا فلا فرق بين أن يعض كلب أبيض رجلا أسود بقسوة ليقتطع جزءا من قدمه أمام أربعة رجال شرطة وبين أن يدخل أخي أو ابن أخي شقتي في غيابي بتنسيق مع الأمن الوقائي ليفتش في أوراقي وأكثر .
عالم كابوسي بامتياز وعالم قذر بما لا يوصف .
١ حزيران ٢٠٢٠

١٣
ذاكرة أمس ٧٧ :

" وأهل غزة يحبون الحياة إذا ما استطاعوا إليها سبيلا "

ربما تتذكرون قصيدة محمود درويش " ونحن نحب الحياة " ونصها هو :

" ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
ونرقص بين شهيدين ، نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا

نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا

ونسرق من دودة القز خيطا لنبني سماء لنا ونسيج هذا الرحيلا
ونفتح باب الحديقة كي يخرج الياسمين إلى الطرقات نهارا جميلا

نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا

ونزرع حيث أقمنا نباتا سريع النمو ، ونحصد حيث أقمنا قتيلا
وننفخ في الناي لون البعيد البعيد ، ونرسم فوق تراب الممر صهيلا
ونكتب أسماءنا حجرا حجرا ، أيها البرق أوضح لنا الليل ، أوضح قليلا

نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا "

أمس تذكرت شخصيا هذه القصيدة التي يكرر كثيرون منا سطرا واحدا منها تكرارا شبه يومي " ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا " .
سبب تذكري هو نشر أصدقاء عديدين لي ، من غزة ، صورة لأهل القطاع وقد افترشوا شاطيء البحر وسرحوا ومرحوا وسبحوا ولعبوا وفرفشوا و ... و ... وعيدوا أيضا . إذ بدأ أنهم أجلوا عيدهم ، بسبب الحرب ، ولم ينسوه ، فخرجوا إلى شاطيء البحر زرافات ووحدانا ، حتى ليخيل إليك أنه لم يبق منهم في بيوتهم أحد ، من كان له بيت ومن فقد البيت بسبب الحرب .
استوحى الشاعر فكرة قصيدته من أجواء حرب لبنان ١٩٨٢ ، ففي وقت الهدنة كان أهل بيروت يخرجون من بيوتهم ويذهبون إلى الشاطيء ليحتفلوا بالحياة ، فمن لم يتزوج تزوج ، ومن لم يلتق بالأهل والأصدقاء التقى بهم وهلم جرا . وأعتقد أن الشاعر الذي لم يكن شاهدا على أي حرب من حروب غزة الأربعة الأخيرة ، أعتقد أنه لو امتد به العمر وشاهد ما شاهدنا من صور لقرأ قصيدته المذكورة ، أو لكتب قصيدة على غرارها .
من الذين أدرجوا الصورة على صفحتهم الصديق Riyad Awad ، فقد ذهل من المشهد وطلب من متابعيه توضيحا للظاهرة وتفسيرا لها ، وكنت واحدا ممن عقبوا ذاهبا إلى أن أهل غزة يحبون الحرية والحياة ما استطاعوا إليها سبيلا .
وأمس توقف الصديق نفسه أمام بعض مطالب أهل غزة في المفاوضات التي قد تجري بين المتحاربين ، فعلقت خالطا الجد بالهزل ، حيث بدوت متطرفا وراديكاليا أكثر من حركتي حماس والجهاد ، بل ومن وديع حداد وجورج حبش في أوج قوة الثورة وذروتها يوم ناشدت بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر وترحيل المستوطنين الغزاة إلى أوروبا . حقا لماذا لا يدفع الإسرائيليون لنا تعويضات عن خسائرنا كلها منذ ١٩٤٨ إلى الآن ، كما دفعت ألمانيا لضحايا الهولوكست من أبناء العمومة ؟
ألم أكتب إنني أكتب في ( الوساع ) .
الشيخ جراح ما زال محاصرا ، بل إن حصاره اشتد وازداد ، ولم نتابع ما جرى مع معتقلي حيفا ويافا وعكا وباقة الغربية وغيرها من المدن والبلدات الفلسطينية ، كما لم نتابع أخبار الكورونا واللقاح إلا متابعة عابرة . هل صارت الكورونا عابرة في كلام عابر ؟ وماذا إن كانت موجودة في غزة ؟ هل الكورونا موجودة هناك أم أنها أصيبت بالرعب فعادت من حيث جاءت ولم تجد صواريخ قبتها الحديدية أمام منظومة صواريخ حماس ؟
أول أمس قال لي أبو فراس إنه يفكر في تأليف كتاب عن الكورونا وتأثيرها في جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وطلبت منه أن يضيف إليها جوانب أخرى مثل الجانب الأدبي والأخلاقي والنفسي ، فسألني :
- هل من تأثير لها على الجانب الأخلاقي ؟
ضاقت أخلاقنا في أيام الكورونا " وأخلاق الرجال تضيق " ، وكذلك أخلاق النساء ، وصرنا عصبيي المزاج متوترين حذرين بخلاء لقلة ما في اليد ... إلخ ، وما من شك أن تأثيرها على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية يمتد بدوره ليشمل الأخلاق . أليس كذلك ؟
صباح الخير يا أبو فراس خالد نايف داود وخذ النكتة الآتية :
أراد رجل أن يتزوج من امرأة ثانية . عندما قدمت له زوجته الطعام والشراب خاطبها - لكي يبرر اقدامه على مشروعه - قائلا لها إنها ما عادت تجيد الطبيخ وصنع القهوة والشاي فلا طعم للطبيخ ولا مذاق للشاي ، واستغربت من كلامه ، ثم عرفت السبب ، فاتصلت بالاسعاف طالبة من الجهات الصحية أن تأتي إلى بيتها لأخذ زوجها المصاب بالكورونا ، إذ فقد حاستي الذوق والشم .
كان حزيران شهر الهزيمة وعد كثيرون شهر أيار شهر النصر . اللهم استر من اليوم ولمدة ثلاثين يوما .
١ حزيران ٢٠٢١

١٤
3 - العجائبي في قصص أكرم هنية :



في كتابه " مدخل إلى الأدب العجائبي " يقتبس ( تزفتين تودوروف ) القول الآتي ل ( بيتر بنزولدت ) :

" بالنسبة لكثير من الكتاب لم يكن فوق - الطببعي سوى ذريعة لوصف أشياء ما كان لهم أبدا أن يجرؤوا على رسمها بكلمات واقعية " .
هذه المقولة أعادتني إلى الفترة التي عملت فيها محررا في جريدة " الشعب " المقدسية في نهاية سبعينيات القرن العشرين وبداية ثمانينياته .
في تلك الفترة توقف بعض الكتاب عن الكتابة ، لأن ما يكتبونه لا يجد طريقه إلى النشر ، فالرقيب العسكري الإسرائيلي الذي تعرض عليه كتاباتهم لإجازتها غالبا ما كان يعترض على نصوصهم التي يشتم فيها رائحة الدعوة إلى مقاومة الاحتلال ، وكان أكثر الكتاب يؤمنون بأن كتابتهم لا قيمة لها إذا بقيت حبيسة مكاتبهم ولا يقرؤها جمهور القراء ، فالكتاب في ذلك الوقت كانوا يؤمنون بفاعلية الكتابة ودورها وأهميتها في النضال ضد الاحتلال .
شخصيا وجدتني أقدم للكتاب اقتراحا عمليا ، لتجاوز الرقيب والاحتيال عليه ، يتمثل في اللجوء إلى الخيال ، متمثلا في التاريخ ، والكتابة عن فترات تاربخية مشابهة للفترة التاريخية التي نمر بها ، أو تمثل حالات مشابهة للحالة التي نعيشها ، فنكتب عن الفترات التاربخية البعيدة أو الحالات المشابهة ، ونعبر من خلالها عن وضعنا ، فلا نيأس ولا نستسلم ولا ننزوي في الظلال .
من المؤكد أن الفقرة المقتبسة من ( بيتر بنزولدت ) ليست السبب الوحيد لكتابة الأدب العجائبي ، فهناك أسباب أخرى لم تخف على ( تزيفتن تودوروف ) الذي رأى أن للأدب قيمتين ؛ أدبية واجتماعية . لقد ميز ( تودوروف ) بين وظيفة أدبية ووظيفة اجتماعية لفوق - الطبيعي " ، والوظيفة الأدبية غالبا ما تتمثل في الميل إلى التجديد وتحقيق المتعة والدهشة لدى قاريء الأدب . وهو ما تنجزه عموما نصوص أدبية عالمية قديمة وحديثة مثل " ألف ليلة وليلة " ورواية أمريكا الجنوبية التي أدرج كثير من نصوصها تحت مسمى " الواقعية السحرية " ، ولا أغفل هنا عن التذكير بأدب الخيال العلمي ، باعتباره أيضا جنسا أدبيا ... إلخ .
فوق ما سبق فإن المرء حين يفكر في أمر العلاقة بين الخيالي والواقعي - وقد شغل هذا الأدباء وغير الأدباء - يلحظ أن كثيرا مما كان واقعيا صار في باب الخيال ، وأن كثيرا مما عد خيالا صار واقعا ملموسا ، ولا ننسى أن المعتقدات الدينية والكتب السماوية تحفل بالأحداث الواقعية والخيالية جنبا إلى جنب .
لا أريد أن آتي بأمثلة تبرهن على ما سبق فهي كثيرة ، ويكفي الإشارة إلى قصة علي بابا والأربعين حرامي وعبارة " افتح يا سمسم " وقصة الملكين اللذين يعيشان مع الإنسان يحصيان عليه أفعاله . نحن الآن في طريقنا إلى تحقيق ذلك من خلال ااشريحة التي ستزرع في أجسادنا ، ولقد كتبت ، وأنا أكتب يوميات الكورونا ، إن ( بيل غيتس ) حل محل الذات الإلهية بفكرته الشيطانية وبتحقيقها إن نجح في ذلك ، سيحيي ويميت ويشفي ويقتل ويشل ويذل و ... و ... .
في " جدارية " محمود درويش نقرأ السطر الآتي :
" الواقعي هو الخيالي الأكيد "
وهو بناء على ما سبق سطر يمكن عكسه ، فالخيالي صار واقعيا .
لا أريد أن استطرد في التنظير ، فأنا أرغب في التحدث عن العجائبي في قصتنا القصيرة الفلسطينية من خلال نموذج محدد هو قصص القاص أكرم هنية .
ولد هنية في مدينة رام الله في العام ١٩٥٣ ودرس الأدب الانجليزي في جامعة مصرية ما بين ١٩٧١ و ١٩٧٥ وعاد إلى الأردن ، فعمل في صحافتها عامين تقريبا ثم استقر في رام الله ، فعمل في جامعة بير زيت ثم في صحيفة " الشعب " وأبعدته سلطات الاحتلال الإسرائيلي في العام ١٩٨٦ . خلال الأعوام ١٩٧٨ و ١٩٨٦ أصدر أربع مجموعات قصصية صدرت معا في ١٩٨٦ تحت عنوان واحد هو " طقوس ليوم آخر " ، وقد لجأ في بعض هذه القصص إلى كتابة الواقعي من خلال اللاواقعي " فوق - الطبيعي " / العجائبي .
هل يعود السبب فقط إلى التحايل على الرقيب العسكري أم أن ثمة أسبابا أخرى دفعته إلى ذلك ؛ أسباب أدبية ؟
لم ينشر هنية أيا من قصصه في الصحف ، وبالتالي لم يتعرض إلى مضايقات الرقيب الإسرائيلي ، عدا أنه كتب ، بأسلوب واقعي ومباشر ، قصصا كثيرة تقارب الواقع .
ما السبب إذن الذي حدا به إلى اللجوء إلى الغرائبي والعجائبي وفوق الطبيعي ؟ أهو رغبته في التجديد أم تأثره بالآداب العربية ؛ قديمها وحديثها ، وبالأدب العالمي الذي أشار في قصصه إلى بعض عناوينه وأسمائه ؟
هل رغب أيضا أن تعيش قصصه في ذهن قارئه لفترة طويلة ، فالغريب والعجيب ، لا العادي ولا المألوف ، هو ما يثبت في الذاكرة ؟
سوف أتوقف هنا أمام أربع قصص قصيرة من قصصه قارب فيها اليومي والمألوف بأسلوب يعتمد على العجائبي والغرائبي وفوق - الطبيعي ، والقصص هي :
- بعد الحصار ... قبل الشمس بقليل .
- تلك القرية ... ذلك الصباح .
- مؤتمر فعاليات القرية يصدر نداء هاما .
- عندما أضيء ليل القدس .

القصة الأولى : " بعد الحصار ... قبل الشمس بقليل " .

نشرت هذه القصة في المجموعة القصصية الأولى للقاص التي صدرت بعنوان " السفينة الأخيرة ... الميناء الأخير " في العام ١٩٧٩ .
في العام ١٩٧٩ كان مر على احتلال القدس اثنا عشر عاما تعرضت المدينة منذ اليوم الأول للاحتلال إلى التهويد ، فقد هدمت بيوت مثل بيوت حي المغاربة ، وعبدت مساحات مثل بوابة مندلباوم التي كتب عنها في قصص سميرة عزام واميل حبيبي ، وبديء بإنشاء أحياء يهودية في القدس المحتلة حديثا ، وتعرض المسجد الأقصى في العام ١٩٦٨ إلى إشعال النار فيه من مستوطن .
أكرم هنية الذي أخذ يعمل في الصحافة العربية في القدس شاهد الكثير من هذا بحكم ذهابه اليومي إلى المدينة ، ولعله توقع أن يأتي يوم ، أمام الممارسات المذكورة ، يصحو فيه أهل البلدة القديمة فلا يجدون الصخرة والأقصى .
توقعاته هذه ، وقد صاغها وعبر عنها عبر حدث متخيل ، تتحقق رويدا رويدا منذ عقود ، فالإسرائيليون يحفرون تحت الصخرة والأقصى بحثا عن هيكل مزعوم يقولون إنه يعود إليهم ، وهم عدا ذلك يريدون اقتسام المكان مع المسلمين المقادسة ، وإن استمرت محاولات الحفر فقد يأتي يوم ينهار فيه المكانان ويصحو أهل القدس فلا يجدانهما .
لم يعبر هنية عما جال بخاطره وتوقعه بأسلوب واقعي مباشر . لقد لجأ إلى الأسلوب الغرائبي ، وأعتقد أنه كان ذا تأثير أكثر على المتلقي . هل أزعم أن لجوءه إلى الخيالي للتعبير عن الواقعي هو ما جعل القصة تركن في ذهني طويلا أم أن أمر ديمومتها يعود إلى كثرة كتابتي عنها ؟
إن صحوة أهل مكان على مكانهم ، وقد اختفى ، فكرة تطرق إليها في الأدبيات المقدسة وغير المقدسة ، والقدس نفسها مدينة من المدن التي دمرت في التاريخ ثماني عشرة مرة ، ومثلها عاد و " إرم " ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وسد مأرب ، ومدن عالمية صحا أهلها وقد دمرها زلزال ما أو ( تسونامي ) ما .ولكن مثل هذا لم يحدث في القدس في سبعينيات القرن العشرين ، فالصخرة والأقصى لم يختفيا أصلا وما زالا قائمين .

ثالثة الثانية : قصة " تلك القرية ... ذلك الصباح "

أيضا ظهرت هذه القصة في مجموعة " السفينة الأخيرة .. الميناء الأخير " .
لم يقتصر الاستيطان اليهودي على مدينة القدس وحدها ، فقد أقيمت مستوطنات عديدة على أراضي فلسطينية أخرى في غزة والضفة الغربية ، وصادرت إسرائيل لإقامتها آلاف الدونمات . أقيمت هذه المستوطنات بالقرب من المدن الفلسطينية وعلى أراضي قريبة من عشرات ، إن لم يكن مئات ، القرى . وجرفت إسرائيل الأراضي وسوت أماكن عديدة بالأرض وسفلتت الطرق بعد شقها ، ما دفع الفلسطينيين إلى المقاومة بأشكال مختلفة . وقد عبر الشاعر راشد حسين عن إصرار الفلسطيني على المقاومة لدرجة شملت تمرد الشيخ والعكاز والححر :
" ولو قضيتم على الثوار كلهم
تمرد الشيخ والعكاز والححر " .
وذهب أكرم هنية إلى ما هو أكثر من ذلك ، فجعل الأموات تنهض من قبورها لتتمرد وترفض الاستيطان .
هل سينهض الأموات من قبورهم ليقاوموا الاستيطان ؟
مر على موت أبو محمود القاسمي عشرون عاما ، ولم يعكر عليه موته إلا أصوات جرافات الاحتلال تحفر في أرض المقبرة التي دفن فيها .
ينهض أبو محمود من قبره على أصوات الجرافات ويرى بشرا غريبي الملابس وجرافة تجرف القبور ، فيسأل عما يجري ، ويعرف أن اليهود يريدون إقامة مستوطنة ، ومن خلال الحوار ينصب له رجال المخابرات فخا ، فيسألونه عن ماضيه ومقاومته الانتداب وبندقيته ، ويعرفون أن ابنه كمال سار على خطاه فقاوم المحتلين ، وهنا يقرر الجنود إبعاده إلى الأردن ، فيرفض ويلقي بجسده في النهر .
يظهر لجوء القاص إلى الخيال واللامعقول / العجيب / الغريب / فوق الطبيعي في بناء قصته على شخصية متوفاة منذ عشرين عاما تصحو من موتها وتحاور الجنود وترفض الامتثال لأوامرهم . إن قصة قيام موتى وبعثهم قصة لها شبيهها في التراث ووردت في بعض الكتب المقدسة وكانت مثارا للإعجاز وبرهانا للإقناع بقدرة الخالق ، وهي قصة عرفتها الآداب العالمية . نام أهل الكهف ثلاثمائة عام ثم نهضوا من موتهم ، وبعث العازر من موته وبعض المؤمنين ينتظرون عودة المسيح والمهدي المنتظر و ... و ... .
وكما كتبت عن القصة الأولى ، فإن الحدث المتخيل هنا يعمر في الذاكرة لفترة أطول ، ويعزز فكرة المقاومة واتساعها لتشمل من ذكرهم راشد حسين في بيته .

القصة الثالثة :" مؤتمر فعاليات القرية يصدر نداء هاما "

هذه القصة ظهرت في مجموعة " هزيمة الشاطر حسن " الصادرة في العام ١٩٨٠ .
بعد حرب ١٩٧٣ شهدت الضفة الغربية وقطاع غزة موجة هجرة شباب كبيرة إلى دول الخليج وأمريكا بحثا عن فرص عمل . لقد هاجر شباب كثيرون تاركين زوجاتهم وأولادهم باحثين عن فرص عمل ، وقد يعودون وقد لا يعودون ، وقد ينسون أبناءهم في أثناء غربتهم ويتزوجون بنساء أخريات . لقد ترك هؤلاء أرضهم بورا ليصادرها الإسرائيليون ، ونساءهم بلا حرث وأولادهم بلا آباء .
يبني القاص قصته على حدث عجائبي ، والعجائبي ، كما يقول ( تودوروف ) نقلا عن ( كاستكس ) يتميز " بتدخل عنيف للسر الخفي في إطار الواقعية " وهو كما يكتب ( لويس فاكس ) يحب " ان يقدم لنا بشرا مثلنا ، فيما يقطنون العالم الذي توجد فيه ، إذا بهم فجأة يوضعون في حضرة المستغلق عن التفسير " / سر خفي / مستغلق عن التفسير / اللامقبول .
الحدث اللامعقول العصي على التفسير المستغلق في القصة هو تشبث الأجنة برحم الأمهات ورفض الخروج منها إلى الحياة إلا بعودة الحياة .
تخفق القابلتان أم اسماعيل وأم محمد في توليد أربع نسوة ، ويخفق أطباء المشفى في توليد اثنتين من النسوة الأربعة ، ولم يسبق أن حدث شيء مثل هذا ، فما هو السر وما الأمر المستغلق اللامقبول ؟ إن القابلتين والأطباء لم يعرفوا حالات مثل هذه ، وهنا يبدأ البحث عن السر لفك المستغلق .
يجتمع رجال القرية ويتدارسون الأمر وينظرون في الشأن الأسري للأجنة الأربعة ، ويكتشفون السر . الآباء في الغربة والأجنة لا يريدون القدوم إلى عالم بلا آباء .

القصة الرابعة :" عندما أضيء ليل القدس "

كتبت هذه القصة في منتصف ٨٠ ق ٢٠ وتأتي على مدينة القدس في شهر رمضان ، حيث أخذ المقدسيون يقضون ليالي رمضان خارج بيوتهم محتفلين بالحياة .
في أثناء فرحهم واحتفالهم بالحياة يظهر في المدينة " الرجل الضوء " فيلتفت إليه المواطنون ويرى فيه كل واحد منهم من يفتقده وما يفتقده . إنه الشخص الذي يبحثون عنه والأمل المنشود لكل مقدسي :
" وصرخت امرأة كان يحيط بها أطفالها : إنه ابني الذي استشهد في لبنان .
وهتف رجل مأخوذ بغرابة ما يجري : إنه المهدي المنتظر .
وقالت امرأة عجوز : إنه ابني التائه في المنفى.
وقال شاب بسرعة حاسمة : إنه شقيقي المعتقل في السجن .
وقال آخر : إنه ولي من أولياء الله في هذه الليلة المباركة.
وتقدم طفل للأمام وسط الجموع : إنه أبي الغائب في السجن .
وقالت امرأة وهي ترسم علامة الصليب : يا عذراء . إنه يسوع . يسوع يا مخلصي .
وارتعش جسد فتاة لم تحاول مقاومة دموعها وهي تهمس : إنه حبيبي . أعرفه . إنه فارسي .. انتظرته طويلا . ها قد أتى . ها قد أتى . " .
ولنلاحظ هتاف الرجل . لقد هتف مأخوذا بغرابة . ثم إن عيون المحتشدين كانت " مشدودة لما يحدث " ورجل الضوء الذي نصغي في القصة إلى صوته " لست ملاكا ولست شيطانا . أنا أنتم . وانبعثت عندما كنتم تصنعون مهرجان الألوان في هذا الليل الطويل . لذلك عرفني الجميع . أنا من ذكرتم ولكن ليس بالضبط . أنا مزيج لقائكم ، ولدت عندما رأيتموني أضيء القدس . لكنها لم تكن حياتي الأولى . عشت قبلها حيوات كثيرة في عصور أخرى . " .
و
" ولدت مرات عديدة ، ومت مرات عديدة ، وقتلت مرات عديدة على يد الأعداء والأشقاء . لي قبر يضمني في عمان ، وآخر في الشام ، وآخر في بيروت ، وقبر آخر في الجنوب و ... . " .
والرجل الضوء في النهاية هو الفلسطيني الكنعاني وهو الحلم الفلسطيني المنشود لأبناء الشعب الفلسطيني . إنه العلم الفلسطيني يرفرف عاليا فوق أسوار القدس فلا يروق للإسرائيليين فيطلقون النار عليه .
لقد وظف أكرم هنية في بناء قصته اللامعقول / الخيالي / الغرائبي / العجائبي / فوق الطبيعي ليقول من خلاله الواقعي .

والسؤال هو :
هل كان هنية استثناء في هذا الجانب ؟
في جانب القصة القصيرة كانت كتابته لافتة ، ولكن علينا ألا ننسى توظيف الغرائبي في رواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ١٩٧٤ ، ومن المؤكد أنه سيحضر لاحقا في أعمال أدبية كثيرة .

١ حزيران ٢٠٢١

١٥
القدس أم الطريق إلى القدس :

غير مرة كتبت عن القدس وحنيني إليها وزياراتي لها .
غالبا ما يكون الطريق إليها محفوفا بالمصاعب ، وقبل أن أبلغ الستين من عمري كان محفوفا بالمشاكل .
الطريق إلى القدس صعب طويل سلمه ولكنه يهون أمام الفلسطينيين ، فالقدس كما يافا وحيفا وعكا ، مهوى الأفئدة ومحط الرحال . إنها الأمكنة التي ترنو إليها أنظارنا وتتطلع إليها ، فنتحمل لأجلها وعثاء السفر ، نكابد ونعاني و ... .
الطريق إلى القدس متعب وفيه مهانة ، حيث تمعطنا المعاطات ونصعد الجسور وننزل من حافلة لنصعد أخرى و ...و ... ولكن ما إن نعبر المعبر حتى ننسى ما عانيناه وكابدناه وحين سألني زياد خداش في زيارتنا الأخيرة للمدينة ، ونحن قرب باب الخليل ، عما تعنيه لي القدس ، أجبته :
- ما إن اجتزت اليوم المعبر ووصلت إلى باب العامود حتى شعرت أنني في الجنة .
( من نص أعكف على كتابته عن زيارتي الأخيرة للقدس يوم الثلاثاء في ٣٠ / ٥ / ٢٠٢٣ ) .
صباح الخير :
Ahmad Abo Saloum
Hosamsaleh Abu Esheh
جميل السلحوت
محمود شقير
زياد خداش
زياد طه ( مطعم ابو شكري ) .
زياد طه
١ / ٦ / ٢٠٢٣ .

١٦
القدس أم الطريق إلى القدس ؟ :

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

غير مرة كتبت عن القدس التي
غالبا ما يكون الطريق إليها محفوفا بالمصاعب والمشاكل .
الطريق إلى القدس صعب ولكنه يهون أمام الفلسطينيين ، فهي كما يافا وحيفا وعكا ، مهوى الأفئدة ومحط الرحال . ترنو إليها أنظارنا ، فنحنمل لأجلها وعثاء السفر ، ونكابد ونعاني و .. .
الطريق إلى القدس متعب وفيه مهانة ، حيث تمعطنا المعاطات ونصعد الجسور وننزل من حافلة لنصعد أخرى ، ولكن ما إن نجتاز المعبر حتى ننسى ما المعاناة ، وحين سألني زياد خداش في زيارتنا ، ونحن قرب باب الخليل ، عما تعنيه لي القدس ، أجبته :
- ما إن اجتزت اليوم المعبر ووصلت إلى باب العامود حتى شعرت أنني في الجنة .
ولم أبالغ في ، علما بأنني لم أدخل إلى الجنة ، فصورتها تشكلت في ذهني من الأدبيات الإسلامية ومن زيارة أماكن جميلة ، ما إن نراها ، إلا ونقول :
- إنها قطعة من الجنة .
في آذار انتهت صلاحية البطاقة الممغنطة التي تسهل للفلسطينيين العبور ، عبر معابر خاصة بهم ، إلى القدس ومناطق ١٩٤٨ ، وكان علي أن أجددها ، علما بأنني في هذا الشهر سأدخل في عامي السبعين حيث صارت حركتي بطيئة وسفري إلى خارج مدينة نابلس أمرا يجب أن أفكر فيه ، بسبب السكري وآثاره ، ولقد أردت قبل أن أجتاز المعبر ، لشدة لهفتي للقدس ، أن أختصر الطريق لأصل إلى المعاطة ، فصعدت طلعة ما كان يمكن أن أنجح في إتمام صعودها لولا مساعدة شاب أمسك بيدي . وكان يمكن أن أقع فلا أصل إلى المدينة وأعود مكسورا يحتاج إلى جبر .
حين تجتاز آلة الفحص وتعطيك المجندة إشارة بالمرور ، تتنفس الصعداء ، فلقد أيقنت الآن أنه بإمكانك زيارة البلدة القديمة ومعالمها .
ما إن وصلت إلى باب العامود حتى دلفت إلى ( جروزالم هوتيل ) حيث أبلغني زياد وحسام أبو عيشة أن أحمد أبو سلعوم سيكون بانتظاري ، فرأيته بعد انقطاع ٣٥ عاما وأكثر ، علما بأنني تابعت في شهر رمضان الأخير ، مسلسل " أم الياسمين " الذي كان فيه وحسام أبو عيشة نجمين من نجومه .
في ٨٠ القرن ٢٠ تعرفت إلى أحمد حين كنت محررا في جريدة " الشعب " المقدسية وأتردد على مكتب مجلة " العودة " .
كما لو أننا لم نفترق هذه المدة ، وسرنا معا من باب العامود إلى البلدة القديمة حيث زياد وحسام ومعهما أمين السادن ، وهو عراقي مقيم في كندا ، ينتظروننا في مطعم أبو شكري الشهير للحمص والفلافل ، وللمطعم قصص قصها على مسامعنا حسام ومنها أن حمص أبو شكري الأشهر في المدينة ، فقد عرفه منذ كان طفلا وشابا يافعا . كان أبوه يرسله إلى المطعم ليشتري وكذلك ، لاحقا ، صاحب العمل . تحدث عن جودة الحمص وبراعة أبو شكري في تقدير الكمية والمذاق ، ولكن أهم من هذا هو بركة الكمية التي يضعها أبو شكري في الصحن . حسام يؤمن بأن القدس مدينة كل ما فيها مبارك وحمص أبو شكري " فيه بركة " ، فعندما كان يذهب ليحضر صحن حمص ل ١٣ عاملا ، يتساءل إن كان الصحن يكفي ، ولم يتأكد من ذلك إلا بعد أن ينتهي العمال من الطعام . القدس مدينة مباركة والمسيح كان يطعم السمكة لعشرات وكان رغيف الخبز يشبعهم . هل آمن أحمد أبو سلعوم بما يؤمن به حسام ؟
ونحن نتناول الحمص انضم إلينا زياد طه ابن أبو شكري . كان زياد في ٧٠ و ٨٠ القرن ٢٠ يكتب الشعر وينشره في جريدة " الشعب " ومجلة " الشراع " وفي صحف أخرى ، ولكنه لا يعد نفسه شاعرا محترفا . ذكرنا بتلك السنوات التي أسهمت في تكويننا الثقافي وكانت القدس المركز في الحياة الثقافية ، فيم كانت رام الله ونابلس هوامش .
وأنا وأحمد نسير معا سألته ، لكي أتأكد ، إن كان هناك ، من قبل ، مقهى في مدخل باب العامود . المقهى الآن صار محل بيع للملابس ، وإن لم تخني الذاكرة فقد خص القاص محمود شقير مقاهي مدينة القدس بصفحات فيما كتبه عن المدينة .
ما إن غادرنا المطعم حتى سرنا إلى كنيسة القيامة التي يكثر المترددون إليها لرؤيتها كمعلم ديني يبهر بناؤه الأنظار ، أو لقناعة دينية ، أو لإشعال شمعة ، أو لمباركة بعض ممتلكاتهم من أساور أو قروط ذهب أو ملابس ، أو لرؤية معالم المدينة ذات الديانات السماوية ، أو لالتقاط صور ، والكنيسة تحكي قصة اختلاف الطوائف المسيحية فيما بينها والتسامح الإسلامي المسيحي ايضا ، فمفاتيحها مع عائلتين مسلمتين ، حلا لإشكالية الطوائف التي تريد كل طائفة منها أن تكون المفاتيح بيدها . عشرات بل مئات الزوار يؤمون الكنيسة ، فتغص بهم ساحتها ويمتليء بهم داخلها ، ولم يترك حسام أبو عيشة لذكرياته أن تظل حبيسة . لقد أراد أن يشركنا فيها ، ففي الكنيسة تعلم أول درس في السرقة وأبدى أول استعداد للتحول للمسيحية لينجو .
عندما كان طفلا زار الكنيسة مع صديق مسيحي وشاهد الزوار يتبرعون لها بالدولارات يضعونها في صندوق زجاجي . أغرته ، هو الفقير وزميله ، الدولارات فقرر أن يحصل على بعضها . هكذا أحضر دبوسا وقطعة علكة ليخرج أوراق الدولارات من الصندوق ، وما إن نجح حتى كانت يد تمسك به وبصديقه وتقرر معاقبته . عاقب رجل الكنيسة الطفل المسيحي حسب الشريعة المسيحية ، فعفا عنه ، وقرر أن يأخذ حسام إلى الأقصى لتطبق عليه الشريعة الإسلامية - أي قطع اليد . ولما خاف فقد أبدى استعداده لأن يصبح مسيحيا . حسام الفنان يقص الحكاية بطريقته المشوقة التي تفقدها الكتابة بعض جمالياتها .
قرب الكنيسة يكمن مسجد عمر بن الخطاب ، وتجاور الكنيسة والجامع يعيد الزائر إلى التاريخ الإسلامي في القدس والعهدة العمرية ، ولم أكن أعرف أن هناك عهدة صلاحية - نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي - إلا حين زرت ، لأول مرة ، كنيسة الفادي التي لا تبعد عن كنيسة القيامة إلا بضعة عشرات من الأمتار .
ما إن اقتربنا من كنيسة الفادي حتى دعانا حسام إلى زيارتها وشرب القهوة في باحتها الداخلية .
لا أعرف تاريخ الكنيسة هذه وقصتها ، ولكن ما إن دخلت إليها حتى شعرت أنني أدخل إلى كنيسة في مدينة ألمانية مثل بون . سيان . الكنيسة لا زوار فيها ، خلافا لكنيسة القيامة التي تعج بالزائرين السواح . هبطنا إلى طابق أرضي نجلس في باحته حيث الطاولات والكراسي وأشعة شمس نهاية آيار . احتسينا القهوة التي أحضرها لنا حسام وتجاذبنا أطراف الحديث ما يقارب الساعة ، وواصلنا سيرنا متجهين إلى حارة النصارى . ( سوف أقرأ لاحقا أن الكنيسة بنيت في نهاية القرن ١٩ وأشرف الألمان على بنائها بعد أن زار غليوم الثاني القدس ، وقد تم بناؤها على أوقاف تخص بيمارستان يعود تأسيسه إلى صلاح الدين الأيوبي ) .
في حارة النصارى تتذكر الروائي نبيل خوري صاحب ثلاثية فلسطين ( ١٩٧٤ ) وعنوان إحداها " حارة النصارى " . نبيل كتب عن القدس بألم وحسرة . ضاعت القدس في ١٩٦٧ برمشة عين ليظل مقيما في المنفى يعمل في الصحافة ويحن إلى مدينته ووطنه عله يسهم في تحريره ، ولكن أنى ... !!
مثل نبيل عيسى بلاطة الذي لم يفقد الأمل بالعودة إلى القدس فكتب روايته " عائد إلى القدس " ( ١٩٩٨ ) ثم واصل تدريسه في الجامعات الكندية حتى توفي ولم يعد . شوارع يطيب المشي فيها والحارة تقود إلى الحارة .
أمام مبنى القشلة توقفنا . هنا كان الأتراك العثمانيون يقيمون أيام حكمهم ليسيروا حياة المدينة . هنا إحدى قلعتي القدس والقلعة الثانية في برج اللقلق .
المدينة طروس ، والتعبير للعراقي علي بدر الذي كتب روايته عن القدس قبل أن يراها ؛ روايته " مصابيح أورشليم : رواية عن إدوارد سعيد " ( ٢٠٠٦ ) أتى فيها على القدس تاريخيا وشبه طبقاتها ، في توالي ثنائية البناء والهدم ، فالبناء فوق الهدم ، فالهدم فالبناء ، بالطروس . طرس فوق طرس . مدينة تشيد على أنقاض مدينة . حين قلت على مسمع حسام وأحمد وزياد وأمين إن المدينة هدمت وبنيت تسع عشرة مرة صححني حسام :
- بل إحدى وعشرون مرة .
هنا حكم العثمانيون بعد المماليك والأيوبيين فالاحتلال الصليبي ، وهنا فتح في السور ، لغليوم الثاني الألماني الذي زار المدينة في القرن ١٩ ، باب سمي الباب الجديد ، ونعته الناس " باب الهوى " ، وعنه كتبت ليلى الأطرش في روايتها " ترانيم الغواية " ( ٢٠١٥ ) ووصفت القدس بأنها مدينة لها حياتان ؛ حياة الباطن وحياة الظاهر ، حياة الليل وحياة النهار ، ومن باب الهوى خرج في الليل أبناء القدس ، ممن يحب الانبساط والهوى ، ليتردد على الأحياء الجديدة حيث الملاهي وبيوت الغناء ، وقليلون من أبناء القدس ، في هذه الأيام ، من يعرفون هذا الاسم - أي باب الهوى .
في نهاية حارة النصارى نجد أنفسنا نواصل المشي في حارة الأرمن ، وأطرف ما سمعته من حسام هو أن السيد المسيح تتشكل صورته وتتلون ، إذ كل طائفة تسبغ عليه شيئا من فهمها الخاص للمسيحية . سأطلب من زياد الذي يزور القدس باستمرار أن يكتب رواية يوظف فيها أسلوب وجهات النظر يأتي فيها على الصور المختلفة للمسيح . كما لو الطوائف في رواياتها قوس قزح . ( غالبا ما يبدو المسيح شبيها بالجنس البشري الذي يقدسه . يبدو أبيض أوروبيا عند الأوروبيين وحنطي البشرة عند حنطيي البشرة وأقرب إلى الهنود الحمر عند الهنود الحمر وهلم جرا ) .
عندما وصلنا إلى بوابة داوود التي روى لي حسام قصتها في بداية حرب حزيران ١٩٦٧ تأملت في رواية الحكاية . كل يروي حكايته بطريقته . البوابة هي بوابة داوود الدجاني والأراضي التي حولها تعود لعائلته ، وقد أدت العائلة خدمة كبيرة للقدس إذ حافظت على ممتلكاتها بعد أن استبسل أبناؤها مع جنود الجيش الأردني في الحرب في الدفاع عنها . استشهد أربعة من عائلة الدجاني وثلاثة من مقاتلي الجيش الأردني وهم يصدون الإسرائيليين لمنعهم من اقتحام البوابة . كانت وفود الزوار زرافات ووحدانا ، مواطنين بلباس مدني وأفراد من العسكر الإسرائيلي . يأتون إلى البوابة ليرووا روايتهم زاعمين أن البوابة بوابة نبيهم .
هل كنت من قبل اعرف القدس ؟
لم أعرف الكثير عن مقابر المدينة . مرة قبل ٢٠ عاما شاركت في جنازة فداست قدماي تراب إحدى المقابر بمحاذاة السور ، وبعدها قرأت رواية ميرفت جمعة " ماميلا " عن مقبرة مأمن الله ، فتشكلت لدي فكرة عن محاولات الصهيونية إثبات أحقيتها بالمكان من خلال عظام من دفنوا ، وهو ما عبر عنه محمود درويش إثر حرب حزيران ١٩٦٧ :
" عالم الآثار مشغول بتحليل الحجارة " . نعم إنهم مهووسون بالآثار لإثبات ملكيتهم الأرض . وعندما قرأت قصيدة تميم البرغوثي " القدس " قرأت عن التراب الذي يضم رفات من جاء المدينة غازيا وأقام فيها ومات على أرضها . شواهد القبور شاهدة على تعاقب الغزاة . كلهم جاؤوا وكلهم زالوا ولم يبق منهم إلا رفات موتاهم .
ونحن نمر بمقبرة صهيون تذكر زياد وحسام وأحمد شيرين أبو عاقلة وحكايات الأخيرين معها وهي كثيرة ليس أقلها أن حسام أجرى مقابلة معها وصورها قبل قتلها ، وأن أحمد استعان بها لتغطية نشاط فني أحياه في باب العامود ، واختلف فيه مع الشرطة التي حضرت بالعشرات ، فما كان من أحمد إلا أن رفض تقديم العرض حتى ينسحبوا وقد حقق ذلك وصار يكرر إنه أول من أجبر الإسرائيليين على الانسحاب الجزئي من القدس .
سأل زياد حارس مقبرة صهيون إن كان بإمكاننا الدخول لزيارة قبر شيرين فلم يمانع . ترقد شيرين ، الصحفية المعروفة من خلال عملها مراسلة ميدانية لفضائية الجزيرة القطرية ، ترقد الآن في المقبرة حيث خلودها الأبدي في تراب مدينتها ؛ شيرين التي قتلها قناص إسرائيلي في أيار ٢٠٢٢ وهي تغطي أحداث اقتحام مدينة جنين ومخيمها . لقد صار قبرها محجا لمحبيها وللصحفيين الأحرار في هذا العالم الذي لم يرحم الفلسطينيين .
حين تركنا المقبرة سرنا باتجاه السور من الخارج ليقلنا نضال أحمد أبو سلعوم إلى السواحرة الغربية - جبل المكبر - حيث ينتظرنا الأديبان جميل السلحوت ومحمود شقير في بيت الأول . كنا نطل على المنطقة التي عرفت بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ بالمنطقة الحرام وعلى قرب منها مباني استيطانية صهيونية أنشئت مع بدايات القرن ٢٠ لتشجيع اليهود على الاستيطان في القدس . ثري صهيوني أقامها ليأتي إليها اليهود ليكثر عددهم . ( في بداية ٧٠ القرن ٢٠ كنت أمر من هذا الطريق إلى بيت لحم ، فلم يكن ممنوعا على أبناء الضفة الغربية وكنت أرى باب الخليل من الخارج وأظن أنني يومها زرته ورأيت المكان ) .
هل يمكن أن يغيب جبرا إبراهيم جبرا عن أذهاننا نحن الكتاب ونحن في القدس ؟
اسم المنطقة المشار إليها هو " جورة العناب " وسميت كذلك ، كما قال أحمد ، لأنها كلها كانت تزرع بالدوالي حيث تعطي العنب . في الصيف يكون منظرها أخضر ، وقد كتب عنها جبرا في سيرته " البئر الأولى " ( ١٩٨٦ ) حين تحدث عن أماكن إقامته بعد ترك عائلته مدينة بيت لحم . هنا أقام جبرا ذات يوم وكانت المنطقة فقيرة يقطنها الفقراء ، ولكنها ذات مناظر طبيعية خلابة . في القدس لا يمكن أن تنسى جبرا ، فهذا الكاتب الذي أقام في بيت لحم والقدس وانكلترا والعراق وسافر إلى بلدان كثيرة ظلت القدس مدينته المنشودة الساحرة فكتب عنها في " صيادون في شارع ضيق " (١٩٦٠ ) و " السفينة "(١٩٧٠ ) و " البحث عن وليد مسعود " (١٩٧٨) .
ثمة شيء ساحر في القدس ؛ شيء واضح غامض لشدة وضوحه . ثمة رائحة تاريخ دفعت زياد لأن يسألنا السؤال الآتي :
- ما الرائحة التي تشمها في القدس ؟ ما رائحة القدس ؟
عندما استقبلنا جميل ومحمود وأحسنا استقبالنا قدم لنا جميل طعام المنسف ؛ الوجبة التي يقدمها أبناء السواحرة لضيوفهم .
محمود وجميل كتبا عن القدس الكثير . إنها مدينة الأول الأولى التي فضل بعد عودته من إبعاد قسري دام ١٨ عاما الإقامة فيها . كتب عن القدس غير كتاب وكتب جميل عنها وعن العادات والتقاليد في المجتمع الريفي المحيط بها روايات عديدة عالج فيها موضوعات اجتماعية كثيرة مثل الزواج والطلاق والليلة الأولى واليتم والترمل والعنوسة واللجوء .
ما هي رائحة القدس ؟
يصر زياد على سؤاله ، وهو سؤال يبدو محيرا . هل للمدن روائح ؟ هل للنساء روائح ؟ ولطالما ربط الشعراء بين المرأة والمدينة .
- للقدس رائحة الياسمين . هكذا أجبته ، فالمدن العربية القديمة كانت تزرع في أصص الزريعة الورد والياسمين ، وهكذا رأى نزار قباني رائحة دمشق .
فكر محمود مليا ثم أجاب :
- ليس ثمة رائحة معينه للقدس ، فكل حارة من حاراتها ، كل سوق من أسواقها له رائحته الخاصة به تبعا لما اشتهر به اقتصاديا . رائحة التوابل ورائحة الملابس ورائحة الزعتر والبيض قرب الأفران و ... و ... و .
في الرابعة عصرا كان علي وعلى زياد العودة ، والعودة من القدس إلى رام الله لم تكن قبل عقود تستغرق أكثر من ٢٠ دقيقة . الآن في الرابعة عصرا قد تستغرق ساعتين للاكتظاظ المروري ، وربما هذا هو السبب الذي يجعلني لا أزور القدس في فصل الشتاء ، فالنهار قصير والشوارع بائسة و ... و ... .
منذ أشهر وزياد يسألني :
- متى نزور القدس ؟
وأنا أعتذر ، وسبب اعتذاري هو المعاناة في الذهاب والإياب حيث تمر بنا الساعات في الطريق إلى القدس طويلة ، لا بسبب طول الطريق وإنما لاكتظاظه بالسيارات ، لدرجة أنك تكرر مع المتنبي :
" نحن أدرى ، وقد سألنا بنجد ،
أطويل طريقنا أم يطول " .
موضوع واحد ألح علي وأنا أسير بصحبة الفنانين أحمد وحسام وهو كتابة ذكرياتهما عن المسرح في القدس وتجربتهما فيه . حقا لماذا لم يكتبا مذكراتهما عن تجربتهما الغنية حيث قدما مئات العروض المسرحية ؟
#######
عندما اقتربنا من معبر قلنديا لاحظنا قواعد اسمنتية تنشأ فشرح لنا أحد الركاب السبب :
- إنها لإقامة نفق يمر منه الإسرائيليون ، ليكون لهم طرقهم الخاصة ، فلا يروننا . إنهم لا يحبون رؤيتنا أو الاختلاط بنا .
ولا حاجة للسؤال ، قياسا على ما سأله محمود درويش : أيهما أجمل : البيت أم الطريق إلى البيت ؟
فالقدس ، بلا تردد ، أجمل مليون مرة من الطريق إلى القدس .

الخميس والجمعة
١ و ٢ / ٦ /
نشر المقال يوم الثلاثاء في جريدة الأيام الفلسطينية ١٣ / ٦ / ٢٠٢٣

١٧
غزة ( ٢٣٩ ) :
الموت ، مثل الخيول الأصيلة حين تهان ، وجعا وقهرا

أرسل إلي صديق ما كتبه المراسل التلفزيوني ابن غزة يوسف فارس عن الموت ، هناك ، فقعا وقهرا وطقا ووجعا .
أتى الكاتب على موت الخيول الأصيلة التي أهينت في الحرب ؛ الخيول التي كان أصحابها ، قبل الحرب ، يهتمون بها ويحترمونها ويقدرونها ثم سرقت من اسطبلاتها في شمال قطاع غزة وصار من لا يقدر قيمتها ولا يجيد سوسها يستخدمها للنقل ف " فقعت " و " طقت " وماتت قهرا .
وأتى بعد ذلك على ظاهرة لافتة انتشرت بين النازحين من ساكني الخيام وهي الموت المفاجيء لعديدين منهم دون أن يكونوا مصابين بأمراض مزمنة أو عضوية . فجأة تسمع عن موتهم . يموتون قهرا وكمدا وحزنا . لقد كانوا منعمين ثم فجأة صاروا لاجئين يبحثون عن طعام . لم يستسيغوا ما آلوا إليه فطقوا . فقعوا وماتوا غما .
عندما قرأت الكتابة تذكرت قصيدة محمود درويش " لا أعرف الشخص الغريب " من ديوان " كزهر اللوز أو أبعد " ، وتحديدا العبارة :
" فإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة " .
ووجدتني أكرر العبارة كدورة أسطوانة .
" فإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة " .
أوجعتهم ظروفهم الجديدة التي لم يألفوها ، فطقوا ، مثل الخيول الأصيلة ، وماتوا .
ويبدو أن قسما منا ، أمام عجزنا وقلة حيلتنا ، سيموت قهرا أيضا .
١ / ٦ / ٢٠٢٤

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...