صراع الأضداد فى رواية (الشتات) للروائي مجدي جعفر



تنهض رواية الشتات على إبراز أنماط متعددة من ألوان الصراع الدرامى؛ ويمكننا القول بأن الرواية فى بنيتها المركزية قائمة على صراع (الأضداد)،

يشتبك الكاتب مع هذه الأضداد فنياً على مستوى أحداث الرواية، فتتحرك الشخصيات بالتوازى مع حركة التاريخ الذى يغطى السطح الخارجى، أو القشرة الخارجية للرواية وتتشكل الأضداد فىى:

  • (المستعمر ضد أبناء البلد)،
(النبلاء/ الاقطاعيون ضد الفقراء/ الفلاحين البسطاء)،

كما نرى (المسجد مقابل الكنيسة)، لذلك من الضروري أن تتوسطهما (المدرسة) كرمز للعلم والنور كى يفصل بين الجهلاء والمتعلمين؛ نستبين من هنا ضرورة سعي بعض الشخصيات المستنيرة مثل مدحت بك، وكيف تحاول إعادة تشكيل الوعى الجمعى وتبصيره بأهمية شعوره بمعانٍ سامية ومقدسة مثل: [المواطنة] ليتمكن المجتمع من مواجهة الاحتقان و التعصب والطائفية، ويتراجع الجهل والظلام وعالم الخرافة والتأخر الحضاري للوراء، أمام انتشار شعلة النور/ العلم متمثلا فى دلالة بناء مدرسة لأبناء قرية العايق كرمز لتدشين بدايات التقدم والتحضر.

تبقى فكرة تفعيل تقنية عالم الأضداد التى من شأنها إبراز العنف الذى صار ضاربا فى شجرة المجتمع حتى طالها العطب، من خلال إعادة اكتشاف مواطن الخلل، وتعرية التعصب، وكشف المسكوت عنه بالتنقيب فى زوايا التاريخ؛ يسعى الكاتب منذ بداية مشروعه الروائى الطموح الذى ابتدأه برواية .. ( على شفا حفرة ) ثم ثنَّاها بروايته الثانية: (الشتات)(1)، ومن خلال هذه الروايات المتصلة فى موضوعاتها (ديالكتيك حركة التاريخ مع المجتمع) والمنفصلة من حيث إلقاء كل رواية بقعة من الضوء تخصها وحدها، مفترشة حقبة زمنية من التاريخ، تكون قادرة على النهوض وحدها كأثر أدبي وفني ناضج مكتمل الأركان .. رواية الشتات تتمتع بكافة إمكانيات نهوضها بمفردها كمعادل موضوعى لواقع تاريخى، يتجسد للقارئ من خلال الشخصيات التى تستكمل بتفاعلها وتجاورها وحوارياتها بناء عالم ناضج يتميز بخصوصية وجوده، مضيفاً لمشروعه المطروح ـ من قبل ـ مانحاً ـ القراء ـ رؤية موازية لواقع اجتماعى وتاريخى سابق ـ زمنيا ـ لكنه أيضا غير منبت الصلة عما يجرى الآن ؛ بل يرمى برموزه ودواله فى خضم واقع معاصر ما زلنا نلاحظ انتشار بقاياه متجسدة مثل ترسبات جيرية على أرض الأحداث، فنعيش الصراعات بمرارة، ونرفض قطعية الآراء، وسلبية الخنوع والاستباحة، وكأن التاريخ يعيد نفسه.

( 1 )

ليست الأحداث وحدها هى المنوط بها نقل الرواية من بؤرة لأخرى، أو من وقائع تاريخية لغيرها، بل أحيانا البعد النفسى والاجتماعى لمكنون الشخصيات، يشكل مع حركة السرد إطارا للفصول والمشاهد كى تقرأ زوايا كانت خفية من قبل، يستبينها القارئ بجلاء: مثل اجترار عبده العايق أمام ابن عمه الشاب اليافع (باسل) تاريخ الأسرة العريق فى الكفاح ضد المستعمر الانجليزى، ومساندتهم للثورة العرابية وثم تعرضهم للعسف .. تلك الأحاديث التى من شأنها بث روح المقاومة بأعماق الفتى و إرساء معايير وقيم وطنية نبيلة، و طموحات عظيمة، تعلن تحققها بسعيها نحو السلطة "يحدونى الأمل فى باسل أتمنى أن يدرس الحقوق، مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول؛ وراح يدعو الله أن يهدى له باسل، ويحقق حلمه وحلم العائلة" .. تلك الأحلام التى تهاوت بعد هزيمة عرابى فى التل الكبير، ومن ثم عانت عائلة آل العايق من حالة الشتات والعداء من قبل الخديوى، عندما نزع منهم أراضيهم، حتى أنه لم يتبق سوى أقل القليل منها، ولولا زواج أبناء عمه من بنات خالهم (خورشيد باشا) ومن ثم ضم الـألف فدان (أرض الباشا) إلى أراضيهم بعد رحيله، ما تمكنوا من النهوض كإقطاعيين وطنيين.

كانت عائلة (العايق) تتقاسم خير الأرض مع الفلاحين، وهذا يمثل طرحا مغايراً للسائد الأشمل، فهل ثمة امكانية تعايش كافة أطياف الشعب وطبقاته تحت أى نظام سواء كان رأسماليا/ إقطاعيا .. أو شيوعيا إشتراكيا.. بشرط تحقق العدالة فى التوزيع، وعدم جور أو تسلط طبقة على أخرى طالما ينظم القانون العلاقات بين الجميع.. أسئلة تجوس فى عقول بعض الشخصيات المستنيرة فى الرواية.

تناقش الرواية هذه النظم الاقتصادية من جوانبها النظرية، كما نرى كيف تكونت خلايا الشيوعية، ثم كيف تم حلها لتعمل كخلايا سرية، تسعى لتوعية الفلاحين البسطاء الذين يعسف بهم الاقطاع والسلطة، ويذيقونهم المرار، يسعى أبو حديدة إلى نشر الفكر لتوعيتهم واستمالتهم كى يثوروا على أوضاعهم المهينة.

وما ذكر حادثة دنشواى وغيرها من الحوادث التى جسدت ألوان سحق الفلاحين إذا فكروا فى الاقتران ـ بالزواج ـ من أسيادهم الاقطاعيين.

(عبده بك العايق) وعائلته نموذج للرأسمالية الوطنية، التى ساهمت فى إجلاء الاستعمار، بتدمير معسكراته و(كمباته) وقامت بالاستيلاء على أسلحته، وضمتها لبقايا سلاح جيش عرابى بعد معركة التل الكبير، ويبرز دور عبده بك العايق الوطنى فى الكفاح المسلح ضد الانجليز، واستكمالا لهذه المسيرة يروي لباسل تاريخ الأسرة الوطنى المضئ ويختلف أيضا مع فكرة الكفاح السلمى الذى كان يقوم به الزعيم مصطفى كامل، معلناً أن جلاء المستعمر لن يتحقق إلا بالقوة وأن الكفاح المسلح هو الحل المناسب للاحتلال، يكشف لابن عمه (وللقارئ طبعا) مشاركته ضمن تشكيلات سرية لمقاومة الاحتلال البريطاني لمصر.

الرواية تستعرض تاريخ وشتات الواقع المصرى بعد خروج عرابي من المشهد، ثم ترحيله خارج البلاد، كى يستمر عبده العايق وأمثاله من أبناء الوطن الشجعان فى مقاومة المستعمر.

هذه الوقائع غير بعيدة عما حدث بعد ذلك فى حرب الاستنزاف، رغم من أن الرواية لم تتجاوز بعد الفترة الزمنية منذ عرابى، مرورا بدور مصطفى كامل، ثم سعد زغلول، ومحمد فريد، مستعرضا رموز المقاومة وثورات الشعب التى لم تتوقف كلما تم القبض على سعد زغلول ونفيه أأأ



الأحداث التاريخية بتشابكها وتعالقها مع الشخيصات تكشف لنا، كيف تم صناعة الحقبة التاريخية من خلال وجوه ورموز شخصيات الرواية الفاعلة.

لنطالع العناصر المهيمنة فى بنية الرواية، ونتوقف أمام طرفى الصراع:

الأول :الوطنيون فى مواجهة الاستعمار وأحلافه.

والطرف الثاني هو : الصراع الطبقى.

يكشف الصراع الطبقى للقارئ نماذج حية من الشخصيات؛ نستبين من خلال رحلتها، ومدى تسلط النظام الطبقى عليها، مع فساد الاقطاعيين بشكل كبير، و الأجانب منهم بشكل خاص ومدى عسفهم بالفلاحين "الغلابة" المعدمين، بل واحتقارهم، وتعذيبهم، كالعبيد.. لتحضر إلى ذاكرة (نوال) عبارة الزعيم عرابي الشهيرة " لقد خلقنا الله أحرارا، ولم يخلقنا تراثا أو عقارا......"

تدور أحداث الرواية فى المجتمع الزراعي الذى يتملك أغلبيته إقطاعيون أتراك، حيث تبرز الأسوار العالية التى يأولها الكاتب منذ البداية، أنها دليل على ترفع وإبتعاد هؤلاء الملاك ـ وتحصنهم فى السريات الفخمة ـ عن الفلاحين.

ماذا عن الفلاحين غير أنهم يعملون خدما فى تلك السرايات، أو مزارعين لا حق لهم فى غير (اللقمة، والهدمة)؟؟. أما (عبده العايق) الذى يمثل نموذج من الاقطاعيين الوطنيين، فيستعرض الأسوار، ويتساءل عن سر ارتفاعها مع تقدم الزمن، وإبتعادها عن الفلاحين، هذا الابتعاد الذى صنع فجوة يصعب التغلب عليها؛ ولا ينسى أن يذكر دورهم خلال فترة الحرب العالمية الأولى، وكيف تعاملوا مع موجة الفقر والجوع، والبلطجة التى انتشرت فى البلاد؛ وكيف أنهم تعاملوا مع الأزمة بعقلية اقتصادية واعية، فقد قاموا بتوفير متطلبات الحياة الضرورية من طعام وملبس للفلاحين، وحماية أراضهيم الواسعة، من هجمات البلطجية الذين تراجعوا لما تأكدوا بأنفسهم تحسن أحوال الفلاحين، ولمسوا عدالة عائلة (العايق)، وقربهم من المزراعين، وخشية أيضا من قوة العائلة، لذلك لم يقتربوا منهم؛ بل كانوا يوجهون ثورتهم فى وجه الاقطاعيين الظالمين ويفرضون عليهم الاتاوات.

فى هذه الأجواء نمت قصة حب مشعة بالانسانية والاخلاص، جمعت بين (نوال ابنة عبده الزينى ـــــ الفلاح البسيط، وأحد خدم سراية الباشا التركى) و عصمت بيه ابن الباشا؛ ولأن المنظور الطبقي كان متحكما فى العلاقات الاجتماعية بسطوة نافذة لا تلين، ولا توافق على هذا الاقتران، وثمة أمثلة سابقة مذكورة فى سجل عائلة صفوت باشا، وكيف حارب أخاه (إلهامى بك) وفرقه عن حبيبته الفلاحة ونكل بها وبأهلها، فانزوى .. (لاحظوا طاقة الشاعرية المنبعثة من الاسم، وما يحتويه من طاقة تشى بنظرة متفائلة نحو المسقبل) .. يموت (إلهامي) العاشق محزونا حتى الموت؛ وكذلك تدور الدوائر على ابن أخيه (عصمت بيه، ونوال) .. نوال الكاتبة الصحفية المثقفة التى نجحت فى المجتمع الغربي، بعدما هرب العاشقان إلى فرنسا ـ منبع الثقافة والحرية آنذاك ـ. وعبر منولوجات ممتعة ومؤثرة ـ من منظور نوال، يوضح الكاتب الهوة العميقة بين واقعين (الفرنسي/ والمصرى .... المستعمر/ والمحتل)؛ يسرد الكاتب ما أحدثته الثورة الفرنسية فى ناس فرنسا بعد نجاحها؛ وما حاق بالمصريين بعد هزيمة عرابى.

ربما ينجح الحبيبان/ الزوجان فى فرنسا، دون دعم من أحد، يصبح عصمت بيه دارسا ثم محترفا للفن التشكيلي ، وتصبح نوال صحفية ومثقفة واعية وناجحة فى المجتمع الغربي.

نماذج الشخصيات الفاعلة فى الرواية معبرة عن تلك الحقب التاريخية، برؤية عميقة للمكونات الاجتماعية، والمناظير السلفية التى تجذب المجتمع المصرى للوراء، حيث التخلف، والاستعباد، تلبية لمصالح وأهداف المحتل؛ يرصد الكاتب هذه الفجوة الحضارية التى تدين المستعمر الذى مارس أنواعاً شتى من البلطجة مع أهل البلاد التى سقطت تحت الاحتلال.

يتم التدشين من جانب الكاتب لنمطين من الشخصيات يعبران عن شريحتين يغطيهما السرد فى رواية الشتات، مصرى/ مستعبد، وجيش غربي محتل وغاصب.. ولا يقل الاقطاعيون صلفا وعسفا عن الانجليز.

شريحة المجمتع المصرى التى تتحرك فى ركاب التاريخ المتحكم بقبضته، والمصرى المقاوم بكل جسارة، بالسلاح ـ فى الخفاء ـ وبالطرق السلمية أمام العالم.

يزاوج الكاتب بمهارة كبيرة بين حيوية وتفاصيل ووجع الشخصيات وبين بصمات التاريخ وصناعته لهذه النماذج داخل بنية السرد، كلاهما وجهان لعملة واحدة، كلاهما لحاء شجرة المجتمع وغطاؤها.

بمقدار تقدم فرنسا، تتراجع أوضاع المجتمع المصرى، بل تتراجع بنسب متشابهة كل الشعوب الواقعة تحت عسف المحتل.

سر انتكاسة الشعب المصرى، خسارته لثورته، ونفى عرابي؛ بينما نجاح الحياة فى المجتمع الفرنسي يرجع لتحقق إرادة الشعب، تلك الدول الأوربية الكبرى فى القرن التاسع عشر ـ ما قبل وما بعد ذلك ـ وحتى بعد منتصف القرن العشرين، تصدر لدول العالم الثالث ميراثاً يجمع كل درجات الفساد فى صورة إستعمار أنهك البلاد والعباد، وامتص خيرات البلاد التى قام باستعمارها، ومن ثم حولها إلى مزرعة تخدم أغراضه العسكرية، ودفع بأبنائها لأتون الحروب العالمية والموت دون رحمة، أو تدبير.



( 2 )

ومن أشكال المقاومة، ما سرده عبده بك العايق، من حكايات عائلية لابن عمه الشاب (باسل) الذى أنزله منزلة الابن، فالتاريخ وتناقل الأخبار، وبناء وعي الفتيان والأولاد، فى كل المجتمعات، يكون حافزا كبيرا لاستلام الأدوار، ربما تتبدل الأشخاص، وترحل مع الزمن، وما تسقط المبادئ والحقوق، فالمجد للشعوب التى قاومت حتى تخلصت ممن استعبدوها.

لذلك لم تتوقف منولوجات العايق عن حياته وأزمته الخاصة مع حبيبته التى كان يرى فيها وطنه، وملاذه بعدما شاهد ما فعله فيها العساكر الانجليز من انتهاك، عانت الراقصة العاشقة للعايق صراعا ذاتيا منبعه العشق، والرغبة فى البوح بمكيدة معلمتها المتعاونة مع رواد ملهاها الليلي، وسقطوها ـ على الرغم من إرادتها للانتهاك الجسدى، على المستوى الرمزى والدلالى هذه الحكاية عن العاشقة الراقصة ومعلمتها العاشقة صاحبة مكيدة الحبوب المخدرة التى هيجت غرائزها ودفعت بها إلى السقوط فى أحضان المستعمر ، هى أقرب دلاليا للون واحد من شتى ألوان عسف المستعمر/ الانجليزى.

أغرقوا مصر فى البداية بالديون، ثم قاموا بغزوها واستعمارها. فى حكاية الرقصة العشيقة مع عبده العايق كافة ألوان العلاقات الرمزية والانسانية، حيث نلاحظ تحول شخصية عبده العايق قبيل نهاية الرواية نحو حبيبته العاشقة؛ بعد سماعه لسر المكيدة على لسان خادمته العجوز، سجانة الحبيبة الخائنة حسب المشهد الذى رآه بعينيه، ضمن تفاصيل المكيدة المحبوكة من صاحبة الملهى وعسكر الانجليز .

والمشهد المركزى الذى حول حياة العايق إلى نيران مشتعلة كان رؤيته لحبيبته فى أحضان العسكر الانجليز عارية، وهم يتقاذونها فيما بينهم. بناء سردى رمزى ودال.

هذا ما دفع به لينتقم من العساكر باختطافهم وحبسهم فى مكان تحت الأرض، مات منهم ـ مع مرور الزمن ـ من مات وكلما ضغطت عليه مواجعه، يطلب من خادمه أن يأتى بالعسكر من الحبس، ليوقع فيهم الضرب، هل كان يعاقبهم على فعلوه بحبيبته، أم بوطنه الواقع تحت أقدام المحتل.

التكوين النفسى لشخصية عبده العايق، متسق تماما مع قناعاته ومع ما عاشه من آلام وانكسارات، نتيجة انتهاك أرضه، و وطنه، وانتهاك حبيبته ، يصفح عنها بعد معرفته بالحقيقة، ولكن الحبكة الروائية الجيدة تمنع لقاءه بها، عندما يذهب إليها فى محبسها، يجدها قد فارقت الحياة، فيعاف الحياة وينعزل مقيما بجوار قبرها الذى أقامه فى السراية، نفس مكان حبسها.

بسبب غيرة المعلمة العاشقة ـ أيضا ـ لعبده بك العايق ونجاح مكيدتها الجهنمية، تسقط أيضا البلاد بنفس الخطط الاستعمارية، وبنفس الخيانة التى أسقطت عرابي ورفاقه أمام المستعمر، سقطت البلاد تحت انتهاكات موجعة فى أعماق شخصيات الرواية.

لذلك فإن تأييد (عبده بك العايق) فى استخدام السلاح ضد المستعمر لاجباره على الخروج، مقبول ومبرر تماما، بل يمثل قطاعا كبير وصاحب دور كبير فى جلاء المحتل.

إستعراض الكاتب لرؤيتين مصاحبتين للزعيمين (عرابي والمقاومة بالسلاح، وقيام سعد زغلول بالمقاومة السلمية، ومناشدة المحتل فى بلاده، بلاد الغرب الاستعماري للضغط عليه) وكلا الرؤيتين كانتا تعملان متجاورتين حتى يتم الجلاء.

الأول عرابي العسكرى حارب .

والثانى (المحامي) طاف الغرب الأوربي يطالب بحقوق مصر فى التحرر بشكل سلمي، الحوار الذى دار بين عبده بك العايق وابن عمه (مدحت) حول هاتين الرؤيتين (الأداء السلمى أو المقاومة بالسلاح) حرك السرد نحو استلهام الوعي الشعبي وقياس حجم نموه،كأنهما كانا يتجادلان مع التاريخ، ومع حاضرهم، وقتها وفى كل الأوقات.

  • غيًّب الكاتب ـ متعمداً ـ شخصية (عصمت بك الفنان التشكيلى) عن الحضور فى الخطاب السردى ، وترك المساحة لنوال؛ هذا الموقف يوضح رؤية الكاتب وانحيازه للمظلومين، المعدمين، مع غالبية أبناء الشعب؛ وكونه يجعل (عصمت) مسروداً عنه من خلال رؤية زوجته وحبيبته، ـ رغم نقاء شخصيته كفنان ـ ورغم موقفه من الاقطاع ومن والده، ورغم تركه لمصر وهروبه إلى فرنسا ـ برفقة نوال ـ لم يشفع له فى الحضور ولو فى مقطع، أو فقرة.. هذا الموقف من الكاتب يعكس حجم العزلة الموجهة (المتعمدة) من جانب الاقطاعين تجاه الفلاحين، كى تتحول طبقة الاقطاع إلى عتامة الغياب، بسبب تصلب موقفهم، واحتقارهم للمزارعين الريفيين البسطاء. وبسبب الخدع والحيل التى تؤكد عسفهم وظلمهم للفلاحين،
  • عندما يستدعى صفوت باشا زوجة ابنه (نوال) بحيلة ماكرة عن طريق خطاب موقع من والدها بتعرضه للتعذيب السحل والصلب على جذوع النخيل من جانب الباشا.. ونجاح الباشا فى تدبيره، كنجاح صاحبة الملهى فى تلك المكائد التى توقع بحبيبة عبده العايق،، وتوقع بنوال، بين براثن عصمت باشا الذى يدَّعى قيام ولده بتطليقها.. كل ما سبق يعمق الصراع الشعبي/ الوطنى، والصراع الطبقي أيضا، ويتركه مفتوحا على القادم من أحداث للشخصيات،ومن حقب تاريخية؛ يترك الباب مواربا لاستمرار الصراع، وليمد الكاتب حبال وخيوط الأحداث ويربط مصائر الشخصيات بالتاريخ فى الأجزاء القادمة.


( 3 )

  • ثمة شخصيات ماكرة ومفسدة تمثل قوى الظلام والشر، والرجعية مثل (الشيخ سعدون) وابنة زوجته (بنت الفقرية) التى تعمل بالسحر والدجل هى و(أبى رقبة) زوجها الذى يربط العرسان ويفرق بالسحر بين المرء وزوجه مقابل المال.. والفتن التى يدبرها الشيخ سعدون ضد أقباط القرية بسبب شرهته للمال والتجارة؛ لينتهى به الأمر أنه يجلب قاتلاً مأجوراً، يتمكن من قتل مدحت بك صاحب المشروع التنويرى إقامة مدرسة ومسجد وكنيسة
  • عبده الزينى والد نوال مثال النقاء والطيبة الريفية، يمثل باستكانته وطيبته الفطرية أمل الفلاحين فى صلاح حال صفوت باشا وقبوله بزواج ابنه من ابنته نوال، أما والدة نوال فهى شخصية نمطية مثل زوجها تؤمن بالمعتقدات الشعبية فى السحر، وأفعال الجن، أفق وعيها منسجم مع بساطة الفلاحين واستكانتهم، وقبولهم بأوضاعهم وكأنهم قدرهم الذى لا فكاك منه
  • شخصية أم الفقرية تحمل قدرا كبيرا من الانسانية، وهى وجه آخر من الوجوه الأنثوية التى انتهك المجتمع أحلامها و أنوثتها فعاشت راضية بالزواج من الشيخ سعدون العاجز جنسيا، راضية بظل الرجل والحجرة الصغيرة فى مدينة يعبث بها الانجليز، وينتهكون نساءها وخيراتها.. الجميل والمبدع من الكاتب صحوة أحلامها، وأنوثتها على مداعبات عمال البناء فى المدرسة، بعدما نفذت خطة زوجها بعمل نصبة شاى وإعداد (الجوزة) والدخان للعمال، عاودتها الحياة والرغبة، بعدما أضحت (جدة) فى الخمسين.
  • ثمة شخصيات نمطية حكمتها ظروفها القدرية، مثل خورشيد باشا المريض بالمرض اللعين ـ حسب تعبير الكاتب يقوم بتزويج أبناء أخته الذين تكفل بهم، ببناته الثلاث، ويفرغ نفسه للعبادة ويموت أثناء الحج. وعلى النقيض، نرى إبراهيم باشا العايق، شخصية شريرة ذات قلب متحجر، يجلد الفلاحين، وينقل خبر الخطاب الذى وصل من نوال لوالدها عبده الزينى اللاجئ لقريته خوفا من صفوت باشا.. لكن تدور الدائرة وتنتقم الأقدار من ابراهيم باشا فيموت مقتولا على أيدي زوجته وعيشقها العبد الأسود.. فهل هذا الانتقام الذى أوقعه به الكاتب يحمل دلالة ما؟!!، لتؤكد منظوره ورؤيته من خلال هذه الشخصيات.. بالطبع إن الرواية بأحداثها وشخصياتها، تجسد الرؤية الكلية للكاتب. ولكن ما حاولت أن أذهب إليه أنه ثمة تفاصيل ربما تبدو صغيرة أو عابرة، ولكن يمكن عن طريقها أن يتوصل الناقد للمحمولات الدلالية فى النص.
  • ولم يترك الكاتب شخصية فى الرواية دون أن يرسم حدودها، وملامحها، حتى الطفل الصغير ثمرة زواج (نوال وعصمت). يمنحه صفات الذكاء ومحبة الحياة الريفية، وعشقه لمصر من أحاديث والديه عنها فى الغربة.

  • الجنس فى الرواية كان حاضراً، مؤثرا فى ضبط المعادل الموضوعي لانتهاكات المحتل وعدم إنسانيته، وكشفا لازداوجية ما يدعو إليه من حقوق الانسان، وبين ما يرتبكه من جرائم فى حق البلاد التى احتلها، كل ما سبق يتجسد فى مصائر الشخصيات وتحولات حكاياتهم كمعادل رمزي للواقع والتاريخ.

  • ومن ثم فالعساكر الانجليز، ينالون عقابهم بالحبس والتعذيب حد الموت، على يديَّ عبده العايق يكون منصفا ووطنيا أيضا.
  • أما استخدام الجنس فى شبق وتفتح البنت/ الصبية فقرية فهو رمز للحياة وللحب وينتهى بزواجها من أبو رقبة .. على النقيض يكون وبالا على أمها لأنها حملت بابنتها فقرية، (نلاحظ ارتباط الاسم بمصير الأم حياتيا، وأيضا بفقرها وحرمانها الجنسي لما اقترنت بالزواج من الشيخ سعدون الفاقد لذكورته فى طفولته.. فلقاؤهما هو لقاء تائه وضائع بتائهة منتكهة وضائعة.
  • ولم يقبل أهل عزبة العايق إدعاء أم فقرية وهى شابة بحملها من (الجنى)، فكتبت العزبة عليها الفرار والضياع .. الجنس يعود مرة أخرى فى حياة (أم الفقرية) لما يداعب العمال أنوثتها .. فتعيش أحلاما حلوة، تظنها كوابيس، بينما ما يحدث هو تعويض لحرمانها الطويل، منذ ارتباطها بالشيخ سعدون.
  • ويظل الجنس هاجسا ومحركا لشخصية (أم الفقرية) بالرغم من أنها وصلت سن الخمسين،

  • إعتمدت الرواية على التنويع بين الأسلوب الدرامي الذى يهتم بتطوير الحبكة، من خلال الشخصيات المشتعلة بدراما الحدث الخارجي، وافتقادها لحيثيات العيش بشكل إنساني، فانتشر فى الرواية القتل والاغتصاب والمكائد، والخيانات، كان الأسلوب الدرامي فى السرد، معبراً عن الايقاع السردي بالاضافة للاستعانة بالأسلوب الغنائى فى سرد المنولوجات المشحونة بالشجن الانساني، تلبية لحالات التنفيس عما ألم بهذه الشخصيات المتعبة فى زمن عمه الضياع وصار الشتات أهم ملامحه ودلالاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش

1 ـ مجدى محمود جعفر ـ رواية الشتات ـ نادي القصة ـ سلسلة الكتاب الفضى ـ الطبعة الأولى 2023





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...